البدايةصفحة الآداب

مقالات

 

نيقوسيا 23/6/2009

 

تأتي الملايينُ للآلاف ،

                  وتأتي الآلاف للملايين ..

 وقفت في منطقة على الطريق بين مدينتي ليماسول وبافوس القبرصيتين على مطلة جبلية أشهد عليها مدرجاً رومانياً قديماً وأطل منه على البحر الواسع ، وألتقي هناك بعدد كبير من السياح الفلنديين والألمان والإنجليز .. ..ثم أبكي !

هنا ، ولمن يحب أن يعرف المفارقات التي أبكتني وأنا أشهد منظراً رائعاً وفيه عدد بشري  من أنحاء العالم  يبتسم فرحاً .. أقول:

إن أفضل مثل عربي قديم ينطبق على حالنا نحن العرب هو:

( يداك أوكتا وفوك نفخ !)

 فنحن الذين نفخنا كيس النجاة ، ونحن الذين أوثقنا رباطه ،  وبذا نكون نحن سبب نجاتنا أو غرقنا ..

أتحدث عن جزيرة قبرص الصغيرة مقارنة بحجم الوطن العربي ، وبعدد القبارصة في شطرهم اليوناني الجنوبي  الذين لايزيدون عن سبعماية ألف من بني البشر بمساحة من الأرض كلية لا تزيد عن ثلثي مساحة لبنان ، وبمعالم آثار  محدودة، من بضعة قلاع لبضعة جوامع بناها الأتراك لبضعة جدران هناك وهنا ، ولكنهم استطاعوا باستخدام شواطئهم الجميلة وجبالهم الخضراء وتسهيلاتهم ، والأهم من كل ذلك ، بإنسانهم السياحي ، أن يجعلوا من جزيرتهم مقصداً سياحياً حقيقياً ، يدر على قبرص ثلاثة آلاف مليون دولار سنوياً بأقل التقديرات من خلال اثنين ونصف مليون سائح كل عام ..وقد وصلوا إلى أكثر من ذلك بكثير في بعض السنوات .. أقول إن عدد السياح هو أكثر من أربعة أضعاف عدد السكان ، أي أنهم الآلاف الذين تأتيهم الملايين ..

 إن بلداً صغيراً كقبرص يصبح فيه أربعون بالمائة من سكانه فجأة في عام 1974 لاجئين ، ثم يستطيع خلال سنوات ، وخلال خطة اقتصادية طارئة لخمس سنوات ، تليها خمس سنوات أخرى ، يستطيع أن يرفع دخل الفرد السنوي فيه ، حتى لاجئيه ضمناً ، إلى أكثر من اثني عشر ألف دولار ، لهو بلد يستحق وقفة احترام.

وهناك نقطة إضافية أقولها وهي أن نوعية السياح معظمها من شمال أوروبا حيث يأتي السائح للتراث والمعالم والشواطئ والاستجمام والراحة وحتى للتأمل والتجديد ..

ودائماً يغادرون مبتسمين أكثر مما جاؤوا ..

يؤلمني أن أقول إنهم لا يأتون للدعارة .. بل من أجل السياحة الحقيقية !

كلنا يعلم أن السياحة العربية إلى قبرص قد انحدرت انحداراً حقيقياً ، فلم يغفل القبارصة عن ذلك ، رغم كون تلك السياحة تأتي في ترتيب متأخر جداً بالنسبة لهم ، فاهتموا حتى في ذلك الترتيب ، ولا أدل على ذلك من قيام قبرص بفتح عدد من القنصليات والمكاتب الترويجية في عدد من المناطق العربية وفي منطقة الخليج العربي ، ومنها مكتب دبي الأخير كما نعلم ..

إنهم يتابعون ويراقبون الحركة السياحية العالمية ، وحركة الطلاب الوافدين ، وكذلك حركة العمال ، كما أن لديهم نشاطات تشمل كافة القطاعات الخدمية المتطورة والتحسينات والبناء .. والإنسان السياحي .. كما أنهم كانوا رواداً في المعاهد الفندقية التي خرّجت أسراباً من طيور السياحة !

والسؤال الذي أوجهه لقارئ هذا المقال سيأتي في آخر حديثي هذا الهادئ والبسيط والمؤلم ..

لقد اعتدنا أن نلوم الآخرين على تقهقرنا أو فشلنا في أمر ما ، كما اعتدنا سنيناً طويلة على التباهي بأمور سبقنا الآخرون إليها  ، فلنقارن مقارنة بسيطة بعدد ونوعية السياح الذين يأتون لزيارة اسبانيا مثلاً (عدا السياح العرب إليها) لزيارة المعالم الأندلسية العربية الإسلامية فيها ، وعدد السياح الذين يأتون إلى المعالم الإسلامية والتاريخية في الوطن العربي الأم لتلك الآثار والمعالم  .. ونحن نعلم كم هو الفرق الهائل بين حجم وامتداد تلك المعالم وبين حجمها وامتدادها في الوطن العربي ..

بالقارنة الموضوعية ، ليست لدينا الأرجحية .. لا في الكم ولا في النوع ، فنحن الملايين الكثيرة يأتي إلينا السائح الحقيقي ، في كثير من الأحيان،  دارساً وصاحب جرأة .. وليس راغب استجمام أو راغب ارتياح .. نحن من لدينا أعمق الحضارات وأوسعها وأكثرها تلويناً متمثلة بأعظم الأمم وعصورها ومخلداتها ..

لقد أقبلت علينا السياحة الحقيقية لترى معالمنا في كل أرض عربية ، فأنمينا في قلوبهم الذعر في كثير من المناسبات وكأننا نقول لهم ألا يأتوا ..

صحيح أن هذه المشاعر لا يبررها وجود واحد بالألف من الممارسات التي نسيء فيها لأنفسنا ، رغم أن معظم الشعب العربي مضياف وكريم ورحيم بطبعه ، لكن الشعور بأن هناك احتمال لضعف الأمان في مكان ما يجعل ذلك السائح يستثنيه من دربه حيث يخشى الرهان ..

ثم نقول هل إن السياحة في وطننا العربي الكبير من أقصاه إلى أقصاه تعادل السياحة في إسبانيا وحدها ؟! أشك في ذلك !.

أنا لست بصدد تعداد المناطق السياحية العربية هنا فهي أكثر من أن تحصى ، وهناك كتب الإحصاء تحدثك عن تدمر وجرش وبصرى وبعلبك والأهرامات والقلاع والجوامع والكنائس والأديرة والمسارح والمعالم التي لا حدود لتعدادها ، وهناك المعالم الحديثة التي تشاد خاصة في مناطق الخليج العربي ، وكل المناطق ، لكنها في كل الأحوال لن تكون بديلاً عن التراث ولا أفضل منه على الإطلاق .. أنا لا أتحدث أبداً عن نقص المعالم السياحية لكنني أتحدث عن نجاح الآخرين بجذب الملايين ، وعن إخفاقنا نحن الملايين بجذب مايكفي من السياحة النظيفة رغم مؤهلاتنا .. فما هو السر ؟!

هل هو عدم إحساس السائح بالأمان كما ذكرت ، أو أنه غير مرحب به مثلاً ؟   أوهل هو إحساسنا نحن ، والذي ينعكس عليه ، بأننا نحن الأذكى والأفضل والأصح؟

هل هو عدم إتقاننا هذه الصناعة التي أصبحت متطورة إلى حد كبير بحيث تحتاج إلى الإنسان الذي يتعامل معها بحرفة وإنسانية ، علاوة على الأدوات من أماكن وبرامج وقدرة على المنافسة والتوسع ؟

أريد أن أسأل أصدقائي الذين يقرؤون هذه الكلمات فيما لو لاحظوا أن غالبية السياح الذين يأتون بلادنا هم من الذكور أو كبار السن بينما هو العكس في بلد مثل قبرص ؟! وما هو سبب ذلك ؟!

كل الحديث الذي تحدثته حتى الآن هو عن السياحة الأجنبية والغربية بصورة رئيسية ، فأنا لم أتحدث عن السياحة الآسيوية ، أو الأمريكية الشمالية والجنوبية أو الأفريقية ، إذ أن هذه السياحات قليلة وقد لا تهم كثيراً من الدارسين .. لأن الآية هنا معكوسة ، فنحن لا نستقبل من هؤلاء إلا عمالاً وخبراء ومنتفعين يبحثون عن المال في بلادنا ..

 أنتقل إلى موضوع آخر أكثر أهمية في هذه العجالة ، ألا هو ، وبدلاً من سياحة القادمين إلى بلادنا ، سياحتنا نحن الداخلية والخارجية .

إن السياحة العربية البينية ، وسياحة العرب للخارج ، ومع الأسف الشديد بالفعل ، في معظم أحوالها ليست سياحة ، بل تفنناً في البحث أساليب اللذة الرخيصة ، وأنا هنا لا أعمم ، وأعتذر من أولئك الذين يفهمون معنى السياحة الحقيقي ، فانا لا أقصدهم ألبتة ، ولا أقصد إلا فئة معينة وصمت السياحة العربية البينية والخارجية بهذه الصفة .. وهم موضوع حديثي هنا ..

إن أكثر من ميزانية دولة يصرفها بعض أولئك الذين لايفهمون الحياة إلا بهذه الطريقة كل عام على ممتهنات الدعارة في تايلاند وغيرها من دول الشرق الأقصى وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها من البلدان الأوروبية ، والأهم الأهم هو الذي يحصل في السياحة البينية من تنشيط للدعارة المغلفة ضمن البلدان العربية نفسها ..

أنا لا أتحدث من فراغ ، رغم أنه لا توجد إحصاءات حقيقية في هذا الموضوع ، بل ربما لاينشر أحد مثل تلك الإحصاءات ، لكن المشاهد يرى انتشار النوادي الليلية ، وهي الأكثر رواجاً ، في العديد من المناطق العربية ، وكل مايتبعها من ملحقات وتجارات بالجسد وكذلك انتشار التفسيرات المختلفة لزواج المسيار ، وزواج كذا وكذا ، والتي لا تفرق في النتيجة عن معنى الدعارة أبداً ، فهي في كل الأحوال مال يتم دفعة مقابل متعة يتم اقتناصها ..

ومما يؤسفني أيضاً أن أتحدث عن إعلام يروج لمثل هذه الصناعة بشكل غير مباشر من خلال إذلال معنى الحب ودق عنقه ليصبح معنى الحب مساوياً لمتعة الفراش .. تحت اسم فن وفنانين ينجحون مادياً في مجتمعاتنا من خلال الإيحاءات الرخيصة في أعمالهم .. كما يؤسفني أن أرى الخلل في المعادلة الإجتماعية ، واستغلال المناصب والأموال التي تنتج ذئاباً كما تنتج ضحايا استغلال توصل لشتى الموبقات ومنها سلعة الجسد .

 

وبعد؟!

ألا يحق لي وأنا أشاهد الملايين من السياح يزورون قبرص ، والتي هي قزم أمام العملاق العربي ، بينما أرى صفات واهتمامات ومحدودية السياحة العربية ، وبنفس الوقت أرى صورة العربي المشوهة كرجل يحمل شيئين في مقدمته هما بطنه وما تحت بطنه ، يروج لهما من خلال المال المكتسب في كثير من الأحيان من عناء المتعبين ، ويدعي أنه سائح هام يدفع النقوط الكثيف بين نهود الراقصات في علب الليل ، ثم يعود ليتحدث تصريحاً وتلميحاً عن فحولته ، كقصة الطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال ..

أقول: ألا يحق لي وأنا أرى كل هذا أن أبكي لتتدحرج دمعاتي من المدرج الروماني الصغير على طريق بافوس في جزيرة قبرص ثم تمتزج في مياه البحر ؟!

 

###

 البدايةصفحة الآداب

مقالات