|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
"في المدنيّة نتقدم بمعارف
التكنولوجيا، لكنها حضارة
السلوك، هي مانحتاج."
|
|
وادي القرود |
1/5/1999
أنا أول من كانت له أحفاد، عجّلتُ في زواجي وزواج أولادي، واستعجل أولادي وأولادهم في المجيء، فأصبحت جداً وأنا مازلت شاباً..
أحببتهم، ليس لأنهم أحفادي، بل لأنني أرى فيهم نفسي وأيامي التي اشتهيتها أن تدوم الدهر كله.. ولكنها لم تدم.. أحبوني هم أيضاً والتصقوا بي.. فكنت كلما عدت من عملي أجلس إليهم ويلتفون حولي مثلما تلتف في محاجرهم دوائر الشغف والتساؤلات الصغيرة..
أحبوا قصصي التي سردتها لهم- قصص الثعالب والأرانب والغزلان والأفاعي والعصافير والسندباد والشاطر حسن.. لكنهم كانوا وفي كل مرة يصرون على أن أعيد لهم حكاية وادي القرود.
* * *
- كان، ويا ماكان!..
في صحراء ممتدة بلا حدود، صفراء كأوراق الخريف، ممتدة بلا اتجاهات محددة وبلا نهاية، لاتغيب عنها الشمس، ولا يطالها ليل، وهجها يحرق الجلد والقلوب ويطرد المياه..
في تلك الصحراء الممتدة يسكن العدم والصخر واليباس واللانهاية في الصمت، حيث انحرفت عنها الريح والابتسامة..
كانَ، وياماكان!..
كانَ هناك انغلاق ضائع بين صخور وامتدادات رمال تلك الصحراء..
في ذلك الانغلاق الوحيد تكونت تربة وانبثق نبع فنمت أشجار شديدة العلو قوية الاخضرار سكنتها الطيور من كل لون وكل شكل، وعاشت فيها كل أنواع الحيوانات الهادئة الصغيرة التي تقتات الأعشاب..
في تلك الجزيرة ما عرفت الحيوانات كلها أكل اللحوم، ولم تعرف لون الدم..
هناك عاشت القرود وتكاثرت وملأت سطح الأرض الخضراء وأغصان الشجر..
أصبح فَلْقُ الصحراء وادياً مفعماً بالحياة.. ونسي كل قاطفي الوادي أن هناك صحراء ميتة تحيط بهم من كل الاتجاهات ولايعرف أحد نهايتها أو مصيرها.. ولذا فقد كانوا سعداء..
نظرتُ في عيون أحفادي. أشرتُ إلى صغيرين منهما أن يقتربا مني ويجلسا على حجري وأنا متربع ومبتسم.. احتضنتهما إلى صدري وأحسست بضربات قلبيهما تمس ضربات قلبي فطغت سعادة على كل مداخل ومخارج الحياة في أيامي..
- السعادة يا أحبائي الصغار تمثلت في فرحهم الدائم، وفي حبهم الدائم لبعضهم البعض.. وابتسامتهم الدائمة.. هناك القرود تغني.. كما أنها ترقص من غصن إلى غصن، لا يأكل الذكر جوز الهند دون أنثاه، ولا تأكل الأنثى دون ذكرها.. لا تتنازع القرود على جوز الهند، ولا على الماء ولا يأكل القرد جوزة طالها غيرُه، فكل من طال مؤونة كانت له حتى لو بقيت على قاع الطريق..
ذات مرة ترك قرت جوزة طريقة قسمها بشكل منتظم في بؤرة شمس.. وخلال أيام لم تنقص قطعة واحدة بل وجد دائماً من يُذكِّره من القرود بألا ينساها، وبأن أخبارها جيدة وقد أصبح لونها جافاً، وبأن النسمة قد أزاحتها من مكانها.. لم تكن القرود تعرف السرقة ولا البول في زواريب الطرقات.. هناك يا أحبائي في واد القرود لا يحرقون الخرق لأنهم لا يعرفونها، ولا يشعلون النار لأنهم يتدفأون بإشعاعات أجسامهم فيما بينهم، وليست لديهم بيوت خاصة لأنه لا يوجد بينهم من ينظر إلى عورات الآخرين.. هناك لا يصنعون الثياب لأنهم لا يلبسونها، ولا يصنعون الحديد لأنهم لا يقتلون به ولا يركبونه ولا يطيرون فيه..
لا يصنعون الألوان والمنكهات والبهارات لأنهم يحبون الأشياء على طبيعتها كما خلقها ربهم، فهم يشربون الماء القراح من النبع ولا يحبون إضافة السكر والأصبغة إليه، ويفضلون أكل الفواكة بحلاوتها ورؤيتها بألوانها واستقبال روائحها مع النسمة كما هي دون تقطير..
قال أحد أحفادي:
- وهل لديهم مدرسة يذهبون إليها؟!..
أجبته مبتسماً عاشقاً لابتسامته:
- نعم لديهم مدرسة واحدة لا يذهبون إليها لأنهم دائماً فيها.. رأت القرود يا عزيزي أنه إذا ذهب الصغار إلى مدرسة ذات بناء وجدران وصفوف ومعلمين فإنهم سيتعلمون فيها أموراً لايجدونها خارجها، فقرروا أن يجعلوها كل حياتهم، فهم يرون في الشوارع ما عليهم أن يتعلمونه في أي مدرسة.. نحن نتعلم الصدق في مدارسنا، وهم يرونه في الشارع.. نحن نبحث عن حلولٍ لعُقّدٍ نصنعها وهم لا يصنعون تلك العقد.. نحن نتعلم الحساب في مدارسنا على اللوح، وهم يتعلمون عد الأشجار في الطريق، ثم في الطرق، ويعرفون كم يكفي لكل فرد فيهم، وكم تحمل كل شجرة من الثمار..
نحن نتعلم عن المعادن والغازات بمعادلات نكتبها بالطباشير، وهم يعلمون كيف ومتى يجب أن يضعوا المعادن في مكانها، وأي رائحة يجب أن يشموا..
نحن نهرول إلى الطبيب صارخين من الألم، وهم يغرقون في صوفيه يعلمون منها مواطن الضعف في بدايته، ومكامن المرض في أدوار الحضانة، فيهتدون من خلال شفافية عالمهم إلى أدوية الجبل في أعشابه، فيأكلون منها..
* * *
تعب حفيداي الجالسان على حضني فمالا في جلستيهما ثم تماسّا، ثم تدافعا.. ثم تضاربا..
زجرتهما:
- لماذا تضربه؟!.. وأنت لماذا تضربه؟!..
لم يستمعا لي واستمرا في التدافع والضرب.. أدخلت يدي بينهما، وكان ذلك بالطبع يعني أنني لم أعد أسند أحدهما، فوقع على حجري.. مددت يديَّ لالتقطه فسقط الثاني.. فراحا يصرخان من أعماقهما ثم رأيتهما يندفعان نحو بعضهما في قوة عجيبة و يلطم أحدهما الآخر، بحقد عميق..
تبادلا السباب والشتائم..
واندفع واحد من الأحفاد ينتصر لأخيه، بينما اندفع آخر ينتصر لأخيه الآخر، ولم تمض لحظات حتى لجأ بعضهم إلى استخراج الدم من وجوه الآخرين.. وإلى شق ثيابهم، وإلى انتزاع اللقم الصغيرة من أفواههم..
أُحِبُّ أحفادي في نزقهم وطيشهم وصراعاتهم ورغباتهم ونزاعاتهم لكنني لا أحب ثيابهم الممزقة ولا وجوههم المخدوشة ولا آثار الدماء من أنوفهم…
صرخت فيهمن وأحسب صوتي وصل إلى الصحراء الممتدة وغمرها كلها، فتوقفوا فجأة عن الحركة خائفين عقابي.. قلت للأول إنني سأقطع أذنه وأطعمها للفئران، وقلت للثاني إنني سأحرمه قطعة الحلوى، وقلت للثالث إنني سأضع في فمه الفلفل.. خاف الآخرون، صمتوا ثم تحركوا بحذر شديد وعادوا إلى جلستهم؟..
تنفست بعمق.. هدأتُ، إلى أن استجمعتُ نفسي مجدداً.. وسألتهم:
- ألا تريدون أن تعرفوا ماذا حصل للقرود؟!..
أجابني صبي مشاكس معاند بين الأحفاد:
- ماذا حصل يا جدو ؟! دائماً تعيد علينا نفس الحكاية، ولكنك لا تتم القصة.. تقول إنهم أصبحوا كثيرين حتى ضاق بهم الوادي ولم يعودوا يعرفوا ماذا يفعلون.. ثم تعدُنا بأنك ستنهي الحكاية ولكنك دائماً لا تفعل!..
أجبته بثقة:
- طالما أنكم في كل مرة تصارعون بعضكم، وتأخذون ما ليس لكم، وتدّعون شؤونا غير حقيقتكم.. فكيف لي أن أنهي الحكاية؟!..
جلسوا مؤدبين ووضعوا كالنجباء أيديهم فوق بعضها على وسطهم، واستقاموا بجذعهم ثم أصاخوا السمع ونظروا في وجهي..
- كما قلتُ لكم يا أحبائي الصغار عاش القرود سعداء في الوادي دهوراً.. استطالت أعمارهم لأنهم لم يفرزوا الجراثيم والطفيليات، فتكاثروا وضاقت بهم الحياة رويداً رويداً.. أصبحت جوزات الأشجار لا تكفي.. وأصبحت المياه ضحلة ذات رائحة فتكاثر البعوض.. كانوا حائرين ماذا يفعلون.. فقرروا اجتماعاً في وسط الوادي لكبارهم وعقلائهم..
جلست القرود على الأرض دائرةً واسعة.. جلس كبار السن والحكماء في الصف الأول ثم الآخرون في الصفوف التالية.
قال قرد حكيم:
- أرى أن يمتنع كل ذكر عن معاشرة زوجته خلال السنوات القادمة.
وقال آخر:
- أنا أرى أن يتم تقسيم أرض الوادي إلى أجزاء يأخذ كل رب أسرة قِرَديّةٍ قطعةً تتناسب مع حجم أسرته.
وقال حكيمهم الكبير..
- أرى أن نحول قسماً من راحتنا الطويلة إلى عمل، وبدل أن تكون لدينا ألف شجرة يصبح لدينا خمسة آلاف.. وبدل أن يكون لدينا نبع واحد يصبح لدينا خمسة ينابيع..
عندما كان يتحدث القرد كان يستمع إليه الآخرون بإصغاء شديد لا يقاطعه أحد إلى أن ينتهي ويشير لهم بأنه انتهى، والمتحدث فقط هو الذي يستطيع أن يأذن بالحديث إلى من يأتي بعده..
جاءت فترة صمت.. صمت مطبق على الآذان والعيون والجفون.. يا أولادي..
كانت هذه هي فترة التأمل والتأني لدى القرود، الكل يحترمها ويحبها، هناك حيث يعود كل واحد إلى داخله يبحث عن الحق بغير أنانية، ويبحث عن المحبة دون لذة، ويبحث عن الصفاء بلا جسد.. فترة الصمت مقدسة.. عميقة، جماعية، تؤدي دائماً إلى نتيجة هي الأصح والأسلم.
في تلك اللحظة فوجئ جَمْعُ القرود برجل جميل الهيئة يأتي بحلة ملونة كذيل أبي الحناء، يظهر وسطهم مبتسماً بغرابة.. ينقّل أنظارَه من قرد إلى آخر.. ثم يعيد تأكيد ابتسامته، ثم يقول:
- أيها القرود. يا حكماء القرود وأبطالهم وفرسانهم، أنتم الذين بنيتم المجد الغابر والذين ستبنون المستقبل المشرق.. أنتم أيها الذين بنيتم مشارق الأرض ومغاربها وعمرتم الصحراء وأشدتم المصانع..
نظر كل قرد إلى من حوله، وقال في نفسه:
"من الذي بنى كل ذلك؟.. لا أظنه جاري، ولا أظنه ذلك القرد الآخر.. لا بد أن الذي فعل كل ذلك هو أنا.."
تابع الرجل الجميل:
- أنتم يا مجتمع القرود في داخلكم خلل، لا مكان للمتواكلين وللأعداء بينكم!.. وليأخذ كل صاحب حق حقه..
نظرت القرود إلى بعضها.. وقال كل واحد فيهم:
- أنا صاحب الحق..
- بل أنا صاحب الحق..
- لا أنت ولا أنت، أنا صاحب الحق..
دفع قرد آخر..
بصق قرد على آخر..
لطم قرد قرداً آخر..
دخل الجمع في الجمع.. وخرجوا مجموعة مليئة بالجراح..
ولأول مرة رأى القرود لون الدم.
* * *
اختفى الرجل ذي الحلة الملونة كذيل أبي الحناء، وبقي قرود الوادي يسكنهم الألم ويسكن ماءهم الضحل لون أحمل، وتسكن في أنسامهم روائح العفن..
* * *
من أقصى الجروح، من تحت الرماد..
من ليالٍ سودٍ، في عمق البلادِ..
جرى قلب قردٍ
جرت كل القلوب..
تُمْسِكُ حجارة الوادي
وتصرخُ،
كما لم تصرخِ الآلام،
في صدر العبادِ..
حكماء كل القرودِ..
تبحث عن الأحبّاء..
تبحث عن ضمادٍ..
تُنادي..
* * *
صَمَتُّ، (بَحْلَقَ) أحفادي في عيني.. لا يريد أحدهم أن يحرك شفتيه كي لا يفسد حيرة الصمت.. ولكن عيونهم كانت تسأل:
- "وبعد؟"..
تابعت حديثي وقصتي:
- يا أولاد، من الآلام تنبت الأفراح.. جرت قلوب القرود كئيبة، وقد علموا بالخطأ الذي قاموا به، دعوا إلى اجتماع يضم بقايا الحكماء والأفراد..
وهناك على نفس المنبسط الذي لم يعد نظيفاً،
التأم الشمل ثانية..
وكان القرار الأول أن يضعوا حرساً على واديهم فيمنعوا وصول الرجل الجميل بحليته الملونة كذيل أبي الحق إلى الوادي..
وكان القرار الثاني بتنظيم فرق لتنظيف الوادي، وكان القرار الثالث بتعميق مجرى النبع وتنظيم جريانه وحفظ مائه وفحص نقاوته..
وكان القرار الرابع بزراعة أشجار جديدة ومكافحة ديدانها..
وكان القرار الخامس بالاستفادة من قوة الريح والجريان وأشعة الشمس..
وكان القرار السادس باستخلاص الأدوية من الأعشاب ودراسة الحاجة لها..
وهكذا أيها الأولاد، استعادت القرود أوضاعها الصحيحة، فأعادت رسم الوادي من جديد، وأشعلت فيه جذوة من الحب مازالت متأججة إلى اليوم، وهي باقية إلى الأبد..
وهكذا يا أحفادي الأحباء تنتهي……..
وقبل أن أقفل الحكاية، قفز أحد الأحفاد منتصباً، وأشار لي بسبابته وكأنه يتهمني:
- هل كان الرجل الجميل باللحية الملونة كذيل أبي الحق إنساناً مثلنا؟..
أجبته ببساطة شديدة..
- نعم مثلنا!..
ازداد الولد استغراباً:
- وهل مثلنا من يفعل كل هذا الشر؟!..
دُهِشْتُ، وازدادت دهشتي كلما ازددت عمقاً في سؤاله..
- نعم مثلنا من يفعل!.. ومثلنا من يفعل الخير أيضاً..
ألم تر إليكم وقد تدافعتم وتضاربتم وآذيتم أنفسكم وأنتم صغار لأسباب صغيرة لا تستحق!… أنتم صغار!.. فماذا يفعل الكبار بكل أسلحتهم الجهنمية وبكل وسائل ظلمهم؟!..
ولكن يا بني تعلم أنه كما يوجد الشر في هذه الدنيا، فكذلك يوجد الخير..
جلس الطفل وصمت فتابعتُ قائلاً:
- وهكذا يا أحفادي الأحباء تنتهي حكاية وادي القرود، وسبحان الباقي على الدوام!..
ارتخيت في مكاني بينما انفضَّ أحفادي من حولي.. نظرتُ إلى السماء، ثم عدتُ إلى وادي القرود، فأعجبتني النسماتُ والمحبة، ودغدغت أحاسيسي نظراتُ الإخلاص والشغف في الحياة النظيفة..
رأيتُ جسدي مغبراً قذراً عليه كتابات الحروب بالدم، والعار بالخديعة، وعالماً من الآلام يغطي كل البشر.. سألت نفسي:
" عندما وضع داروين نظرية النشوء والارتقاء، ورأى من خلالها أنه ربما تطور القرد إلى إنسان، ألم يخطر في باله أبداً أن يكون الإنسان هو الذي تطوّر إلى قرد…
أو هو ،ربما، بحاجة إلى أن يصبح قرداً في يومٍ من الأيام؟!..
-=-=-=-=-=-
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|