|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
"الحق هو أن ترى أن
الآخرين لهم فيك حق.."
|
|
مرآة الدّار |
التل 24/3/1999
داري جميلة جمال الدنيا من أقصاها إلى أقصاها.. حديقتها كالغابات وبركتها كالمحيطات وحيطانها كالقلاع، ومحبتها لا تُشترى ولا تباع. لها أنغامها وزوارها من طيور الفراديس، ولها، وأنا في حضنها، رجفاتها العاشقة.
سقفها سماء من الخشب المرسوم، وجدرانها سماسم فنية متداخلة. تحت تلك السماء وبين أجنحة الجدران تقوم خلايا ضخمة من منتجات الأيدي الماهرة التي رحلت وتركت خلفها تلك الأعمال الجميلة الخالدة. أتجول بين خلاياها، أعشقها وأهواها، ساعة جدارية تعد الزمن، ومزهرية منمنة تحتضن التاريخ، وسرير تجاوز عتبات الملوك واحتضن الملكات المصنوعات من اللبن الدافئ، وسجاد يحكي أصابع العذارى، ويلامس نهايات القاعات.
أتجول بين الخلايا، وأمامي لوحة لجدتي مؤطرة ممتدة لصق الجدار، تبتسم وتشقى وتمتد يدها ساعات إلى قلبي تعتصره برفق.. تبكي بعد كل مرة فأرى بعض الماء يرطب زاوية الجدار تحت إطار اللوحة.
أتابع التجوال بين الخلايا وأنا سعيد سعادة عصفور نال حَباً أو،ربما، سعادة هر نال فأراً.
ألقى في القاعات كل النسمات والآهات، وكل الزقزقات تطير على حفيف وكل النوافذ تحميها تقاطعات قضبان الحديد. ألقى، وحيداً، كل جذور التاريخ تخترق عمدان الدار وتبث فيها الحُب الحار، بأضلاع أنثى في رحمها جنين واحد.
أتابع التجوال فأرى أمامي عملقةً للفن والماضي تتجسد في صندوق من الخشب تعلوه مرآة هائلة تزينها رسومات من الصدف والفضة والذهب.. وكأنها قمر غير الأقمار، فهي الخلية الأحلى في الدار، ولوجاء الليل فوجهها وجه النهار.. الصندوق برائحة الزمن، والمرآة بقوة المشاعر لا يبكيان كلوحة جدتي، بل يهمسان ويعكسان ويكرهان ويعشقان.. آهة من صندوق الزمن، وانعكاس مشوه من صفحة المرآة..
وأنا تأخذني الدهشة!..
روعة داري، كابنة تحكي من خلالها الجدود، ليس كمثلها روعة، أنفاسها ليس كمثلها أنفاس، وطرقات إزميل مئات السنين ممتزجاً بحنين الخشب ليس كمثله حنين.. ابتسامة هلت في لحظة العذاب والانتصار الأخير ليس كمثلها ابتسامة وهي تُخلِّدُ نفسها على شفاه جدتي..
والمرآة!.. المرآة التي حفظت وجوه الراحلين والقادمين، وكتبت ضمن ذرات الضوء فيها قصص الخبث والعبث، وكذلك قصص الحب والشحوب، مثلها مثل قصص الابتسام والخيانة.. تلك المرآة نظرت في وجهي.
المرآة بكل الحكايا التي فيها نظرتْ في وجهي، فنظرتُ في وجهها. رأيت المرآة منكمشة في بعض نقاطها، ورأيت وجهي من خلالها مشوهاً، وكأن كل شيء ليس في مكانه.. انتقلت عيناي وفتحتا أنفي وتماوجت شفتاي وغَلُطَ حاجباي وجبهتي فبدوت مُستعاراً من عوالم أخرى.
خشيت التدقيق في الثنايا وقلت في نفسي إن المرآة القديمة انحرفت عن أصولها فتماوج الزجاج فيها وأكل الزمن بعض طلاء الفضة في ظهرها.
لكن الأمر لم يكن بالبساطة التي أقنعت نفس بها.. وجهي كان على غير هدى، لكن منظر الزهرية، ابنة التاريخ والزمن، لم يكن مشوهاً.. منظر الجدران.. منظر السرير.. منظر النوافذ.. منظر السجاد.. لم يكن هناك شيء يبدو مشوهاً في المرآة..
إلا وجهي..!..
* * *
دخلتِ الدار إلى ساح مشاعري.. دخلتْ بإيقاعاتها وصنوفها ورسومها. دخلتْ بخلاياها وموسيقاها وطبقات تواريخها وأنفاس الراحلين عنها.. دخلتْ كلها فجعلت مني إنساناً يجمع البشرية، يضحك لها ويبكي منها، ويتفاعل مع جزئيات النور والظلام والماء الزلال والعفن البالي.. دخلت الدارُ إلى دمي، فأصبحتُ، كما أنا ضمن الدار، أحملْ الدار ضمني..
إلا تلك المرآة..
المرآة التي اتسعت وتباعدت حوافها، حتى شملتني والدارَ معاً، فأحسست أنني سجين!..
* * *
أصبحتُ نزقاً أنسى الدار، وأذكر المرآة، فأبحث لها عن حوار، أي اللغات تفهمها؟!.. أية إشارات وابتسامات تستجيب لها؟.. أية نغمات تطرب لها وترقص؟!..
أصبحت حائراً كحيوان في متاهات عطشى يجري بلا نهاية وأمامه سدود وحدود بلا أبناءَ ولا جدود..
أصبحتُ سؤالاً وحجراً .. أقذف بالسؤال فلا تحيد عن موقفها، وأقذف بالحجر فيرتد ارتداده عن صخر..
أصبحت إزميلاً واقتربت من المرآة أنبش في حوافها وسطوحها وأتوسل إليها أن تطيعني في مد قامتها وسطحها الثقيل كي تعطيني الصورة التي أريدها كما هي الحقيقة!..
صرختُ حتى عمق أعماقي.. ظننت أنني صرخت حتى عمق أجدادي وحتى يد الصانع الغابر الذي صنع، وحتى نيران الأرض.
- أعطني الحقيقة.. أعطني صورتي الحقيقية.. انظري إليَّ كما يراني الناس!.. ركلت المرآة بقدمي اليمنى، ثم اليسرى، أمسكت زاويتها بيدي وهززتها بكل عنف..
- قولي الحقيقة يامرآة جدتي.. أريد رسم وجهي الحقيقي..!..
سمعت صوتاً قادماً من قاع الأرض ومجرات السماء، يهز الدار بكل مافيها ويؤرجح المرآة، ملامحه ملامح صوت أم تحب وتنكر، تخبو وتزمجر:
- ولكنك لم تر مني سوى رسم وجهك الحقيقي..!..
* * *
كان عليّ أن أخرج من داري وأذهب إلى صديق قديم في قريتي المنسية، هو القاضي ذي اللسان الأخرس.
كنتُ أجري نحوه وأنا أتعثر بكلماتي، وصلت بيته منقطع الأنفاس فوجدته وحيداً يجلس على دكة ترابية، لون شعره أبيض ولون لحيته أسود وأمامه إبريق يصب منه بعض الماء على يده المعروقة ويمسح بها شفتيه يرطبهما..
كان في حالة من الضعف الشديد دعتني للتراجع والعودة، لكنه أشار لي أن أجلس إلى جواره. كانت إشارته تدل على أنه كان بانتظاري.
هدّأتُ نفسي ومسحت العرق البارد من على جبيني وجلست إلى جواره.
كنت أفكر في المرآة والقاضي..
كنت أبحث عن سؤال كي أبحث عن جوابه.. ماذا أسأل القاضي؟!..
وهل ينطق الحق والماضي على شفتَيْ قاضٍ مثل هذا القاضي؟!..
عندما رآني غرقت في البحث عن الكلمات، وجدته يمسك يدي بيده ويضع الأخرى على كتفي.. يهزني، وتتحرك شفتاه، ثم يقول:
- " لساني أخرس لكن عليه كلمات أخيرة يجب أن تُقال.. إن كانت مرآتك قد أفهمتك بعض الحقيقة، فأنا سأضيف لك بعضها الآخر، وأنت عليك أن تفهم الباقي..
خذ أخاك وأختك، خذ عمك وعمتك.. خذ جارك وصديقك، خذ قريبك وبعيدك.. خذ عروسك وقريباتها.. خذ كل الذين تركتهم في الحواري والأزقة.. خذ الطيور والكلاب والقطط.. خذ العصافير.. خذهم جميعاً.. وقِفْ أمام المرآة.."
رأيت عينيه تذبلان.. ويديه ترتخيان.. يستند إلى دكة التراب ثم يميل مستلقياً بلا قوة.. تتحول لحيته السوداء إلى ثلج وهو يُسمعُني في نفسه الأخير:
- "أنا راحل، فقد أديت رسالتي الأخيرة..".
* * *
رحت أركض في شوارع البلدة الأطلال منادياً:
- هلموا.. تعالوا معي..
لم يستجيبوا بسهولة، فقد كان على الوجوه مسحات من الشك والحزن وعفرات من طين الأرض.. كانت الوجوه صفراء والبطون خاوية والعيون مقرحة والأفواه بلا أسنان..
خرجوا نم بين الجحور ومن تحت الحجارة وتهامسوا وهمهموا وحاولوا الانتصاب..
انفرط قلبي قطعتين وتدحرج إلى ساقيَّ في هلع.. تماسكت وأمسكته واملتُ منه أن يخفق بهدوء.
بكيتُ وما استحيت!..
بكيت حتى تفجر نبعٌ في وجهي.. وعندما رأوني باكياً ازداد نشاطهم فامتدت أيديهم الخائفة نحوي تحاول أن تلمسني.. أصابتني رعدة مسيطرة فلعنت القاضي العجوز في سري وتساءلت عن جدوى ما أشار عليّ به.. لكنني، وقد تذكرت المرآة، غالبت نفسي وقهرتها وقبلت اللمسات الأولى للخارجين من الرماد، أحاط بي الآخرون الذي كنت أرى في وجوههم ابتسامات تبحث عن ميناء ترسو فيه.
- هلموا.. تعالوا معي..
تمسكوا بأطرافي والحواشي.. بدأتْ أنوفهم تبحث عن هواء وعيونهم تبحث عن نور، وآذانهم تهتز طبلاتها وألسنتهم تلهث وراء قطرات رطبة.
سرت والآخرون حولي..
فوضى أقدامهم تتحول شيئاً فشيئاً إلى إيقاع، والغبار ينحس وقد ساقته النسمة الآتية من غابات الدار، وألوان قزحية تتهادى في الأفق.
لكن الجلد مازال مقرحاً والثياب مازالت بلا لون، والأنفاس مازالت لاهثة.
اقتربنا من الدار..
كانت جميلة رائعة كعهدها..
لكنها ازدادت جمالاً وأنا مقبل للمرة الأولى دون أن أكون وحيداً..
دخلنا الدار فرأيت غاباتها تزهر، ورأيت الماء النمير ينبثق في كل مكان، وسمعت العصافير تتزقزق وتتزاوج وفراشات ملونة ترقص في الهواء.. رأيت كل شيء يضج بالحياة..
دخلنا القاعات وأولئك الناس بجانبي وخلفي.. ظننت أن القاذورات ستملأ المكان وأن الجدران ستبتلع ريقها، لكنني أحسست بالمكان اكثر مودة وبالجدران أكثر نضارة وأقوى حديثاً عن ماضيها..
كنت أسأل نفسي عن الحقيقة الباقية التي لم تقلها المرآة ولم يقلها قاضي القضاة..
حثني على أن أرافق هؤلاء الناس إلى المرآة.. فماذا لو رأوا تشوهاتهم كما رأيتها أنا؟.. لكنن يجب أن أطيع قاضي القضاة..
يجب أن افعل ذلك لأصل إلى باقي الحقيقة.
* * *
وقفنا جميعاً أمام المرآة..
لم أستطع أن أنظر فيها فالخوف كان يغمرني، واعتقدت أن كل الذي حولي سيفرون في الحال..
زمن مضى ورحت أرقب الآخرين وأبحث في وجوه الأخ والأخت، العم والعمة، القريب والبعيد، الصديق والعدو، الطير والزاحف، فرأيتها تتحول جميعها إلى سعادة مستفيضة..
تردت والهلع يشلني، لكنني وبعد لأي،
التفت بالقسر إلى المرآة قاهراً مخاوفي، فرأيتني ومعي جميع الذي حولي، كأجمل ما رأيت من الوجوه والحياة السعيدة تلفنا تحت إيقاع سماوي ينسجم مع ضربات قلوبنا..
كان فرحي حتى آخر الزمن والكون..
نظرت إلى لوحة جدتي فوجدتها بلا أحزان، سعيدة من الأعماق..
عندها وحسب،
علمت أن هذه الدار لم تكن أبداً ملكاً لي وحدي..!…
-=-=-=-=-=-
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|