من قصص ماقبل أربعين سنة

        البداية    صفحة الآداب    قبل أربعين عاماً

                                                                                                             

                                                                                                                      حينما تنقلب الأنانية في الحب الى عطاء كبير من أجل الانسان  . . . 

                                                     المشرط

                                                                                                                                                                           التل 1971

     كانت ليلة مثل باقي الليالي ، مدخل المشفى يستنير بنور ساطع ، الأشجار الباسقة تتمايل من نسيم وحفيف يدغدغ حنايا الضلوع ، المرضى في غرفهم ، بعضهم يغط في نوم هادئ سعيد مليء بالرضا و الأمل ، والآخرون يقلبون صفحات المجلات  . . . ليلة أخرى تضيف وقتاً مشرقاَ من حياة هذا البناء   . . .سعيد من نزل فيه ، وضع فيه سر يشفي كل من نزل فيه ، إلا من حام القدر حوله فلا مناص منه .

     اتخذت أريكة على الشرفة ، وغصن صغير بين أصابعي ، وبعض أسنة القمر الفضية تتخلل الوريقات المتراقصة في يد النسمة السارية ، لحقتني سلوى بثوبها الأبيض الناصع ، واتخذت مقعدها قبالتي  . . .مسحت شفتيها بمنديل ورقي ، وقالت متمتمة :

-  ليلة جميلة ، يود الانسان أحياناَ أن يموت في جو رائع كهذا ، أشعر بسعادة غريبة ، المرضى يبتسمون حتى في نومهم . كل شيء بديع أليس كذلك يا زكريا؟ .

-    نعم لقد آن الأوان أن نتم الأمر ياسلوى ، أضحى كل شيء مستعداًًَ لاستقبالنا  . . .

   

     اقتربت مني ووضعت راحتيها بين راحتي ، وراحت تحكمها .

-    أنا سعيدة ، اقتربت أكثر ووضعت رأسها على صدري وأحاطت كتفي بساعديها .

قلت في نفسي: وأنا سعيد حقاً  . . هذا ماكنت أتمناه منذ طفولتي ، بيت جميل وعمل محترم ومردود جيد وزوجة حبيبة ورفعت عينيها نحوي:

-    أنت تبكي .

-    إنني سعيد ، هذه هي جنتي !.

     عند الساعة الحادية عشرة سمعنا وقع أقدام تقترب ، انتصبنا  ، تطلعت سلوى بنظرها الحاد فتبينت مجموعة من الرجال يحملون آخر ويتدافعون نحو مدخل الحديقة . كانوا في عجلة من أمرهم .

     وما أن وصلوا الى غرفة في طابقنا حتى وضعوه على سرير أبيض ، وتنفس بعضهم الصعداء  ، وتمتم أحدهم:

-    يالطيف ، كم هو ثقيل  !. .

     رقد دقيقة ثم بدأ يتأوه  . كان الرجل ضخم الجثة طولاً وعرضاً ووزناً يلبس ثياباً خفيفة ولم يكن وجهه واضحاً تماماً لي . رأيت سلوى تقترب منه ثم تردد:

-    علاء !.      مابه ؟ .

-    وقع من الطابق الثاني  ، وأغمي عليه من فوره .

     وجدت سلوى تحدق بي وتهتف:

-    ابن خالي أرجوك . طمني عليه يا زكريا  !.

     أعرف أن لها ابن خال يدعى علاء لكن معرفتي به ضعيفة ، رغبتي كانت سلبية بالنسبة له  . . أنا الانسان الذي رآه في الأحلام ، يداعب سلوى ويقبلها .

     حدقت في عينيه المحمرتين وجسست جوانبه .

-    كيف كانت الوقعة ؟

-    على ظهره دكتور .

     عاونني أحدهم فقلبته ورفعت قميصه ، كان منظرا مذهلا ، اللون البنفسجي المزرق يغطي ظهره تحت الجلد  . . . نزيف داخلي  ، لمست الموضع الساخن فصرخ صراخاً أيقظ كل المرضى الآخرين .

-    سلوى ، اتصلي بالدكتور غالب .

     ركضت سلوى الى الهاتف مندفعة ، زفرت زفرة قصيرة ، سلوى ذات قلب رقيق ، لكن اندفاعها في تلك اللحظة كان أكثر من ذلك .

-    ساعديني الى نقله الى غرفة العمليات فوراً .

-    طيب استعدي أنت وزميلاتك

     كان صراخه يتعالى و آلامه تزداد ، لا يستطيع أن يجيب على سؤال ، ولا يعي إلا للألم المبرح .

     هذا الرجل الضخم الصارخ هو رفيق سلوى منذ الطفولة ، رفيقها في الحقل والساقية ، في المنزل المتواضع ظاهر المدينة ،  زميلها في المدرسة  . . . الملازم لها خلال عشرين عاماً  . . . كان طيلة العام الماضي الاسم الوحيد على لسان سلوى و ما كنت أتصور أن إنسانا ما يستطيع ازاله ذلك الاسم من بين شفتيها .  كانت تحبه وترغب به  . . . حتى دخلت حياتها  ،  دخلتها وما نسيت أبداً أنهما كانا ينامان في غرفة واحدة ذات يوم لضيق حال الأسرة  . . . حتى كان يتخيل لي أحياناً أنني لن أجد سلوى عذراء مطلقاً  . . وكنت كلما افترقت عنها ساعة انتابتني تلك الهواجس  . . . وكلما التقيت بها منحتني الثقة .

     المؤكد أن سلوى ستعود إليه حال أول خلاف بيننا ، ستلجأ إليه في كل الظروف ، فثقتها به أكبر من كل شيء  . . استغرابي لا يفوقه إلا حبي لها ، عندما تلقي بنفسها على صدري ، وهي قد وهبت قلبها ولا شك له .

     كان صراخه يزداد الى حد يصم الآذان ، الى حد جعلني أتخيله يستغيث بي ، ليس من أجل ظهره بل من أجل قلبه ، بدا لي الحل واضحاً ، فلتعد سلوى إليه عندما يشفى ، ولكن ؟  . . هذه لحظة شفقة مني  ؟!. .

     كان كل شيء قد أعد عندما وصل الدكتور غالب فصافحني .

-    من هو سيء الحظ الذي جملنا بسوء حظه في هذا الوقت ؟!

-    رجل وقع وأعتقد أن لديه كسر هام  ومتشعب .

     دخلنا غرفة العمليات وهو مسطح على ظهره . سلط زميلي  النور على  مكان الإصابة وركز ناظريه فيه .

     أعتقد أن لديه كسرا شنيعاً ، استدع الدكتور سامي ، فهو أعرف منا في هذه القضايا . سيموت الرجل خلال ساعات إذا بقي على هذه الحال .

-    سلوى ، الدكتور سامي  .

     قاس زميلي ضغطه ونبضه وحرارته ، ثم عرى الرجل من ظهره  . . قلت لزميلي .

-    الدكتور سامي مسافر في الشمال منذ الصباح ، ولن يعود إلا مساء الغد ، عادت سلوى قانطة .

     التفتت الى الجسد المسجى ، الذي يحمل بقعة قاتمة كبيرة ، فبدا خفقان قلبها مرتسما على وجهها .

-    سلوى ، اذهبي الى عند بقية المرضى ، زميلاتك سيقمن بالمساعدة .

أذعنت ، لكنني كنت أعلم أنها تركت شيئاً ثميناً بين أيدينا ، نظرت نظرة استرحام ، واختفت خلف الباب . قال زميلي:

-    استلم العمل أنت .

-    أخشى أن يموت أو أن يشل قسمه السفلي على أقل تقدير .

-    نسبة نجاع العملية ضعيف جداً ، ابذل جهدك .

     المشرط في يدي يقطع كل شيء . باستطاعتي أن أضربه في اللحم ، باستطاعتي أن أزجه بين الفقرات القطنية ، إنني سيد هذا الرجل الضخم ، لو فرغ قلب سلوى لي لكملت سعادتي! .

     كانت الدماء السوداء تصبغ أصابعي ، و الأنسجة المهروسة تتلبد بجلدي ، وفقرة هشة الجانب تتحسسني  . . . النخاع الشوكي يكاد ينقطع  . . .إن إعجاز هذا الرجل في يدي تماماً  . . . هو ملك لي في هذه اللحظة  . . . هددني مرة بشكل غير مباشر ، قال سأقص عنق من يسلب مني سلوى .

     كنت أنظر الى وجوه الزميل والممرضات ، وأخشى  أن يستشف أحدهم ما يعتمل في أعماقي  . .  إيصال الفقرات وضمها وشدها ، ثم نزع الفاسد وتضميد الجراح  . . كل ذلك يعقل أنه لن يفيد الرجل شيئاً  . . . الشلل الجزئي احتمال واسع .   حدثت نفسي: قليل من الإهمال يكفي  . . قليل من عدم الصدق  . . .

 قال زميلي:

-    أسرع فالرجل يحتضر ! .

     أسرعت ، فضممت كل شيء بسرعة ، وبصدق ، ولم يلحظ أحد دمعة رقراقة تسح من بين جفني  . . لا أدري لماذا ، الأن زيادة نسبة الخطر واحداً بالألف في حياة إنسان ما أغلى من كل غرام العالم ؟ ألأنني شعرت كيف يجب أن يكون الانسان إنسانا بالفعل ولو مرة واحدة في العمر؟ الآن سلوى تبكي خلف الباب الآن تنتظر أوبة الصاحب والسند وربما الحبيب سالما ً؟ .

 

     أنهيت الضماد الأخير ، مسحت أنفي بكمي ، قلت لصاحبي بينما كنت أخرج:

-    أعطوه الدم .

 

     عدت الى الشرفة ، كانت الليلة لا تزال صافية مشربة برقص الورد ولعب النسيم  . . كانت قطرات العرق البارد تجف وتخلف رعشة لذيذة .

 

     جلست سلوى بجانبي وهمست:

-    أعتقد أن علاء سيكون بخير .

     أرحت رأسها على صدري قبلتني من وجنتي اليمنى ، قلت .

-    إذا تفاءلت فسيحمل ساقين ضعيفتين .

     نظرت في أعماق عيني .

-  انه يحبك يا زكريا لأنني سعيدة بك . أعتقد أنه سيكون بخير ، خاصة عندما يعلم أنك الذي أنقذته . زكريا .

-    نعم .

-    اقترب .

    كانت الدمعة أكبر من أن تتسع لها عيني حينما كنت ألملم شفتيها بشفتي .

                                    *                      *                        *

البداية    صفحة الآداب    قبل أربعين عاماً