Home of Art and Literature

Home

*

 

البداية

English

By: Zouheir Shalabi

الأدب العربي

Facts  حقائق الحياة

خارطة الموقع تسجيلات صوتية

  الموسيقى

 

هذه الصفحة هي المدخل الأساسي لمعظم الأعمال الأدبية للكاتب

 

 

 

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان Index الرئيسية

 

نص الرواية  TextIntroductions مقدمات

 

رسالة للنسيان

رؤية جديدة لهذا للعالم

من خلال فصل ومشهد واحد متكامل

وما الأقسام والمشاهد إلا لغايات تقنية وتبسيطية

القسم الأول:

1-   حديث البداية        2-  المشيمة            3-  التجربة 

 4 – الاصطفاء           5-   الأرض الخراب  6-   الرؤية الجديدة

 7-  الاختطاف           8-  بئر الصحراء      9-  المحطة والقطار 

 10-  سوق النخاسين  11- القصر             12- الرسم بالأوحال

13-  الضبع              14-  برقع الورود     15- الغياب

16- الصديق الآخر      17-  التحول

القسم الثاني:

   18- السباق           19- المبيع             20- الزيارة

   21- أبناءالضباع    22- الجريمة            23- لون الأرض

     24- الزعيم           25- الاجتماع           26- الحرب 

القسم الثالث:        

  27- مكسب قصير         28- النبع             29- النوم

   30- الحياة في الموت   31 - بين عالمين

القسم الرابع:

  32- الجسر         33- الغريزة والجينات   34- الرسالة

  35- حمولة حرة   36- السؤال                37- السؤال عن السؤال

 القسم الخامس:

                           (( الأمنية ))

 

 

 

Full Text: نص الرواية كاملاً

محتويات الكتاب:

 تتألف رحلة هذه الرواية من خمسة أقسام رئيسية وثمانية وثلاثين مشهداً، وهي رحلة الإنسان وليست رحلة الكلمات ، منذ غيبوبته وقماءته وانقهاره البدائي الأول وحتى تحوله    إلى عالم مجهول قد يكون هو بداية الرؤية الحقيقية، مروراً  بصراعات الحياة الكثيرة  ولاجدواها أيضاً...  وعلى هذا فإنه يصعب على إنسان ما أن يشرع في قراءة سيرته الذاتية  ثم ينفك منها دون أن يتمها لآخر نقطة !!! .                                                            

Contents:         A Message to be forgotten

The narration of this novel is consisted of five main divisions and thirty eight        scenes; : It is the episode of human being, not the  episode of words, since his  unconsciousness, dirtiness and primitive oppression, unto the unknown world     where it might be  the reality of vision, passing through the multiple life conflicts in  vain ..    And for this reason it may be rather difficult for a human to initiate    reading his own biography , then be able to unfinish before the last drop .           

 

 

`القسم الأول:

(1) حديث البداية

       ·       ربما جاء محدثي من بقايا نسلٍ قديم عرفه أهل القرى بنسل العمالقة.

كان محدثي طويل القامة عريضها بمسحة على الوجه هي خليط الألوان البشرية البيضاء والسوداء والصفراء والحمراء.

تشبه تقاطيعه أولئك الذين جاؤوا من غابة عذراء لا نعرف عنهم شيئاً، فهم بجبهاتٍ عريضة وأنوف دقيقة وعيون كبيرة غارقة و ذقون ملفوفة وشعور مجدولةٍ، وأكتاف تغلق الباب وسواعد طويلة وأيادٍ بملامس مفلطحةٍ كمحاجم الحيوانات البحرية..

       ·       ولم يكن محدثي غريباً عني .. أحسسته لصيقاً بي يحدثني همساً يأخذ مساحة واسعة من الهواء.

كان قادراً على انتزاع حيرة من نفسي تغشاها رائحة اللافهم فقد كنت غير حاسمٍ في تقدير السنين التي قضاها في هذه الحياة.. فهو عندما ينثني واضعاً يداً على الخصر ومشيراً بالأخرى يوحي لك بجميلةٍ شابةٍ، وهو عندما يقاربك بمنكبيه يجعلك ترى صخر الحياة صلباً عمره آلاف السنين، وهو عندما يبتسم ويقارب منك راحتيه ترى فيه فتى يبحث مجدداً عن الحياة بعرضها وبطولها.

يقهقه بصوت الرعد ولكنه يبتسم بفرح الأطفال، يعكس لون القمر بعذرية الوجه، ويعكس لون الشمس بنار الحروب.

يعكس وجهه لون الصباح ربيعاً فيه الزهر والنهر والأخضر، ويعكس وجهه لون الغروب خريفاً من ورق الشجر يسّاقط نحو أديم الأرض من أجل بذور حياة جديدة..

وجهه فيه آثار آلاف السنين، لكنها آثار، رغم عمقها وتعمقها، تُصَيِّرُ الألم أملاً، والكآبة ابتسامة.. وتنزّ من ذاتِها إلى ذاتِك إحساساً بالوجود والخلود..

محدثي كان كما كان، وبقي كما كان، وسيبقى كما كان.. هكذا قال لي، وهكذا آمنت به.

*            *            *

       ·       قال محدثي:

«ماذا يهمك من اسمي؟.. لماذا تحبون أن تطلقوا على كل شيء اسماً؟.. إنني أرى أنكم تطلقون الأسماء كي تفرّقوا بين الأشياء، وذلك لأنكم غير قادرين على تمييز الأشياء بطرق أرقى..»

       ·       عندما عرف محدثي بأنني لم أدرك ما يعني، هز رأسه قليلاً وتابع حديثه:

«تقول إنك صديقي، ومع ذلك  تستخدم الأصوات والكلمات، وتشير بيديك وتزحم جسدك بالانقباضات والانحسارات والانكسارات من أجل أن تُفهمني جملةً ذات أبعاد سطحية.

أعود أنا لأجيبك فأضطر لأحدثك بطريقتك ولغتك كي تفهمني، ومع ذلك فإنك تفهمني نصف فهم، وربما ربع فهم.»

       ·       ازداد استغرابي، وفاض رأسي بالخيالات، وترددتُ في قول الكلمات خيفةَ أن ينتقد أسلوبي،..

تابع محدثي:

«تلحظ أيها الصديق أنك تعاني من أجل أن تُفهمني.. أنتم أيها الناس اعتدتم أن تكذبوا، وإذا صدقتم فإنكم تقولون نصف الحقيقة، ونصف الحقيقة هذه يصل نصفها إلى الآخرين، وهم غير مستعدين لفهم أكثر من نصف ما يصلهم، وهم لن يعملوا بأكثر من نصف ما فهموه.. وهكذا يضيع التواصل بينكم فأنتم أفراد منفصلون، ومجتمعات منفصلة.. وحتى أفرادكم فهم كتل صغيرة متناثرة في الداخل..»

       ·       تساءلت وفي صوتي حدة:

- أكل هذا الشرح والتفصيل لأنني سألتك عن اسمك؟..

ضحك، وأحسست بالصخرة التي أتكئ عليها تهتز، ثم حدق بعينيه الكبيرتين الغائرتين.. وتابع:

«ألم أقل بأنك من أولئك الذين يضعون الحدود للفهم، أو لِنَقُل بطريقة أخرى أكثر وضوحاً، أنك من أولئك البشر المنتشرين في كل الدنيا، والذين يدّعون السيادة على العالم، وهم لا يريدون أن يفهموا إلا ما يريدون أن يفهموا..

لماذا تصرون أيها البشر على الرؤية بالعين، والسماع بالأذن؟..»

       ·       وكيف تريدنا أن نسمع وأن نرى؟..

«أنا أريد؟.. ليست لدي السيطرة عليكم حتى أريد أو لا أريد!. أنا واحد منكم، والفرق الوحيد بيني وبينكم هو أنني مختلف بأفكاري وأحاسيسي وقدراتي ورغباتي وسعادتي وآفاقي..»

   ·   لأجعل الأمور سهلة عليك، وسهلة عليّ أنا، وكي لا تدخلني في متاهات وعوالم تصعب على مداركي كما تقول، أرجو أن توضح أفكارك بشأن أسلوب الناس في حياتهم ثم تتكرم باسمك كي أعرف كيف أخاطبك؟…

       ·       عاد محدثي إلى عالمٍ آخر يتحدث عنه:

«أنا قد جربت في أن أنقل إليك اسمي على طريقتي، ولكنه، للأسف الشديد، لم يصلك، لأن الطريقة التي نقلته بها كانت ذات بعد آخر، وستكتشف ذلك بعد أن أحكي، باللغة العادية التي اعتدتَ عليها، قصتي وتاريخي، ولتلحظ أن قصتي ليست مرهونة بزمن كذلك الذي تحددونه عادة، وليست مرهونة بوقائع مكانية.... فقصتي ربما حدثت في الماضي، وربما تحدث الآن، وربما تحدث في المستقبل الذي هو بالنسبة لك مستقبلاً، و ربما بالنسبة لغيرك ماضي.. ومن أجل أن أقرب إليك فهم ما أقول، أضرب لك مثلاً قد لا يوضح تماماً ما أعني، لكنه يقرب المعنى مسافة ما..

أنت ترى الآن في هذه اللحظة في هذا المكان في السماء نجماً، وهذا النجم، كما يقول علماؤكم، في الحقيقة، غير موجود (الآن)، في هذا (المكان) الذي تراه ..

علماؤكم يقولون ذلك، وهم عندما يشرحون لك الأمر تصدق.. لأن الأمر أصبح بمنطق العقل ولم يعد بمنطق الأحاسيس الخمسة التي أنتم مزودون بها..

أحاسيسكم قاصرة، وأدواتكم ومسابركم التي اخترعتموها، رغم قدرتها على توسيع دائرة أحاسيسكم بشكل هائل فهي ما تزال قاصرة.»

       ·       هل أنت عاقل أم ..؟..

اهتزت الصخرة مجدداً وهو يضحك، ثم تابع:

«أنت سألتَ (هل أنت عاقل أم…؟) وبالطبع فإن الكلمة المحذوفة هي ((مجنون)).. أنت لم تقلها ومع ذلك وصلتني! وهذا بالضبط ما قصدتُه عندما قلت لك إنه توجد طرق أرقى للتفاهم والتواصل!.. لكن هذه المرحلة هي البدائية وهي أقل المراحل للتواصل!.. تعلمتم أن تلعبوا لعبة الكلمات المحذوفة، حتى أنكم استخدمتموها في طريقة امتحاناتكم فسألتم طلابكم:

أتمم ما يلي، وضع الكلمة الناقصة.. إنكم في البداية، بل بداية البداية يا صديقي..

ألم يصلك اسمي يا صديقي؟! بالطبع لم يصلك وأنا أعرف أنه لن يصلك إلى أن أحكي لك حكايتي..»

       ·       رأيته يبتسم ابتسامة رقيقة أفرحتني ثم تابع حديثه:

«جاءني منك الآن، دون كلام أو إشارة أو حتى تعابير وجه، أنك متعب وترغب في أن أبدأ حكايتي غداً عند المغيب، في مثل هذا الوقت وعند هذه الصخرة..»

       ·       أومأت له برأسي موافقاً والدهشة تملأ وجهي..

«أنا لست بحاجة لإيماءتك كي أفهم موافقتك.. إنما أردت أن أضرب لك مثلاً عن بدائيات الاتصالات غير الكلامية، وغير التكنولوجية..»

*            *            *

 

(2) المشيمة

       ·       تابع محدثي حديث اليوم السابق:

«أولى الصور التي أذكرها، هي خروجي من بطن أمي.. لا تبتسم! قلت لك إنني أدرك ما بنفسك، وأجيب على التساؤلات التي في ذهنك دون أن تقولها، إذ أنت تسألني دون أن تبوح بكلمة، كيف أذكر خروجي من بطن أمي ومداركي كانت ما زالت في رقاد؟.. أنا لن أشرح لك كيف، لكنني أذكرك بأنني قرأت ما بذهنك الآن، وهو أمر بالغ البساطة بالنسبة لي، وأستطيع أن أقرأ ما كان بذهنك البارحة.. وهو أمر شديد البساطة أيضاً… ربما تستطيع فهم الأمر فيما بعد.. سأتابع لك القصة..

أولى الصور التي أذكرها، هي خروجي من بطن أمي.. كانت هناك اندفاعات وسوائل وروائح وصراخ… كانت لدي رغبة بعدم الخروج، ربما كانت لدي تجربة سابقة بالخروج وبالتالي فإن تجربتي اللاشعورية وقتها أنبأتني بعظم وجسامة العبء في حياة كلها تمركزات ممغنطة شديدة الجذب أو النفور.

على أية حال فكان لا بد من أن أخرج لأن نهر رتابة الأشياء يجري في هذا الاتجاه، فأنا قد أعرف و أدرك وأحس لكنني لا أستطيع تغيير طبيعة الأشياء أو تعديلها فهي قدر ووجود وحقيقة.. خرجت، وكانت النسوة من حول أمي يثرثرن ويتحدثن بلغة السلامة، وحلاوتي وحجمي وصحتي وعيني الكبيرتين الموحيتين بعمر قبل العمر وكأنني قد أمضيت سنينأً طويلة في لحم أمي.

قالت امرأة لأخرى جهاراً:

ما شاء الله!.. علقي له تميمة زرقاء!..

وقالت امرأة لأخرى سراً:

لا أحد يعرف أباه الحقيقي!..

بينما تململت أمي بجانبي وهي تقول لقريبتها بجانبها:

- ابعثوا لأبيه فهو سيفرح به كثيراً..

كنت أعرف بأن أبي لن يفرح فهو قلق من أقوال نسوة الحي وتغامزهن وإيحاءاتهن، ولكنه رغم ذلك كان على ثقة بأنه، وقبل أشهر تسعة، قد حمّل زوجه حِملها حتى الرمق الأخير.

أبي فعل مثل كل الرجال، فقد أسدل على أذنيه مصفاة من اللباد وجاء مستبشراً وحملني، وكنت أنا سعيداً بيديه، وقد قررت أن أكون ابناً له منذ تلك اللحظة.. كما أنني قررت أن أجعل من أمي أماً لي فهي قد تلقتني مُحاصَرةً، والتصقتُ برحمها دون رغبة لكن الأمر لم يكن سوى سياقٍ للحياة..

ما طغى على السطح كان أقوالاً غير مؤكدة.. وما ترسب في قلب الأب  يقين وشك متناوبان، وما رسم الهدوء فوق التخوّف لدى الأم أن حمدت الله على الستر.. أما أنا فلم يكن الأمر يهمني كثيراً ففي كل الأحوال أنا ابن ذكر وأنثى على الطريقة المألوفة، أما من كذب على من، ومن غدر بمن، ومن خان من، فهي أمور مألوفة أيضاً..

الغرفة كانت غرفة ولاّدة، والشبابيك العريضة العالية الممنوعة بقضبان حديدية وإطارات الخشب مهشمة الزجاج والطاقات المسدودة بورق الجوز المضغوط، و(الكَتابي) الحاملة لتاريخ الألحفة والأغطية والفرش القديمة..

كلها كانت تسألني ماذا جئت تفعل؟، وكنت أسألها أنا أيضاً ماذا كانت هي تفعل؟.

أنا يا صديقي عندما أحدثك بلغتك وحروفك التي اعتدتَ عليها إنما أنقل إليك جزءاً يسيراً مما جرى ومما يجري..

فلغتكم هذه قاصرة إلى حد العجز، ولأنها كذلك تجد أن التفاهم بين الناس قد يكون معدوماً ولهذا يختلفون كثيراً..

أنا يا صديقي، وأنا خارج من بطن أمي أحسست بالنكبة، فأنا مخلوق مجبول من الغش، لكنني أنا نفسي لست غشاشاً.

وقتها نظرت أمي إلى وجهي، مليئة بالحنان والخوف، ولكنها استمدت مني قوة، فقد قالت في نفسها إن هذا الضعيف لابد أن يشتد ويقوى وبالتالي فسأكون عماداً لها، وستجعلني أفهم الظلم الذي وقعت فيه ولماذا قبلت به، وقبلت أن تخدع رجلها وسكتت عن ثرثرة الناس، وهكذا ضاعت الحقيقة أمام البشر كما ضاعت أكثر الحقائق.»

       ·       صمت محدثي ونظر في عيني ثم ابتسم ابتسامة أخذني فيها، وتابع سعيداً:

«أنت تعرف الآن أنني ابن حرام، لكن هذا لم يكن يهمني، فأنا ابن حرام بالمعنى الجنسي والاجتماعي الذي لدى البشر، لكنني ربما لن أكون كذلك بالمعنى الحياتي، أي لن أخدع الآخرين ولن أسلبهم حقوقهم وأموالهم.. كما أنني لست وحيداً فربما يقف بجانبي الكثيرون مثلي، أولاد الذكورة غير الأبوية، حتى أن بعضنا قد يكون أولاد الأنوثة غير الأمومية، وأنا لا أفشي سراً إذا قلت لك يا صديقي أن بعض الأولاد ليسوا أبناء  أمهاتهم ولم ينزلوا من أرحامهن وأنت تعرف هذا، حتى أنك تعرف بعض الأسماء ولا تريد أن تفشيها..»

       ·       نظرتُ إلى محدثي كمن التُقِط في ممسك، فضحك وقال:

«هذا أيضاً لا يهمني، الذي يهمني بالفعل أمر آخر.. إنه كان من عاداتنا أن تأخذ أم الأم المشيمة والتي كُنَّ يسمينها (الخلاص) تخبئها في خابية بعد أن تضيف إليها مطحون عشبة برية وتسدها بالطين وتدسها في التراب في مكان ما بعيداً عن أعين البشر والضواري.

والذي حدث كان ما يلي:

لم أر جدتي رؤية العين لأنها كانت قد دُفنت في اليوم الثاني بعد أن اجتاح لحم أمي أبي الحقيقي ( كما يقولون رغم أنني لا أؤمن بذلك )، ماتت إثر المصاب الدنيوي الهائل بسبب التشنجات القابضة لكل شيءٍ فيها حتى قلبها.. الذي انقبض وبقي كذلك.. رغم أنهم يقولون أن قلب الإنسان يرتخي بعد الموت.. جدتي بقي قلبها متشنجاً وقد تحول إلى حجر..

ولأن جدتي لم تكن موجودة فقد جاءت الجارة الموثوقة لتساعد في إخفاء مشيمتي عن الأعين، فأخذتها وطمأنت أمي في أنها قد وضعتها في مسحوق العشب وحفظتها في جرة فخارية متينة ودفنتها في عمق الأرض كي لا يصل أحد إلى مكانها..

تلون جسدي في اليوم الثالث ببقع حمراء، وبلطخ صفراء وسوداء وبيضاء.. وكأن الألوان قد أتت من مجموعة القارات الأرضية الخمس.. غار الدم وفاض.. تخثرت الأشياء وتلبد العفن في القلوب جميعاً..

شيء ما حدث.. كنت على صلة بأمي، وبمقذوفات أبي الجسدية، وبخلايا أبي المخدوع العصبية…. وكنت على صلة بمشيمتي المدفونة.»

   ·   أحسست بأن محدثي يلهج بكلماتٍ آتية من عالمٍ آخر، وبجسده يتمطى، وبابتسامة تنكسر من وجهه على حجر الصخرة الصلب، لم أجرؤ على الكلام.

تابع محدثي بصوت جهوري اهتزت له الآفاق..

فغاصت قدماي في الوحل، بل في دماء سوداء تنز من لحم هش مهروس..

       ·       تابع محدثي..

«كلما ذكرت ذلك اجتاحني حقد كأنني ليل تجتاحه الكلاب السوداء ولأنني أعلم أنك مثلي، وكثير أمثالك، أكبت حقدي وأهدأ وأتمم حكايتي عليك وإليك..

وأنا أرى بأنني أتحدث إلى العالم كله من خلالك…»

       ·       لم أستطع أن أقول شيئاً..

«كنت أرضع من ثديٍ بخيل فقير ممطوط، وقد كنت أعلم أنه لا شيء يهم في ولادتي، فإنما ولادتي تكرار في ظروفها وبيئتها ووجعها،..

دخل العالم كله في داخلي وقتها، نبض قلبي كما تنبض الحياة.. اجتاحتني الأصوات الهمجية والرقيقة، فرأتني الإناث بحقدهن وحبهن.

دخلني الهواء من أنفاس الآخرين… ثم انتظرت حتى يأتي أبي المخدوع..

وعندما جاء أبي هذا بكيت، فقالوا أ رضيع يُهطِلُ الدمع؟

أرضيع تتعالى أبخرة جسمه كالبخور؟.. أ رضيعٌ عينُه في المدى يرى ما قد أتى وما قد مضى؟!……

ولكن لم يكن هناك ما يهمني من كل هذا سوى أن اتصالي بمشيمتي قد انقطع، فقد غارت تلك المشيمة في جوف ضبع…

فالجارة لم تحفر الأرض، ولم تضع العشب ولم تغلق جرة الفخار..»

       ·       سكت محدثي برهة، ثم تابع:

«لماذا جعلوا مشيمتي في جوف ضبع؟..

هل أرادوا أن يحمّـلوني وزر الضباع، أم أنهم أرادوا أن يكون في هذا العالم بشر يحملون سمات الضباع؟»

انتظرتُ قليلاً وعندما وجدت الفرصة مناسبة قلت لمحدثي:

- هل ترغب في أن تتم حديثك غداً؟..

«رسمت لك الصورة الأولى، وحسبما أعرف فإنك قد التقطت مني جزءاً من المعنى، أما باقي المعنى فقد طار في الزمن، ولكن لا بأس فغيرك لا يلتقط شيئاً..

آه ليتني أستطيع أن أصل بك إلى المرحلة التي نستغني بها عن لغة الكلام والحركة والإشارة ليصبح تخاطبنا بأسلوب أكثر رقياً..

ولكن غداً يوم آخر كما تقولون أيها البشر.. أما أنا فلا أعرف كثيراً فروقكم بين الماضي والحاضر والمستقبل.

الزمن عندي هو اللحظة التي تجمع كل الماضي ضمن الحاضر مع توضيبات المستقبل..نعم صديقي، أريد أن أتابع حديثي غداً، لأنك لو أخذت كل شيء جرعة واحدة فربما لا تحتمل أعصابك التي لديك…

أما أنا فالمهم عندي من كل ما حدثتك به هو أن مشيمتي قد امتزجت في لحم الضباع…»

*            *            *

 

(3)   التجربة

   ·   عندما كنت ألتقي بمحدثي يومياً عند الصخرة الهائلة كان يضع عليها يده اليسرى وكأنه يقوم باتصال ما بكتلة الأرض عن طريق كتلة الصخرة، وهو يصبح بهذه الطريقة أقل انفعالاً وأكثر شباباً وأشد قوة واحتمالاً.. فقلت في نفسي وقتها كما قال مدرس الفيزياء إن الاتصال الكهربائي بالأرض يفرغ الشحنات الموجبة ويعدل السالبة وبالتالي فان الجسم يصبح معتدلاً..

في هذه المرة الثالثة التي التقيته بها كان ينتظرني ويبتسم وجهاً وجسداً، ويوحي بشكل طفولي عملاق..

فاجأني محدثي ودون أن يدخل في تحية أو مقدمات بقوله:

«بدأت تفكر في شخصيتي وكنهي، وبدلاً من أن تتساءل من أين جئت أنا، وما هو اسمي، فإنك بدأت ترى الأمور بشكل آخر.

لا بأس.

استندْ إلى هذه الصخرة، اجعلْ جزءاً من ظهرك عارياً والصقه بكتلة الصخر، فتشعر بشيء من البرودة في مكان الالتصاق، لكنك لن تلبث أن تحس بالبرودة تجتاح جسدك كله، عليك أن تقاوم، ثم عليك أن تسترخي.. ثم عليك أن تنام..»

   ·   قبل أن أعترض وأن أتساءل مستغرباً هذه العملية، وباحثاً عن تفسيرات لها بادرني محدثي والابتسامة الطفولية الضخمة لا تفارقه:

«ألا تعرفون النوم أثناء اليقظة يا إخوتي البشر!.. إنكم تعرفونه جيداً، وتسمونه أحياناً أحلام اليقظة.. وتسمونه أحياناً الشرود، وأحياناً حالة تأمل، إلى آخره من الأسماء التي تطلقونها بلا تحديد ولا معنى واضح..»

   ·   وقبل أن أنطق بكلمة أشار لي أن أفعلَ كما وجّهني، ومد سبابته باتجاه الصخرة، باتجاه جانب منها، حيث تبينت وقتها أن الصخرة كانت مزدوجة بفالق بسيط قديم لكنه كاف ليعزل ما بين الكتلتين.. فعلت كما قال لي، ثم تلقيت صدمة الالتصاق بالجلمود وصبرت وكابرت ثم ارتخيت.. ومحدثي يراقبني..

«خذ نفساً عميقاً.. النفس العميق مريح للغاية.. شد حجابك الحاجز حتى أدنى مستوى له ثم أَتْبِعْ ذلك بتوسيع صدرك لتأخذ أكبر قسط من الهواء، احبس الهواء في جوفك، ثم أطلقه بليونة مستخدماً ضغط الحجاب الحاجز مرة أخرى وتقليص جوف الصدر.. اعملها ثلاث مرات بهدوء وليونة.. ثم ابدأ بعدّ أنفاسك وتحسسها في جوفك وحافظ على رتابتها وضع ذهنك فيها، ثم تابع مراقبة كل عضلة من عضلات جسمك واجعلها تسترخي تماماً بحيث تتركها على راحتها..

ارخ كل تشنج في كل مناحي جسمك.. وارخ خيالك أيضاً.. وعندما تصبح في حالة ارتخاء كامل فإنك ستحس طعم النسمة ونبض الأرض..

علماؤكم أيها البشر يعرفون شيئاً اسمه نبض الأرض..»

   ·   لا أستطيع تحديد الزمن، ولا أستطيع تحديد مدى استجابتي لتوجيهاته، لكن بالتأكيد انتابني خوف ما فتئ أن أخذ يتلاشى إلى أن أصبحت أحس أنني والصخرة والأرض والنسمة على اتصال بطريقة ما وأن ذلك الاتصال كان ممتعاً.. بل إنني بدأت أحس بالأرض تحت قدمي مغطاة بالغضار وتحته أرض كلسية هشة ثم مسرب مائي ثم آفاق مظلمة.  لها لغتها التي تفشي بها أسرارها.. وجدت نفسي آخذ اتجاهاً أكثر راحة..

لم يتوقف الزمن.. غير أنه بالنسبة لي كان واقفاً..

   ·   فاجأني محدثي يطلب مني أن أتنفس بطريقة أخرى مرة أو مرتين ثم أن أحرك ساعدي وساقي.. وأن أصغي له.. وعندها أدركت كم كنتُ مُتعَباً..

قال محدثي:

«هذه تجربة صغيرة أردتك أن تجتازها، وأنا سأشرح لك الآن بلغتك ماذا تعني تلك التجربة، فأنت استطعت الخروج ولو لزمن قصير، ولو خروجاً ضحلاً، من المؤثرات التي تحيط بالبشر كالعادة من ضجيج وانفعالات وأوجاع  وخروقات الآخرين وهموم الدنيا وضغوطات الحاجة.. استطعت التقرب من نبض الأرض الآتي إليك من الكتلة الصخرية، كما استطعت أن تستفيد من أكسجين الهواء بطريقة جديدة، كما استطعت إرخاء التشنجات الموجودة والدائمة لديك بسبب المخاوف التي رافقتك كل حياتك، كما فَرَّغت ذهنك من كل الخيالات والضغوط التي تتلف أعصابك، وبالتالي بدأت ترى العالم على وجه آخر، هو وجهه الحقيقي.. ولا أدل على ذلك من حركتك البسيطة في تعديل اتجاهك بحيث تتناسب والقوى التي تحكم اتجاهات كتلة الأرض نفسها..

أصبحتَ تحس بما تحت قدميك وبما حولك بشكل أكثر شفافية..»

       ·       نظرت في وجهه الجاد بالعينين الكبيرتين الغائرتين وكأنهما في فتحتي كهفين متجاورين، تابَعَ:

«لا شك بأنك سمعت عن أولئك المعدودين من البشر الذين يستطيعون تحديد مكان وعمق المياه الجوفية واتجاهاتها وعروقها وحجمها…

سمعت عنهم.. هم موجودون في جميع أنحاء العالم...

إنها حقيقة هل سمعت عنها.. وهل عرفت بأن أولئك البشر قادرون على إعطائك معلومات قد تصل في دقتها إلى أكثر من أي جهاز اخترعه العلماء.. أنا لا أتحدث عن المدعين أو الذين  لديهم قدرات محدودة، بل عن أولئك القلة الذين لديهم بالفعل هذه الإمكانيات…»

   ·   كنت متعباً وغير راغب بحوار طويل رغم مظاهر الدهشة التي اعترتني، وتملكتني بالكامل.. وأحسست بالميل للالتصاق بالصخرة مجدداً والبحث مرة أخرى عن محتويات كلام وشروحات محدثي..

لكن محدثي بادرني..

«أنت متعب، والتجربة الأولى صعبة، ولذا فإنني سأعفيك اليوم من متابعة فصول قصتي بعد الولادة، ولكنني أعدك بأن لقاءنا في الغد عند هذه الصخرة المزدوجة سيسمح بفيض من الحديث يدخلك في أجواء الدنيا من حولي حينما كانت أمي مازالت تحملني رضيعاً وهي تضع السم في فمي..»

              ·              حدقت في عينيه مجدداً.. سارت خطواتي باتجاه الخلف… وجهي باتجاه الصخرة وأنا أبتعد عنها مشدوداً إليها..

*            *            *

 

(4)  الاصطفاء

       ·       عندما قابلته عند مغيب ذلك النهار حسبما أراد، لم يحيني، وبادرني من غير مقدمات:

«أسندْ ظهرك للصخرة، وضع قدميك العاريتين بتماس مباشر مع الأرض، وارخِ مفاصلك ومط أنفاسك الأولى وأغمض عينيك وتحسس أجزاء جسمك بذهنك.. دعْ جسمك يقول كما يريد… شاهدني صغيراً فأنا في كِبري صغير وفي ضخامتي أحبو، ففي داخلي الآن تلك الأيام حيث كانت أمي تضمني وتخشى أن يأتي أبي حاملاً سكيناً تخترقها حتى الرحم، أو حاملاً حجراً يطحن الرأس حتى الفم، أو قابضاً على أصابعه مُدخلاً إياها في عروق عنقها..

ارتخِ، ولا تحرك شيئاً فيك، بل دع كل شيء لديك يمتزج بالصخر والأرض، وتعلم أن تشم رائحة الأطفال الذين امتزجوا بالتراب.. كل أترابي امتزجوا بالتراب وقتها..

عندما ولدتني أمي كان هناك خوفان، الأول من أبي بالاسم، والثاني من الجوع والمرض و( التابعة ).. أما أبي، فأنت تعرف رغبة الناس في تحريض الناس على قتل الناس.. وأما الجوع والمرض فهما اثنان يؤديان للجهل والجهل يؤدي إليهما.. وحيث يوجد هؤلاء، يأكل الأطفال الدود ويشربون السم.. وهكذا كانت أمي تطعمني الدود وتشربني السم لأنه لم يكن لديها غيرها..

تريد أن تحرك لسانك لتسأل، وتريد أن تفتح عينيك لتتساءل كيف يكون ذلك؟! أنا أجيبك، مع رغبتي في أن يكون الحوار بيننا بلغة أكثر تواصلاً ودقة من هذه اللغة التي أنا مضطر لاستخدامها معك، المسألة بسيطة.. فالأم التي لا تعرف شيئاً سوى الكوخ والساقية والكدر والأفاعي والبرسيم والدجاجة.. لا يمكن أن تطعم ابنها إلا مما لديها ولا أن تسقيه إلا من الساقية..

والساقية.. انظر إلى الساقية.. انظر بعيني رأسك.. إنها ما زالت تجري في داخلي.. فيها عصارات خرق الأطفال من مبتداها إلى منتهاها، وكل طفل يشرب من عصارات من سبقوه… وهكذا تتحول الساقية إلى جدول يحمل السم الجاري.. والمرض الجاري.. وهكذا كانت أمي تقطر السم في فمي..

لا تحرك شفتيك.. الآن لا تحرك شفتيك، فأنا لا أقطر في فمك سماً.

إنك تعيش معي تلك الأيام.. فهي أيام ماضية حاضرة أمامك الآن وأؤكد لك من جديد أنها حاضرة بالنسبة لي فأنا أراها وهي جزء من ذاتي..»

   ·   كنت في تلك الساعة مأخوذاً لا أرى سوى ما يرى محدثي، ولا أحس إلا بما يحسه.. كنت جزءاً من الصخر والتراب الذي يرى ويحس ويتألم.

تابع محدثي العملاق ذو العينين والنَّفَسِِ الذي يغمر الأنسام حولي..

«ذهبت أمي إلى عجوز تسأله السر في ضعفي وشحوبي ولهاثي فأخبرها العجوز بأن في هذا الولد تسكن (التابعة).. وهي رغم أنها ستأخذ حياة الأطفال الآخرين، وسَتُضني ولدَكِ هذا إلا أنه سيعيش ليكبر ويتعاظم ويملك الدنيا وشؤونها.

وهكذا عادت أمي إلى كوخها تحملني، ونسوة الجيرة يندبن صغارهن الذين رحلوا قبل أن يتعلموا النطق.. والذين ذابوا في الأرض قبل أن تقسوا عظامهم.. ماتوا بلون أصفر دون أن تخرج نقطة دم واحدة..»

   ·   كنتُ أرى الأطفال، مغمض العينين، ملقاة في الدروب تأكلها الديدان المفلطحة بنهم.. ثم تذوب في لحظات وتندثر.. ثم تأتيني رسالة التراب أن نصفه كان في يوم من الأيام مقابر صغيرة… ولذا ففيه تنمو اليوم كثرة من الأشجار…

«أنت ترى معي الآن كيف ماتوا لأنهم لم يستطيعوا مقاومة الموت الجارف، وبقيت أنا حاملاً بقاياهم، ووزرهم، ذلك لأنني كنت أحمل (التابعة) في داخلي كما قال العجوز لأمي.

و(التابعة) كما تعرفها أمك هي امرأة عجوز مخيفة عملها أن تخطف الأطفال إلى مصير مجهول، وهي شبيهة بالثقوب السوداء التي تخطف الأجسام وتضغطها حتى تتحول إلى كتلة صِفرية الحجوم.. فالتابعة في أمثالكم الشعبية هي البشاعة الميتة التي تضم الأطفال إلى الموت البشع..

قال العجوز إنها كانت تسكن في داخلي، ولذا فهي قد محقت الآخرين، واصطفتني كي أتضخم وأبقى.. وأحدثك..

ولهذا أيضاً فإن السم الذي كان يدخل في أفواهنا نحن الأطفال قتلنا وأبقى على بعض منا أكثر قوة وضخامة وعنفاً وهيمنة..»

       ·       ضحك محدثي فأحسست بالصخرة ترتجف، وبالتراب يحاول الهروب من تحت قدمي.. ثم تابع:

«إذا كنت تريد أن تعرف لماذا ضحكت فإنني أورد لك تشبيهاً رأيته مضحكاً، وأنت ربما تراه مبكياً، والتشبيه هو كم أن (التابعة) التي حدثتك عنها تشبه مؤسسات هذه الأيام الكبرى في العالم والتي تحتضن، ثم تبتلع وتحول المؤسسات الناشئة كالأطفال إلى صفر.. ! ..»

       ·       قال محدثي بصوت مختلف:

«خذ نفساً عميقاً، خذ نفساً عميقاً.. أنفثه من فمك بهدوء.. حاول ثانية…»

       ·       وجدت نفسي أستيقظ وأرتجف ثم أفتح عيني..

كنت ما أزال أستند إلى الصخرة.. وأصافح التراب بقدميّ عندما رأيت محدثي يبتعد بخطوات إلى الخلف، وهو يشير إلى رأسي بسبابتيه..

ناديته:

- وبعد يا صديقي.. وبعد يا صديقي ماذا حدث؟ ..

«غداً لقاؤنا الجديد.. لا يمكنك أن تدرك كل الأمور في ساعات قليلة.. التاريخ هو في الحاضر.. ولكي تفهم الحاضر لا بد لك من رؤية التاريخ..

غداً يا صديقي.. غداً…»

*            *            *

(5)  الأرض الخراب

   ·   عند المغيب كنت ألامس الصخرة بعجزي وأدس قدميّ في التراب وأنتظر محدثي حيث أحسست بانتظاري يطول، ثم ما لبثتُ أن لامستُ جفنيَّ وأخذتُ أنفاسيَ الطويلة الهادئة، وقاربتُ ما بين راحة الخلايا ونوامها، وإذ بي أحس بمحدثي يربت على كتفي ويمد يدي اليسرى الأقرب للقلب لتمسك بغصن شجيرة عرفت أنها تنبت لصق الصخرة للمرة الأولى..

«تمسكْ بالغصن جيداً وأغرسْ قدميك في الأرض ما استطعت، وتوسّع في مساحة التلامس مع الصخرة… خذ أنفاساً طويلة أخرى، واهدأ حتى تحس بأنك تسري تحت الأرض وليس فوقها.. أنت على اتصال وثيق بها الآن.. فليكن في معلومك أن هذه الأرض شحيحة الماء، لأن موسم المطر قصير وشُحُّهُ أمر مألوف وكرمه نادر، ولأن طبقة الكلس لا تستطيع أن تعض على الماء ولا أن تمنعه ثقوبها..»

   ·   أحسست بالحرية.. طال الزمن رغم أنني رأيته قصيراً.. رأيت عالماً من الصراعات تحت الأرض.. رأيت صورة كاملة في جوف الأرض لما هو فوقها.. لم يغير نور الشمس كثيراً من مبادئ الصراع والبقاء للأقوى.

بقي القانون هو القانون.. قانون الغاب فوق الأرض.. وقانون الغاب تحتها.. هكذا رأيت، أو ربما هكذا أرادني محدثي أن أرى.. فهو كما عرفت يقرأ أفكاري ويغذيني بما يريد أن يغذيني به من صور.. ربما تلك هي صوره وأفكاره لكنها كانت تأتيني وكأنها ملك لي، وما كنت أستطيع أن أميز فيما إذا كانت ملكه أومن صنعه، أو ملكي أو من صنعي..

   ·   كانت كلماته هذه المرة أقل تكراراً من المرات السابقة، وكأنني تلقيت منه رسالة تعدني بأن يُقِلَّ في الكلمات ويكثر من المعاني، ولكنني لم أكن أستطيع أن أتلقى منه كل شيء فكان يضطر لتلقيني الكلمات الرئيسية في الموضوع الذي يتحدث عنه ومن ثم يترك لي حرية انتقاء المعاني الناقصة في الفراغات التي كانت تبدو عمياء في بداية الأمر…

       ·       قال محدثي:

«كنا قلة من الأولاد، فقد ماتت الأجساد من كثرة ما ارتوت من الساقية، ومن قلة ما نالت من غذاء منَفِّر.

كان لي صديق، طفل مثلي، وهو الوحيد الذي كنت أخشى أن يصبح ذا عينين أكبر حجماً، وذا منكبين أكثر ضخامة وذا شعر أكثر جدولةً وطولاً وذا ابتسامة أقوى على الاختراق.. فقد كنت أنا ابن حرام، لكنه كان هو ابن سِفاح.

كانت أمي ذات الثدي المترهل والجسد الأنحل تزجرني عن اللقاء به، كانت تكرهه لأنه كان يذكرها بتجارب الحياة الخطأ، أما أنا فلم يكن الأمر يهمني بشكل أو بآخر.

تذكر أنني قلت لك أن الكثيرين من أترابي كانوا من غير آباء، وحتى من غير أمهات.. ولذا فربما يكون أكثر ستراً أن تتم مناداة الأطفال بألقابهم دون الاقتراب من أسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم.. وهذا أحد الأسباب المائة التي جعلتني أفضل أن لا أقول لك اسمي وعليك أن تعرفه وحدك.. وستعرفه عندما أنتهي من حكايتي لك الآن وأنت جزء من الأرض من خلال صخرتك وقدميك وغصنك.

انظر إليّ وأنا صغير ينطق بكلماته الأولى ويرى الدنيا رمادية ويخترق الزمن بصحبة رفيقه المماثل المنافس، يمضي بساقين شمندريتين في الساقية يحفر بهما ويعفر كالكلاب بحثاً عن درنة أرضية يبتلعها فجة بترابها..

كنت أعلم أن تِربي هذا، ابن السِّـفاح، لن يبقى، فهو أكثر إغراء لوجود نوع أكثر قوة من الدبق غير المنظور يشد إليه تجار البشر.»

       ·       ازددت غرقاً في قدميّ، وازددت ملامسة لإيقاع الصخر، وازددت تمسكاً بالغصن العطش..

«عربات تجرها الخيول القذرة مرت من أكواخنا وساقيتنا، ونهبت بحوافرها ودواليبها أرضاً قفراً يباساً.. ونهبت الأمهات آخذة بقايا أبناء أرحامها، ولم يبق سوى الباقين على مقربة من الموت والمخبّئين بين الشقوق، وأنا..

أخذوا صديقي ابن السِّـفاح ليبيعوه بورقة ملونة، وليعمد أولائك الذين اشتروه إلى إضافته لتعداد الدواب التي تعمل في حقل أو في شق أرضي أو تكويم قاذوراتهم، أو حتى في تقليم حوافر دوابهم أو تقليم أظافر زوجاتهم بعد شطفهم بماء كثير مثل الماء القليل النازل من فوق في المواسم النادرة..

غاب قريني.. غاب الكثيرون.. ذهبوا إلى من يقصون الشعور ويسبحون بالماء.. ويأكلون من الشجر ومن حشو البهائم. ذهبوا إلى عند من يقرؤون كتاباً ويرقصون على الأوتار، ويأكلون بملاعق الذهب، ويملؤون الكؤوس الزجاجية ويطرقونها حتى تُزبد.. وإذ كنتَ تسألني كيف أعرف كل هذه التفاصيل عنهم، وأنا كما قلت لك أدرك أسئلتك من غير أن تطرحها، فتفاصيل حكايتي قادمة تبرهن لك على أن هذه الكلمات التي تسمعها مني لا تمثل إلا جزءاً زهيداً من المعنى وهي أسوأ أنواع الاتصال كما قلت لك.»

   ·   عيناي غائمتان، وشعري منتصب، وقدماي وظهري ويدي اليسرى ثابتة في وصلات أقطابها مع الأرض.. وعندما كان محدثي يتحدث لم أكن أسمعه عن طريق أذني، فهما لا تعملان.. كنت أسمعه وأرقبه وأحس به عبر الصخر والنبتة والتراب..

«ليكن لديك ما تريد! .. هذه الأشياء الملموسة هي حبوب الهلوسة، التي جعلت من البشر ضباعاً، أو جعلت من مشيمات أمثالي شهوة في فم الضباع.. ومن ثم في خلاياهم النهمة…

أخذوا صديقي ابن السِّـفاح.. ولا تظن أنني بكيت لذلك.. فلم يكن هناك فرق، بل ربما أنهم أخذوه ليطعموه القليل ويدقون عنقه حتى يعمل الكثير، بأشد ما تصبره الحمير، لكن ما الفرق أيضاً؟..

هنا ستمر السنوات عجفاء ضريرة، وهناك ستمر السنوات حمقاء مجبولة بالقهر والصَّغار..

بقيتُ وأمي، والهياكل الصغيرة وأمهاتهم.. والساقية.. والضباع.. ودواب ضامرة وشوك..

كان الهواء راكداً.. وكان الماء آسناً.. وكانت أرضاً يباباً وبراريَ موتاً وخراباً.. كنتُ عَطِشاً وكانت الأرض عطشى وكانت أمي عطشى حتى اليباس، وكانت العظام تنتشر في كل مكان.

ومع كل ذلك فلم يكن يهمني شيء.. فقد كانت(التابعة) تكبر في داخلي حتى تلف العالم كله..»

   ·   غاب صوتُ محدثي، ونامت أذناي وعيناي.. وبقيت أسمع أصوات الجثث قادمة من جوف الأرض.. وبقيت أشم رائحتها حتى العمق الأبعد.. وتملكني المشهد الخراب حتى أضحيت جزءاً منه.

«قل لي، هل تراني؟.. بلون الأرض هَلاّ تراني..!..

ضائع وسط البراري.. أداري ما أداري.. سلسال الموت جاري.. يأكل في إزاري، يغلق الأجداث من جوارٍ لجوارِ..»

       ·       أصبح محدثي في داخلي.. وأصبحت أنا أجوفاً كصدى الطبول، أجاري، وأسير مع مشهد الأرض الضياع..

«أرض هي النار من غير وَقيدٍ، وهي الموت من غير غرق أو حريق.

وهكذا يا صديقي بقيت أنا مع ذلك العالم من غير أحاسيس.. أعلم أنك في غاية التعب، وهو تعب لا تحس به طالما أنت على هذه الحال، ولكن لابد من أن أنقل إليك ما تبقى من ذلك المشهد قبل أن أغادرك اليوم.

في ذلك الوقت كانت كلماتنا معدومة أو شبيه ذلك، فالحال يفسر نفسه، والكلمات لا تجدي نفعاً، وصلة الأنفاس والأعماق قوية ولذا فقد كنا نفهم بالأعين، وفي كثير من الأحيان بدون أعين ولقد تحدثنا كثيراً ونحن بعيدين عن بعضنا وبدون كلمات..

وكان حديثنا حديث صدق قادر على نقل ما بأنفسنا بشكل يفوق الكلمات ألف مرة..

ذلك المشهد يا صديقي كان من الطبيعي ومن طبيعة القوانين الفيزيائية التي تعرفونها كبشر أن ينتهي إلى فناء.. وكان كذلك هو الأمر..

ولكنني لا بد من أن أشير إليك إلى أن بعض البشر القلة قد ناحوا يوم الولادة وأقاموا الزينة والاحتفالات يوم الموت، وهم في ذلك أكثر منكم استيعاباً لما يجري، وأكثر فهماً لحقائق الأمور..

ولأقرِّب الأمر لك، فإن الرضيع يبدأ رحلته الحياتية بالصراخ وهو في ذلك يعبر عن حقيقة المجيء للكون، وعندما يموت الرجل يكون الزفير آخر أنفاسه، والزفير، لوجربته بوعي فسترى بأنه يعبر عن الارتياح..!

وهكذا كان يا صديقي، بقيتُ وحيداً، وأنا لا أكتمك أن وحدتي كانت قاسية.. وتمنيت من كل أعماقي، وبكل وجودي، لو أنني كنت مكان ابن السِّـفَاح ذاك..»

   ·   ساد صمت كصمت تلك الصحراء، وتجمد المشهد أمامي بكل تفاصيله، حتى لكأنني رأيت نفسي مكان ذلك الصديق، وحيداً ضائعاً مخبولاً، وكل غربة الوجود في داخلي..

بقيت زمناً طويلاً أجاهد كي أفك التصاقي بالحجر، وأفتح قبضتي من على الغصن، وأخرج قدمي من دبق الأرض اليباس..

عندما فتحت عيني.. كانت الدنيا مظلمة، ولم يكن صديقي بجانبي..

*            *            *

 

(6)  الرؤية الجديدة

   ·   الليلُ، يا ليلُ يأتيني قابضاً على الشمس مغيِّباً إيّاها وراء طبقات العتمة، وأنا أنتظر صديقي ومحدثي عند الصخرة والفلق والشجيرة، أعض على أنفاسي كي لا تهرب دون أن تعود، وأرمق عند المغيب، والمغيب بمثابة فجر لي، أرمق المدى كي يأتي محدثي عريض المنكبين مجدول الشعر ضخم العينين غائرها، ويتابع رحلته الراحلة الماكثة..

وجدتني أستند إلى الصخرة مجدداً بلحمي، وألامس التراب حافياً، وأمسك الغصن بيد عارية.. ثم أطيل أنفاسي وأسبل أجفاني، وعندها أحس بيد صديقي محدثي ترتاح على كتفي، وأسمع صوته هزيماً ممطوطاً:

«ابقَ كما أنت، وستبقى يدي على كتفك، فأنا سأرتاح بذلك، وأنت ستحس بالأمان.

ارسم في رأسك صورة الصبي الباقي من غير رائد ولا مؤنس، من غير طعام أو شراب.. من غير ثياب.. بل من غير جلد طري يحميه الوهج والسموم.. الصبي الذي طالت قدماه واستطالتا وقستا لتبحثا عن جوف يشع بعض الرطوبة..

ولتستريحا عندما تقتفيان آثار نبات حتى لو كان شوكياً..

كنت أزحف حتى الساقية الذابلة.. رائحتها هي الوحيدة التي تشيع في الأنحاء، وديدانها هي الوحيدة التي تحيا، وقيحها هو الوحيد الذي يتراكم..

الموتُ يأخذ كل شيء.. ابتلعَ الصبية وتركهم جثثـاً مكشوفة للذباب، كما ابتلع أمي.. ولم يكن لديّ ما يكفي من القوة لأحمي جسدها لا من الضباع، ولا من الذباب.. ولا من العفن..

أضحيت وحيداً في صحارى ممتدة من الفناء..

هكذا كنتُ أرى !..

لكنني عندما استسلمت إلى جانب الساقية، وأنا مثلها، في حالٍ من عبور جسر بين الحياة والموت، حدث تحول خطير في داخلي بعثته الرؤية الأعمق للحياة والموت..»

   ·   تحولت يد محدثي المرتاحة على كتفي إلى قبضٍ كشُعب شجري متوتر، فاشتد غياب كتفي بين أصابعه.. كانت عيناي مغمضتين، أشم أنفاسه ويأسرني صوته..

«ما عدتُ أرى الموتَ مخيفاً ولا شبحاً ولا مجهولاً.. أصبحت أراه برؤية ليست عينية ولا ذهنية، إنما في آفاق أخرى لا تأتي البشر إلا وهم في حال التحول ما بين الحياة التي تعرفونها والموت الذي تتحدثون عنه كثيراً ولا تعرفونه..

لم يعد الألم ألماً، ولا الخوف خوفاً، ولا الجوع جوعاً،.. أضحى الأمر مختلفاً.. ولأن لغتكم قاصرة عن التعبير فإنني أسوق لك مثالاً، والأمثلة هنا أيضاً لا تعطيك المعنى كما قلت لك، ولكنها قد تقربه إليك.. والمثال هو أن الموت مثل سيارة تراها تهاجمك بعناد فتجري حتى الإنهاك وعندما تستسلم، ترى نفسك في داخلها بدل أن تكون تحت عجلاتها.. فتصبح مشدوهاً سعيداً غائباً عما حدث بلا إذن منك..

هذا التحول جعلني أرقد بجانب الساقية، رائحتانا تمتزجان.. نتبادل المؤثرات، وتنشأ بيننا لغة أخرى للإتصال، ثم نغيب في الزمن،  ويغيب الزمن فينا.. فتمر الأيام والأشهر، وربما تمر سنوات قليلة.. مرت حالات من الركود والسُّباتِ معروف بعضها لدى علمائكم..

هل سمعت عن الطبيعة التي تشفي نفسها؟!.. سؤال إجابته موجودة لدى الكثيرين من البشر.. أسوق لك هنا أمثلةً كالمطر وأنا سعيد بأن أنقلها لك، وهي ستساعدك على فهم حالة التحول التي حدثتك عنها:»

   ·   تحول صوت صديقي إلى صوت شهرزاد وهي تحكي بحب ورفق وحنان تحاول امتصاص نقمة شهريار على النسوة الخائنات.. ربما أراد صديقي أن يمتص حقدنا على الموت..

«إنها أمثلة بسيطة للغاية تراها كل يوم: الجرح يلتئم من نفسه.. أليس كذلك يا صاحبي.. ليس عليك إلا أن تتركه نظيفاً.. والشاة عندما تمرض، وليس لديها عقل في دماغها، بل كل ما لديها فطرة تسوقها، هذه الشاة تبحث عن عشبة معينة تساعدها على تنشيط قدرة الحياة لديها، تلتهمها.. ثم ترقد في صيام.. ثم أنتم أيها البشر العاقلون بعد آلاف السنين من الطب والعقاقير بدأتم ترون الأمور من زوايا جديدة، فالطب الوقائي أضحى أكثر أهمية مما سبق، وأضحت الأفكار تقوم على أن مساعدة الجسم كي يقاوم المرضَ أفضل بكثير من مقاومة المرض بدلاً عنه.. أصبحتم تعمدون إلى إيقاظ الزوايا المعتمة في دماغكم عن طريق التأمل لكي تدير شؤون الدفاع الذاتي ضد المرض.. أصبحت الرائحة علاج، والتدليك علاج، والخيال علاج، والإيحاء علاج… بل أصبحت الأفكار القديمة التي كنتم ترونها شعوذة، أصبحتم تدققون فيها وتعيدون النظر، بل وتحيون أساليب كانت ممجوجةً لديكم لأنها كانت في إطار المجتمعات البدائية الغبية.. التي لم تكن تسير بعقلها، بل بفطرتها.

هذه الأمثلة التي سقتها لك، هي أمثلة بدهية الآن، بل وربما تراها ساذجة، لكنها في العمق يا صديقي.»

   ·   صمت محدثي العملاق الذي أراه دون أن أفتح عيني.. صَمَتُّّ حتى رأيت الزمن يهيمن على الصبي في سباته ممتد اليد للساقية التي هي أيضاً في سبات..

سمعته يتابع حديثه مجدداً..

«أعلم بأنك لم تدرك العلاقات التي أقصدها تماماً، فلغتكم قاصرة كما قلت، وعقلك قاصر أيضاً، لأن مجريات الأمور في الحقيقة ليست على مستوى العقل..

قل لي هل يستطيع أن يدرك عقلك كيف حدث وأن أحست أم بابنها ساعة الشدة وبينهما ما بينهما من المسافات؟.. قل لي هل يستطيع أن يدرك عقلك كيف تتواصل البشر دون أن تدري فترى فجأة شخصاً أمامك بعد أن خطر في بالك؟.. وكيف يمكن أن تتلقى رسالة عقلية من شخص آخر على بعد هائل منك.. كيف تجري الأحلام بإيحاءاتها.. كيف يحرك إنسان جماداً عن بعد بقوته الذهنية؟.. كيف يقرأ بعض البشر أفكار الآخرين على مسافات بعيدة؟.. ليس عندكم جواب شاف تقتنعون به؟.. ولكن عندي بعض الأمثلة التي أسوقها إليك.

عندما اكتشف الإنسان موجات الراديو قال الآخرون إن في الجهاز شيطان.. ولكنها حقيقة.. أشعة كثيرة تم اكتشافها أدت إلى اختراع الهاتف النقال والاتصالات عن طريق الأقمار.. علماؤكم يقولون الآن أن لكل جسم جاذبية، ولكل جسم موجة.. ولكل ذرة موجة، وتحتك هذه الأمواج ببعضها.. ومن أجل الاكتشافات الأعظم علينا أن نميز أمرين أولهما  أن نميز بين هذه الأمواج، وثانيهما أن نجد طريقة للتوليف على هذه الأمواج، أي للتناغم والتوافق مع هذه الأمواج.. هكذا اكتشفتم أمواجاً وولّفتم عليها وطبقتم ذلك العدد الكبير من الأجهزة..

كل هذا تعرفه!.. ومع ذلك أقول لك، وأنت توافقني أنكم ما أوتيتم من العلم إلا قليلاً.. نقطة في بحر،.. وهنا يأتي سؤالي الحاسم.

ما الذي يمنع كشف موجات أي شيء، وبالتالي كشف كل شيء؟ كشف موجة نيرون، وهرقل، ونوح..؟.. وما الذي يمنع كشف موجة الحيتان.. والبترول الدفين.. وموجة الشموس والأقمار.. والماضي والحاضر.. والحياة والموت؟.!

هل تراني بعد أن سقت إليك بعض الأمثلة، التي ما زالت ضحلة، هل تراني أتحدث عن عبث عندما أقول لك.. إن الصبي الراقد في مرحلة سبات وتحول بجانب الساقية.. قد أخذ في معركته جانب الصبر دون أن يدري بعقله.. وعندما ارتاحت الساقية من إلقاء السموم الإضافية فيها صارت أكثر قدرة على الشفاء والإشفاء؟..»

       ·       هزني محدثي.. وكمن كان يبعث فيّ الاستيقاظ رويداً رويداً..

قال محدثي بحب وسعادة..

«يا صديقي، الساقية الذابلة تتحول إلى جدول ذي ماء  نمير حتى لو كانت مليئة بالسموم والأوساخ شريطة أن لا يضاف إليها ما يثقلها وكذلك الجسم وكل شيء.. إنه الشفاء التلقائي..

لا تنس يا صديقي الشفاء التلقائي.. وهو خير أنواع الشفاء.»

       ·       ساد صمت مطبق..

ما عدت أسمع صوت محدثي… ما عدت أحس بيده فوق كتفي.. أخذت أنفاساً عميقة.. فتحت فمي للريح.. فتحت عيني.. لم أر صديقي لا أمامي ولا خلفي..

علمت وقتها أن قصة الصبي و الجدول ستدخل مرحلة جديدة، ولن أسمع عنها حتى اليوم التالي..

*            *            *

 

(7)  الاختطاف

   ·   هرعت إلى المكان أسابق الأرضَ ودقاتِ القلب.. لم أنتظر حتى يأتي صديقي ومحدثي. أسلمت ظهري للصخر ويدي للغصن وساقيّ للتراب. أغلقت عيني وانتظرت. لامستْ يداه كتفيَّ الاثنتين. لم يفاجئني الوضع، بل أراحني..

   ·   لم أقل كلمة، بل عضضت على شفتي و أنا أرى الصغير يتحول متصلاً بالجدول رويداً رويداً. إنه، وهو على اتصال، يزداد متانةً وعمقاً، ينتشي ولونه يعود بخلطته شيئاً فشيئاً، ينتشي حسبما ينتشي الجدول، ينصع بالنظافة قدر ما ينصع الجدول.. ربما دامت فترة الاستيقاظ بضع سنوات لكنها كانت تسير بثبات..

عندما بدأ جفنا الصبي ينشقان من جديد ويتبين بعض الذي يجري.. راح يحس بنبضات الأرض وخفقات الماء وانتشار  عواطف وتناغمات الجنبات القريبة منه..

   ·   يدا محدثي على كتفي.. وكنت أرى الصبي.. تختلط الأصوات تحت أدمتي.. وصديقي محدثي يحدثني عن الصبي، وصوته لا يمر عبر أذني بل كنت أسمعه عبر كل سطح يلامس الهواء. وهكذا كنت أرى الصبي من خلال صوت محدثي الذي يدخلني من أي مكان.

«ترى يا صديقي بأنك ترى من غير أن ترى كما يرون.. وتسمع يا صديقي بأنك تسمع من غير أن تسمع كما يسمعون..

ولذا فإنك ارتقيت إلى المرحلة الأولى من الارتقاء.. ولذا فإنك أصبحت أقدر على التواصل خارج نطاق أسلوب التواصل الذي عهدتموه أنتم البشر..

وأنت مازلت في البداية.. أعلم أنني أزجك في فلسفات قد تمطنا داخل الزمن.. لكن ماذا يهم والزمن لدينا لا يهم!..

أنا أحبك يا صديقي.. ومع ذلك فلن أقول لك اسمي، فأنت الذي ستعرف.. وستكتشف أنني محق في ذلك.. لقد أصبحتَ أقرب إلى المعرفة!..

أنت الآن تشاهد الصبي يتحرك وساعده غارق حتى الإبط في الجدول الذي ينتعش.. العشب ينمو.. البيض يفقس.. البذور تنتشي وتنتش تجسّ التراب فيذوب فيها.. تمتد خيوط بيضاء تحت التراب ثم تقصد العُلا والنور والهواء.. ينطلق تزاوج الأشياء، وتكثر الأعراس.. والأعراس، ليس التي تعرفونها كأعراس، بل هي حبات الطلع تبحث عن مياسم واللقاحات تبحث عن بيوض وموجات الماء تبحث عن انحلالات التربة، وأشعة الشمس تبحث عن وريقات خضر، ووريقات خضر تبحث عن فحم الهواء، وبخار ماء يبحث عن شمس وريح، وغيم منفوش الأرجاء يبحث عن طبقات باردة.. وحبات مطر تبحث عن مسارب تحت الأرض.. وينابيع تبحث عن مجرى.. وجداول تبحث عن جذور الحياة وكل شيء يجعل من كل شيء.. وكل شيء يتحول إلى كل شيء.. وهكذا ينتشي الطفل عندما تكثر الأعراس، وتكثر الأعراس عندما ينتشي الطفل..

كنت أعلم يا صديقي، أنه رغم النسيان لا أستطيع أن أنسى، فكما قلت لك ماضيّ هو في حاضري.. وحاضري هو بذور مستقبلي ولا فرق عندي بين الأزمنة.. بل هي كلها زمن واحد.. كان وقت استيقاظي من هجعتي هو استيقاظ لرؤيتي لأمي التي غابت إلى عالم آخر.. ولأبويَّ الذين اندثرا إلى عالم غير هذا وإلى عالم غير عالم أمي.. ولِتربي ابن السِّـفاح الذي ذهب إلى حضن النخاسين في مستوىً آخر من الصلات..

وهكذا امتزجت النشوة برائحة الجثث العتيقة، وخضرة الأرض بيباس الصحارى، وجريان الجدول بمضاء المصير.

وهكذا تخرج الحياة من رحم الموت كما تسمونه، كما خرج الموت من رحم الحياة.. وكله يخرج من أرحام كله.. وهذا هو الذي أسميته تحولاً وانتقالاً.

تحركتُ صبياً وتحسست العشب حولي.. رأيت النمل يسعى، والعصفور ينط ويزقزق.. والسمك يتقافز خارج الماء.. الشاة تثغو.. والجدي يراقص أذنيه.. صوت كلب ينبح مستبشراً يأتي من خلف سيقان طرية تمتد وتتقارب.. تكثر موجات النسمة، وتختلط بأصوات تقاطر الشلالات الصغيرة.. أصبحتُ في واحة فرحة.

غير أن الواحة نسيت اليباس والتقرح وعرفت وجودها من خلال أعراس الفرح.. أما أنا، الصبي ذي الألوان الأربعة الممزوجة، بقيت ممزوجاً في الماضي ضمن الحاضر.. وهذا هو فرقي عن الآخرين.. كان هناك شيء في رأسي يجعلني أرى ما يجري.. والهم الأكبر هو أن ترى ما يجري، لا أن تعيشه! ..

كان عليّ أن أسعى.. كالنملة، وأن أرى كالصقر، وأن أجري كالأرنب.. وأن أغني كالعندليب، ثم كان علي أن أتعب وأبتئس كالسجين..

ذلك لأنني كنت وحيداً.. لا أستطيع أن أعاشر ولا أن أتزاوج فالمتعة هي في أن أربو وأتربرب وأكثر وأتكاثر.. ورحت أسأل نفسي كيف يجد النمل نملاً، وكيف يجد العصفور عصفوراً، وكيف يجد البشر بشراً..؟ !..

طغى عليَّ حزن حزين.. رغم أن الحزن قد انتفى عن الجدول وعن إيقاعات الحياة..

صرت في واحة كل الذي فيها رائع.. إلا أن الذي كان في داخلي هو حزن أصفر فاقع.. أنتم تقولون أن الجنة بلا ناس..

أنا أقول إنه لا توجد جنة بلا ناس.. ولكن أين هم؟..

       ·       شد محدثي على كتفي وهزني..

«اغرق في رؤياك ورؤيتك!.. اغرق أكثر لتراني صبياً في واحتي، وحيد العظم.. كئيباً في السعادة حتى جريان اليرقان في الأنفاس، وحتى زبد الجدول في شعاب الرئات، وحتى نفايات الديدان في خثرات الدم..»

       ·       شد محدثي على كتفي ثانية..

«إلى أن شممت رائحة غبار صحراوي، ورأيت أخضر الواحة ينكمش ويتخافى وراء بعضه البعض.. ثم يظهر بعد مجموعة من الهياكل على شكل البشر.. وإذ بي أفرح وأخاف..

أنا الآن لا أفرح ولا أخاف.. ولكنني وقتها كنت صبياً أفرح وأخاف..

رأيت كما يرى الحالم.. وما يراه الحالم قد يتحول فحواه في لحظة رأيت كتلة بشرية عددها بين أصابع اليد واليدين

تُقبل وتقترب باتجاهي بالتحديد..

قلت: لعلهم يريدون ماء أو غذاء.. لعلهم يريدون راحة بعد شقاء..

لعلهم يستدلون الطريق، أو لعلهم يريدون المحبة والنقاء!..

كانوا يقتربون مني.. عيونهم مسمرة في جسمي.. كلهم ينظرون ويبحلقون..

اقتربوا، ثم أحاطوا بي..  لم يبتسم أحد منهم.. لم ينطقوا، لم يسألوا.. بل ضيّـقوا الإحاطة.. رأيت نفسي في دائرة تضيق.. ولم أتبين في وجوههم عرساً لي قادماً.. بل رأيت في رأسي ابن السِّـفاح عندما أخذوه.. ورأيت أمي عندما غابت، ورأيت كل الذي مضى في الذي يمضي!..

اقتربوا أكثر.. كانوا صارمين.. لا ذكوراً ولا إناثاً.. لا أعرف سوى أنهم متشابهين في تقاطيعهم وأشكالهم التي لا تحدد مصدرهم ولا تحدد مقصدهم..

لماذا أنتم أيها البشر تفاجئون أنفسكم بالسكاكين بدل الورود؟

ولماذا تقطعون  حبال التواصل وتلغون أعراس المحبة.. وأنتم الوحيدون الذين تولغون في دماء بعضكم.. الخفاش يمتص دماء الآخرين، ولكنه يطعم أمثاله..

اقتربوا أكثر الأكثر وألقوا فوق رأسي شبكة وقيدوني ثم ساقوني بينهم وعادوا من حيث جاؤوا محملين بغنيمة هي أنا.

قال أحدهم لآخر:

ادمغوا على جبهته الرقم التسلسلي المكشوف، وادمغوا على إليته ملكيته ومصدره.

وقال آخر لآخر: عيناه واسعتان جميلتان، وجسده قوي، إلا أن شعره قصير أجعد.. سرحوه وأطيلوه إلى أن يصل ركبتيه، ثم زينوه.. فقد نستطيع استبداله بمدفع!..

وهكذا يا صديقي ترى أن عرس التزاوج في واحتي أصبح خلفي.. وإنني أصبحت أسير في صحراء جديدة هي من صنعكم أيها البشر.. لا تقل وداعاً.. أبداً لا تقل وداعاً.. فهناك دائماً لقاء قادم..»

       ·       انفك محدثي عني.. وسمعت خطواته تبتعد..

أخذتُ أنفاساً طويلة.. لكن عيناي بقيتا مغلقتين وأنا أرى محدثي يغيب والرعب يملأ ملامحه التي تتحدث عن عصابة تسرق الأطفال الأشقياء والسعداء.. تبحث لهم عن شقاء من نوع آخر.. أخذتُ أنفاساً طويلة عميقة..

ابتعدت عن الصخرة والغصن.. حركتُ قدميّ ورفعتهما بالتناوب..

فتحت عيني… لم أر أحداً أمامي، لكن أنفاسي كانت ما زالت طويلة عميقة! ..

*            *            *

 

(8)  بئر الصحراء

   ·   من أجل أن أبدأ رحلتي مع الصبي في الأمسية التالية لم أكن بحاجة لانتظار صديقي ومحدثي، فقد التصقت بالصخرة العملاقة كالعادة وحفرت لقدميّ عمق قدم في التراب وأمسكت الغصن المبرعم بيدي اليسرى القريبة من قلبي، وأغمضت عيني وأخذت أنفاسي الطويلة العميقة المسترخية، عددت أنفاسي، ومررت على ملايين الخلايا الموزعة في جسمي إلى أن أحسست بساعدي صديقي ومحدثي تتجاوزان كتفيَّ وراحتيهما تستندان إلى نقرة رأسي الخلفية فأحس بأنفاسه تمر فوق صفحة وجهي! ..

«ذلك الصبي الذي تداخلت الحمرة في اصفراره بعد أن استفاق والجدولَ المعافى وحيداً.. وبعد أن جاءته الوجوه المتماثلة المخططةَ بثنيات الجلد، وأخذته مقيداً وقررت أنه مفيد، صار صبياً مقيداً للبيع، وجهه شهي ولحمه طري وزنده قوي.. عريض المنكبين غائر العينين خارق المزايا.. يستحق أن يباع بأثمن الأعطيات.. شبابه طويل، من قبيلة الغابات  التي تم اصطفاؤها وتجاوزت كل اختبارات السموم والمجاعات وصبر الحياة والممات..

لأقل لك يا صديقي، وأنا دائماً أقول لك ما في عمق العمق، وفي عالمي لاشيء اسمه الكذب ولاشيء اسمه الغش.. هذه أشياء اخترعتموها أنتم البشر من أجل أن تصطادوا بعضكم بعضاً..

لأقل لك يا صديقي أنني وجدت في داخلي فرحاً تحت اللحاف وهم يأخذونني.. فأنا كما تعلم لا أخاف، لا من الجثث ولا من الموت ولا من أقل من ذلك أو أكثر لأنني أرى أنها أمور عادية في عالمكم ولذا فقد كنت أجد أيَّ بُعدٍ آخر في الوجود ربما يكون أفضل.

بل وجرت في داخلي فكرة فيها مكر لذيذ.. فربما يكون هؤلاء لقاء وريقات مالية، قد اصطادوني في عرفهم.. وربما يكونون قد وضعوا أنفسهم مكان الصيد بدل الصياد.!..

هنا لا بد أن أوضح لك شيئاً وهو أنني أفكر بطريقة مختلفة، ليس بمعنى أنني أرى الأشياء مختلفة وحسب، بل أيضاً لأنني لا أفكر بدماغي كما تفعلون، أو على الأصح لِنَقل أنكم تعتقدون بأنكم تفعلون.. أنا أفكر بكل خلية لدي ربما بجلدي وبساقي وبكبدي وبماضيَّ وبمستقبلي.. أنا لا أفكر من أجل هذه الأشياء بل هي مركبتي للتفكير.. أنت ترى الآن أن لغتكم التي أستخدمها أنا وأنت لا توضح الفكرة جيداً ولذا حاول أن تسمعني وتفهمني بطريقة أفضل!.. بطريقة تختلف عن أسلوب الكلمات.. تابع استرخاءك واقرأ ما بخلاياي وسيصلك المعنى بطريقة أفضل..

استرخ أكثر.. كن مكاني.. واقرأني…»

   ·   أسدلت أمامي ستاراً أسودَ يملأ العالم ورحت أتبين تفاصيله، فرأيت أن الكون واحد، كله يؤثر في أجزائه وأجزاؤه تؤثر في كله.. ورأيت أن كل خلية وكل خلية في الخلية تحمل كل الصفات وكل المورثات وكل الزمن..

سمعت صوت صديقي.. الذي أضحى صاحبي أيضاً.. سمعته يؤكد قائلاً.. وكأنه يرى كل الذي بداخلي..

«ها أنت تصل إلى شيء، ها أنت تراني جزءاً من العالم وترى العالم جزءاً مني.. وبذا يمكنك أن تدرك أنني شيء ما اسمه حركة الكون الشاملة.

ولذا فما كان يهمني أولئك  الذين قيدوني ورفعوا سعري فاعتبروا أن صيدهم كان ثميناً.. ولذا فقد عرفت أنني سأخرج قريباً من صحراء أعاني فيها الوحدة والوحشة والاغتراب وأدخل ربما في باب قصر..

بالنسبة لي حضن أمي وفيه رائحة روث البقر وريش الدجاج وخل الساقية.. أمتع من القصر وروائحه.. بل لأكن منصفاً فكلاهما عندي واحد..

ولما كنت أعلم أنني ابن حرام بعرف النسق الاجتماعي، فإنني لابد أن ألتقي بأبناء حرام مثلي عاشر الرجالُ أمهاتِهم بعيداً عن أعين الأزواج.. وأنتم تقولون مثلكم الشهير أن الطيور على أشكالها تقع.. وربما أنا أقول إنه لو حالفني الحظ فإنني سألتقي بصديقي الصغير الذي سرقوه قبلي ابن السِّـفاح..

وأنت لا شك تدري والكثيرون يدركون أن ابن السِّـفاح هو ابن أتى نتيجة المعاشرة بين الأقارب والقريبات المحرمات ولذا فهو ابن حرام بدرجة أعلى.. ومثله أيضاً كثير العدد.

انظر إليَّ أسير مقيداً، أسير بين الآسرين، بلا مداس يعزل ساقي عن الرمال..

انظر إليهم يركبون العربات ويمتطون الدواب وينتعلون الجلود السميكة.. ومع كل ذلك فقد كنت أحس أنني أكثر منهم قوة.. وعلى وجهي ابتسامة ربما يحسون بها تعضّ وجوههم..

قل لي يا صديقي: لو أنك أحسست بتلك القوة ألا تبتسم مثلي.؟!

قل لي يا صديقي: لو كنت يافعاً تحس بأنك رويداً رويداً تقهر جلاديك أفلا تحس بالفرح المخفي مثلي؟!..

هكذا كنت أنا ملكاً فقيراً مقيداً يجتاز صحراء رملية شائكة مع قيوده، وخطوطهم الصارمة في الوجوه..»

       ·       سألته وليس من عادتي أن أسأل كثيراً: هل استطعت أن تدخل إلى داخلهم وتقرأ ما فيه؟..

«يا صديقي فلتكن رؤياك دائماً عامة!.. لا تنس أنني كنت صبياً أحس بقدراتي وعيني المزروعة في كل خلية لدي، لكن الأمور كانت مازالت طفولية.

عددتهم فكانوا سبعة، وجوههم صارمة، صيادون متمرسون، اعتادوا على شواء الجوارح، يبحثون عن القوة من خلال المال والغرائب..

الشيء الهام الذي ما ميزته وقتها بشكل مؤكد هو فحولتهم أو أنوثتهن.. الشعور نصف طول والصدور نصف بروز والكفل نصف اتساع والكتفان ضاعا في مشية خنثى.

ولذا فإنني ما عرفت وقتها كيف سأبدأ معهم الحكاية فلكل من هذين الجنسين طباعه التي أريد أن أجتازه من خلالها.. جهلي ذاك كان نقطة ضعف شديد لدي.

صوتهم يحمل الصدى، ولا يمكنك التمييز وقتها فيما إذا كنت تسمع الصوت أم تسمع الصدى....

قل لي يا صديقي!.. هل كل ما لديك هو طباع الذكورة أم طباع الإناث؟!..

لا تُجِب بطريقة كلماتكم، وحاول أن تجيبني بطريقة أفضل..»

   ·   هزني السؤال.. هزني السؤال. وهو طعن بذكورتي فيما اعتقدت.. أجبته مبادراً.. بنبضة تقول: إنني ذكر!.. وفي الحال تلقيت جواباً غريباً بالنسبة لي ومألوف عادي بالنسبة له: تساءلت في داخلي عن ذلك الصبي كيف كان يرى نفسه وكيف كان يراه نخاسوه؟!..

ثم عدت إلى نفسي وتساءلت: هل الرجال هم أصحاب الشعور في الذقن والضخامة في الصدر وصلابة العروق في النحر، والصوت الأجش بين الناس؟.. هل النسوة هن أصحاب بروز المقدمة والعرض في الحوض والنعومة في أوتار الحلق؟.. هذه الأوصاف ربما اختلطت كثيراً وغلبت الفوارق بين الكثيرين.. بل إن الفوارق قد تتجاوز الذكورة والأنوثة إلى صفات تخرج عن الصفات البشرية بالكل.. فكم من رجل ذئب!، وكم من رجل شاة، وكم من رجل تحت النساء! .. وكم من امرأة تناطح أبطال العضلات بالعضلات! ..

«لا تفكر كثيراً.. كثرة من الرجال ليست رجالاً، وكثرة من النساء ليست نساءً.. كثرة من البشر ليست بشراً.. ولتقبل مني أيضاً أن كثرة من الحيوانات ليست حيوانات تقع تحت مصاف بعض البشر..»

       ·       توقف دماغي عن نشاطه تماماً.. إلا ما كان ضمن إطار النشاط العام..

«هذه مسألة كبرى، أو أنكم ترونها كبرى للبحث وأنا اختصرها لك بعبارة واحدة سبق وأن نقلتها لك: كل شيء موجود في كل شيء، وكل شيء قد يتحول إلى أي شيء.. خبر جديد من عالمك البشري ربما لم تسمعه..

قال علماؤك مؤخراً إن الجسم يستطيع أحياناً أن يولِّد أجساماً أو معادن أو أملاحاً لم يأخذها عن أي طريق وذلك عند الضرورة.. أي أن الجسم قد يولد مادة أولية من مادة أولية أخرى بطريقة غير معروفة أبداً.. محققاً بذلك بذرة فكرة حجر الفلاسفة القديم الذي كانوا يبغون عن طريقه تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب! ..»

       ·       صديقي، يا صديقي.!..

«أعلم أنك تريدني أن أتابع رحلة الصبي برفقة النخاسين في الصحراء، ولذا فإنني أعيش معك وإياها.. ولكن لا تظنني في استطراداتي قد ابتعدت كثيراً.. فأنا أذهب مسافة ما في الكلمات لأن: الكلمات كما قلت لك عاجزة، ولم نستطع حتى الآن أن نصل معاً إلى الطريقة المثلى للاتصال.. كما أن هذه الاستطرادات تجعلك تعيش ضمن إطار أرغب في أن تعيشه لكي تقترب مني!..

ذلك الصبي يا صديقي، الممزوج بكل الخلائط سار، وسار كما تراه يسير.. حتى توقف رَكبُ النخاسين وهو بينهم وسط مدى المدى… ولم يكن هناك شيء أبداً سوى بئر قديمة تحوم فوق فوهتها أعداد هائلة مما تسمونه البرغش والبعوض..

أشاروا لي أن أنزل البئر.. فابتسمت وبدأت أخطو نحوه.. لكن أحدهم أشار لي أن أتوقف فجأة..

ألا تراني أيها الصديق الآن كيف أخطو خطواتي وكيف يوقفني أحد النخاسين ويشير لأصحابه كي يربطوني بحبل من تحت إبطيّ ويسلموني الجردل كي أملأه ماء؟. كن معي يا صديقي.. تحدث أنت!..»

   ·   توقف محدثي عن حديثه.. كنت أحس بأنفاسه تغمر وجهي، ثم سمعت وجيب قلبه.. ورأيت البعوض يموج بالأمواج فوق فتحة البئر، ثم رأيته مربوطاً بحبل سميك يضع نفسه ضمن غيمات البعوض ويبدأ في الانزلاق ضمن الفوهة..

- أنت معلق يا صديقي تغيب داخل الفوهة وتنحدر حيث يزداد الظلام من حولك.. أنت تتحسس حائط البئر.. تلامس برودته ورطوبته التي تزداد.. أراك تبتسم وكأنه لا فرق عندك ولا خوف لديك -  هو الأمر كذلك لا فرق عندك ولا خوف لديك فأنت تعلم أنك خارج حتماً طالما أنهم يريدون الماء وطالما أنهم يريدون ثمنك! .. تغوص ويزداد الظلام.. وتعلم أن هذه الخلوة المعلقة لن تطول كثيراً.. ورغم أن العمق هائل فإنك لن تخاف.. تملأ الجردل من بين مخلوقات مائية غريبة الشكل ضفادع ليست كالضفادع، وديدان ليست كالديدان.. تشد الحبل.. يرفعونك.. يرفعونك الآن مسرعين فهم عِطاش.. والماء في الصحراء هو الأمان..

«ولكن ماذا برأيك كان يشغل بالي في ذلك الجزء من الزمن؟..»

- أن تخرج ثانية. ! ..

«كلا يا صديقي! .. فأنت تعلم أنه لا فرق عندي ومن يعرف الدوافع يعرف الممارسات ومن يعرف المقدمات يعرف النتائج!..

لم يكن هذا ما يشغل بالي.. ولا هي تلك الحيرة التي لدي.. ادخل معي في جوف تلك الرحلة القصيرة! .. ماذا ترى؟ ..»

       ·       - لا أعرف! ..

«هذا هو الفرق بيني وبينك حتى الآن! .. كان يشغلني السؤال الذي يقول من أين جاءت أم هذا البعوض، وأم تلك المخلوقات إلى هذا الموضع ضمن صحراء يستحيل اقتحامها؟

أنا عندي الجواب! .. فهل عندك الجواب؟ ..»

       ·       فكرت ولم يكن عندي شيء أقوله! ..

«تذكر أنني قلت لك أن كل شيء لديه بذور كل شيء! .. السر هو أنكم لا تعرفون أيها البشر كيف أن كل البذور موجودة في كل البذور.. وقد يلد الفأر قطة في يومٍ من الأيام! ..»

       ·       شدهت.. ولكنني رحت أكثر عمقاً في إغماض عيني..

«ألم تقولوا أيها البشر أن أصل الأشياء واحد.. وأن كل الأحياء جاءت من الخلية الأولى.. !؟ ..

شربتُ أنا أيضاً!.. وفي اليوم الثالث أحاطت الحمى باثنين من النخاسين..

وفي اليوم الرابع ما عادا يقويان على الرحلة.. فورثهما الخمسة الباقون.. بقي الاثنان على ظهر الرمال مكشوفين للضواري ورحل الباقون يصطحبونني غنيمتهم.. أشار أحدهم إليَّ وقال إنه قد أكد لهم أن هذا الصبي الذي نجا من أشهرٍ وسنينٍ من المرض والموت لهو قادر على مقاومة أي مرض، إنه يساوي الكثير. ما كان يعلم المتكلم ولا صحبه أنني كنت قادراً على الانتظار حتى أرثهم أنا في رحلهم وفي نفسي.. وهكذا قاربت رحلة الصحراء إلى نهايتها.. فاستبشر النخاسون الخمسة وبدأوا يقهقهون وهم يمرون بأول بيت وفي يدهم أثمن صيد.. صبي ليس مثل كل الصبيان، بل هو الذي يحتوي في كيانه ذرات كل الصبية الذين نفقوا كالشياه والسواقي.. والذي يحتوى كذلك على كل الصحراء، وعلى كل الذنوب والخروقات والمجاعات والمعاصي والظلم والقهر والاستعباد الأبدي الموجود بين البشر.

قل لي يا صديقي! ماذا ترى فيما لديهم من صيد!..»

   ·   أنا يا صديقي أراك ابن الساقية الذابلة والبئر الآسن تخرج للدنيا.. فكيف لك أن تفهمهم.. كيف لك أن تفهم النخاسين في شؤونهم؟ ! ..

استفق يا صديقي، فقد أطالت عيناك الإغماض، ونعست خلاياك حتى نامت! .. قم لتبحث عن جواب سؤالك وتذكر دائماً أنني قريب منك كل يوم عند المغيب…. عند الصخرة وعند الغصن وعند التراب.. استفق يا صديقي فقد آن الأوان.. والآن هو مثله قبل اللقاء ومثل اللقاء الآتي ......»

       ·       صوته تداخل في الآفاق.. وتثاءب في الأعماق.. حتى ذبت فيه مبتعداً..

       ·       - إلى اللقاء يا صديقي..

فتحت عيني، بدأت أبحث عن أنفاسي التي تبعتها حتى عمق داخلي.. أحسست دفء الصخرة والأرض.. وأحسست بنسغ الغصن يشهق فرحاً بانسيابه..

رأيت دمعي ينساب من شق الصخر.. يقرقر قائلاً: إلى مساء الغد..

*            *            *

 

(9)  المحطة والقطار

«ما زلتَ تريد معرفة اسمي.. أنا على ثقة بأنك عندما تنتهي من سماع قصتي ستعرف اسمي.. وإن لم تعرفه حينذاك فلا خير فيك!.

أتابع لك اليوم رحلتي من أرض الشموس إلى أرض الأقمار. مررنا على بيوت بدت منهكة الأوصال لأن أوصالها كانت من التنك وعيدان الشجر، كما بدت خالية مهجورة، في أرض قفر مقهورة.. بيوت مبعثرة كصحون حفلات السكارى.. مهشمة كأفكار الحيارى، مطلية بالقار مثل حبات قمح اجتاحها موج العفن الأسود..

مررنا بحمير جُربٍ وكلابٍ عرجٍ، وصعاليكَ من الجرذان وأشكالٍ مشوهةٍ من إنسان.

أطعمونا صيدَ القطط كي لا تنفقَ السلعَ ومن ثم يبور المسعى نحو المال، الذي هو هدف أصحاب الوجوه الصارمة إن كانوا نسوة أو كانوا رجالاً.

تحول الشوك تحت أقدامنا إلى نثرات زجاج، وتحول الرمل إلى طين عفنٍ يدبق، وتحول طعم جدولي الناهض من لوثته، إلى طعم ممزوج بالخردل وروث الأبقار..

وهكذا وصلنا، خمسة نخاسين وأنا إلى ركنٍ قصي في القرية تحتويه أعمدة خشبية مات السوس فيها، يلفها غطاء منثني منحني متكور من التوتياء المدروبة المثقوبة..  وفي أرض هذا الركن القصي يمتد قضيبان صدئان من الحديد قالوا إنها سكة القطار القادم على مهله والراحل على مهله وصوته والدخان أكبر من كل المكان..»

   ·   توقف صديقي برهة وأسمعني صوت أنفاسه التي مَرَّ بها على عينيّ المغمضتين. شممت من أنفاسه رائحة محطة القطار الصغيرة التي تكاد تكون مهجورة إلا من بعض النخاسين واللصوص وبقايا البشر.

رأيتُ تحت جفني مجموعة منهم تأتي إثر جماعة ولدى كل منهم بضعة أطفال مثل صديقي..

«هكذا يا صديقي أصبحت ترى بعض الأشياء دون كلمات قاصرة. أنت تراني صبياً فحلاً بين الصبية أمثالي، ومميزاً لدى أشباه الفتيات من لوني وخلائطه ذوات الصدور التي تبحث عن ثورة ضعيفة..

بالفعل يا صديقي، جمعتنا عظام المحطة: صيداً وصيادين، ورجلاً عجوزاً مقرفاً. والكل كان بانتظار قطار ليس له موعد، لكنه آتٍ يبحث عن حثالةٍ تحمل حثالةً وتدفع بعض الحثالة..

وقفنا هناك وانتظرنا.. ورأينا نخاساً يرصد صبياً لنخّاس آخر. يحاول شراءه..

رأينا نخاساً يأخذ رقيقةً بلون العسل المجبول بالتراب، يضع يداً على كتفيها ويداً بين ساقيها ثم يرفعها على كتفه ويتوارى بها خلف صفيح المعدن يُسمِعنا من هناك فحيح قرود.

عند المساء يخور نخاس يريد أن يكون رجل النخاسين، ويطعن نخاساً آخر في قلبه ويأخذ صيده.. وهكذا يسقط بعض الدم الأسود تحت صفائح التوتياء.. دون أن يهتم لذلك أحد..

كنتُ أشد الصبية قوة، ولذا فقد كنت أحس بالنظرات ترتطم بي دون أن تقابل عينيَّ وكنت أعلم بأنني مَقرُّ نزاع لا محالة.. فأنا الأقوى، والأغلى والأحلى و صاحب السعر الأعلى! ..

ثم استطال الزمن حتى أعيانا وجعلنا نترامى ككلاب مدهوسة، بانتظار القطار.. بل نحن الصغار كنا نتمنى أن يستطيل الزمن أكثر إلى أن يقتل جلادونا بعضهم أو نجد مجالاً للهرب، حيث لا ندري إلى أين!.. ربما لا تكفينا قوتنا ولا ماؤنا أن نلجأ إلى أي مكان.. ربما نموت بعد مسافة قصيرة.. لكنه سيكون موتاً كموت القطط الحرة وليس كموت الجرذان في مصيدة الجرذان.

لكن الصيادين لم يقتلوا من أنفسهم سوى واحد.. ولم يصلوا إلى العجز المطلق كما وصلنا.. فلديهم ما لديهم، وليس لدينا ما لديهم.

فكرتُ في أن أرسم جدولي وعشبه وحيواته الصغرى.. ثم أبل بمائه جلدي.. رأيت جدولي أمامي، فأحسست بالنشوة، نظروا إليّ بغرابة.. افتتحت أفواههم طاقات وأبخرة.. وتمددت وتقلصت فتحاتُ أنوفهم.. وركضوا خلفي.. حتى قبضوا على عنقي، ورأيت في عيونهم إنذاراً بالفناء لو كررت محاولة الهرب.

وهكذا جاء القطار.. سمعنا شخيره عن بعد.. فتحرك الأموات يرددون الصلوات بكثير من اللغات واللهجات فقد أزفت ساعة الخروج من أخر ميادين الموت! .. هكذا قرأت فيهم حركتهم، وبحثهم عن ربحهم ولذتهم، من خلال الجثث الواقفة.

وعندما كنا نصعد القطار جلادين ونخاسين وصبية من عدة أصقاع.. اندفع نخاسان نحوي وحملاني وأركباني قي العربة الأخيرة.. ورمقا النخاسين الخمسة بنظر تحدي القتل وأشهرا في وجوههم عصياً من فولاذ. أما الخمسة فقد اصفرّوا وبكوا وترجوا ودفعوا..

أما أنا فقد فرحت لأنني صيد ثمين، ولأنه كلما أخذني آخر ازدادت قيمتي.. حتى تصل قيمتي إلى أكبر من قيمة صيادي.. وعندها أجد الوسيلة لأن أصطاده أنا.. كنتُ أعلم أن ذلك الأمر قادم.

رأياني أبتسم فابتسما.. وعلما بأنني ماكر فتحاذرا، ثم حرصا على الغنيمة! ..»

   ·   أنا أراك يا صديقي تجلس على أرض القطار فالكرسي لهم.. وأراك تأكل مما يتساقط منهم.. وتشرب من باقي طاسهم.. وتضحك، فما أنت إلا ابن زانية، وما كنت إلا في أرض يباس.. جاء وعدها في جدولها لكن وعدها جاء متأخراً بعد الفناء وليس قبله.. كنتَ الصبي الوحيد في العربة.. البقية هما نخاساك.. كان كل الصيد وصياديه في العربات الثلاث الأخرى.. أنت تفكر بجدولك، ثم تعود لأمك ولأبيك ولصديقك الصغير الذي سبقك في هذا الطريق.. وتخشى أن تتكرر قصة أمك فيك، أو قصة أم صديقك ابن السِّـفاح فيك.. أنت تخشى عيون جلاديك، وتتحاشى فرد أعضائك فيك، كي لا تجتاحهم شهوة الرجال وتصبح لعبة الاختبار بين أيديهم..

«أصبحتَ تقرأ دون كلمات يا صديقي! .. أصبحتَ أقرب إلى أنفاسي، وأنا أسعد في أن أراك ترى في غَمضِ عينيك أشياء لا تراها في فتحهما وبذا تصبح أقرب.. خذ نفسك العميق الآن .. فأنا راغب في أن أطمس باقي رحلة القطار.. فساعاتها لم تكن تحكى أو تقال بطريقتكم في رصف الكلمات.. فقد كانت ساعات توقفت فيها الساعات بعقارب تراكبت فوق بعضها، إلى أن زاحت النوابض عن أماكنها.»

   ·   عندما فتحت عيني لم أر أحداً أمامي، وكل ما كان لدي هو صخرة فلقاء بحجم هائل وتراب ندي تحت قدمي، وغصن أخضر يفرع غصوناً جديدة..

ما عدت أستطيع أن أدير ظهري وأغادر المكان… بل إن الذي أستطيعه فقط أن أسير مبتعداً ونظري ملتصق به..

وأنا أسمع أشياء تجرى في داخله..

*            *            *

 

(10)  سوق النخاسين

   ·   أغمضت عينيَّ واتحدت مع المكان، ففي زندي تمر فروع الأغصان، وفي قدمي تسري نبضات القاع، وعند ظهري تسري مغنطةٌ تخترق بُعدَ الأصقاع.. وأحس بصديقي يأخذ كتفيَّ بيديه ويرتاح رأسي على صدره.. أسمع دقات صميمه!..

«لا عليك، ولا تكثر من الكلمات.. فأنا أرى الكلمات، هل سمعتَ رؤى الكلمات؟.. سترى أن الكلمات تُرى من غير عيون.. وهذا سبيلنا لبعضنا.. فنحن مختلفان طالما تنتظر مني لغة البشر مرصوفةً بحروف.

تابعْني وأنا أتابع رحلة الصبي! .. لديك بضعة أيامٍ أخرى.. وعندها ستعرف كم أن الكلمات هي تحت مستوى أدنى الصِّلات.. حدثتك في هذا وليس من عادتي أن أعيد وأستعيد..

أنا الصبيّ من عَجنِ أمي والأحجيات، ويباس العجز، وانبثاق الحياة.. أنا هذا الصبي يركب القطار في العربة الأخيرة والنخاسين الجدد.. ويسير القطار مثل بطء أحاسيس الركاب، وتعلو جلبته وقرقعة مصارينه، وينشر دخاخينه تقتحم الأبواب.

ابتسمتُ وابتسما.. هما كالقطّين وأنا كالفأر، أبحث عن مزمار ألعبه فلعل القط يلهو بالمزمار.. لكن لم يكن في الركن شيء..

بل كنت أنا المزمار.. والقطط تلهو بقطع الأوتار.. فتوقعتُ أن يموت الفأرُ أنا، بين أنياب الفهود الصغيرة.. أليس هكذا تسمون القطط؟ !..

دعني أريك القطار الصدئ يقف في المحطة الكبرى.. هناك تجتمع القُطُرُ آتيةً من صحارى أخرى، من بين الكثبان تفرغ حملها من أطفالٍ ونخاسين، ورُكّاب خيول، ودواب.. وتأتي بالصِّبيَة كفروع النبتة مقلوعةً مجدوعة الجذور ملقاة على أرض المحطة.. كَثُرَت أكوام الصبيان، وتعالت أفراح الصيادين ومعجبيهم حتى ارتجفت بالجدران، وتمددت في ألواح التوتياء فوق الرؤوس.. وسادت الهمهمات وروائح الزبد المرغي في الأفواه، من كثرة التشدق بنجاعة الخطط ونجاح المسعى لصيدٍ بأكبر الأثمان..

اكتظت المحطة بالباعة والمشترين لرخيص الثوب واللقمة، وكثرت مخططات البيع للبنات الآتيات من عوالم أخرى وللصبية خَدَمِ الخُدّام، ولسعر السوق، وأين السوق، ومتى السوق..

عرضَ قادمون نقداً للصبيَّة.. فهم مستعجلون لذوق الفجل في وضح النهار.. وعرضوا ذهباً لي، أباعُ بقنطار، لأنني أملك عينين كبومة، ولأن عضدي فيه وعدٌ بعطاء.. ولأن طولي مثل حَورَةِ ماء.. وصاحب الصبيّة لم يبع لأن غداً أكثر كرماً، وصاحباي ما باعاني لأن اللقاء هو في اليوم التالي، وثمني غالٍ لدى أصحاب الجاه والمالِ..

وهكذا كان.. أنا والصبيّة الصغرى نتحدث من غير كلام، أبحث في عينيها عن طريق أخرى.. ما كنا نحتاج للهرب من الناس كي نتحدث، فلغتنا كانت غير لغة، قلت لها من غير شفة: إنني أبحث عنك، ولعل لنا في قادم يومٍ لُقيا.

فأجابتني: إن اللقيا ممكنة دوماً. خذ مني نغمي.. خذ مني موجي واحفظه لديك.. فأنا قد حفظت موجة رأسك، موجة قلبك.. موجة لُقياك..

وهكذا كُنا أنا والصبية نغماً متحداً في جسدين، لا نخشى بطش النخاس، فهو لا يدري كغيره من البشر أن هناك عوالم أرقى.

وهكذا أصبحت لي حبيبة جمعتنا المصيبة.. وهول الماضي وهول المصير.. معدني معدنها، قلبي مبسمها، توليفات المصير لديها تقابل توليفات مصيري، ولذا فقد قررنا أن يبقى خط اتصال أحمر بيننا ليل نهار.. وهو خط أنت يا صديقي لا تدركه بعد، رغم أن أناسك أضحوا حتى الآن يضعون المعدن الصغير في الجيب وينتقون بالهاتف الجوّال أي شخص في العالم بلا استثناء ليتحدثوا إليه دون عناء حيثما كان وأنّى كان.. يرونه ويراهم.. لكن بالعين.. وأنا رأيت وأرى حبيبتي وهي تراني ليس بعينٍ ولا بهاتف نقّال..

عندما تضرب عودك النغمي تحسس الأشياء الصغيرة حولك ستكتشف أن بعضاً منها، رغم البعد، قد يهتز! وهذا هو الكشف الأول للأنغام.. وبيني وبين حبيبتي كان الكثير من الأرقام السرية تُترجَم بالأرواح كأنما نحن نهار وكل الآخرين ظلام!..»

   ·   رغم رؤيتي لعذاب صديقي (الصبي)، فقد فرحت داخل خلية قلبي لطريقة حب كهذا، تسري خارقة صف الأعداء دون أن يروا وأن يحسوا بما يجري.. وهو حب ألذ أنواع الحب، مختلف عما اعتدنا عليه من ترجمات للحب على الفراش..

«أعجبك حبنا؟ !.. أعلم ذلك يا صديقي!… ولو أنك عشت طريقته بدل أن تسمع عنها لجمعت بعض صفات الأرواح، بعض صفات الخلود.. فالقشرة الجسدية لدينا كانت لا تهم كثيراً.

كن معي ضمن محطة القطار الكبرى. القطارات كثيرة لكن الحمير كثيرة أيضاً، والنخاسون أكثر.. والمستعبَدون والمقيدون أكثر الأكثر.. وهناك كان انتظار، والنهار هو الضرب والقدح والشتيمة والعار، لكن الليل كان هو النهار حيث يهجع الصيادون بأيديهم بندقية وطرف حبلِ قيدِ عَبيد..

نخّاسٌ أطاح جسمه في الهواء وعوى كالذئب المجروح عندما بال أحد الصبية، وهو أمر يُنَزِّل في سعر المزاد، ويبعد أصحاب المال عنه إلى غيره.. ركل وصفع وهاج وماج.. ولكنني كنت مبتسماً فأنا أعلم أن الكثيرين مثله يبولون ويبيضون في خلسة من الآخرين وهم يترقبون الأكثر من ليرات ذهبية أو عملات نقدية.

هكذا كان الحالُ واستمر الحال، وكل ما حولنا من صيد وصياد، وألم وصراخ، وبول ونباح، لا يأتي لنا على بال.. فقد كانت بيننا سمفونيات فوق سقف الموسيقى البشرية..»

   ·   أنا أرى الصبي يتمطى في ساحة القطارات عند رصيف المزادات، وصبيته تزداد طولاً وجمالاً تتكور في الصدر وفي الأنحاء نداءً لصبي الحب الجالس في علياء سماء ترقب ما يجري من بهتان.. وتقرأ في الأعين حركات عقارب من تحت القش.

«أصبحتَ أيضاً ترى معي بعض الأشياء.. شدَّ يديك على الغصن. تحسس أنفاسي في صدرك. ذب في صخرة عجُزك. انغرس في الأرض سنتيمات أخرى!.. وشاهد، إن استطعت أن تخرج قليلاً عن النظم البشرية، كيف ألتقي بصبيتي والناس صحو ونيام، في سوق النخاسة وسوق السلع المقتلعة من أرضها…»

   ·   رأيت الصبي، وقد بدأ شعر رأسه يستطيل حتى الكتف ثم وسط الظهر، وهو يرقد في ركنٍ يداه مسلسلتان كغيره من الصبيان، والصبيّة الأخرى، حبيبته على بعد وفي ركن آخر.. لا يريان لا بالعين ولا يسمعان بالأذن، لكنهما يلتقيان على كف رائحة كأنها شبيهة بورد وريحان..

«ما كنتُ أخاف، كعادتي، ما كنت أخشى لأن كل ذلك عابر.. ولأنني رأيتهم صغاراً أصغر مني..

وهكذا افتتحوا المزاد.. عندما جاء مزركش تحمله أكف العباد.

نخّاسيّ باعاني، واختلفا على القسمة، غنمني المزركش.. نظر في عيني.. غارت عيناي أكثر واستطعت شَدَّهُ فيهما لحظة اقصر من كل اللحظات.. لكنه راح بعدها يبحث عن صيدٍ آخر. ولأن أيامي وأنفاسي وتقاسيم أوتاري وموجتي ومحبتي، كلها تلقى الصدى في موقعٍ عند الصبية، فقد اشتراها مثلما اشتراني..»

       ·       قالهُ خبرٌ سعيد. رأيته يزداد حباً، وأحسست بقلبي يزداد وجيباً.. وانسالت دمعتان على خدي..

«أنت سعيد إذ تراني سعيداً. هذه أيضاً بعض لُغةٍ تختلف قليلاً عن لغتكم بالكلمات.. أنا سعيد لأن أرى فيك هذا.

غداً ألقاك يا صديقي! ..»

   ·   نشوة تملؤني وأنا أسترد أنفاسي القصيرة.. و أسترد عينيّ وأسترد نغم ما يجري حولي.. كان الصخر ساخناً، والأرض ساخنةً والغصن يملأ يدي نسغاً.. أحسست بكل شيء فرحاً..

لم أستدر بل سرت إلى الخلف وعيناي وأذناي وشفتاي ملتصقتان بالدفء.. غير أن صديقي كان قد غادر المكان..

*            *            *

 

(11)  القصر

«اشترانا المزركشُ فرحاً ومضى بنا في عربته الفارهة وبين رجاله وحاشيته. كان يرمقنا طيلة الطريق بعينين زرقاوين فيهما النشوة والرغبة. يرى من نوافذ نقّالة أرضاً وأشجاراً وأسواقاً تترامى، تبين وتختفي، ثم يحتار من أية زاوية يرمقني.. ويرمق الصبية.

كان يراني لا أراها، ويراها لا تراني، ويحتار في أمر اثنين وجهيهما وجه العشاق، ثم لا يتلامسان أو يتهامسان، ولا تلتقي عيونهما.. فبأية لغةٍ يتخاطبان؟!..

رأيت في  مالكي نغماً فرحاً، كطفلٍ يغامز لعبَة، أو كقط يراقب فأراً، أو كليلٍ يسعد بصباح.. ولو دخلتُ قليلاً، أو لو كبرتُ قليلاً لرأيت قليلاً أكثر، فمالكي كان عميق الحال، يرسم للبعد الأبعد، يرسم حتى الآجال.

صبيتي كانت أكثر فرحاً.. حتى مني!.. كانت ترسم فرح الخوف بعد لؤم الأيام. كان ذلك يسطع في العينين، وبلون الجلد، وبوقوف الشعر، كان ذلك الفرح يبرز في الزر الصدري، فيندى ملهوفاً للآتي من أفراح..

أما أنا فكنت أبتلع البسمة حتى الأعماق، أداريها عن عين المالك، فرغم ابتسامته المعقوفة، كنتُ أخشى ما يخبئ في رؤياه.. لكن رسائلي للصبية ما انقطعت.. وكنت أسمع منها ما تقرأ.. فأنا أعشق صوت الصبية يقرأ وبالأخص عندما لا يسمع ما تقرأ سواي.. وعندما تتلون الأنغام بيننا كالحلم الواقع، كأنه حلم الأبطال…»

   ·   أخذني محدثي صديقي حتى رجفة فرح الصبية، وحتى خفق عيون الصغيرين المخفية، وحتى غزارة الرغبات لدى الملاّك.

رأيتُ هذا التفاعل وكأنّ لا فصلَ زمانٍ ولا فصل مكان..

الصخرة في ظهري، أو أن ظهري في الصخرة، والتراب يحضن قدميَّ أو أن قدميَّ تغوصان فيه.. ويداي والأخضر متحدان.. ومحدثي يلامسني، في الرأس وفي العين وحتى الهدبين..

«أنت تقرأ مني رؤية ما حدث!.. وأنت تريد أن تَقرَبَني أكثر.. خذ نفساً، أطول ما أمكن من أنفاس، وأثقل بكل جسمك على الدنيا.. وصافح النسمة تحت الجلد، تقربني أكثر.

نعم، هكذا تقربني أكثر.. وإذا كنت ترى كما أرى، فإنك تعلم ما جرى، ليس من أحداث مرئية، بل ما جرى في دماغ المالك، وهو أمر كان بعيداً عني.. فقد كنتُ ما زلت صبياً آتياً من صحراء أنبتت بعد الموعد أخضراً معزولاً. وكانت صبيتي بعدي في معرفة الأحياء، فأنا الرائد في سبر الأشياء لأن وسيلتي في الرؤية هي غير العين والأذن والكلمات.ومع كل ذلك فلأنني يافع، كان لدي رؤية مغشية ضبابية. كان المُلاّك يستخدمون الإبصار وكنتُ وحبيبتي نستخدم البصيرة.. هم يستخدمون القوة والمال، وأنا في ضعفي قوتي من حيث أن الصلة العليا، وتوليف الذهن والرغبات، والحب لو تناغم أو ساد، أقوى من سطوة النخاس. كلام قد يبدوا غير مفهومٍ لك يا صديقي. فكر فيه.. إنس كل الدنيا وفكر فيه، تراه المعجزةَ.. عِشهُ تراه الدنيا الحلوة لو كانت، في أُسِّ أساسها… هي الدنيا غير الدنيا التي تسمع عنها..»

       ·