زمن الصبر
وقد صدر باللغتين العربية والإنكليزية

|
لا أستطيع أن أتحدث عن هذا الرجل إلا وأنا منتصب احتراماً له في حياته وفي رحيله ! هذا الإنسان البسيط هو العملاق في وقفة الصبر والشهامة والحكمة التي لم يشهد العرب لها مثيلاً في تاريخهم الحديث .. هذا القائد الواضح القريب من شعبه قرب القلب من الضلوع هو الأنموذج الأمثل لدفق العطاء لكل خلية في جسم الوطن .. وقد رحل .. لكنه رحل جسداً ولم يرحل أنموذجاً لهذه الأمة من أقصاها لأقصاها .. بكوا فراقه كثيراً لكنه بقي في كل وجدانهم وضمائرهم وخفقات قلوبهم .. وبذا لم يرحل ، ولن يرحل طالما بقي تاريخٌ يتحدث عن أعظم قلب وأعظم جود وأعظم حكمة وصبر ، وكلها وجدت في رجل وإنسان واحد .. تحدث الكثيرون عن مناقبه ، ولكن الأديبة مريم مؤلفة هذا الكتاب رأت هذا الرجل الخالد من الزوايا الخاصة البسيطة والتفاصيل اليومية بشكل سلطت الضوء فيه على جوانبه الإنسانية الدقيقة والرائعة بشكل لم يسبقها إليه أحد .. وبهذا فإن للمؤلفة الحق علينا في أن نعترف بأن عطاءها هذا في الحديث عن رجل كهذا هو شعلة على الطريق لفهم إنسان عظيم وخالد كالشيخ زايد .. له مكانته في قلوب العرب جميعاً أنى كانوا في هذا العالم .. زهير |

الشارقة - محمد إسماعيل زاهر:
استطاعت مريم محيي الدين ملا في روايتها “زمن الصبر” أن ترصد سيرة وطن في أشد
لحظاته التاريخية المصيرية. فأحداث الرواية تتناول السنوات الأولى في حكم المغفور
له بإذن الله الشيخ زايد عندما كان حاكماً للعين وكيف استطاع بشخصيته الآثرة ومحبة
الناس له أن يقود الإمارات إلى الوحدة ثم النهضة التي تتلمس تجلياتها في قطاعات
عدة.
اعتمدت ملا على أسلوب استخدام الراوي والذي يتحدث طوال السرد بضمير الأنا ليكسب
رؤيته مصداقية وحميمية أكثر والراوي هنا شخصية حقيقية عاصرت الحدث الروائي،
واستطاعت ملا أيضاً أن تخلق مكاناً روائياً مدهشاً وخلاباً فالقارئ يتنقل معها من
الفريج في أبوظبي إلى واحة العين إلى منطقة حماسة وسط العين ويمر بجزر دلما، اللوهة
أم الحطب، ويشاهد جبال الحفيت والظنة.
ويتمتع بقصور المويجعي والحصن والعين ويعيش مع شخصيات منها من ينتمي إلى العائلة
الحاكمة أو عائلة الراوي أو يغوص مع الراوي نفسه في تقنيات روائية وظفتها الكاتبة
بنجاح وتتنوع بين الحوار والمونولوج والأحاسيس والمشاهدات الذاتية.
يمتد عالم الرواية أيضاً ليخلق جماليات أخرى فنحن نقرأ مقاطع سردية عدة تتناول حياة
البادية ومشاهدات فطرية لدخول مفردات التحديث إلى البلاد وتقع أعيننا على مقاطع من
الشعر الشعبي، إنها محاولة من الكاتبة لإبداع بناء روائي شبه ملحمي تقول ملا في
مقدمة الرواية “لقد رافقني في روايتي 31 شخصية متخيلة وزعتهم بين البر والبحر
يحملون أسماء إماراتية بحتة ونطقوا ب 300 كلمة إماراتية محكية ورافقهم بعض الألغاز
الصحراوية وأغاني الأطفال وأمثال شعبية أما أجمل ما تفوه به بعض أبطال روايتي فهو
الشعر النبطي والأهازيج البحرية”.
يسجل الراوي الطفل لقاءه مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد في قصر العين، يجلس
الطفل في باحة القصر ويستمتع بمشاهدة برج الحمام يتتبع الحمامات البيضاء وهي تخرج
من البرج وتحلق عالياً لتشكل في السماء سرباً أبيض يختلط لونه بلون الغيوم الصيفية
النقية وتتابع الكاتبة في سرد مؤثر “لا أذكر من تلك اللحظة سوى آخر حمامة غادرت
البرج، وطرف ذيلها الرقيق، ثم غابت عن عيني، لاحقتها ببصري وفجأة وقعت عيناي عليه،
وجه وسيم لرجل يضع كفه اليسرى على اليمنى، يراقب ما يجري بيني وبين تلك الحمامات،
مد يده إلي ليساعدني على النهوض، فغابت يدي الصغيرة بكفه الكبيرة، نهضت، فلم يتجاوز
رأسي منتصف جسده الطويل، كان عريض المنكبين، يضع تحت حزامه خنجراً عربياً من الفضة
الخالصة، وله لحية خفيفة زادته وسامة وهيبة ووقاراً.
وفي مقاطع متفرقة من الرواية نتابع مع الكاتبة الملامح الإنسانية للمغفور له الشيخ
زايد، فهو شخص يحزن إذا رأى امرأة وحيدة لا أهل لها ومعها أطفال “فكان يحتضن
الأطفال ويجلسهم على ركبته ثم يدخل يده في جيبه ليخرج بعض النقود ويعطيهم إياها،
كانت جيوبه تفرغ تماماً، ويتخلى عن كل ما لديه لمساعدة الناس من حوله ويمنحه
للأهالي بطيب خاطر، وكان يسرح بنظره بعيداً متأملاً الصحراء. وكنا نعرف أن جيبه قد
فرغ حين نسمعه يبث في نفوسهم الأمل، كان يشبه كل الرجال، ولكن إيمانه بالله لا يشبه
إيمان أحد”.
هذه الشخصية الخلابة التي رسمتها ملا ببراعة للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد تكتمل
أركانها في مقاطع أخرى داخل السرد حيث تصور الكاتبة السمات القيادية للشيخ زايد
“كان الأهالي يصدقون كل كلمة يتفوه بها، وكان هو يدرك هموم الأهالي قبل ان ينطقوا
بها، إذ كانت لديه فراسة كبيرة، فهو قادر على أن يميز بين الكاذب والصادق بسهولة”،
وبعد أن يغوص القارئ مع الراوي في منمنات تتوزع بين ما هو تاريخي وما هو تراثي
ويستمع إلى آمال البشر وآلامهم المكونة لحلم الوحدة والنهوض يرد الراوي في النهاية
“لقد أصبح طريقنا واضحاً لنبدأ بالعلم والبناء في ظل حاكمنا الشيخ زايد”.
وفي نهاية الرواية يخرج القارئ بإحساس أنه أمام عمل سردي مكتمل مكتوب بلغة شفافة
تستمد مفرداتها من محبة الكاتبة للشيخ زايد وعوالمها من جماليات البيئة المحلية
والتي استخدمت الكاتبة مفرداتها بحرفية عالية وتنتمي بقدرتها على المزج بين السيرة
الذاتية للرواي وتتبع المتغيرات الاجتماعية إلى جنس أدبي يجمع بين جماليات الرواية
وواقعية السيرة الذاتية.

من تاريخ وتراث
دولة الإمارات العربية المتحدة
إمارة أبوظبي # العين
1928 - 1966
مريم محيي الدين ملا
|
3
حقوق الطبع والنشرمحفوظة لدى الكاتبة وعنوانها: دولة الإمارات العربية المتحدة الموقع الخاص بالكاتبة: www.mariammalla.com ص ب: أبوظبي 25639
|
المؤلـــــفة : مريم محيي الدين ملا اسم الكتاب : زمن الصبر الموضـــوع : رواية قيد الكتاب : تم قيد الكتاب في سجل الإيداع النوعي بقسم الملكية الفكرية وحقوق المؤلف في وزارة الإعلام والثقافة بدولة الإمارات العربية المتحدة (أبوظبي) . رقم : 218 تاريخ : 2005 إذن الطباعة موافقة وزارة الإعلام أبوظبي: رقم : 4628 تاريخ : 13/9/2005
الضبط اللغوي : فوّاز الشعّار تصميم الغلاف : عصام الحناوي الإخراج الفني : هشام عبد الهادي
الطبعة الثانية
|
m
ثلاثة وعشرون عاما قضيتها إلى الآن في دولة الإمارات العربية المتحدة، هي سنوات تمثل عمراً طويلاً، ولحظات أطول،وأيام قضيتها بين العلم والعمل المتواصلين.
أهم محطاتي في الكتابة كانت حين انطلقت من مكتب حرم صاحب السموّ رئيس الدولة لشؤون المواطنات والخدمات الاجتماعية سموّ الشيخة فاطمة بنت مبارك "أم الإمارات" والذي كان له الفضل في تحقيق أمنياتي الكثيرة،وانطلقت منه.
وقد كان الفضل الأكبر لصاحب السموّ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ رحمه الله ـ الذي ترعرعت وكبرت في وطنه كما كبرت النخلة، فأنا كنت واحدة من تلك النخلات السعيدات المطمئنات، فهنا يد كريمه تعطي، ونفس طيبة ترعى، وقلب عامر بالحب يخفق،ونفس ملأى بالإيمان تتنفس، هو ذا الشيخ زايد.
ولئن عجزت الكلمات والأقلام عن الوفاء لذلك القائد، فقد حاولت جاهدة حمل راية العرفان، حيث أهديت روايتي الأولى في عام 2003 إلى دولة الإمارات، وكان ـ رحمه الله ـ على قيد الحياة أما في عام 2005 فكتبت له ومن أجله محبة وعرفاناً .
لن أنسى ـ ماحييت ـ بأنني سرت إليه، وبقيت لساعات طويلة،وأنا أنتظرلأودعه الوداع الأخير، لقد سرت دون أن يشعر بي أحد أو يهتمّ، وجلست تحت نخلة أرثيه بينما كان جسده الطاهر مسجّى في المسجد المقابل لتلك النخلة، وقد حرصت أشد الحرص على أن أضمّ إلى روايتي تلك القصيدة النثرية التي أهديتها إلى روحه الطاهرة .
ووفاء مني حاولت أن أكتب بأمانة شديدة سيرة حياته الأولى لأني رأيتها الأساس، فهو رحمه الله وضع حجراً فوق حجر، وزرع نخلة بعد نخلة ليصبح وطناً ودولة نفخر بها فيما بعد، لأؤكد أن هذه الرواية التي بين أيديكم الآن سكبت فيها كل مشاعري وأحاسيسي . وأكاد أجزم أن كلماتي وخيالي هما ملك لي ؛ وهما أيضاً كل ما أستطيع أن أقدمه إلى روحه الطاهرة رحمه الله‘ وللتاريخ، ولدولة الإمارات .
"زمن الصبر" ذلك الزمن الذي لم أعشه قط، ولكن طالما رأيته في كفيه كما رأيت الإيمان في عينيه اللتين أغلقهما إلى الأبد . سيبقى الحبّ دائماً وأبداً هو الدافع لكل إنسان لكي يعطي ويخلص وسيبقى الحبّ أيضاً يرافق الكاتب أينما حلّ وارتحل ليكتب ويبدع .
لقد تفجّرهذا الحب حين بدأت بكتابة روايتي الثالثة زمن الصبر، والتي استطعت فيها أن أعبّر بصدق عن حبي لدولة الإمارات التي شهدت نهضتها متنقلة بين إماراتها .
ولكنني لم أشهد عصر ماقبل النفط ؛ ذلك العصر الذي لعب بخيالي وسكنه طويلاً واحتل جزءاً كبيراً من أعماقي طوال سنوات عدة . فباشرت بالقراءة العميقة عنه لما يحمل ذلك من أهمية كبيرة لأساس قوي لعصر النهضة والاتحاد. واستطعت من خلال بحثي المتواصل وقراءاتي الكثيرة والمتنوعة أن أهتدي مع كل كتاب عن ذلك العصر ـ رغم ندرتها ـ ولم أكتفِ بذلك إنما بحثت عن أناس حقيقيين عاشوا تلك السنوات التي أعتبرها من أصعب الأعوام التي يمكن أن يحيا فيها الإنسان ضمن بيئة فقيرة تكاد تكون معدومة لا ملامح لها .
حاولت أن أشكل تلك الملامح وأرسمها، لأبرزها قدر المستطاع على الورق، فقد كانت الوجوه في أحيان قليلة ضاحكة، وفي أحيان كثيرة باكية دامعة، تتراقص دموعها أمامي وكانت تفجرني أكثر وأكثر لأزيد من اندفاعي في التعبير والوصف، ولعل أبرز من زادني تشجيعاً ومثابرة هو/ سعادة محمد عبد الجليل الفهيم الذي كنت قد لجأت إليه ليرسم معي ملامح المرحلة، فهو قد عاش تلك الحقبة، وساعدني لخلق صدقية أكثر لروايتي؛ فقد جعلت من شخصيته (الراوي الملهم) وقد أسعدني وأسعده ذلك. وكان يبدو تأثره واضحاً كلما قرأت له ما كتبته وما ابتدعته من مخيلتي، وكنت أرجوه بيني وبين نفسي أن لاتغيب ملامحه عني هو أيضاً. فكانت تبدو عليه شدة التأثر كلما أنهيت خمسين صفحة كنت أطلعه عليها تباعاً، وكثيراً مارفعت رأسي ولا أجد وجهه عندها أعرف أنني عبرّت بشكل صحيح ودقيق عما كنا نناقشه معا .
في هذه الأثناء حدث شيء، هزّ كياني وكنت قد قد قطعت شوطاً لابأس به من الكتابة، ووجدت أن الرواية انحرفت بي إلى اتجاه آخر . إلا الحب فهو لم يفارقني ولم يفارق شخصيات روايتي بل ازدادوا عدداً، ولكن فارقنا ـ رحمه الله ـ الشيخ زايد.
فوجدت أمامي شخصية أخرى حقيقية أيضا تملؤها الإنسانية، والتي تحمل ملامح الماضي بكل أشكاله وألوانه والذي بحثت عنه ووجدته بصعوباته وتحدياته وتفاصيله .
لهذا انطلقت من إمارة أبوظبي وصورت حياة الناس فيها بتفاصيلها الدقيقة،وتوغلت في واحة العين التي احتلت جزءاً كبيراً من روايتي، تلك الواحة التي أحبّها الشيخ زايد رحمه الله، وكانت هي فترة الصبر،وفترة التحديات والتصميم والعزيمة والإيمان والإصرار عندما كان حاكماً فيها.
ثم انتقلت إلى عالم البحر المجهول، ومنه إلى عالم الغوص المخيف، الذي نكاد لانعرف عنه شيئاً فلم أتركه مجهولاً ولا مخيفاً، أظهرته للنور بعناية كبيرة، وبعد ذلك أمسكت حبلاً طويلاً رماه لي أحد الغواصين ( بطل من أبطال روايتي ) لففته ثم ربطته بالجزر الجميلة المترامية على أطراف أبو ظبي ليستريح نصف أبطال الرواية من نوخذة وسيب ومجدمي وغواصين من عناء الغوص الذي لا عناء بعده، ليلتقطوا أنفاسهم والتقط أنفاسي، أنا أيضا معهم لأتخيل عودتهم سالمين عن طريق البر، لأظهر حياة البدو بترحلهم، وأصور صبرهم أيضا .
لقد رافقني في روايتي إحدى وثلاثون شخصية متخيلة وزعتها بين البر والبحر تحمل أسماء اماراتية بحته ونطقت بثلاثمئة كلمة إماراتية محكية ورافقتها بعض الألغاز الصحراوية، وأغاني الأطفال، وأمثال شعبية. أما أجمل ما تفوه به بعض أبطال روايتي فهو الشعر النبطي والأهازيج البحرية التي كنت أسمعها وأرددها من بعيد معهم ونحن عائدون إلى أبوظبي بسلام وأمان .
لقد زادتني رواية زمن الصبر إيماناً بمعنى الوطن، وفجرت الحبّ عندي في اتجاهات كثيرة، فأحببت شخصيات روايتي ولم أتخلّ عنها، فهل كان يكفي رحيل الشيخ زايد الذي أحببناه جميعاً بصدق ليزيد من ألمي ومن تدفق الحبر إلى قلمي ليكتب أيضاً إهداء لروحه ولزمنه الذي بدأت فيه روايتي زمن الصبر ؟
المؤلفة