|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
" تلُّفنا أسئلة عجيبة
لا نعرفها ، ولا نعرف إجاباتها"..
|
|
تساؤلات بلا حروف |
نيقوسيا 5/2/1997
يوم تجوال في المدينة، وأناس تتحرك ضمن قانون الرغبة.. فساتين الواجهات تتمرغ في أيادي الإناث، ونماذج العطور تمر عبر أنوفهن، والأحذية ذات الكعوب العالية تقاس على أقدامهن، وشباب خليط يستمتع بالجلوس والقرقعة في مقاهي الطرق يراقبون ويراقبن سيقان الفتيات العابرات وقد وصلت فيها بعض الحدود إلى الأرداف، وباعة يفتحون صدور مخازنهم.. وسيارات عابرة تجري مكتظة في يوم مال إلى الأفول في عاصمة قبرص المبتورة نيقوسيا..
وعند عقدة المدينة حيث يتصالب أهم شارعين وتنتصب حول التصالب أهم المعالم، أكبر مخازن المدينة ومركز شرطتها وإدارة طيرانها ومصرفها ومحطتها وأكشاكها، وحيث تجري السيارات إلى ما لا نهاية على مدى ثواني الزمن الكاملة.
(1)
الزاوية الشمالية الشرقية: وهي مدخل مخزن المدينة، بضع درجات متطاولة ملتفة، تقود من قارعة الطريق إلى مدخل المخزن الذي يبتلع الناس ولا يلفظهم إلا وقد لفظوا ما في جيوبهم. عند هذا المدخل، وخلال أعوام طويلة، ربما تجاوزت العشرين، جلس رجل على كرسيه الصغير منذ انفتاح بوابة المخزن وحتى انغلاقه ولم تعطه إدارة المخزن إجازة، حتى ولا هدية في أعياد الميلاد خلال كل رحلة العمر.
رأى الناس من غير استثناء، الطويل والقصير والأشقر والأسمر والحلوة والبشعة وشمّ كل العطور والأنفاس النتنة.. رأى حالات الغضب والحب والحقد والمجون.. ولست أدري فيما إذا تحول ما كان يثيره بادئ ذي بدء، بمرور الزمن، إلى ما يشعره بالغثيان آخر ذي آخر.. بيد أن هذا الرجل لم يقل حرفاً خلال عشرين عاماً، كل ما في الأمر أنه كان يجلس مع الافتتاح على كرسيه الصغير المضمد بالضمادات المتراكمة، ثم يحمله ليعود من حيث أتى مع أفول يوم من الأيام الهاربة..
خلال كل ذلك اليوم وكل تلك الأيام لم يتحدث في أمر هام مع أحد.. كان حديثه الذي لا ينقطع هو مع نايه الصدئ القديم..
عندما يمر بجانبه فضولي يسأله، أو عندما تتوقف امرأة ارتفعت قبتا صدرها كما ارتفعت أبخرتها.. أو عندما تهف نسمة تعبر مدغدغة ساقي مراهقة نحيلة، أو عندما يلقي متفاخر عابر بقطعة نقدية في حضنه.. عندما يحصل كل ذلك أو غير ذلك فإن الرجل يتابع عزفه الحنون على نايه المتآكل، حيث لا تلحظ، ربما، إلا ابتسامة عابرة تمسح تقاطيعه وأخاديد الزمن في وجهه..
كان وحيداً على الدوام.. لم يحدث أحداً، لم يطلب ، لم يتبرم، لم يبك، لم يضحك.. قيل إنه رجل لاجئ مزقت الحرب بيته وأسرته عام 1974، وقيل إنه لقيط من أيام البريطـانيين في الجزيرة.. وقيل إنه رجل بلا ذاكرة.. وبلا رغبات وبلا طموح وبلا دم يجري في عروقه.. وقيل إنه ناي بلا هوية ، فالأنغام تحسها، لو أصغيت، أنها قادمة من أي مكان في العالم من جزر أستراليا البعيدة مروراً بالهند والمتوسط وأوروبا والأطلسي وألاسكا وكرنفال أميركا الجنوبية..
أحسست وأنا أقترب منه أنه يقول أمراً لا أحد يسمعه، ويطرح سؤالاً لا أحد يجيبه.. لم يعرف أحد السؤال، ولم يعرف أحد الجواب.. ما اهتم بَشَرُ الرغبات بمعرفة السؤال، وما اهتم عابروا طريق الحياة بمعرفة الجواب.. هل لأن السؤال والجواب لم يكونا أمراً هاماً؟؟ أم لأنهما كانا خطيرين لدرجة أن تجنبهما كان الحل الأفضل..
وفي يوم ما.. غاب الناي، ما عاد يأتي،
وغاب السؤال.. وغاب الجواب..
(2)
خلال عام 1995 شهد أهل نيقوسيا شخصية ذات بعد غريب:
جاءهم من ضمن موجة السّواح رجل أسمر طويل نحيل في الخمسين من عمره يوحي بأنه من أفريقيا أو من طوال المكسيك أو من زنوج أميركا.. كانت ملامحه تجمع كل صفات أهل الجنوب..
صباح أحد الأيام رأيته مصادفةً على بعد لا يقل عن خمسين متراً يدخل أحد المخازن في شارع ريجينا الشهير بمخازنه النهارية ونواديه الليلية.. وقد تراءى من بعد بطوله الفارع ولونه القاتم وثيابه ذات الألوان الصارخة ومحفظته المدلاة كالمخلاة المحلاة بالألوان والخيوط الهفهافة منسدلة إلى جانبه الأيمن مشدودةً إلى كتفه.. كما تبينت في حركته شموخاً وعنترية وجبيناً متعالياً.. كان رجلاً غريباً بكل معنى الكلمة.. فليس هناك من شارع يحتويه إلا ويبدو كتلةً متطاولةً من بقع من الخرق الملونة..
إلى أن قطعت الأمتار الخمسين كان قد خرج من المخزن وعاد يتابع سيره في الشارع بحركات عنجهية وتقاطيع قاسية، وتبينت تفاصيل في ثيابه تدل على أن الصانع امرأة عجوز ما في كوخ ما، في أرض منسية ما، ظنت أنها تحيك الخرق الملونة من أجل سلطان الروايات..
تجاوزتُ الرجل الغريب، وتابعت سيري، وقد نسيت كل الذي رأيت..
بعد أسبوعين.. أيضاً وعلى البعد، لفت انتباهي ذلك الغريب العجيب.. شدتني نفس الصورة الشاذة.. الألوان وطريقة الحركة.. كانت ظهيرة حارة، وكان الرجل يمشي بخيلاء مفقودة وبعنترية مسجونة وبخطوات أكثر ثقلاً.. وحينما مررت به لاحظت أن محفظته المشدودة أضحت مخلاة متراخية، وثيابه الناصعة أصبحت قذرة وانحنت عظام ظهره ورقبته إلى الأمام.. وببطء مازال يدخل مخزناً ويخرج متثاقلاً ليدخل إلى مخزن آخر..
لم يمض أسبوع آخر، وعند أفول يوم خانق، وبينما كنت أعبر بسيارتي أكثر شوارع المدينة ازدحاماً باتجاه عقدة التصالب، حيث كان يقبع عازف الناي على كرسيه في الجهة الشمالية الشرقية، حتى لمحت رجل الجنوب الطويل المزركش يقف في الزاوية الجنوبية الشرقية ضمن جمهرة من الناس.. رجل تقوس ظهره ونحل في خرق تمسحت ألوانها بتراب الأرض ودبق الصيف، مذلة الدنيا في خطوط وجهه، وعظام الرقبة تقوست تماماً فاستندت الذقن إلى عظام الصدر مشيرة إلى لوحة معلقة في العنق واضحة تماماً عن بعد.. كلمات باللغة الإنكليزية تقول ببساطة شديدة: (أنا جوعان).
ودون أن أتخذ قراراً ما، بحثت عن مكان يسمح لي أن أوقف السيارة.. وما أن عدت إليه.. حتى وجدت أن الجمهرة قد انفضت والرجل لم يعد له وجود ..
ولم يجبني أحد على تساؤلاتي.. وظننت أن ما رأيت لم يكن سوى كابوس صيفي مع بطن ممتلئ ويوم شديد القيظ.
(3)
أعتقد أن كل أهل نيقوسيا وكل العابرين فيها خلال عام 1996 وعام 1997 ، وخلال مرورهم من عقدة التصالب تلك لحظوا رجلاً في الخمسين صارم الملامح مرتفع الجبهة متوسطيّ القسمات يلبس طقماً ذا خطوط مربعة خفيفة مع ربطة عنق قاتمة، يقف معظم ساعات الصباح في كل يوم عند الزاوية الشمالية الغربية أمام شركة الطيران، يحمل ثلاث لوحات بيضاء واحدة تتدلى من عنقه وحتى قدميه وتغطي كامل جسده من الأمام وأخرى مثلها تغطي كامل جسده من الخلف ومن بين اللوحتين تبرز اليد اليمنى لتمسك بلوحةٍ بنفس الحجم ترتكز على عصاة خشبية.. ولم يكن يظهر من جسده إلا الرأس وجزء صغير من العنق والقدمين إضافة لساعده الممتد.
اللوحات كلها كانت فارغة تماماً.. عندما رأيته المرة الأولى قلت في نفسي: إنها صورة عابرة لرجل أضاع عقله أو جزءاً منه.. وعندما شاهدته المرة الثانية قلت إن نوبة الهوس لم تنته بعد!.. وفي المرة الثالثة اعتبرت أن نوبة الذهول قوية وطويلة.. وفي المرات العديدة التي رأيته فيها وأنا أعبر العقدة المزدحمة حزنت لمرض الرجل، لكن وبمرور الزمن وتكرر المشهد وإلحاح اللوحات البيضاء المحيطة بجسده وتقاسيمه الصارمة الجادة بدأت أتساءل..
رجل تجاوز نصف قرن من عمره.. لا يظهر في ملامحه خبل أو جنون، يتصرف بهدوء وثقة.. لا يمل الوقوف في تلك الزاوية..
هذا الرجل لابد أن يكون صاحب قصة!. لوحات بيضاء ناصعة بلون الثلج.. تراها من كل الاتجاهات..
رأيته مرة كعادته هناك.. عبرت الشارع وعدت إليه سيراً على الأقدام، فضلت أولاً أن أتبين الأمر من موظفات شركة الطيران التي يقف أمامها:
- لفت نظري هذا الأمر الغريب فهلا أفدتموني؟.
أجابتني حسناء الشركة:
- إنه يقف هنا على الدوام، كُثُرٌ من سألوه، لكنه لم يجب أحداً.
.. يفسر الناس على هواهم.. يحيكون القصص حوله.. فامرأة تقول أنه فقد حبيبته، وأب يقول أنه فقد ابنه، وتاجر يقول إنه فقد تجارته ورجل إطفاء يقول إن بيته احترق.. لكنه هو لم يجب أحداً..
قررت أن أسأله مباشرة علني أصل إلى شيء:
- صباح الخير!
هزّ رأسه إلى فوق وإلى تحت.
- اعذرني لتطفلي، ولكنك تحمل هذه اللوحات الفارغة البيضاء وتحمّل نفسك المشقة ساعات طويلة كل يوم لأشهر طويلة بل أعوام.. فهل تريد أن تقول أو أن تفصح عن معان في نفسك؟!.
تابعتُ ملامحه بعمق.. لكن ملامحه لم تتغير في صلابتها.. هزّ رأسه يمنة ويسرة بهدوء، ولم يلفظ كلمة واحدة..
عدت ألحّ محدقاً لعل نظرتي تؤدي تأثيراً أو تكشف أمراً، غير أنه كرر تحريك رأسه ورفض النطق.. وعندما كـررت السؤال للمرة الثالثة أدار لي ظهره.. فأدركت أن لا نتيجة!!..
لا أدري كم تحجرتُ في مكاني فقد توقف الزمن، وعندما عدت أحدق في اللوحات مجدداً لعل فيها بعض الكتابة لم أتبينها، أو محتها أشعة الشمس أو قطرات الندى.. أو.. لكن لم يكن على الصفحات البيض أي أثر.. هل هو عاتب على الدنيا؟ هل هو صفحة بيضاء؟ هل يريد الدنيا مثل صفحاته؟ هل..؟..
قالوا جاء من قرية بعيدة ، قالوا إنه رجل مسالم إلى حد بعيد ولذا لم تقربه الشرطة.. قالوا إنه لم يبتسم.. لم يروه يأكل ويشرب.. لم يروه يدخل دورة المياه.. لا يذكرون عنه إلا أنه في هذه الزاوية يرفع إعلاناته البيضاء لساعات طويلة، ثم يعود ليحملها ويختفي .. كذلك الأمر كل يوم..
لم يلحظوا تغيراً في لباسه أو قصة شعره أو قسمات وجهه أو لوحاته.. عندما توقف بي الزمن أصبحت وإياه لوحة واحدة.. بل ربما أصبحت جزءاً من لوحته أو جزءاً من سؤاله..
- ماذا أراد أن يقول؟. بل ماذا أريد أنا أن أقول؟. هل أنا صفحة بيضاء مثل صفحاته.. لم يكتبها الزمن.. أو كتبها بقلم لا تبدو خطوطه..؟.
هل هو لوحٌ فيه كل أسرار البشرية.. ولم تكتشف البشرية بعد الطريقة لفهم أسرارها.. لم تخترع بعد المناظير الدقيقة لقراءة النصوص العصية على قدرات العين..؟..
أم هو لوح خال تماماً وعلى الإنسان أن يسطّره ويملأه؟ هل كان عليّ أن أكتب في هذا اللوح؟ وماذا كان عليّ أن أكتب؟
هل أكتب مثلاً.. الإنسان خير أم الإنسان شر؟ الإنسان عدل أم ظلم؟ الإنسان خلود أم عبور؟ ماذا كان عليّ أن أكتب؟
ذهبت لأحضر قلمي الأحمر..
عدت مسرعاً إلى الرجل..
رأيت الرجل كومة تغطيه اللوحات البيض.. وجامعوا زبالة الشارع يتعاونون في رفعه إلى الشاحنة..
نظرت إلى الزاوية حيث كان يجلس عازف الناي على كرسّيه.. ثم نظرت إلى الزاوية حيث عبر الرجل الجنوبي الأسمر الطويل المزركش.. ثم حدقت في الزاوية حيث يرفعون رجل اللوحات البيضاء..
ولم أنظر إلى زاوية الشّارع الراّبعة فقد هزني رعبٌ حتى عمق الماضي والمستقبل، رعب من أن تكون هناك جثة أخرى محشوّة بسؤال جديد لا جواب له.
![]()
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|