|
صلاح في سطور رسوم من صلاح ما قالوه في صلاح (تحت الإنشاء) هذه الصفحة هدية مني إلى الحبيب القديم الجديد الفنان ابن الوطن صلاح كيلاني موقع صلاح |
صلاح كيلاني

الفنان ابن سوريا ، وابن التل ، وابن الطبيعة ..
لي مع هذا الرجل قصة منذ خمسة وثلاثين عاماً وبسببها أرفع هذه المذكرة
تقرؤونها فيما يلي..
|
مذكرة إلى القاضي المدعي: الأديب زهير الشلبي المدعى عليه: الفنان صلاح كيلاني هيئة المحكمة: تقرَّرَ أن تبقى سرية إلى حين انعقادها في عام 2009 وهي مؤلفة من رئيس المحكمة وهيئة محلفين موسعة. لا يوجد مدعي عام أو محامين .. فالمحلفون يقومون بدور المدعي العام من خلال مناقشتهم للقضية ، والمحامون غير مختارين نظراً لرغبة المدعي والمدعى عليه بذلك .. تكتفي المحكمة برئيسها ومحلفيها بمذكرة الإدعاء التي يكتبها المدعي ومذكرة الدفاع التي يكتبها المدعى عليه ..
في القضية رقم 1 لعام 1974 1- رسالة الادعاء : كتبها المدعي الأديب زهير الشلبي سيدي القاضي ، سادتي المحلفين ، أكتب إليكم سيدي القاضي ، وها قد مضى على قضيتي مع صلاح خمسة وثلاثون عاماً .. بصراحة سيدي القاضي أطلب منكم أن تجلبوه إليكم وتحاكموه وأن يكون القصاص عادلاً .. فقضيتي معه لا تسقط بالتقادم ، لأن التل الحبيبة بلدي وبلده لا تسقط بالتقادم ، ولأن العشرة والمحبة بيننا وبين كل الناس في وطننا الصغير والكبير لا تسقط بالتقادم .. سيدي ، كان صلاح ، وأعتقد أنه مازال كذلك ، إنساناً مرهف الحس ، رقيقاً كنسمة الهواء ، عذباً كماء عين منين في كانون .. ولكنه في تلك الفترة كان يغيب كثيراً في دمشق ويلتقي سيدي بأناس لا أعرفهم .. حتى أنه كان يبيت هناك أحياناً ، مدعياً سيدي أنه يبيت في المرسم أو يتدرب مع بعض من زملائه وزميلاته على حركة الريشة ولونها .. على يد أساتذة الفن الماهرين والخالدين .. كان يبيت في دمشق سيدي دون أن يخبرني ، فأضطر للسير من حارتي أقصى التل ، مسافة بعيدة ، أحياناً في الحر وأحياناً في البرد ، لأصل إلى عنده ، ثم لا أجده .. هل يجوز هذا سيدي القاضي ؟! .. أرجو أن تسجلوا عليه هذا الذنب الأول ..
سيدي القاضي ، صلاح ، ورغم أنه أسعدني بخبر خطبته ومشروع الحياة لديه ، وخططه في بناء مستقبله ، فإنني لم أعرف شيئاً عن تنفيذ تلك الخطط إلا من غيره بعد مدة طويلة من الزمن .. فهل يجوز هذا سيدي القاضي ؟! .. أرجو سيدي أن تثبتوا عليه ذنبه الثاني هذا ؟ .. صلاح ، رغم حبي له ، نظراً لمحبته للفن ، ومحبتي كذلك ، غاب عني مرة واحدة لمدة خمسة وثلاثين عاماً .. تصوروا سيدي كم طول هذا الزمن .. وتصوروا سيدي أن عمركم أنتم ، وأنتم الكبار المحترمون ، عمركم لم يصل إلى مضاعفة هذا الرقم حتى الآن .. أطال الله في عمركم وأسعدكم سيدي القاضي .. أرجو أن تسجلوا هذا كذنب ثالث له سيدي .. الفنان الغالي عندي صلاح كيلاني ، عِشرة مقتبل الشباب سيدي ، لم يفكر في البحث عني كل هذه السنين .. أنا مَن في النهاية بحث عنه ووجده وألقى عليه التحية ، ثم ضم إلى أساسات المحبة القديمة أيام الحياة القادمة .. فهل هو إهمال سيدي أدى لفقدان الكثير من العمر بسعادة ناقصة سيدي ؟! أعتقد إنه كذلك ! .. ولذا فهنا أرجو تسجيل ذنبه الرابع .. أما ذنبه الخامس سيدي وهو أكبر الذنوب ، فلا بد أن أفصّل فيه ، نظراً لخطورته ، ولتسمح لي عدالتكم وليتسع لي صدركم ، وليكن لي متسع من الوقت لتسمعوا كلمتي وتقرؤوا الكثير من عناوين حياتي هنا في هذه الأسطر .. سيدي ، أنا لست محامياً ، ولكنني أديب وهكذا خلقني ربي .. فهناك آلاف الصفحات كتبتها وأنا مازلت في المرحلة الإعدادية أي في الخامسة عشرة من العمر ، وحينما قرأ بعضاً منها أستاذي الراحل والساكن في قلبي إلى الأبد عدنان بغجاتي ، رأى في كتاباتي ملامح أديب واعد فجعلني إبناً له في الأدب .. ولهذا سيدي فإنني سأتحدث كأديب ، وللأدباء قوانينهم المختلفة سيدي ، عن ذنب صلاح الخامس كما رأيته وقتها وأنا وإياه في الثلاثين من العمر ، وجئت أشكوه إليكم ونحن الآن قد تجاوزنا الخامسة والستين.. عودوا معي سيدي لأجواء ما بعد حرب تشرين لعام 1973 والتي كنا جنوداً فيها ، والتفاؤل الذي ساد قلوبنا ومجتمعنا .. عودوا معي سيدي ، من أجل أن أنقل إليكم شكواي من صلاح .. صلاح كيلاني المدعى عليه ، والذي كان ومازال أحد الأثيرين عندي .. لاحظوا سيدي أنني قلت ( شكواي من صلاح التي يستخدمها الأدباء ، ولم أقل شكواي على صلاح التي يستعملها المحامون ).. سيدي ، أرجو منكم ، ومن السادة المحلفين أن تسمعونني بقلوبكم ، ففي ذاك الزمن كان الذي يتحرك بيننا هو حب القلوب .. ولذلك فقد كنا نرى كل شيء بهياً وجميلاً .. عودوا معي سيدي إلى تلك الأجواء وانظروا .. وشاهدوني .. وادخلوا قلبي .. وكذلك ادخلوا قلب هذا المذنب الحبيب والجميل والفنان صلاح كيلاني .. شاهدوني سيدي .. شاهدوني .. (( في يوم بكيت فيه في حجرتي الصغيرة القائمة على البلوك بلا طينة ، أحسست بنفسي وحيداً في صباح يوم جمعة ضائع .. فقد كنت ، رغم فرحي وتفاؤلي في تلك الأيام ، كنت أستشف مرارة الحياة التي لا تعطي دائماً إلا القليل ولا تأخذ إلا الكثير .. كنت وحيداً في هذه المشاعر بين أترابي وزملائي .. ولذا فقد احترت إلى أيهم أذهب .. فأنا لست بصدد المزاح ولا المواعظ ولا الطعام ولا الجدل السفسطائي .. برز أمامي وحيد أوحد ، انتقيته ليريحني ولأرتاح على أرائك قلبه الرقيق الواسع .. كان هذا الإنسان الذي انتقيته هو صلاح كيلاني .. ابتسم داخلي .. تحركت وأنا متهيب وجل خائف ألا أجده في مكانه الذي أعرفه فيه .. أتابع لكم سيدي القاضي .. بلدنا تتأخر في النوم صباح الجمعة ، لأن الناس تتأخر في العادة كي تنام مساء الخميس .. ففي بلدنا تحدث كل الأشياء مساء الخميس .. الأحداث الهامة والدعوات والثرثرات وحفلات الأعراس ومواعيد الغرام المخفية ومضاجعة الزوجات والخلافات معهن .. لكنني ، وقد كنت المشهور بالنوم المبكر واستقبال الأيام في ما هو قبل السادسة ، وأحياناً قبل الخامسة ، فقد كان من الطبيعي عندي أن أستفيق وأسير باتجاه بيت صلاح القديم ومازالت الشوارع خاوية صباح ذلك النهار .. لكنني مشيت ، سيدي ، مشيت وأمل واحد في صدري .. أن أجد صلاح ، هذا المدعى عليه ، هناك ، في مرسمه البيتي التلي الذي هو أيضاً مرقده ومكان أسراره .. .. ... طرقت الباب .. إنه مدخل جانبي ضيق مابين منزل الشيخ عثمان الذي كان مشهوراً بمعالجة المجانين والعاقرات والذي كان يسكنه في تلك الفترة حفيده موفق ووالدته ، وما بين منزل أسرة صلاح المدعى عليه الآن .. طرقت باب دار عتيقة ذات جدران سميكة تعادل اتساع ممراتها .. طرقت باب صلاح .. فلم يجب أحد .. ولم يجب صلاح .. تراجعت قانطاً وخارجاً من الممر .. لكنني عدت ، ومنعاً لأي احتمال ، عدت لأطرق الباب من جديد بقوة أكبر .. ولم يجب أحد .. فقلت في نفسي إنه لابد وأنه قد بات في المرسم المشترك في دمشق .. وعندما هممت بالعودة .. وجدته يفتح الباب ومازال يحمل النوم العاتم على كتفيه وفي عينيه .. قال لي: " فوت زهير .. فوت .." .. خطوة واحدة سيدي اجتزت بها العتبة واخترقت فلقة الباب وأصبحت داخل غرفة تلية قديمة .. لكنها واسعة أكثر من اتساع شقة كاملة هذه الأيام .. كانت الشبابيك عديدة .. لكنها كلها موصدة خلف ستائر سميكة .. ولذا فقد كانت قاعة بجدران معزولة عن كل شيء وهي في قلب كل شيء .. كان مازال صديقي صلاح في نصف نومه يتثاءب .. وأنا في غرفته تلك لا أكاد أتبين الأشياء .. فأنا قد دخلت فجأة من طريق واسع مبهر النور إلى قاعة صغيرة وكأنها غرفة أسرار السلاطين داخل قلاعهم .. لا يدخلها أحد سواهم .. لم يفتح صلاح شباكاً واحداً وتركني أتبين المكان رويداً رويداً من خلال توسّع حدقة عيبني .. استطلعت المكان سيدي فوجدت عشرات لوحات الرسم .. طبيعة .. السهل والجبل والشجرة والماعز والأغنام .. .. ووجدت قليلاً من الوجوه .. تأملت كل لوحة .. فأحسست بأن صلاح لا يرسم ! .. صلاح لم يكن كمرا .. صلاح كان يكتب بالريشة ! ببساطة كان صلاح أديباً ولكن من نوع آخر .. كان صلاح مازال نصف نائم ، وأصبحت أنا نصف مأخوذ .. كان صلاح في غرفته الواسعة المعتمة والهادئة وسط صخب النور والضجيج ، كان يقول إن له عالمه .. ليس عالم البصر ، بل عالم البصيرة .. لوحته فيها الجبل والوادي والشجرة بألوان بسيطة وخطوط بسيطة تضم بيتاً بسيطاً .. لكن الأمر الخطير سيدي في فن صلاح ، أنه مارسم إنساناً في تلك اللوحة بل رسم تيسين يتناطحان .. والسؤال الذي بادرني .. أين هم سكان ذلك البيت الصغير وسط حياة الجبل والوادي والسماء والشجرة ؟! بل أين غيّبهم صلاح ؟! ولماذا استبدلهم بتيسين يتناطحان ؟ .. عندما ترى التيسين دون البشر لديك خياران سيدي.. فإما أن تعتبر أن البيت الريفي هو حظيرة تسكنها التيوس وليس بيتاً وإما أن تعتبر أن التيسين المتناطحين هما البشر .. أستحلفك بالله سيدي أن تسأل (صلاح) ليقر لك بالحقيقة ! .. ومع ذلك سيدي ، فهذا أمر وشأنه هو ، أما أنا فقد تابعت في تلك الغرفة القديمة الواسعة المعتمة تأملاتي في لوحاته .. صلاح بجسده الملم الذي استجمعه على كرسي واسع تلفه بساطة سميكة بدأ يستفيق ويرقبني أرفع لوحة عن جدار أو أتلمس أخرى أو أمعن النظر بثالثة . لم يسألني رأيي في رسومه ، لإدراكه أمراً أكثر خطورة في البشر .. كان صلاح على ثقة بأنني مثل غيري سأتحدث عن دقة الرسم ومشابهته للواقع ، أو عن تعقيداته ، أو غنى ألوانه أو حتى أنني قد لا أكترث أساساً في إبداء رأيي .. ولذا فقد صمت صلاح طويلاً وهو يراقبني .. فبادرته أنا: هذه ليست كل لوحاتك ؟! أجابني : إنها بعضها ، وأفضلها في المرسم المشترك في دمشق ... قلت له: إنها قليلة تلك الوجوه التي ترسمها ! . قال: نعم فأنا لا أنسجم كثيراً ورسم الوجوه .. إلا ّ .. سيدي ، لم يتمم صلاح جملته واستثناءه وقتها ، ولا حتى الآن .. ومع ذلك ، فقد تأمل في وجهي كثيراً .. ثم رأيته يفرد ساقيه وينزلهما من الكرسي الواسع إلى الأرض ثم ينتصب ويشير إلى أحد الوجوه المرسومة .. ثم يتابع وعيناه في وجهي: زهير.. هل ترغب في أن ارسم لوجهك لوحة ؟! من غير تردد قلت له: نعم ! .. سألني: وهل أنت مستعد لتجلس أمامي وقتاً كافياً؟!. أجبته على الفور: نعم !.. جلس وتكوم مجدداً ثم قال لي أن أستعد عندما يكون هو مستعداً ..فسألته : لماذا ليس الآن ؟! أجابني: لست مستعداً الآن ! قلت: اليوم الجمعة وعندنا وقت ! أجابني: لست مستعداً الآن ! سألته: ولكن لماذا ..؟! نظر في وجهي برهة ، ثم ابتسم وسألني كرد على سؤالي: وهل تستطيع أنت أن تكتب قصيدة شعر أو تكتب قصة الآن ؟.. أجبته: لا بالطبع ، إذ لابد من استعداد نفسي إضافة للحمل بالفكرة ثم إنضاجها لولادتها .. أجابني: وأنا كذلك .. ! سألته: إذن متى سترسمني ؟.. نظر صلاح في إحدى لوحاته التي تهتم كثيراً بالسماء والأفق .. ثم قال لي: قريباً .. قريباً جداً .. لكن هذا وعد مني .. وعد قاطع يا زهير ! ..
سيدي القاضي .. سيدي القاضي .. لقد مضى على وعده ذاك خمسة وثلاثون عاماً .. وأخشى سيدي أن ينقضي العمر كله قبل أن يفي صلاح بوعده .. فأرجوكم سيدي ، أرجوكم أن تلزموه بتنفيذ وعده على الفور .. فأنا لا أدري ، كما أنكم لا تدرون ، كم بقي من الوقت على رحيل أي منا .. أنا أم هو أم أنتم سيدي القاضي .. ))
2- رسالة الدفاع : يكتبها المدعى عليه الفنان صلاح كيلاني سيدي القاضي ، أقول لكم إنني أقر بكل ما جاء في المذكرة التي قدمها طرف الإدعاء الأديب زهير الشلبي ، لكن هناك إضافات أغفلها الادعاء قصداً أو عن غير قصد .. سأجيبكم باختصار سيدي ، فقد أخذ الادعاء كثيراً من وقتكم في مذكرته الطويلة والأحرى بي والحال كذلك أن أتمم فقط الوقت المخصص للمحكمة وأن لا أتجاوز ذلك ، ولإيضاح منطلقي سيدي القاضي أقول أن الادعاء الذي قام به الأديب زهير لو أخذ مثلاً نصف المدة لكان لي حق استخدام النصف الثاني في الدفاع عن نفسي ، لكنه وقد أخذ ثلثي المدة فالأحرى بي أن أدافع عن نفسي في الثلث الباقي .. ولو افترضنا جدلاً أنه قد أخذ كل الوقت .. فإنه يكفيني أن أقف أمام عدالتكم وأصمت .. هكذا يقول الحب الذي بيني وبين المدعي الأديب زهير الشلبي .. بدءاً أقول إن زهيراً كان بيننا علماً من أعلام التفوق والمحبة .. وهذه هي المشكلة سيدي القاضي .. وسيأتي شرح ذلك سيدي من خلال سياق مذكرة الدفاع هذه .. اتهمني خمس مرات .. 1- فمن أجل الاتهام الأول أقول إنه عندما كان يأتيني مسافة طويلة ثم لا يجدني ، بل ربما أكون في المرسم في دمشق ، فكلانا سيدي كان فقيراً لا يملك في ذلك الوقت خطاً هاتفياً ، وليس هناك موعد مسبق بيننا ، ولذا فمن الطبيعي وجود احتمال غيبتي وفي ذلك فإنني معذور من حيث أنني كنت أيضاً أعاني نفس الاحتمالات عندما أزوره .. 2- بالنسبة للاتهام الثاني المتعلق بعدم إخباري له بمشاريع الخطبة والزواج والسفر ، فاتهامه هذا لي يؤكد اتهامي المقابل له لنفس الأسباب ونفس الظروف .. هو فعل أيضاً كذلك كما فعلت .. فقد شده عالمه الأسري البسيط ، وكذلك أنا ، وقد كنا نظن أن الحياة هي الانسياق في زحام الأشياء وليست رؤيتها من زاوية بعيدة .. هو قد قصّر سيدي كما قصرت .. وقد كان هو أيضاً عاجزاً كما كنت أنا كذلك .. 3- أما التهمة الثالثة سيدي فهي أنني غبت عنه خمسة وثلاثين عاماً ، والعكس صحيح سيدي ، فهو أيضاً قد غاب عني خمسة وثلاثين عاماً ، فأنا مثل باقي الناس ظننت أن ما عندي من سنين العمر يكفي للخلود في هذه الحياة ، وقد ظن هو كذلك أيضاً .. فقد سرقه الزمن كما سرقني ، كما سرق كل الناس ، ويسرقهم في كل يوم وفي كل دقيقة .. نحن غافلون سيدي أن لنا قطعة صغيرة جداً من هذه الحياة وليس لنا إياها كلها سيدي القاضي .. الزمن الهارب الذي يتهمني في ضياعه ، قد أضاعه هو أيضاً .. وأرجو سيدي القاضي أن لا تكونوا قد أضعتموه أنتم أيضاً .. 4- يتهمني الأديب زهير في رابع اتهاماته أنني لم أبحث عنه ، وهو الذي بحث عني ووجدني أخيراً وخاطبني .. وأنا أسألكم سيدي القاضي ، كيف تسنى له أن يعرف بأنني لم أبحث عنه ؟ كيف عرف بأنه لم يكن موجوداً في قلبي كل هذه السنين .. صحيح أنني لم ألتقيه جسداً ، لكنه كان معي دائماً ، وأنا في روما ، وفي المتاحف والمعارض ، وفي البحث عن سبل الحياة مابين روما ودمشق .. يوم كان هو سيدي يأتي دمشق ، كنت أنا في روما ، ويوم أن أكون في دمشق كان هو في نيقوسيا .. على أية حال فأنا لا أستطيع نفي التهمة ، كما أنني لا أستطيع إلا أن أتهمه بنفس التهمة .. فهو قد استفاق ، مجرد أنه استفاق سيدي ، بعد كل هاتيك السنين ، وليجدني مصادفة من خلال موقعي على الإنترنت وليس بحثاً جدياً وحقيقياً كما يدعي .... إنها قضية حظ ومصادفة لا أكثر ، سيدي القاضي .. 5- اسمحوا لي سيدي القاضي أن أشرح لكم ، لماذا أعطيت وعداً لزهير في رسم وجهه (بل قل رسم مضامينه) ، قبل خمسة وثلاثين عاماً ثم لم أفعل .. وأرجو أن يتسع صدركم لما تبقى من حديثي .. فكما جاء في مذكرة الإدعاء .. أنا لا أرسم الأشكال ، ولا أصور بالكمرا ، بل أقوم برسم المضامين .. فلوحتي ، وكما أشار الادعاء ليست سهلاً وجبلاً وقرية وماشية .. لوحتي تقول شيئاً ، واللوحة التي ذكر عنها الادعاء بأن فيها تيسين يتصارعان على أرض مكشوفة فيها جبل وسهل وبيت وشجر ، وليس فيها إنسان .. سيدي ، أردت أن أقول منذ أكثر من أربعين عاماً ، إن غيبة الإنسان ، وترك الأرض للصراعات يجعل من هذه الحياة جهنم أخرى رغم كل الجمال الذي فيها .. أقول ، إن الإنسان هو الذي يجب أن يكون على هذه الأرض مع الخير ومصدراً للخير .. عندما أردت أن أرسم زهيراً سيدي ، لم أكن أستطيع، في ذلك اليوم وتلك الساعة ، أن أستضيء خلفية قلبه وعقله الذي يشع تفوقاً ومحبة لأرسمها ناطقة على وجهه ، وكان علي أن أخترق الروح والأحاسيس لأسجلها خطوطاً وألواناً تبقى تتحدث دائماً عن القريب لقلبي وعقلي الأديب زهير .. ولذا ، فقد تريثت من أجل أن أحمل ، ومن ثم لكي ألد ، كما تلمّح مذكرة الإدعاء سيدي القاضي .. تمر بضعة أيام وتأخذني ريح الحياة وأبدأ المشاريع ، ويغترب هو ، وأغترب أنا .. ولم يعد زهير يجلس أمامي .. أيضاً لا أنكر بأنه ما غاب عني رغم أنه غاب عن عيني .. وغبت عنه كذلك .. سيدي قد عاد الزمن الآن كل هذه السنين إلى الوراء .. لأوفي وعدي له قبل أن يأتي موعد السفر الطويل لأحدنا دون أن يكون له طريق عودة .. سيدي القاضي .. أعترف بكل ما جاء .. فاحكموا كما تشاءون .. إن حكمتم له فقد حكمتم لي أيضاً ، وإن حكمتم لي ، فأعتقد أنكم قد حكمتم له أيضاً .. هكذا كنا سيدي دائماً .. ونحن كذلك الآن ..
المشهد الوحيد لهذه المحاكمة يجلس الأديب زهير على كرسي في قاعة المحكمة ، ويلتصق به الفنان صلاح كيلاني على الكرسي المجاور وباقي الكراسي فارغة تماماً .. لا يوجد أحد في قاعة المحكمة غيرهما .. نسمع قرع الحاجب بقوة تهز المكان وصوته مجلجلاً .. الحاجب: محكمة ! .. يدخل المحلفون وعددهم يتجاوز العشرين .. يصطفون خلف منصة القاضي تحت القوس .. يدخل القاضي ياسر العظمة .. والكل قيام تحية للقاضي .. يجلس القاضي فيجلس الجميع على الكراسي المعدة سلفاً عدا المدعي والمدعى عليه .. ينظر القاضي محتاراً في المدعي والمدعى عليه.. ينظر إلى هيئة المحلفين .. القاضي: هؤلاء المحلفون الذين ترونهم أمامكم هم بعض من الذين يحبون الأديب زهير الشلبي والفنان صلاح كيلاني للنظر في الدعوى رقم 1 المقامة منذ عام 1974 .. ( على جانب للمحلفين) شو هالدعوى اللي إلها 35 سنه وما بتسقط بالتقادم ؟! ... (متوجهاً للمدعي والمدعى عليه) على كل حال مين منكم المدعي ومين المدعى عليه .. شايفكن لزآنين ببعضكن .. لا يرد أي منهما .. القاضي:(متابعاً) طيب ، بعد قراءتي للمذكرتين المقدمتين من المدعي والمدعى عليه أقرر أنا قاضي الصلح الأول في هذه المحكمة ، أقرر أن كلاكما مدعي وكلاكما مدعى عليه في هذه القضية التي أنظر فيها هذا اليوم في نهاية عام 2009 .. لقطة على وجه القاضي يتحدث دون أن نسمع ما يقول .. بعد بضع لحظات نشاهد كلاً من زهير وصلاح يتعانقان وكل منهما يسند رأسه إلى كتف الآخر .. قطع زهير الشلبي
|