عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

"كلُّ وسائلِ الدنيا لا تستطع إزالة

تجربة من أعماقنا..

إلا أننا قادرون على تعديل نظرتنا لها.."

زُوّارُ عينِ الفاخوخ

قاربَ الزمنُ الذي انقضى منذ حدوث هذه القصة أربعة عقود، مرت فيها حوادث وأحداث وملمات، وانقضت فيها آمال وتحددت فيها آجال..

أربعة عقود تغيرت فيها الدنيا من حال إلى حال حيث غنى الأوائل في ذاك الزمان الموشح والموال، ثم بدلها الأواخر برقص الألوان والسيقان تنبعث من رقائق السيليكون.

أمام هذا الجيل الباحث عن اللذة والمال، والداخل في سم الخياط، لينقلب فجأة من مشدوهٍ إلى مبتسمٍ بياقة!، من ضعيف في العتبة مطلوب منه أن يصنع الشاي للوجوه، إلى متصدر يتحدث بلغة المليون والمليار تصنع له حسناوات اسكوتلندة أفخر أنواع الوسكي والشيفاز ريغال!..

قاربت العقود الأربعة على الرحيل، وأنا مازلت أحمق أعيش زائراً من زوّار عين الفاخوخ.. ولأن الحُمْقَ مثلي قلة، فقد نهشتني رغبة في أن أكتب عن أولئك الزوار الخمسة ولهم هذه القصة فهم أبطالها… وبعضهم سيقرؤها..

وليعذرني أولئك الحمق مثلي الأحياء والأموات والغائبون... ليعذروني في تذكُّري ونسياني، وفي رؤيتي ورؤياي…ليعذروني في شططي وفي تقصيري…

ليعذروني في استرجاعي لمشاعرهم وأحلامهم وكتابة قصتي وقصتهم…

ليعذروني في اجترار أيامٍ مضت بعيداً، وبقيت هناك مرسومة في عروق الأوابد والأتربة المنفكة من عقود الزمن حيث لم يخترع الآخرون طريقة اكتشافها بعد..!..

ليعذروني إن كتبت عن رحلة عين الفاخوخ، فهي جزء من تاريخ أعصابي وأعصابهم..

ليعذروني، فأنا لا أستطيع ألا أكتب!..

وأنا إليكم أيها الأحبة استدير بوجهي وأنا أكتب!..

فأنتم بالنسبة لي قلوب كتبت في يومٍ ما رحلةً مدارها ساعات يومٍ واحد بقي خالداً في داخلي العمر كله..

موفق ونزيه وأحمد وسمير وزهير، وسادسنا محمد.. هؤلاء الستة كانوا يرون أن العالم كله بجغرافيته وامتداداته الفلكية وبأزمانه الغابرة والحاضرة والمستقبلية.. كانوا يرون أن العالم كله مملوك لديهم وهو عجينة صالحة للتشكل بين أصابعهم الطفولية… 

*           *              *

رغم أن هذه القصة حدثت بالفعل وكنت أنا أحد الذين عاشوها بالحرف، فإنني لا أستطيع تذكر كل التفاصيل التي تقلبت فيها مشاعر زملائي، رفاقي في تلك الرحلة.. لكنني أذكر كل التقلبات النفسية في ذلك اليوم.. كل التفاصيل.. أدق التفاصيل!..

ومع توالد الكلمات من رحم القلم عبر رأسه إلى سطح الورق، أحس بأن ما رسمته دقائق وساعات ذلك اليوم لم يكن إلا خطوط الحياة، مثلها مثل خطوط الكف، أو انعراجات البن في الفنجان.. أو تبعثر ودعات الغجرية!.. 

*           *              *

ما زلنا في المرحلة الإعدادية، تجمعُنا قصص معلمينا وابتسامات الآمال على وجوه آبائنا،

فحتى ذلك الوقت كنا قد تعلمنا أن آباءنا رجالٌ صُنِعوا من الصبر، وأمهاتنا جُبلنَ من دفق المحبة!..

سميرُ زميلٌ من غير بلد لا نعرف أمه التي كانت في الخباء، ولكننا نذكر أباه بائع مستلزمات كهربائية وعاملاً في تركيبها في البيوت.

 موفق مع أخوته وأمه في بيت جده الذي يعالج مجانين المنطقة، حيث كان أبوه بعيداً عن أجوائنا، ونزيه يتيم الأب ترعاه أمه ويرعاه أخوته الذين يكبرونه، وأحمد بين أبيه وأمه وأخوته تحت سقف دار قديمة وسط البلد مسقوفة بأعمدة خشبية يسكن فيها حنش قديم..

وأنا، أكبر أخوتي مع أمي التي ترقد على أبنائها كدجاجة حارة تريد بيضها أن يفقس في حضنها.. ومع أبي الذي لانراه كثيراً فهو كثير التنقل بحثاً عن لقمة. أما محمد فهو ابنٌ لقرية حلبون يعاني في دراسته، ويسكن مع أسرته الممتدة في قرابتها في دارٍ كانت محطتنا أثناء الرحلة..

قبل تلك العقود الزمنية، كانت مناظير أفكارنا وأحلامنا مختلفة، إذ كنا نرى الدنيا برائحة الخيار البلدي، تخبئ لنا السكر في جوف بطيخة، وترسم الخطوط والتعاريج بلون الزهر.. وأكبر آثامنا كانت عندما نقطف من رمانة أو زيتونة عقدةَ غصنٍ لنصنع منها شُعباً مناسباً نشتري له من مطاط السراويل ونقص له جلدة ثم نربط الأجزاء بخيوط صانعين سلاحنا العتيد: "النقيفة!"..

قبل تلك العقود أيضاً كنا نضحك حتى تمتط أفواهنا إلى آذاننا ونحن نحكي قصص الغزو الصبياني في أرض منين أو الرويس، وقصص غزونا تعني أن نهاجم شجرة تفاح أو خوخ أو مشمش أو تين، لنأكل ونشبع بطوننا..

تلك هي آثامنا التي أحببناها، سعدنا بها حتى سكن الفرح فينا… وحتى ظننا بأننا سنغير الدنيا عندما نكبر!..

كانت أمي تذكرني دائماً بوعدي لها:

- تذكر يا زهير أنك وعدت وأنت جالس على درج دار جدك أبي كامل وتحت شجرة التين، وَعَدْتَ أن تطعم أمك حتى تصير بحجم الجمل!… 

*           *              *

أنا أكتب، بعد السنين الطويلة، ولا أستطيع أن أنسى أو أن أتجاوز أداور أمهاتنا..

أم نزيه تركتنا بالمحبة نسرح في حقول الفصّة، وأم موفق كانت تشع رأفةً وحزناً، وأم أحمد كانت قدراً هائلاً من الكبرياء والعطف والبطولة، وأم زهير هي الأم في حذرها وتشجيعها وابتسامتها من خلال الأمل..

كل أمهاتنا كن يبعن دماءهن من أجل أبنائهن وأصدقائهم.. كل أم منهن كانت أماً لنا جميعاً وطالما بقي فيَّ قلب ينبض، فلن أنسى أنني في تلك المرحلة كان لي عدة أمهات.. 

*           *              *

في أمسية، عند إحدى أمهاتنا، فاجأني أصحابي الصغار مثلي، أن عندنا رحلة في باكر الصباح التالي، لا أذكر من الذي خطط للرحلة وحدد مواعيدها وخطوط سيرها لكنه قد يكون موفق كالعادة.. لا أذكر كثيراً عن موافقتي ورفضي!.. فأنا واحد من تلك المجموعة ألتزم بما قررته، ولا يمكن أن يقرر هؤلاء الفتية أمراً فَرِيّاً.

 

تقرر أن تبدأ الرحلة قبل الرابعة صباحاً سيراً على الأقدام من التل نحو حرنة المجاورة حيث ينضم إلينا سمير، ثم عبر التلال إلى وادي الدريج ومن هناك نقطع قرية الدريج حتى عين الصاحب، ثم إلى حلبون حيث نجتمع مع محمد في بيته، الذي يرافقنا إلى عيون الجرد الأولى، ثم إلى العين الثانية، عين الفاخوخ، نشرب منها ونلعب على ثلوج الجبال..

كان هذا مخطط الرحلة..

لم نفكر وقتها بمقدار المسافة التي يجب أن نقطعها سيراً على الأقدام لنصل إلى تلك العين.. ولم نفكر بمعنى السير ليلاً في وادي الدريج، ولم نفكر بمخطط العودة..

وكانت رحلة..

وكان يوماً مَثَّلَ كل أيامنا القادمة..

عندما أذكر التفاصيل الآن أحس بقلبي يهرع للالتصاق بحجرة صدري وأحس بساقيَّ ترتجفان.. 

*           *              *

كنا ما نزال نسير في الظلام عندما انضم إلينا سمير في حرنة، واتجهنا غرباً عبر التلال لنصل إلى وادي الدريج، خمسة أشباح فتية تسير حاملةً زادها، تمرح وتغني وتنشد، وتجتاز الحقول الصغيرة في الوادي المحاط بالمرتفعات من الجانبين.

أول خوف عانيته كان في ذلك الوادي، فقد تذكرت قصصاً سمعتها عن الذئب والواوي والأفعى، لكنني عندما شاهدت زملائي فرحين تغطي البهجة وجوههم وحركات أطرافهم نسيت مخاوفي وكتمتها داخلي وصحت عالياً:

- انتظروا.. توجد عروق بندورة وخيار..

لكنهم تابعوا قائلين:

- احضر لنا بعضاً منها.

أذكر تماماً قرص البندورة الذي التهمته كما هو. كان مشققاً منبسطاً قليلاً ورائحته تسود روائح العالم.. طعمه كان مخترقاً للعصب والدم.. لو أنك صمتَ دهراً ثم جعتَ وعطشتَ حتى الذبول، ثم وجدت نفسك تغرس رأسك في نباتات البندورة النابتة بلا سماد أو ماء سقاية، لو وجدت نفسكَ كذلك، لشممتَ رائحة النبات كما شممتُها وقتذاك، ولأحسستَ بطعمها كما أحسست، ولما نسيتها أبداً كما لم أنسها.. حملت بضعة أقراص صغيرة ولحقت بزملائي.. فأنا دوماً متأخر عنهم. هم أكثر نشاطاً، وأنا أكثر ثقلاً وأبطأ حركة، رغم اعترافهم وحتى اليوم أنني أولهم دائماً في دراستي المدرسية.

تابعنا السير، وكانت لحظات سعيدة لي تلك التي رأيت فيها بشائر ضوء الشمس، وكنا وقتها ما زلنا في حضن الوادي.. قرية الدريج، أذكرها، ولم أرها من وقتها، أذكرها مجموعة بيوت طينية ومسجدين صغيرين بمئذنتيهما، وكأن القرية لم تستفق بعد أو أن أهلها هجروها فلم نشاهد فلاحين كثيرين من أهلها.. أراد زملائي أن يمروا بين بيوتها فأبديت رغبتي في متابعة السير فقد كنت أعلم أن هذه القرية ليست هي غايتنا، ولا ضرورة لإضاعة الوقت. ربما كنت الوحيد الذي كان لديه إحساس بالوقت عندها..

تابعنا السير باتجاه عين الصاحب.. وعين الصاحب كما يعرف أهل المنطقة، هي موقع تتقارب فيه صخور الجبل مشكّلة وادياً ضيقاً تنبع منه عين الماء الشهيرة بصغرها وحلاوة مائها.. ويقع ما بين الدريج ومنين وحلبون، وهو المنفذ الوحيد من حلبون باتجاه البلدات الأخرى منين والتل ومعربا وحتى دمشق.

عين الصاحب هذه وحدها قصة.. فقد نسج أهل المنطقة حولها الحكايات.. لماذا هي عين (الصاحب)؟!.. كما تحدث أهل المنطقة عن الذين يريدون اصطحاب النساء إلى هناك للهروب من أعين الخلق، وعن الذين يغدرون أو يخونون..

ومع كل ذلك فقد أحسسنا ببرودة الهواء في زابوق الجبل هناك.. شربنا من النبع وتابعنا باتجاه حلبون..

كان الدرب ترابياً ضيقاً متعرجاً كحبل أو كأفعى طويلة.. وبدا لنا طويلاً رغم قصره، وكنا نرى حقول التين والجوز الممتدة في وادي حلبون حيث علمنا سر تجوال أهل تلك البلدة في قريتنا كل يوم ينادون على جوزهم وتينهم وحليبهم في التل- بلدتي- أصواتهم ترن في أذني ومازالت:

- جوز يا جوز.. تين يا تين.. حليب يا حليب!..

وصلنا حلبون وبدأنا نبحث عن بيت زميلنا محمد وعندما وصلناه كان مازال نائماً يفرك عينيه،

- لكن الساعة الحادية عشرة والنصف ظهراً يا محمد!..

لا أكتم بأنني سعدت بلقائه وأحسست بالأمان.. أصر زميلنا وأهله على الغذاء في دارهم.

في مكوثنا في داره تنازعتني أمور شتى.. أخذتني تفاصيل الدار، ولفت نظري كرم أهلها، وخفت من ضياع الوقت ومن ثم أن أجد نفسي وزملائي نسير في الظلام ونحو الظلام في طريق العودة .. بقينا عنده ساعتين حتى أكلنا منتجات البلدة الزراعية الراقدة في أقصى طريق مطروق.. خلال ذلك الزمن كان همي أن أتأمل حجارة الدار ورصف الغرف وخشب السقف العالي وعلاقات الناس وإحساسهم بالحرية!..

في تلك الآونة تحرك الرجال والنساء بحرية وثقة وتعاون عجيب، أكلت الأسرة معنا بحرية وابتسامة، ضحك الرجال، وضحكت النسوة.. حتى أن الأم الصغيرة أرضعت صغيرها من صدرها لبناً ساخناً أمامنا.. وقلت لنفسي وقتها، وأنا فتى في الإعدادية: رغم نأي هؤلاء الناس عن المدينة فهم أكثر شعوراً منا بالأمان والتأمين..

أحببت أهل حلبون وقتها لسببين أولهما أنني أحب صديقي محمد، فقلبه قلب إنسان، إضافة إلى ذلك فقد كان يحبني ويحب أن يقرأ لي دائماً (خر بشاتي) على الورق.. وثانيهما لأن قرية بهذا الانعزال الجغرافي النسبي أبدعت في صنع أبنائها وأخرجت منهم رجالات، وكانت القرية الوحيدة في المنطقة التي سبقت باقي القرى في نوعية العلاقات بين أبنائها وبناتها وأجيالها..

وقد أردد بابتسام أحياناً قول أهلها عندما خرجوا في مسيرة تأييد قبل سبعين عاماً، ولم ينسوا أن يرددوا عن بلدتهم أمام العالم كله:

- حلبون زهرة سوريا!.. 

*           *              *

هيا باتجاه عين الفاخوخ!..

رافقنا محمد في مسيرنا ذاك. اعتقدت أن المكان قريب، لكننا سرنا وتجاوزنا عيناً صغيرة نسيت اسمها الآن، كنت فاقد الإرادة فحركة زملائي تعني حركتي بشكل آلي…

عين الفاخوخ عين ماء نمير بارد تنبثق من قاع تلة جبلية، يفخر أهل حلبون بأنها تنبع من امتدادات أراضيهم باتجاه الجرد الجبلي ولكنها بعيدة بشكل غير عملي بالنسبة لهم في ذلك الزمن، لجلب الماء وحمله منها، وهم الذين لديهم بضعة عيون في وسط بلدتهم، هي كالسحر في مائها وتجمع الصبايا حولها..

الله، الله يا عيون حلبون!..

الله، الله ياعين الفاخوخ!.. فمثلما بقي طعم قرص البندورة ورائحته، بقي كذلك طعم الماء الزلال وبرودته من أعماق جبل عين الفاخوخ يبعث في سوائل خلايانا، أنا وزملائي، يبعث فيها نبض الحياة يوماً إثر يوم وسنةً إثر سنة.. وحتى هذه اللحظة..

أنا، زهير، بين باقي زملائي، اعتبرت أن مدى الرحلة يجب أن ينتهي هنا، عند العين، فنترك الطعم الحلو في دمائنا، حيث نتجه بعد ذلك إلى طريق العودة.. غير أن زملائي، وخاصة موفق صاحب فكرة المشروع، وقد كان دائماً صاحب أفكار المشاريع التي من هذا النوع، أصروا على أن نتابع رحلتنا ونجتاز إلى مسافة أبعد حيث لا يعقل أن نصل إلى هنا ونعود أدراجنا قبل أن نبلغ مواقع الثلوج.. فلا زالت قمم الجرد الذي يفصل المنطقة عن لبنان مغطاة بالثلوج البلورية التي تصلح للمزج بدبس حلبون وعمل شراب شعبي يدعى (السويق).. أصحابي أصروا وأنا بالطبع وافقت وقتها.. فكل الرحلة كانت بالنسبة لي حلماً، أقولها بصدق، ليس حلماً بمعنى الأمل البعيد، بل حلماً بمعنى تجوال الخيال أثناء النوم.

تابعنا السير وقد أصبح الوقت عصراً. أخذت أرقب الشمس وأطلب منها ألا تتسرع في أفولها، فأنا لا أحب الظلام..

قضينا بعض الوقت على بقايا الثلوج. أخذنا بعض الصور التي ما زالت باقية، صغيرة بالأسود والأبيض ترسم صديقيَّ أحمد وموفق وهما يلفّان الشال الشتوي على رأسيهما وعنقيهما ويتدحرجان على حافة الجرد الثلجي المائل بقوة..

أخيراً، قررنا العودة باتجاه بلدتنا نحمل ساعات رحلتنا في جيوبنا، ونرى ابتساماتنا وضحكاتنا تتمرغ على صفحات وجوهنا ونحن نمسك الربيع في قلوبنا كي لا يهرب.. وكنت أحس بأن يدي بطول الفلك تمتد نحو الشمس تمسك بها كي لا تغيب!.. 

*           *              *

تمنيت، ونحن في طريق العودة مبتدئين من الجرد باتجاه عين الفاخوخ ثم حلبون حيث تركنا صديقنا محمد يعود إلى بيته في القرية.. تمنيت أن تكون أصابعي سياطاً أضرب بها جلدي وجلود زملائي كي نطير مسرعين، ونقطع المسافة البعيدة قبل أن ينقطع النهار من الضوء، غير أن السير كان بطيئاً بينما كانت الشمس أكثر سرعة في انحدارها وانحسارها وأفولها.

عندما اقتربنا من جبال ووادي عين الصاحب كان الظلام قد ساد..

في حياتي كلها ما أحببت المساء فهو كالسهم يتجه باتجاه الأعمق في الظلام.. ولكنني كنت أعشق الفجر فهو كالخيول العربية الجامحة التي تصهل باتجاه منبع الضوء..

عند منبع عين الصاحب حيث تتقارب الصخور ويضيق الطريق، أسرع سمير وغاب باتجاه وادي الدريج، وضاع عني الآخرون، وبقي أمامي موفق وأحمد اللذان اتجها يساراً قبيل الصخور وبدءا يصعدان الجبل الوعر حيث قالا إن الطريق من هنا أقصر!..

وكان علي أن أختار!..

لم أكن أعرف طريق العودة جيداً، فقررت أن ألحق بموفق وأحمد، فأخذت أصعد الجبل يساراً. كان كالسلم بلا درجات. كان وعراً تتساقط حجارته إلى الوادي. وكنت أنا ثقيلاً منهكاً خائفاً وسط ظلام أخذ يلف العالم..

عَلِقْتُ في المنتصف، نظرت خلفي إلى الوادي فرأيت الحجارة تتدحرج وأحسست بأنني قد أسقط كواحد منها، وكان علي أن أقرر المتابعة أم العودة. لكن العودة مستحيلة فسأبقى وحدي وربما إلى الأبد.. بل وإن النزول قد يعني السقوط أكثر من الصعود، فقررت أن أتابع وأتمسك بالحجارة القدر الذي أستطيع.. تابعت بشكل أخاف أن أتذكره الآن بعد مضي عشرات السنين، ولكنني في الواقع تابعت. لهثت أنفاسي وقبضت أصابعي على أحجار تغرسها في هشاشة أرض الجبل..

وتنقلت كقرد بقائمتين خلفيتين قويتين وبيدين متشبثتين، وبأنفاس لاهثة.. تنقلت إلى أن وصلت القمة.. لم أجرؤ على النظر إلى الوادي.. أعطيته ظهري ونظرت أمامي. أعتقد أن عيني كانتا تخترقان الظلام مدفوعتين بقوة هائلة مصدرها الخوف القاصم.. نظرت أمامي بلهاث الذي اجتاز عقبةً من ألْفٍ، فشاهدت خيالاً أسوداً باقياً يجتاز عتبة الرؤية على أرض (التفايل) المتلاحقة باتجاه قمم أعلى!.. ناديت:

- أحمد!.. أحمد!..

أجابني أحمد من بعيد، بصوتٍ لا زال يعطيني بعض الراحة حتى هذا اليوم..

- يا الله يا زهير، شد الهمة!..

يعلم الله وحده كم طرق قلبي تمسكاً بالحياة وهرباً من المجهول: ربما زواحف بين الأقدام، وربما ضباع جائعة، أو ذئاب ناهشة،.. ربما كلاب تعض حتى العظم، وربما لص أو عاهر أو هارب.. ربما تغضب الأرض أو تزل القدم أو ينفتح بئر.. كل شيءٍ يفتح جوفه من أجل البلع والدفع باتجاه الظلام الأبدي..

تمسكت بالحياة ووضعت هيكل أحمد أمامي دليلاً، حرصت أن لا يضيع أحمد عني فهو الباقي من المجموعة..

الظلام يخبئني فيه، ومضخة الصور تغمض عينيها وتقرر الضخ إلى أبعد الخلايا، والحجارة المبعثرة تأكل من قدمي، وكتل التراب (تتفلّش)، ومدارج الجبل ترتفع وترتفع حتى السماء..

وأنا أصعد مخبولاً مأخوذاً حتى لم أعد أتبين أحدا أمامي فقد غاب وابتعد هو وهيكله وصوته.. وغاب صوتي في جوفي..

ولكنني اتخذت قراراً نبع فجأة من داخلي وانبثق غزيراً فأشبعني وطال السماء، وطال إطلالتي على وادي الدريج، وصنع لي سلماً صعدت عليه وصعد معي إلى أن وصلت إلى القمة المشرفة على وادي الدريج، ومن هناك بان لي أحمد من جديد على ضوء النجوم، وبانت لي حقول تين منين..

- أحمد.. أحمد!..

أنا أحب أحمد، أحب زملائي جميعاً، لكنني أرى في موفق الذي كان أمام أحمد وهو الذي يراه، وأحمد الذي كان أمامي وكنت أنا الذي أراه، أرى فيهما نوراً متميزاً..

ولذا فعندما أجابني أحمد مجدداً، شعرت بالأمان..

اندفعت بقوة..

- انتظر يا أحمد!..

- لا أستطيع أن أنتظر، فالدنيا ليل ومازالت الطريق طويلة!..

سابقت نفسي إلى أن وجدت أمامي الطريق الترابية، وتابعت سيري ودليلي هو أحمد…

وصلنا أخيراً إلى منين، وكان قد تبقى بضعة كيلومترات لنصل إلى البلد..

ذهب كل منا إلى منزله،..

دخلت البيت فوجدت أمي تنتظر وهي توشك على الانفجار من خوف يتملك كل أعصابها..

نمت، نمت وقد تجمعت الزوايا الخائفة بين جوانحي. اختبأت مخاوفي في كل ذرة من ذراتي لتكون مستعدة للقفز في كل لحظة..

في اليوم التالي علمت من أحمد وموفق أن سمير قد تأخر كثيراً في الوصول، عانى مخاطر جسيمة، لكنه وصل عبر وادي الدريج، في وقت أصبح فيه الأمل معدوماً..

وهكذا وصلنا جميعاً في أمان غير أن حياتنا لم تكن أفضل حالاً فيما بعد!..

*           *              *

سمير، بعدها رحل إلى أماكن أخرى يعرفها زملائي.. تزوج وأطال لحيته وعاهد نفسه أن لا يقرب المحرمات.

ونزيه تخرج طبيباً، تزوج ثم عانى قصوراً كلوياً، فذهب متأخراً إلى موسكو حيث مات هناك وعاد إلينا جثة محمولة.. ترك لنا في قلبنا الأسى والمر طول العمر، لكنه ترك لنا شاهدان قويان، ذكرياته العزيزة، وابنه الذي أضحى شاباً..

أما موفق وأحمد فقد عملا مدرسين في أماكن مختلفة، ثم مارسا المحاماة بعد تقاعدهما..

ومحمد ابن حلبون لم يتابع دراسته بعد أن انتقل بصحبة أسرة أخيه إلى دمشق.. بل تزوج أخت شاعر حلبون وأنجب منها وأحبها وعمل حرفياً في الزجاج..

أما أنا…

*           *              * 

أنا لم تمت فيَّ تلك المرحلة. فتيةٌ آمنوا بخفق الحياة على عتبات الموت.. زملائي أحبةٌ تركوا في شراييني ضربات قلوبهم فبقيت حية عندي.. بقيت أنسام وادي الدريج الصباحية وجدران الدريج الطينية وصخرات عين الصاحب وشجرات وادي حلبون وعيون الماء ونبع الفاخوخ وثلج الجرد.. بقيت كلها تفجر في داخلي أحاسيس الحياة!.. كما بقيت حجارة الجبل والظلام والحيوانات التي قد تفاجئ والمخاطر التي قد تقفز.. بقيت كلها تفجر في داخلي أحاسيس الموت!…

فمن منكم أيها الزملاء يحكي لي قصص السندباد في البحر والبر؟!..

من منكم يهدئ روعي الذي انتبج وتورم مع الأيام؟!..

من منكم يقول لي لماذا تشوب رحلةَ الحب المخاوفُ والمخاطر؟..

من يقول لي لماذا نشرب ماءً ملوثاً فيه كلور ومياه عين الفاخوخ نقية زلالية؟.. من ينبئني بما حصل للينابيع الطاهرة؟ وماذا حصل لأشجار وادي حلبون ومنين والتل؟؟!.. من يقول لي لماذا أنا في حصار ضمن نفسي؟!.. من يقول لي لماذا بعد أربعة عقود من الزمن والتاريخ الطويل والتنقل والسفر مازلت أشم رائحة قرص البندورة من وادي الدريج؟! ولماذا أتلمظ طعم ثلج الجرد المتبلور؟!..

ومن يقول لي لماذا يعم الظلام داخلنا؟!..

*           *              *

هل حقيقة يعم الظلام داخلنا؟!..

وهل القلب ينبض في الظلام؟!..

هل أرى في وجوهكم أيها الزملاء الباقون ما كان في وجوهكم التي انغرست فيها خطوط القدم، هل أرى بواقي الحب القديم، ينشد بقايا الأناشيد القديمة؟!..

هل أرى في ذاك اليوم ضوء الأمل كما أرى فيه القهر الأسود؟!..

وإذا كان النهر موجوداً دائماً يحاول التمدد والانتفاخ..

فلماذا لا أسدد لبالونه رأس دبوس؟..

ولماذا لا أوقد زيت القنديل ليكبر الضوء ؟!..

خذوني إلى رابية أرى منها حلبون ومنين والتل!..

خذوني أبكي عند شجر تين البعل على زمن راح فيه الحب، راح بعيداً وعاد يلبس ثوباً مغطى بأوراق المال ملوناً بألوان الراقصات، رائحته ليست من أوديتنا ولا من جبالنا وليست من عين الفاخوخ..

خذوني أموت في مقبرة سيدي قسام عند جدي وجدتي وأبي وزميلي نزيه!.. فهناك أعيش من جديد وإلى الأبد!..

ويا زملائي.. إنني أنظر في عيونكم، وأرى أولادكم وأولادي، أحفادكم وأحفادي..

وأقول يا أيها الزملاء.. لو رحلنا..

لو رحلنا أيها الزملاء، فنحن باقون!..

-=-=-=-=-=-

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm