عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

 

صراخ في الحميدية   

قصة هزت مشاعر قارئيها ، وأكثر مشاعر سامعيها)

نيقوسيا2002/9/1

" عندما تزرع في مدينتك تبقى خالدا فيها"

"مهداة الى مبدعي الحجر في التل "

"ولكل من له علاقة بهذه القصة ولكل حجر في وطني "

دمشق مبنية بحجارة هي في أعماق التاريخ .. وأنا كائن فيها أحس بأن لي عمقا في ذاك التاريخ..

كل الناس أحبوا مدنهم ألا أنني أحببت مدينتي أكثر ، رغم ان شيئا ما كان ضائعا فيها ..

 عدت إلى بلدتي التل من ضواحي دمشق عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين لأحضر اليومين الآخيرين في حياة أبي وهو على فراش الفراق الأخير .. كان مصاباً بمرض عضال في الصدر ، وكان آخر حركة له أجهدته كي يستطيع القيام بها هي عندما عدت بعد غيبتي الطويلة فاستدار برأسه قليلا ليراني وحاول أن ينطق بأية عبارة أو كلمة او حرف لكنه ما استطاع. أحسست به يشم رائحة سعادته الأخيرة التي انطفأت بعدها ثم غاب في غيبوبة ثم في سبات لم يعد منه أبداً ..عاش أبي خمسة وسبعين عاماً قضى معظمها مسافرًا يبحث عن حجريسوّيه يقصّبه وينحته ويدقّه ليصبح حجراً سوياً يحاكي حجارة التاريخ. أبي مثل معظم أهل بلدتي عاشر الحجر .. الحجر الأسود البازلتي الذي سند الأرصفة في دمشق و الحجر الآتي من صخور برزة والرحيبة أوغيرهما والذي رفع حجارة القصرالعدلي والبنك المركزي أو مبان أخرى قائمة شاهدة على التاريخ والمستقبل مثل أهل بلدي الذين عاشروا الصخر والحجر ، بل ذابو فيه حتى صارت رائحة جلودهم منه.

يوماًما لو فكرت في بناء حجر قالوا لك إن المهرة به هم أهل التل ، وإذا فكرت بأهل التل قالو لك ان هؤلاء هم بناة الحجر.

وقد كنت صغيرا في الخمسينيات من القرن العشرين. عندما كنت أحس أنني برفقة أبي ، كنت مثل حجر طيع بين يديه ، أتمنى لو يشكّلني بقطعه الفولاذية المسقية ويضعني في ركن ما في جدران دمشق ..

***

أعتقد أن عام ألف وتسعماية وخمسة وخمسين ، أثناء عطلة المدرسة ، حمل يوما من أهم أيام حياتي ، فقد اصطحبني أبي في ذلك اليوم ، وكنت صبياً مازال يتعرف على الدرب الذي يسير فيه ، أو طفلاً ينظر الى قدميه وهو يخطو، في ذلك اليوم الذي اصطحبني ابي فيه أخذني الى سوق عريضة فيها العديد من الناس وكان مازال الوقت باكراً وقال لي وقتها أن هذا السوق هو سوق الحميدية ..

هناك عند أحد زوايا السوق أنزل عدته الفولاذية فوق القطع الحجرية المتناثرة الصغيرة منها والصخور .. وكان كل شيء يحمل برودة الليل ، الحجر والفولاذ . إلا أن قلوبنا كانت تمتلىء بوهج الدم والمحبة.. وكانت ابتسامتي عريضة ، وشوقي للمس الحجر وتضريبه ودقه وسمسمته كشوق أبي لكسب رغيف الخبز لأطفاله.

فتح أبي قفته المصنوعة من كاوتشوك طري اشتراها من سوق الزرابلية والتي كانت تحتضن عدتة المصنوعة من فولاذ مسقي كالمطارق والشوك والأزاميل والشاحوطات والبوشاردات (هذه أسماء لايعرفها إلا من عمل في مهنة النحت المعماري ، فالشاحوطة مثلاً عبارة عن ثقل فولاذي في رأس عصاً خشبية تحمل طرفين كلاً منهما كأسنان المشط ، والبوشاردة هي نفس الحمل إنما في كل طرف سطح مربع يحمل أسناناً خشنة أو ناعمة ، والبيك مثل ذلك إنما يحمل في كل طرف ناباً قوية ، والزاوية هي مسطرة حديدية في طرفها زاوية قائمة ) وكانت تلك هي أدوات أبي للتعامل مع الصخر الجبلي القاسي ، يصنع منه قطعة من التاريخ ..

أجلس أبي الصخرة يومها قبالته وراح يطرق، ثم يقلب الصخرة ويعاود الطرق .. ثم ، وعند العصر ، وجدت وقد تحول الحجر بين يديه إلى عمود اسطواني بدقة ناعمة.. وضعه برقة إلى جانب  ثم أعاد عدته إلى قفتها .. وحمد الله .  أخرجني من بين الحجارة التي كنت أطرقها على غير هدى ، وحمد الله ثانية ، واحتضنني كما احتضن عدته .  عدنا إلى البلدة والغرفة الطينية .. غسل وجهه ونظر في وجه أمي ثم حمد الله للمرة الثالثة.

***

لم أنتظر الطعام في ذلك اليوم ، فقد غفوت ثم رحت في نوم عميق بينما مازلت أرى عضلات أبي تتقلص وتنفرد طيلة النهار في صراع لاينتهي مع الحجر ، أو في قبلة متواترة دائمة.. إلى أن بان الحجر جميلاً سعيداً بطرقات أبي ، بل قادراً على النطق..

قالوا لي صباح اليوم التالي إنني كنت أطرق الحجر طيلة الليل بينما كانوا يضحكون على طفل خبر التعب الحقيقي والشقاء للمرة الأولى ..

***

مرت الأيام وأتممت دراستي الجامعية وعشت بعيداً مع أسرتي ، وعندما فشل أبي في مخاطبتي قبيل رحلته الأخيرة ، ذهبت مع الآخرين إلى المقبرة في منطقة سيدي قسّام في المنطقة مابين التل وحرنة قرب ثانويتي التي درست بها .. وهناك بكيت بإحساس الذي يتقاطر في داخله دم أو ربما نثرات من الصخر تتطاير من مطرقة أبي ..

إيه أيتها الأحجار .!.

إيه أيتها الصخور المنحوتة في التل ودمشق ولبنان والرياض وبنغازي.. أين أنت ياتلك الحجارة !!

 أكثر من خمسين عاماً وأبي يصك الحجارة كما تصك أسنانه .. وأبي يهذب الحجر الصلب ثم يجعله آية الجمال وآية البقاء والخلود ..

أين أنت أيتها الحجارة التي تحملين رائحة عرق أبي وآثار راحتيه وأسرار قلبه ؟!

 إيه أيتها الحجارة المنحوتة في الكثير من مدن العرب ، أنا أراك كالأحلام وأسمع نداءك كالنشيد..

ايه أيتها الصخور المتباهية بجمالها في الأعمدة والجدران .. لقد مات وارتحل الرجل الذي علّمك الجمال .. وأخيرا ارتخى الساعدان وما عادا قادرين على إبداع أبناء تكون لكم أخوة جددا أيتها الحجارة  ..

لقد أحسست بالأناشيد تأتيني من كل الصخور المنحوتة في كل الوطن العربي ..

لقد سمعت بالتكبيرات تتلو بعضها بعضاً بينما كان أبي ينزل قبره ويوارى الثرى وتحتضن الأرض صانع الحجارة ومبدع الروعة والخلود من الصخور ..

***

جلسنا الى العزاء . عرفني كل الناس . لم أكد أسمع غير كلمات العزاء المعتادة .. لكنني ما كنت أعرفهم وما كنت أحس بكلماتهم .. ففي قلبي شىء مفقود .. .!.

***

هرعت الى سوق الحميدية في دمشق .. كان مليئاً بالمخازن .. بالباعة .. بالمشردين .. بكل أنواع البشر والبضائع .. كان سوقاً فيه كل شىء .. وكان ضيقاً ليس كما عرفته، مليئاً بالغبار، وكانت المخازن قد زحفت الى وسط السوق فما عدت ترى سوى الواجهات الخشبية الزجاجية وما عدت ترى الجدران ..

هرعت الى ذلك السوق أبحث عن ساعدي أبي ، فنحن قد تركناه تحت التراب في مقبرة البلدة ، لكن ساعداه مازالا هنا في سوق الحميدية .. هنا حيث كنت رفيقه قبل السنوات الطويلة .. وقد ضاع الساعدان في زحمة القيامة .. حيث تذهل كل مرضعة عما أرضعت ..

ضاع ساعدا أبي .. ضاع عرق الجبين وخفق القلب .. لم أدر أية زاوية ولا أي اتجاه ولا أي حجر فكلها كانت مطمورة في لجّة الواجهات والأنوار .

ورحت أتذكر ورحت أذكر ، لكن الذكرى لم تسعفني .. وقلت يومها إنني ان لم أجد ذلك الحجر الذي نحته أبي في سوق الحميدية فإنني لأحس وقتها أن أبي قد مات بالفعل ..

***

مضت سنوات وأنا أعيش بعيدا ..

بكيتك ياأبي .. وبكيتك يا حجارة سوق الحميدية ..  ضاع مني أبي وضاع مني ساعداه ..

في يوم ما قالوا لي إنهم قرروا إعادة سوق الحميدية الى بهجته الحقيقية والكشف عن معالمه .. قرروا البحث عن ضلوع أبي ..وأنا من بعيد رحت أتصور وأفكّر .. لو أنّهم كشفوا عن الأعمدة الحجرية في ذلك السوق فلابد أن أبي سيظهر من جديد ..

"يوم أن رافقت أبي قبل سبعة وأربعين عاماً الى إحدى زوايا السوق .. كنت وحيداً وأبي وعدّته في القفة .. أذكر أنه أشار إلى الزاوية وقال انه سيضع الحجر هناك  .. أذكر أن الحجر كان عموداً .. أذكر أنني سمعت صوت رجل أبيض أشقر ممتليء جلس على كرسي صغير في الزاوية المقابلة منذ الصباح ووضع كعكاته على صينية مرتفعة أمامه وكان ينادي بصوت يملأ السوق:  يا كريم! .. ياكريم ! ..

نعم ، صوته مازال يرن في أذني .. فقد بقي هناك حتى باع مالديه .. وقتها اشترى لي أبي إحدى كعكاته ، والتي ما زال طعمها في فمي ، وقال لي أبي ممازحا إن لأبي رضا ، وكان هذا اسمه ، سبع بنات ، وقد أطلب لك إحداهن في يوم من الأيام !

ومضت السنوات وأنا اليوم عائد لأرى أبي من جديد !

***

أعود اليوم ياسوق الحميدية ! أعود اليوم أعود يا أبي ! أقف عند المدخل العريض وأقول نعم ، هذا هو السوق الذي عرفته قبل سبعة وأربعين عاما ..

هكذا كان السوق واسعاً ومرتفعاً ، لكنّه أضحى الآن كثير الازدحام  ..

أخطو خطواتي الأولى متهيباً أنظر الى الطرف الأيمن ، فأنا أعلم أن نبض أبي يكمن في الجانب الأيمن في إحدى الزوايا ..

أخطو خطواتي ولم أكن أرى الناس بل الحجارة والسقف المقنطر العالي بثقوبه الجانبية والعليا ..

مررت أمام العمود الأول والثاني ثم الثالث لم تكن أعمدة أبي . ثم

 قفز أبي أمامي منادياً ، صارخاً أنا هنا يا بني !  .. أنا هنا .. لقد أتيتني بعد نصف قرن ولكنك أتيت أخيراً .  لقد خبأوني في قطعة خشب أوفي زجاج أوفي ثوب امرأة ، والآن قد عدت أتنفس ..

صارخا أبي ، رأيته من بعيد .. التفت في طريقي الى الزاوية المقابلة اليمنى فرأيت أبا رضا ينادي يا كريم ويقلّب في كعكاته! .. ثم هرعت الى العمود الحجري في الزاوية ، لمسته وعرفت به دقات أبي ، ضربات أبي ، نبضات أبي .. عرفت فيه أنفاسه ولون جلده .. أخذت أخبط على العمود الحجري براحتي .. ثم هرعت الى صاحب المحل الذي يقبع خلف طاولته ولحيته مشوبة بالبياض.

لم يجد فيّ زبوناً مألوفا .. فتساءل وجهه.. وأنا ألحّ عليه في السؤال:  منذ متى وأنتم تملكون هذا المكان ؟

أجابني الرجل وكأنه يعرفني : منذ أكثر من خمسين عاماً ..

هل كان يجلس في الزاوية المقابلة  رجل اسمه (أبو رضا) ينادي يا كريم  ؟ !

انتصب الرجل ،وقال: نعم!  وهل تعرف أنت أبا رضا .. لقد مات رحمه الله منذ زمن طويل !.

سألته ثانية:

وهل تعرف الرجل الذي أقام هذه الأعمدة وهذه الحجارة ؟ .

أثار سؤالي فضوله فأجابني:  كنت صغيراً و كان أبي هو الذي يشرف على العمل ! . أذكر أنني رأيت نحاتاً وابنه ، كانا فيما أعتقد من بلدة التل القريبة !.

أجبته مسرعاً: لقد كان ذلك النحات الذي تعنيه هو أبي ، وكان ذلك الصبي هو أنا ..

ارتخى على كرسيه وكأنه يعود الى الوراء نصف قرن . ياه ! سبحان الله  !  ..

رأى الرجل دموعي تنساب مدراراً  .  رآني رجلاً يعود  طفلاً من جديد أهرع إلى عمود الحجر أتلمس دقاته الناعمة   ثم أطرق عليه  براحتي وأصفعه صفعات أطلب منه أن ينطق: هذا من صنع يدّي أبي ..هذه دقات أبي ، هذا عرقه ، هذا نبضه ، هذا قلبه ، بل هذا هو ... ! ..

 أمسكت العمود في حضني ، وقلت بصوت متهدج يعلو في كل مرة .. حتى الصراخ ..

-         هذا هو أبي . هذا هو أبي . أنا ألمسه وأسمع دقات قلبه ..

-         هذا ما كان ضائعاً .. هذا ما كان ضائعاً وقد وجدته ..! ..

-=-=-=-=-=-

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان