تشيكوف

أنطون تشيخوف

أنطون تشيكوف

أنطون بافلوفيتش تشيكوف ( 29 يناير 1860 - 15 يوليو 1904 ) من كبار الأدباء الروس كما أنه من أفضل كتاب القصة القصيرة على مستوى العالم. كتب عدة مئات من القصص القصيرة وتعتبر الكثير منها ابداعات فنية كلاسيكية ، كما أن مسرحياته كان لها أعظم الأثر على دراما القرن العشرين.

 القيمة الفنية

تعلم الكثير من كتاب المسرحيات المعاصرين من تشيكوف كيفية استخدام (المزاج العام للقصة والتفاصيل الدقيقة الظاهرة وتجمد الأحداث الخارجية في القصة) لابراز النفسية الداخلية للشخصيات.

له 4 مسرحيات كبرى وهي :

  • النورس The Seagull

  • عمي فانيا Uncle Vanya

  • الأخوات الثلاث The Three Sisters

  • بستان الكرز The Cherry Orchard

وقد تمت اعادة اخراجهم في انتاجات حديثة.

 ولد تشيخوف في ميناء محلي صغير على بحر أزوف يسمى تاجنروج جنوب روسيا، ابنا لتاجر (يحظى بمكانة ثالث أهم تاجر في طائفة التجار) وحفيدا لقِن أشترى حريته من ماله، وكان تشيخوف الأبن الثالث من ستة أبناء. دخل انطون مدرسة يونانية للصبيان، وفي عامه الثامن أرسلوه إلى جينمازيوم (نوع من المدارس الثانوي في بعض أجزاء أوروبا يوفر التعليم المعتاد إلى جانب التعليم الرياضي) لكنه أثبت فشلا في مسألة النشاط والرياضة، واشتهر هناك بتعليقاته الساخرة ومزاحه وبراعته في إطلاق الألقاب الساخرة على الأساتذة، وكان يستمتع بالتمثيل في مسرح الهواة وأحيانا كان يؤدي أدوارا في عروض المسرح المحلي. وقد جرب يده آنئذ في كتابة "مواقف" قصيرة، وقصص هزلية فكهة، ومن المعروف إنه ألف في تلك السن أيضا مسرحية طويلة أسمها "دون أب" لكنه تخلص منها فيما بعد. كان أنطون عاشقا للمسرح والأدب منذ صغره، وحضر أول عرض مسرحي في حياته (أوبرا هيلين الجميلة لباخ) عندما كان في الثالثة عشرة من عمره، ومنذ تلك اللحظة أضحى عاشقا للمسرح، وكان ينفق كل مدخراته لحضور المسرحيات، وكان مقعده المفضل في الخلف نظرا لأن سعره أقل (40 كوبيك فضيا)، وكانت الجيمنازيم لا تسمح لطلبتها بالذهاب إلى المسرح إلا بتصريح خاص من المدرسة، وكان هذا التصريح لا يصدر غالبا بسهولة، وليس سوى في العطلات الأسبوعية فقط، لهذا كان أنطون وأصدقائه يقومون ببعض الحيل التنكرية كأن يضعوا العوينات أو الذقون المستعارة للتهرب من طاقم المدرسين الذين يبحثون عن طلبة الجيمنازيوم الذين يذهبون إلى المسرح دون التصريح لهم.

 

من  الموسوعة الحرة

تشيخوف علامة بارزة في المسرح الحديث

لا يمكن ان يختلف اثنان على ان ما تركه لنا انطوان تشيخوف هو هذه الثروة المسرحية المتميزة التي تفوق مقاييس الزمان والمكان اللذين كتب فيهما المؤلف المسرحي والقصصي الشهير أهم اعماله على الاطلاق وهو ما تشير اليه على نحو واضح ترجمات العديد من هذه الاعمال وفي مقدمتها انجازاته المسرحية ونأتي هنا على ذكر ترجمة المسرحي الامريكي المتخصص في تدريس اللغة الروسية بول شميدت لمجموعة من هذه الاعمال في كتابه (مسرحيات انطوان تشيخوف) الصادر في 1998
نعكس تأثير تشيخوف الشديد بالحركة الأدبية الرمزية على تجربته الكتابية في التأليف المسرحي وكتابة القصة القصيرة الأمور التي تنطلق الى حد بعيد من تجربته الشخصية التي تؤرخ لواقع حياة ابناء الطبقة الارستقراطية الاقطاعية الروسية.
أما السنوات ما بين 1996 و2004 فقد خصصها النقد المسرحي الحديث للاحتفال بالذكرى المئوية لأفضل اعماله المسرحية أو ما يمكن الانطلاق منه نحو اعادة تجديد واحياء هذا الموروث الابداعي الضخم بما يتناسب ومكانته على خارطة الادب المسرحي الحديث
حيث يعتقد العديد من النقاد ان ترجمة اعمال منها (الاخوات الثلاث) و(النورس) وبستان الكرز) و(عرض زواج) سواء على يد شميدت أو غيره قد نجحت في ابراز الاخلاص المتناهي لهذه الاعمال لأمرين في غاية الاهمية أولهما الامانة الشديدة في نقل صورة واقعية حقيقية لعصرها وتقديمها في الوقت ذاته لكل ما هو حي ومفعم بالحياة والسلاسة للمسرح الحديث, كما نجحت في اعادة رسم صورة حقيقية تذكر بحياة تشيخوف ونشاطه وروحه المرحة التي كانت تسيطر عليها روح الدعابة والفكاهة الى حد ملحوظ ويشار الى هذا في ترجمة شميدت الى العامية الامريكية وقدرتها على تجسيد ما كان يجذب رواد مسرح تشيخوف من عبارات سوقية يفترض انها كانت تشير الى تبنيه فكرة المسرح الكوميدي في ذلك الوقت
والحقيقة ان اهم ما قام به شميدت هو انه تمكن ودون مساومة لإسقاط عناصر مهمة منها الكوميديا والاطار التاريخي والاجتماعي من نقل خلاصة التجربة المسرحية الكاملة لتشيخوف بينما لم يتمكن آخرون من التواصل مع الكاتب الروسي الكبير بهذا القدر من الذكاء الذي ضمن له عدم الخروج على جوهر هذه الاعمال الاستثنائية
في مساء 17 اكتوبر 1896 عرضت على مسرح (الكساندرنسكي) في سانت بطرس بيرج مسرحية جديدة بعنوان (النورس) بمناسبة الاحتفال باليوبيل الفضي لولادة الممثلة الروسية الشهيرة في ذلك الوقت (الزافيتا ليفيكا) وكانت ليلة رهيبة بالنسبة لمؤلفها الكسندر تشيخوف الذي واجه فشلا ذريعا بتقديمه عملا مختلفا بكل المقاييس لم يتذوقه الجمهور الذي سرعان ما بدا متململا من تلك المعاناة الصامتة التي امتلأت بها المسرحية دون مراعاة للتقاليد المسرحية العريقة التي تعوّد عليها في السابق والتي تقوم في الأساس على ما يعرف بالحركة الدرامية. أما تشيخوف فقد تسلل هاربا الى الخارج كما لو انه كان لصاً
من هو تشيخوف؟
ولد انطوان بافلوفيتش تشيخوف في سنة 1860 في بلدة تاجانروج الفقيرة الواقعة على بعد 600 ميل جنوب العاصمة الروسية موسكو لأسرة يعمل افرادها في خدمة الطبقة الاقطاعية (الجد) وعلى الرغم من ان جده كان قد نجح في تحرير باقي افراد اسرته من القنانة الشيء الذي جعل والده يمتهن البقالة فيما بعد الا ان الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة التي عاشها في طفولته كانت قد ولّدت لدى تشيخوف نوعا من التحدي قاده اخيرا الى النجاح بالاستعانة بما كان يسميه العمل, العمل, العمل طالما ان احدا لن يمد لك يد العون والمساعدة. ومن اشهر ما قاله انه كان قد اكتسب موهبته في الكتابة من امه. فرغم ان (ايفجينيا تشيخوف) كانت امرأة من بين الكثيرات من نساء بلدة تاجانروج اللاتي لم يحصلن على قدر كاف من التعليم الا انها كانت تميل الى رواية القصة كما يقول تشيخوف
وكما يؤكد النقاد انه كان قد استوحى قصة (السهب) من ذاكرة امه, والمعروف انه كان قد نشأ نشأة دينية متميزة في صغره ودرس في المدرسة الاغريقية ومدرسة النحو في بلدته وفي سن السادسة عشرة كان تشيخوف قد اصبح العائل الاساسي لأسرته التي اخذت تعاني من ظروف مالية قاسية بسبب افلاس والده واضطرار الاسرة الى الهجرة الى موسكو ومع هذه المعاناة كانت ذكريات مثل تعرضه للاضهاد على يد مستخدميه وتعرض والدته للاهانة والضرب على يد والده قد وجدت صداها القوي في نفسه وهو ما تجسده على نحو واضح مقولته الشهيرة (لا شيء يمر بسهولة, ان الخطوة الصغيرة التي نتخذها في حياتنا تؤثر بقوة على مصيرنا في الحاضر والمستقبل). أما ذلك الاضطهاد الذي عانى منه جده حتى اضطر الى شراء حريته فهو ما يعبر عنه بقوله (أي اعصاب نملك وأي دم هذا الذي ورثناه؟)
وكانت اعراض مرض السل قد ظهرت عليه وهو في سن الرابعة والعشرين. في سنة 1879 التحق تشيخوف بكلية الطب التابعة لجامعة موسكو وخلال تلك المرحلة بدأ بنشر عدد من القصص القصيرة في صحيفة (سانت بطرس بيرج) ليذيع صيته ككاتب معروف في سنة 1886. وبعد تخرجه عمل في مهنة الطب حتى سنة 1892
في سنة 1890 سافر تشيخوف الى جزيرة سخالين وأتاحت له تلك الرحلة فرصة كبيرة للوقوف على معاناة اهالي الجزيرة التي تمكن من نقلها بتفاصيلها المحسوسة الى العالم الخارجي الى ابعد الحدود (الجزيرة: رحلة الى سخالين) وكان قد عاد من رحلته عبر سنغافورة والهند وسيلان وقناة السويس. ولم يتحول الى كاتب متفرغ الا في سنة 1886 ليحصل بعدها بسنتين على جائزة بوشكين في الأدب
على الرغم من ارتباط اسم تشيخوف بالقصة القصيرة الا ان شهرته الحالية تقوم الآن على ما قدمته في مجال الكتابة المسرحية, فبعد مراجعة ستانسلافسكي لمسرحية (النورس) في سنة 1898 لقيت اعماله الاخرى ترحيبا حارا من قبل جماهير النقاد والمتفرجين
وتأتي مسرحيات (العم فانيا) 1900 التي تعبر عن مأساة سونيا والعم فاينا الذين تذهب احلامهما وهما يعملان للآخرين في مقدمة هذه الأعمال المهمة بالاضافة الى الاخوات الثلاث التي تجسد مأساة الاخوات اللاتي يكتشفن تفاهة الحياة التي يعشنها فيعمدن الى مواساة بعضهن (يمكن مقارنة هذه القصة بقصة الاخوات برونتي) وفي هذه الاعمال المسرحية ينجح تشيخوف في المزج بين السخرية والفكاهة والتراجيديا تاركا مساحة كبيرة للخيال وللحركة الدرامية لكي تقهر بما يرمز اليه بقوة الاحتمال لدى شخصياته

منقول

أنموذج من أقصص تشيكوف

الألم

 

عُرف غريغوري بتروف ولسنوات طويلة ببراعته الفائقة في حرفة الخراطة، لكنه في نفس الوقت كان الأكثر حمقا وسذاجة في إقليم (غالتشينيسكوي)، فلكي ينقل زوجته المريضة إلى المستشفى، كان عليه أن يقود الزلاجة لمسافة عشرين ميل في جو شتائي عاصف، عبر طريق شديدة الوعورة. ولم تكن تلك بالمهمة اليسيرة حتى بالنسبة لسائق البريد الحكومي. كانت الرياح القارصة تضرب في وجهه مباشرة، وسحب الثلج تلتف في دوامات حوله في كل اتجاه، حتى أن المرء لا يدري إن كان هذا الثلج يتساقط من السماء أم يتصاعد من الأرض، بينما الرؤية معدومة تماما لكثافة الضباب الثلجي، فلم يكن يرى شيئا من الحقول والغابات وأعمدة التلغراف. وعندما كانت تضربه ريح قوية مفاجئة، كان يصاب بالعمى التام، فلا يعود يبصر حتى لجام الحصان، ذلك الحيوان البائس الذي كان يزحف ببطء وهو يجر قدميه في الثلج بوهن شديد. وكان الخراط قلقا متوترا ومتعجلا لا يكاد يستقر في مقعده وهو يسوط ظهر الحصان.

 

كان غريغوري يغمغم طول الوقت متحدثا إلى زوجته.

- لا تبكي يا ماتريونا. قليل من الصبر يا عزيزتي. سنصل المستشفى وعندها كل شيء سوف يكون على ما يرام... سيعطيك بافل ايفانيتش بضع قطرات، أو سأطلب منه أن يعمل لك الحجامة، أو ربما يتكرم ويرضى أن يدلك جسدك بالكحول. سيبذل كل ما في وسعه دون شك. نعم سيصرخ وينفعل لكنه في النهاية يبذل جهده. إنه رجل مهذب ولطيف. فليعطه الله الصحة. حالما نصل هناك ويرانا سيندفع من غرفته كالسهم ويبدأ بإطلاق السباب والشتائم. وسوف يصرخ: كيف؟ لماذا هكذا؟ لماذا لم تأتوا في الوقت المناسب؟ أنا لست كلبا كي أبقى عالقا هنا في انتظار حضراتكم طوال اليوم. لماذا لم تأتوا في الصباح؟ هيا اخرجوا، لا لن أستقبلكم. تعالوا غدا. فأرد عليه قائلا: يا حضرة الطبيب المبجل بافل إيفانيتش، نعم يمكنك أن تسب وتلعن وتشتم...،  وليأخذك الطاعون...أيها الشيطان....

 

ساط الخراط ظهر الحصان، ومن دون أن ينظر إلى المرأة العجوز الراقدة في العربة خلفه واصل حديثه مع نفسه:

- يا حضرة الطبيب المبجل، أقسم بالله، ولن أقول إلا الصدق، وها هو الصليب أرسمه على صدري أمامك بأنني انطلقت قبل طلوع الفجر، ولكن كيف يمكنني أن أكون عندك في الوقت المناسب وقد أرسل الرب هذه العاصفة الثلجية؟ تلطف وانظر بنفسك..إن أفضل الجياد لن تتمكن من السير في هكذا جو، وحصاني هذا الكائن البائس التعيس كما ترى بنفسك ليس حصانا على الإطلاق. عندها سيقطب بافل ايفانيتش حاجبيه ويصرخ: نحن نعرفكم، أنتم دائما بارعون في اختلاق الأعذار، وعلى الأخص أنت يا غريشكا. فأنا أعرفك حق المعرفة، وأقسم بأنك توقفت في نصف دزينة من الحانات قبل أن تأتي عندي. لكني سأقول له: أيها المحترم، هل أنا كافر أم مجرم حتى أتنقل بين الحانات بينما زوجتي المسكينة تلفظ أنفاسها الأخيرة؟ لعنة الله على الحانات وأصحابها وليأخذهم الطاعون جميعا. سيأمر بافل ايفانيتش عندها بنقلك إلى داخل المستشفى، فاركع عند قدميه. بافل ايفانيتش، أيها المحترم، نشكرك من صميم قلوبنا، وأرجو أن تسامحنا على حماقاتنا وسلوكنا الأرعن، وألا تكون قاسيا معنا نحن الفلاحون. نعم نحن نستحق منك لا الشتيمة فحسب بل حتى الرفس، وقد كنا سببا في خروجك وتلويث قدميك في الثلج. سينظر بافل ايفانيتش نحوي كأنه يريد أن يضربني وسيقول: ألا يجدر بك أيها الأحمق أن تشفق على هذه المسكينة وترعاها بدلا من أن تسكر وتأتي لتركع عند قدمي؟ والله أنت تستحق الجلد. نعم، نعم..أنت على حق في ذلك. أنا أستحق الجلد يا بافل ايفانيتش، فلتصب السماء لعناتها على رأسي، ثم ما الضير لو ركعت عند قدميك، فأنت أبونا وولي نعمتنا، ويحق لك يا سيدي أن تبصق في وجهي لو بدر مني ما يضايقك، وأقسم بالله على ذلك. سافعل كل ما تريده وتأمرني به..إذا استرجعت زوجتي العزيزة ماتريونا صحتها. وإذا أردتَ أصنع لك علبة سجاير فاخرة من أفضل أنواع الخشب، كراتا للعبة الكروكيت، أو أروع قناني خشبية للعبة البولنج..ولن آخذ منك قرشا واحدا. في موسكو تكلف علبة السجاير أربع روبلات، لكني سأصنعها لك دون مقابل. عندها سيضحك الطبيب ويقول: حسنا، حسنا...يبدو أنك سكران حتى الثمالة. كما ترين يا عزيزتي فأنا أعرف كيف أتعامل مع أبناء الطبقة العليا. ليس هنالك من سيد يستعصي علي. فقط أدعو من الله ألا أفقد الطريق. أنظري كم عنيفة هي الريح. لا أكاد أفتح عيني من شدة اندفاع الثلج.

ولم يتوقف الخراط عن حديثه المتواصل مع نفسه، في محاولة منه على ما يبدو للتخفيف من ضغط المشاعر الحادة عليه. كانت الكلمات كثيرة على لسانه، وكذلك الأفكار والأسئلة في رأسه. جاءه الحزن مفاجئا، دون توقع أو انتظار، وعليه الآن أن يتخلص منه. لقد عاش حياته في سكينة وسلام دون أن يعرف للحزن أو للبهجة معنى، وفجأة، دون سابق إنذار، جاءه الألم ليعشش بين تلافيف قلبه، فوجد السكير المتسكع نفسه في موقع المسئول، مثقلا بالهموم، ويصارع الطبيعة.

وراح غريغوري يتذكر كيف ابتدأت المشكلة ليلة أمس عندما عاد إلى البيت سكرانا بعض الشيء، وكالعادة انطلق يشتم ويهدد بقبضتيه، فنظرت إليه زوجته كما لم تنظر إليه من قبل. عادة ما تشف نظرات عينيها عن الذل والاستكانة الشبيهة بنظرات كلب أشبع ضربا. لكنها هذه المرة نظرت إليه بتجهم وثبات، كما ينظر القديسون في الصور المقدسة أو كما ينظر الموتى. من نظرة الشر الغريبة تلك بدأت المشكلة. وفي حالة من الذهول والاستغراب استعار حصانا من أحد الجيران كي ينقل زوجته العجوز إلى المستشفى لعله باستخدام المساحيق والمراهم، يستطيع بافل ايفانيتش أن يعيد التعبير الطبيعي لنظرة عينيها.

 

ويستمر الخراط في حديثه مع نفسه فيقول:

- حسنا، اسمعيني يا ماتريونا، لو سألك بافل ايفانيتش فيما إذا كنت قد ضربتك، يجب أن تنفي ذلك وسوف لن أضربك بعد اليوم، أقسم على ذلك. وهل ضربتك يوما لأني أكرهك؟ لا، إطلاقا. إنما دوما أضربك وأنا فاقد لوعيي. أنني حقا أشعر بالأسف من أجلك. لا أظن أن الآخرين سيبالون مثلي، فها أنت ترين، إنني أفعل المستحيل في هذا الجو الثلجي العاصف كي أصل بك إلى المستشفى. فلتتحقق مشيئتك أيها الرب، وإن شاء الله لن نخرج عن الطريق. هل يؤلمك جنبك عزيزتي؟ ألهذا أنت لا تتكلمين؟ إني أسألك، هل يؤلمك جنبك؟                  

لاحظ خلال نظرة خاطفة إلى العجوز بأن الثلج المتجمع على وجهها لا يذوب. والغريب أن الوجه نفسه بدا مسحوبا، شديد الشحوب، شمعيا، جهما ورصينا. صرخ قائلا:

- أنت حمقاء، حمقاء..، أقول لك ما في ضميري أمام الله، لكنك مع ذلك تصرين على....حسنا، أنت حمقاء، وأنا قد أركب رأسي..ولا آخذك إلى بافل ايفانيتش.

 

أرخى اللجام بين يديه وبدأ يفكر. لم يكن في مقدوره أن يستدير تماما لينظر إلى زوجته. كان خائفا. وكان يخشى أيضا أن يكرر أسئلته عليها دون أن يحصل على جواب. أخيرا، وليحسم الأمر، ومن دون أن يلتفت إليها رفع يده وتحسسها. كانت باردة، وعندما تركها سقطت كأنها قطعة خشب. ندت منه صرخة.

- إذن فهي ميتة، يا للمصيبة.

لم يكن آسفا قدر انزعاجه. وفكر كيف أن الأشياء تمر سريعة في هذا العالم. لم تكن المشكلة قد ابتدأت وإذا بها تنتهي بكارثة. لم يسنح له الوقت كي يعيش معها ويكشف لها عن أسفه قبل موتها. عاش معها أربعين عاما لكنها مرت في ضباب وعتمة مطبقة. لم يكن هنالك من مجال للأحاسيس الجميلة وسط السكر والعربدة والشجار المتواصل والفقر المدقع. ولكي تغيظه فقد ماتت في اللحظة التي بدأ يشعر فيها بالأسف عليها، وبأنه لا يستطيع العيش من دونها وأنه كان قاسيا معها وقد أساء لها كثيرا.

 

قال لنفسه متذكرا:

- كنت أبعثها كي تدور في القرية تستجدي الخبز. كان يمكن أن يطول العمر بها لعشر سنوات أخرى. المصيبة أنها ماتت وهي تعتقد بأني ذلك الإنسان...... يا أمنا المقدسة. ولكن بحق الشيطان أين أنا ذاهب الآن؟ ما عاد بي حاجة إلى الطبيب، ما أحتاجه الآن قبرا كي أدفنها.   

استدار بالزلاجة وهو يلهب ظهر الحصان بسوطه، وقد ازداد الجو سوءا حتى انعدمت الرؤية تماما. ومن حين لآخر كانت تضرب وجهه ويديه أغصان الأشجار وتخطف من أمام عينيه أجسام سوداء.

- لو أعيش معها مرة أخرى. 

وتذكر بأن ماتريونا قبل أربعين عاما كانت مليحة الوجه مرحة الروح، وهي من عائلة ميسورة الحال، وقد رضي أهلها أن يزوجوها له بعدما شاهدوا وعرفوا مدى براعته في مهنة الخراطة. كانت كل الأسباب لحياة سعيدة متوفرة لهما، لكن المشكلة أنه في ليلة عرسه شرب حتى الثمالة ومن يومها وهو سكران طول الوقت ولم يستيقظ أبدا. نعم فهو يتذكر عرسه، ولكنه لا يتذكر شيئا مما حدث بعد ذلك وطوال حياته، باستثناء أنه كان يسكر ويضطجع عند الموقد ويتشاجر. هكذا ضاعت منه أربعون سنة.

بدأت الغيوم الثلجية البيضاء تتحول تدريجيا إلى اللون الرمادي مما ينبئ عن قرب الغسق. عاد يسأل نفسه:

- إلى أين أنا ذاهب؟ مطلوب مني أن أفكر بدفن الجثة... بينما أنا الآن في طريقي إلى المستشفى..كأنني فقدت عقلي..

واستدار بزلاجته ثانية. كان الحصان يشخر وراح يتعثر في خببه، فعاد الخراط يجلده من جديد. وكان يسمع صوت ارتطام خلفه، ومن دون أن يلتفت كان يعرف بأنه صادر عن رأس العجوز وهو يضرب بحافة المقعد.

ازداد الثلج عتمة، واشتدت برودة الريح.

- لو أعيش معها مرة أخرى، سأشتري مخرطة جديدة، وأشتغل...وأجلب لها الكثير من النقود.     

 

أفلتت يداه العنان. بحث عنه. حاول أن يلتقطه، فلم يستطع. قال لنفسه:

- لا يهم. يستطيع الحصان أن يتولى الأمر بنفسه، فهو يعرف الطريق. يمكنني أثناء ذلك أن أنام قليلا قبل أن أتهيأ للجنازة وصلاة الميت...

أغلق الخراط عينيه وغاص في إغفاءة. بعدها بفترة قصيرة شعر بأن الحصان قد توقف عن السير. فتح عينيه فرأى أمامه شيئا معتما يشبه كوخا أو كومة من القش. أراد أن ينهض ليكتشف ذلك الشيء، لكنه أحس بأنه عاجز تماما عن الحركة، ووجد نفسه دون ضجة أو مقاومة يستسلم لنوم هادئ عميق.

عندما استيقظ، وجد نفسه في غرفة فسيحة، مطلية الجدران، وضوء الشمس يتوهج عند الشبابيك. ورأى ناسا حوله، فكان شعوره الأول أن يعطي الانطباع بأنه سيد محترم ويعرف كيف يلتزم بالسلوك السليم الذي يفرضه الموقف. قال مخاطبا إياهم:

- الصلاة على روح زوجتي أيها الأخوة. لابد من إعلام القس بذلك...

قاطعه أحدهم بصوت حازم:

- حسنا، حسنا، ولكن لا تتحرك.

صرخ الخراط مندهشا وهو يرى الطبيب أمامه:

- بافل إيفانيتش! ولي نعمتنا المبجل.

أراد أن يقفز ليركع على ركبتيه أمام الطبيب، لكنه شعر بأن ساقيه وذراعيه لا تستجيب له. صاح مرعوبا:

- أين ساقيَّ ؟ وأين ذراعيَّ يا سيدي ؟ 

- قل لهما وداعا. كانت متجمدة تماما فاضطررنا إلى بترها. هيا...هيا...علام تبكي ؟ لقد عشت حياتك، واشكر ربك على ذلك. أنت الآن في الستين على ما أعتقد، وأظن أن هذا يكفي بالنسبة لك.

- أنا حزين، حزين جدا...وأرجو أن تسامحني يا سيدي. كم أتمنى لو أعيش خمس أو ست سنوات أخرى.

- لماذا؟

- الحصان ليس لي، ويجب أن أعيده لأصحابه..ويجب أن أدفن زوجتي...أوه يا إلهي..كم تنتهي الأشياء بسرعة مذهلة في هذا العالم. سيدي..بافل ايفانيتش، سأصنع لك علبة سجاير من أجود أنواع الخشب، وكذلك كرات للكروكيت...  

غادر الطبيب الجناح وهو يلوح بيده. كان كل شيء قد انتهى بالنسبة للخراط.

العودة لصفحة آداب الشعوب

البدايةصفحة الآداب

الموسيقى

تسجيلات صوتية

This is different !هذا موقع مختلف

الأعمال الأدبية من هنا

      رسالة للنسيان أرض ُ الأقحوان الروايات
  السّاطور لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها صراخ في الحميدية مجموعات قصصية
    من وحي التل عصفورة النار حكايا تحت المنديل مجموعات منوعة
        الشوك في الصدر دراسات وتأملات

 

 

حقائق الحياة

 

تسجيلات صوتية

فنون أخرى

  المؤلف رسالة إلى الزائر قالوا فيما قالوا

هذا الموقع مختلف

 يقولون ونقول

  خارطة الموقع English.. New جديد

طيور في الأدب والفن

تفاعلية