|
Home of Art and Literature |
|
|
||
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]()

رسالة للنسيان
رؤية جديدة لهذا للعالم
من خلال فصل ومشهد واحد متكامل
وما الأقسام والمشاهد إلا لغايات تقنية وتبسيطية
القسم الأول:
1- حديث البداية 2- المشيمة 3- التجربة
4 – الاصطفاء 5- الأرض الخراب 6- الرؤية الجديدة
7- الاختطاف 8- بئر الصحراء 9- المحطة والقطار
10- سوق النخاسين 11- القصر 12- الرسم بالأوحال
13- الضبع 14- برقع الورود 15- الغياب
16- الصديق الآخر 17- التحول
القسم الثاني:
18- السباق 19- المبيع 20- الزيارة
21- أبناءالضباع 22- الجريمة 23- لون الأرض
24- الزعيم 25- الاجتماع 26- الحرب
القسم الثالث:
27- مكسب قصير 28- النبع 29- النوم
30- الحياة في الموت 31 - بين عالمين
القسم الرابع:
32- الجسر 33- الغريزة والجينات 34- الرسالة
35- حمولة حرة 36- السؤال 37- السؤال عن السؤال
القسم الخامس:
(( الأمنية ))
Full Text: نص الرواية كاملاً
محتويات الكتاب:
تتألف رحلة هذه الرواية من خمسة أقسام رئيسية وثمانية وثلاثين مشهداً، وهي رحلة الإنسان وليست رحلة الكلمات ، منذ غيبوبته وقماءته وانقهاره البدائي الأول وحتى تحوله إلى عالم مجهول قد يكون هو بداية الرؤية الحقيقية، مروراً بصراعات الحياة الكثيرة ولاجدواها أيضاً... وعلى هذا فإنه يصعب على إنسان ما أن يشرع في قراءة سيرته الذاتية ثم ينفك منها دون أن يتمها لآخر نقطة !!! .
Contents: A Message to be forgotten
The narration of this novel is consisted of five main divisions and thirty eight scenes; : It is the episode of human being, not the episode of words, since his unconsciousness, dirtiness and primitive oppression, unto the unknown world where it might be the reality of vision, passing through the multiple life conflicts in vain .. And for this reason it may be rather difficult for a human to initiate reading his own biography , then be able to unfinish before the last drop .
`القسم الأول:
(1) حديث البداية
· ربما جاء محدثي من بقايا نسلٍ قديم عرفه أهل القرى بنسل العمالقة.
كان محدثي طويل القامة عريضها بمسحة على الوجه هي خليط الألوان البشرية البيضاء والسوداء والصفراء والحمراء.
تشبه تقاطيعه أولئك الذين جاؤوا من غابة عذراء لا نعرف عنهم شيئاً، فهم بجبهاتٍ عريضة وأنوف دقيقة وعيون كبيرة غارقة و ذقون ملفوفة وشعور مجدولةٍ، وأكتاف تغلق الباب وسواعد طويلة وأيادٍ بملامس مفلطحةٍ كمحاجم الحيوانات البحرية..
· ولم يكن محدثي غريباً عني .. أحسسته لصيقاً بي يحدثني همساً يأخذ مساحة واسعة من الهواء.
كان قادراً على انتزاع حيرة من نفسي تغشاها رائحة اللافهم فقد كنت غير حاسمٍ في تقدير السنين التي قضاها في هذه الحياة.. فهو عندما ينثني واضعاً يداً على الخصر ومشيراً بالأخرى يوحي لك بجميلةٍ شابةٍ، وهو عندما يقاربك بمنكبيه يجعلك ترى صخر الحياة صلباً عمره آلاف السنين، وهو عندما يبتسم ويقارب منك راحتيه ترى فيه فتى يبحث مجدداً عن الحياة بعرضها وبطولها.
يقهقه بصوت الرعد ولكنه يبتسم بفرح الأطفال، يعكس لون القمر بعذرية الوجه، ويعكس لون الشمس بنار الحروب.
يعكس وجهه لون الصباح ربيعاً فيه الزهر والنهر والأخضر، ويعكس وجهه لون الغروب خريفاً من ورق الشجر يسّاقط نحو أديم الأرض من أجل بذور حياة جديدة..
وجهه فيه آثار آلاف السنين، لكنها آثار، رغم عمقها وتعمقها، تُصَيِّرُ الألم أملاً، والكآبة ابتسامة.. وتنزّ من ذاتِها إلى ذاتِك إحساساً بالوجود والخلود..
محدثي كان كما كان، وبقي كما كان، وسيبقى كما كان.. هكذا قال لي، وهكذا آمنت به.
* * *
· قال محدثي:
«ماذا يهمك من اسمي؟.. لماذا تحبون أن تطلقوا على كل شيء اسماً؟.. إنني أرى أنكم تطلقون الأسماء كي تفرّقوا بين الأشياء، وذلك لأنكم غير قادرين على تمييز الأشياء بطرق أرقى..»
· عندما عرف محدثي بأنني لم أدرك ما يعني، هز رأسه قليلاً وتابع حديثه:
«تقول إنك صديقي، ومع ذلك تستخدم الأصوات والكلمات، وتشير بيديك وتزحم جسدك بالانقباضات والانحسارات والانكسارات من أجل أن تُفهمني جملةً ذات أبعاد سطحية.
أعود أنا لأجيبك فأضطر لأحدثك بطريقتك ولغتك كي تفهمني، ومع ذلك فإنك تفهمني نصف فهم، وربما ربع فهم.»
· ازداد استغرابي، وفاض رأسي بالخيالات، وترددتُ في قول الكلمات خيفةَ أن ينتقد أسلوبي،..
تابع محدثي:
«تلحظ أيها الصديق أنك تعاني من أجل أن تُفهمني.. أنتم أيها الناس اعتدتم أن تكذبوا، وإذا صدقتم فإنكم تقولون نصف الحقيقة، ونصف الحقيقة هذه يصل نصفها إلى الآخرين، وهم غير مستعدين لفهم أكثر من نصف ما يصلهم، وهم لن يعملوا بأكثر من نصف ما فهموه.. وهكذا يضيع التواصل بينكم فأنتم أفراد منفصلون، ومجتمعات منفصلة.. وحتى أفرادكم فهم كتل صغيرة متناثرة في الداخل..»
· تساءلت وفي صوتي حدة:
- أكل هذا الشرح والتفصيل لأنني سألتك عن اسمك؟..
ضحك، وأحسست بالصخرة التي أتكئ عليها تهتز، ثم حدق بعينيه الكبيرتين الغائرتين.. وتابع:
«ألم أقل بأنك من أولئك الذين يضعون الحدود للفهم، أو لِنَقُل بطريقة أخرى أكثر وضوحاً، أنك من أولئك البشر المنتشرين في كل الدنيا، والذين يدّعون السيادة على العالم، وهم لا يريدون أن يفهموا إلا ما يريدون أن يفهموا..
لماذا تصرون أيها البشر على الرؤية بالعين، والسماع بالأذن؟..»
· وكيف تريدنا أن نسمع وأن نرى؟..
«أنا أريد؟.. ليست لدي السيطرة عليكم حتى أريد أو لا أريد!. أنا واحد منكم، والفرق الوحيد بيني وبينكم هو أنني مختلف بأفكاري وأحاسيسي وقدراتي ورغباتي وسعادتي وآفاقي..»
· لأجعل الأمور سهلة عليك، وسهلة عليّ أنا، وكي لا تدخلني في متاهات وعوالم تصعب على مداركي كما تقول، أرجو أن توضح أفكارك بشأن أسلوب الناس في حياتهم ثم تتكرم باسمك كي أعرف كيف أخاطبك؟…
· عاد محدثي إلى عالمٍ آخر يتحدث عنه:
«أنا قد جربت في أن أنقل إليك اسمي على طريقتي، ولكنه، للأسف الشديد، لم يصلك، لأن الطريقة التي نقلته بها كانت ذات بعد آخر، وستكتشف ذلك بعد أن أحكي، باللغة العادية التي اعتدتَ عليها، قصتي وتاريخي، ولتلحظ أن قصتي ليست مرهونة بزمن كذلك الذي تحددونه عادة، وليست مرهونة بوقائع مكانية.... فقصتي ربما حدثت في الماضي، وربما تحدث الآن، وربما تحدث في المستقبل الذي هو بالنسبة لك مستقبلاً، و ربما بالنسبة لغيرك ماضي.. ومن أجل أن أقرب إليك فهم ما أقول، أضرب لك مثلاً قد لا يوضح تماماً ما أعني، لكنه يقرب المعنى مسافة ما..
أنت ترى الآن في هذه اللحظة في هذا المكان في السماء نجماً، وهذا النجم، كما يقول علماؤكم، في الحقيقة، غير موجود (الآن)، في هذا (المكان) الذي تراه ..
علماؤكم يقولون ذلك، وهم عندما يشرحون لك الأمر تصدق.. لأن الأمر أصبح بمنطق العقل ولم يعد بمنطق الأحاسيس الخمسة التي أنتم مزودون بها..
أحاسيسكم قاصرة، وأدواتكم ومسابركم التي اخترعتموها، رغم قدرتها على توسيع دائرة أحاسيسكم بشكل هائل فهي ما تزال قاصرة.»
· هل أنت عاقل أم ..؟..
اهتزت الصخرة مجدداً وهو يضحك، ثم تابع:
«أنت سألتَ (هل أنت عاقل أم…؟) وبالطبع فإن الكلمة المحذوفة هي ((مجنون)).. أنت لم تقلها ومع ذلك وصلتني! وهذا بالضبط ما قصدتُه عندما قلت لك إنه توجد طرق أرقى للتفاهم والتواصل!.. لكن هذه المرحلة هي البدائية وهي أقل المراحل للتواصل!.. تعلمتم أن تلعبوا لعبة الكلمات المحذوفة، حتى أنكم استخدمتموها في طريقة امتحاناتكم فسألتم طلابكم:
أتمم ما يلي، وضع الكلمة الناقصة.. إنكم في البداية، بل بداية البداية يا صديقي..
ألم يصلك اسمي يا صديقي؟! بالطبع لم يصلك وأنا أعرف أنه لن يصلك إلى أن أحكي لك حكايتي..»
· رأيته يبتسم ابتسامة رقيقة أفرحتني ثم تابع حديثه:
«جاءني منك الآن، دون كلام أو إشارة أو حتى تعابير وجه، أنك متعب وترغب في أن أبدأ حكايتي غداً عند المغيب، في مثل هذا الوقت وعند هذه الصخرة..»
· أومأت له برأسي موافقاً والدهشة تملأ وجهي..
«أنا لست بحاجة لإيماءتك كي أفهم موافقتك.. إنما أردت أن أضرب لك مثلاً عن بدائيات الاتصالات غير الكلامية، وغير التكنولوجية..»
* * *
(2) المشيمة
· تابع محدثي حديث اليوم السابق:
«أولى الصور التي أذكرها، هي خروجي من بطن أمي.. لا تبتسم! قلت لك إنني أدرك ما بنفسك، وأجيب على التساؤلات التي في ذهنك دون أن تقولها، إذ أنت تسألني دون أن تبوح بكلمة، كيف أذكر خروجي من بطن أمي ومداركي كانت ما زالت في رقاد؟.. أنا لن أشرح لك كيف، لكنني أذكرك بأنني قرأت ما بذهنك الآن، وهو أمر بالغ البساطة بالنسبة لي، وأستطيع أن أقرأ ما كان بذهنك البارحة.. وهو أمر شديد البساطة أيضاً… ربما تستطيع فهم الأمر فيما بعد.. سأتابع لك القصة..
أولى الصور التي أذكرها، هي خروجي من بطن أمي.. كانت هناك اندفاعات وسوائل وروائح وصراخ… كانت لدي رغبة بعدم الخروج، ربما كانت لدي تجربة سابقة بالخروج وبالتالي فإن تجربتي اللاشعورية وقتها أنبأتني بعظم وجسامة العبء في حياة كلها تمركزات ممغنطة شديدة الجذب أو النفور.
على أية حال فكان لا بد من أن أخرج لأن نهر رتابة الأشياء يجري في هذا الاتجاه، فأنا قد أعرف و أدرك وأحس لكنني لا أستطيع تغيير طبيعة الأشياء أو تعديلها فهي قدر ووجود وحقيقة.. خرجت، وكانت النسوة من حول أمي يثرثرن ويتحدثن بلغة السلامة، وحلاوتي وحجمي وصحتي وعيني الكبيرتين الموحيتين بعمر قبل العمر وكأنني قد أمضيت سنينأً طويلة في لحم أمي.
قالت امرأة لأخرى جهاراً:
ما شاء الله!.. علقي له تميمة زرقاء!..
وقالت امرأة لأخرى سراً:
لا أحد يعرف أباه الحقيقي!..
بينما تململت أمي بجانبي وهي تقول لقريبتها بجانبها:
- ابعثوا لأبيه فهو سيفرح به كثيراً..
كنت أعرف بأن أبي لن يفرح فهو قلق من أقوال نسوة الحي وتغامزهن وإيحاءاتهن، ولكنه رغم ذلك كان على ثقة بأنه، وقبل أشهر تسعة، قد حمّل زوجه حِملها حتى الرمق الأخير.
أبي فعل مثل كل الرجال، فقد أسدل على أذنيه مصفاة من اللباد وجاء مستبشراً وحملني، وكنت أنا سعيداً بيديه، وقد قررت أن أكون ابناً له منذ تلك اللحظة.. كما أنني قررت أن أجعل من أمي أماً لي فهي قد تلقتني مُحاصَرةً، والتصقتُ برحمها دون رغبة لكن الأمر لم يكن سوى سياقٍ للحياة..
ما طغى على السطح كان أقوالاً غير مؤكدة.. وما ترسب في قلب الأب يقين وشك متناوبان، وما رسم الهدوء فوق التخوّف لدى الأم أن حمدت الله على الستر.. أما أنا فلم يكن الأمر يهمني كثيراً ففي كل الأحوال أنا ابن ذكر وأنثى على الطريقة المألوفة، أما من كذب على من، ومن غدر بمن، ومن خان من، فهي أمور مألوفة أيضاً..
الغرفة كانت غرفة ولاّدة، والشبابيك العريضة العالية الممنوعة بقضبان حديدية وإطارات الخشب مهشمة الزجاج والطاقات المسدودة بورق الجوز المضغوط، و(الكَتابي) الحاملة لتاريخ الألحفة والأغطية والفرش القديمة..
كلها كانت تسألني ماذا جئت تفعل؟، وكنت أسألها أنا أيضاً ماذا كانت هي تفعل؟.
أنا يا صديقي عندما أحدثك بلغتك وحروفك التي اعتدتَ عليها إنما أنقل إليك جزءاً يسيراً مما جرى ومما يجري..
فلغتكم هذه قاصرة إلى حد العجز، ولأنها كذلك تجد أن التفاهم بين الناس قد يكون معدوماً ولهذا يختلفون كثيراً..
أنا يا صديقي، وأنا خارج من بطن أمي أحسست بالنكبة، فأنا مخلوق مجبول من الغش، لكنني أنا نفسي لست غشاشاً.
وقتها نظرت أمي إلى وجهي، مليئة بالحنان والخوف، ولكنها استمدت مني قوة، فقد قالت في نفسها إن هذا الضعيف لابد أن يشتد ويقوى وبالتالي فسأكون عماداً لها، وستجعلني أفهم الظلم الذي وقعت فيه ولماذا قبلت به، وقبلت أن تخدع رجلها وسكتت عن ثرثرة الناس، وهكذا ضاعت الحقيقة أمام البشر كما ضاعت أكثر الحقائق.»
· صمت محدثي ونظر في عيني ثم ابتسم ابتسامة أخذني فيها، وتابع سعيداً:
«أنت تعرف الآن أنني ابن حرام، لكن هذا لم يكن يهمني، فأنا ابن حرام بالمعنى الجنسي والاجتماعي الذي لدى البشر، لكنني ربما لن أكون كذلك بالمعنى الحياتي، أي لن أخدع الآخرين ولن أسلبهم حقوقهم وأموالهم.. كما أنني لست وحيداً فربما يقف بجانبي الكثيرون مثلي، أولاد الذكورة غير الأبوية، حتى أن بعضنا قد يكون أولاد الأنوثة غير الأمومية، وأنا لا أفشي سراً إذا قلت لك يا صديقي أن بعض الأولاد ليسوا أبناء أمهاتهم ولم ينزلوا من أرحامهن وأنت تعرف هذا، حتى أنك تعرف بعض الأسماء ولا تريد أن تفشيها..»
· نظرتُ إلى محدثي كمن التُقِط في ممسك، فضحك وقال:
«هذا أيضاً لا يهمني، الذي يهمني بالفعل أمر آخر.. إنه كان من عاداتنا أن تأخذ أم الأم المشيمة والتي كُنَّ يسمينها (الخلاص) تخبئها في خابية بعد أن تضيف إليها مطحون عشبة برية وتسدها بالطين وتدسها في التراب في مكان ما بعيداً عن أعين البشر والضواري.
والذي حدث كان ما يلي:
لم أر جدتي رؤية العين لأنها كانت قد دُفنت في اليوم الثاني بعد أن اجتاح لحم أمي أبي الحقيقي ( كما يقولون رغم أنني لا أؤمن بذلك )، ماتت إثر المصاب الدنيوي الهائل بسبب التشنجات القابضة لكل شيءٍ فيها حتى قلبها.. الذي انقبض وبقي كذلك.. رغم أنهم يقولون أن قلب الإنسان يرتخي بعد الموت.. جدتي بقي قلبها متشنجاً وقد تحول إلى حجر..
ولأن جدتي لم تكن موجودة فقد جاءت الجارة الموثوقة لتساعد في إخفاء مشيمتي عن الأعين، فأخذتها وطمأنت أمي في أنها قد وضعتها في مسحوق العشب وحفظتها في جرة فخارية متينة ودفنتها في عمق الأرض كي لا يصل أحد إلى مكانها..
تلون جسدي في اليوم الثالث ببقع حمراء، وبلطخ صفراء وسوداء وبيضاء.. وكأن الألوان قد أتت من مجموعة القارات الأرضية الخمس.. غار الدم وفاض.. تخثرت الأشياء وتلبد العفن في القلوب جميعاً..
شيء ما حدث.. كنت على صلة بأمي، وبمقذوفات أبي الجسدية، وبخلايا أبي المخدوع العصبية…. وكنت على صلة بمشيمتي المدفونة.»
· أحسست بأن محدثي يلهج بكلماتٍ آتية من عالمٍ آخر، وبجسده يتمطى، وبابتسامة تنكسر من وجهه على حجر الصخرة الصلب، لم أجرؤ على الكلام.
تابع محدثي بصوت جهوري اهتزت له الآفاق..
فغاصت قدماي في الوحل، بل في دماء سوداء تنز من لحم هش مهروس..
· تابع محدثي..
«كلما ذكرت ذلك اجتاحني حقد كأنني ليل تجتاحه الكلاب السوداء ولأنني أعلم أنك مثلي، وكثير أمثالك، أكبت حقدي وأهدأ وأتمم حكايتي عليك وإليك..
وأنا أرى بأنني أتحدث إلى العالم كله من خلالك…»
· لم أستطع أن أقول شيئاً..
«كنت أرضع من ثديٍ بخيل فقير ممطوط، وقد كنت أعلم أنه لا شيء يهم في ولادتي، فإنما ولادتي تكرار في ظروفها وبيئتها ووجعها،..
دخل العالم كله في داخلي وقتها، نبض قلبي كما تنبض الحياة.. اجتاحتني الأصوات الهمجية والرقيقة، فرأتني الإناث بحقدهن وحبهن.
دخلني الهواء من أنفاس الآخرين… ثم انتظرت حتى يأتي أبي المخدوع..
وعندما جاء أبي هذا بكيت، فقالوا أ رضيع يُهطِلُ الدمع؟
أرضيع تتعالى أبخرة جسمه كالبخور؟.. أ رضيعٌ عينُه في المدى يرى ما قد أتى وما قد مضى؟!……
ولكن لم يكن هناك ما يهمني من كل هذا سوى أن اتصالي بمشيمتي قد انقطع، فقد غارت تلك المشيمة في جوف ضبع…
فالجارة لم تحفر الأرض، ولم تضع العشب ولم تغلق جرة الفخار..»
· سكت محدثي برهة، ثم تابع:
«لماذا جعلوا مشيمتي في جوف ضبع؟..
هل أرادوا أن يحمّـلوني وزر الضباع، أم أنهم أرادوا أن يكون في هذا العالم بشر يحملون سمات الضباع؟»
انتظرتُ قليلاً وعندما وجدت الفرصة مناسبة قلت لمحدثي:
- هل ترغب في أن تتم حديثك غداً؟..
«رسمت لك الصورة الأولى، وحسبما أعرف فإنك قد التقطت مني جزءاً من المعنى، أما باقي المعنى فقد طار في الزمن، ولكن لا بأس فغيرك لا يلتقط شيئاً..
آه ليتني أستطيع أن أصل بك إلى المرحلة التي نستغني بها عن لغة الكلام والحركة والإشارة ليصبح تخاطبنا بأسلوب أكثر رقياً..
ولكن غداً يوم آخر كما تقولون أيها البشر.. أما أنا فلا أعرف كثيراً فروقكم بين الماضي والحاضر والمستقبل.
الزمن عندي هو اللحظة التي تجمع كل الماضي ضمن الحاضر مع توضيبات المستقبل..نعم صديقي، أريد أن أتابع حديثي غداً، لأنك لو أخذت كل شيء جرعة واحدة فربما لا تحتمل أعصابك التي لديك…
أما أنا فالمهم عندي من كل ما حدثتك به هو أن مشيمتي قد امتزجت في لحم الضباع…»
* * *
(3) التجربة
· عندما كنت ألتقي بمحدثي يومياً عند الصخرة الهائلة كان يضع عليها يده اليسرى وكأنه يقوم باتصال ما بكتلة الأرض عن طريق كتلة الصخرة، وهو يصبح بهذه الطريقة أقل انفعالاً وأكثر شباباً وأشد قوة واحتمالاً.. فقلت في نفسي وقتها كما قال مدرس الفيزياء إن الاتصال الكهربائي بالأرض يفرغ الشحنات الموجبة ويعدل السالبة وبالتالي فان الجسم يصبح معتدلاً..
في هذه المرة الثالثة التي التقيته بها كان ينتظرني ويبتسم وجهاً وجسداً، ويوحي بشكل طفولي عملاق..
فاجأني محدثي ودون أن يدخل في تحية أو مقدمات بقوله:
«بدأت تفكر في شخصيتي وكنهي، وبدلاً من أن تتساءل من أين جئت أنا، وما هو اسمي، فإنك بدأت ترى الأمور بشكل آخر.
لا بأس.
استندْ إلى هذه الصخرة، اجعلْ جزءاً من ظهرك عارياً والصقه بكتلة الصخر، فتشعر بشيء من البرودة في مكان الالتصاق، لكنك لن تلبث أن تحس بالبرودة تجتاح جسدك كله، عليك أن تقاوم، ثم عليك أن تسترخي.. ثم عليك أن تنام..»
· قبل أن أعترض وأن أتساءل مستغرباً هذه العملية، وباحثاً عن تفسيرات لها بادرني محدثي والابتسامة الطفولية الضخمة لا تفارقه:
«ألا تعرفون النوم أثناء اليقظة يا إخوتي البشر!.. إنكم تعرفونه جيداً، وتسمونه أحياناً أحلام اليقظة.. وتسمونه أحياناً الشرود، وأحياناً حالة تأمل، إلى آخره من الأسماء التي تطلقونها بلا تحديد ولا معنى واضح..»
· وقبل أن أنطق بكلمة أشار لي أن أفعلَ كما وجّهني، ومد سبابته باتجاه الصخرة، باتجاه جانب منها، حيث تبينت وقتها أن الصخرة كانت مزدوجة بفالق بسيط قديم لكنه كاف ليعزل ما بين الكتلتين.. فعلت كما قال لي، ثم تلقيت صدمة الالتصاق بالجلمود وصبرت وكابرت ثم ارتخيت.. ومحدثي يراقبني..
«خذ نفساً عميقاً.. النفس العميق مريح للغاية.. شد حجابك الحاجز حتى أدنى مستوى له ثم أَتْبِعْ ذلك بتوسيع صدرك لتأخذ أكبر قسط من الهواء، احبس الهواء في جوفك، ثم أطلقه بليونة مستخدماً ضغط الحجاب الحاجز مرة أخرى وتقليص جوف الصدر.. اعملها ثلاث مرات بهدوء وليونة.. ثم ابدأ بعدّ أنفاسك وتحسسها في جوفك وحافظ على رتابتها وضع ذهنك فيها، ثم تابع مراقبة كل عضلة من عضلات جسمك واجعلها تسترخي تماماً بحيث تتركها على راحتها..
ارخ كل تشنج في كل مناحي جسمك.. وارخ خيالك أيضاً.. وعندما تصبح في حالة ارتخاء كامل فإنك ستحس طعم النسمة ونبض الأرض..
علماؤكم أيها البشر يعرفون شيئاً اسمه نبض الأرض..»
· لا أستطيع تحديد الزمن، ولا أستطيع تحديد مدى استجابتي لتوجيهاته، لكن بالتأكيد انتابني خوف ما فتئ أن أخذ يتلاشى إلى أن أصبحت أحس أنني والصخرة والأرض والنسمة على اتصال بطريقة ما وأن ذلك الاتصال كان ممتعاً.. بل إنني بدأت أحس بالأرض تحت قدمي مغطاة بالغضار وتحته أرض كلسية هشة ثم مسرب مائي ثم آفاق مظلمة. لها لغتها التي تفشي بها أسرارها.. وجدت نفسي آخذ اتجاهاً أكثر راحة..
لم يتوقف الزمن.. غير أنه بالنسبة لي كان واقفاً..
· فاجأني محدثي يطلب مني أن أتنفس بطريقة أخرى مرة أو مرتين ثم أن أحرك ساعدي وساقي.. وأن أصغي له.. وعندها أدركت كم كنتُ مُتعَباً..
قال محدثي:
«هذه تجربة صغيرة أردتك أن تجتازها، وأنا سأشرح لك الآن بلغتك ماذا تعني تلك التجربة، فأنت استطعت الخروج ولو لزمن قصير، ولو خروجاً ضحلاً، من المؤثرات التي تحيط بالبشر كالعادة من ضجيج وانفعالات وأوجاع وخروقات الآخرين وهموم الدنيا وضغوطات الحاجة.. استطعت التقرب من نبض الأرض الآتي إليك من الكتلة الصخرية، كما استطعت أن تستفيد من أكسجين الهواء بطريقة جديدة، كما استطعت إرخاء التشنجات الموجودة والدائمة لديك بسبب المخاوف التي رافقتك كل حياتك، كما فَرَّغت ذهنك من كل الخيالات والضغوط التي تتلف أعصابك، وبالتالي بدأت ترى العالم على وجه آخر، هو وجهه الحقيقي.. ولا أدل على ذلك من حركتك البسيطة في تعديل اتجاهك بحيث تتناسب والقوى التي تحكم اتجاهات كتلة الأرض نفسها..
أصبحتَ تحس بما تحت قدميك وبما حولك بشكل أكثر شفافية..»
· نظرت في وجهه الجاد بالعينين الكبيرتين الغائرتين وكأنهما في فتحتي كهفين متجاورين، تابَعَ:
«لا شك بأنك سمعت عن أولئك المعدودين من البشر الذين يستطيعون تحديد مكان وعمق المياه الجوفية واتجاهاتها وعروقها وحجمها…
سمعت عنهم.. هم موجودون في جميع أنحاء العالم...
إنها حقيقة هل سمعت عنها.. وهل عرفت بأن أولئك البشر قادرون على إعطائك معلومات قد تصل في دقتها إلى أكثر من أي جهاز اخترعه العلماء.. أنا لا أتحدث عن المدعين أو الذين لديهم قدرات محدودة، بل عن أولئك القلة الذين لديهم بالفعل هذه الإمكانيات…»
· كنت متعباً وغير راغب بحوار طويل رغم مظاهر الدهشة التي اعترتني، وتملكتني بالكامل.. وأحسست بالميل للالتصاق بالصخرة مجدداً والبحث مرة أخرى عن محتويات كلام وشروحات محدثي..
لكن محدثي بادرني..
«أنت متعب، والتجربة الأولى صعبة، ولذا فإنني سأعفيك اليوم من متابعة فصول قصتي بعد الولادة، ولكنني أعدك بأن لقاءنا في الغد عند هذه الصخرة المزدوجة سيسمح بفيض من الحديث يدخلك في أجواء الدنيا من حولي حينما كانت أمي مازالت تحملني رضيعاً وهي تضع السم في فمي..»
· حدقت في عينيه مجدداً.. سارت خطواتي باتجاه الخلف… وجهي باتجاه الصخرة وأنا أبتعد عنها مشدوداً إليها..
* * *
(4) الاصطفاء
· عندما قابلته عند مغيب ذلك النهار حسبما أراد، لم يحيني، وبادرني من غير مقدمات:
«أسندْ ظهرك للصخرة، وضع قدميك العاريتين بتماس مباشر مع الأرض، وارخِ مفاصلك ومط أنفاسك الأولى وأغمض عينيك وتحسس أجزاء جسمك بذهنك.. دعْ جسمك يقول كما يريد… شاهدني صغيراً فأنا في كِبري صغير وفي ضخامتي أحبو، ففي داخلي الآن تلك الأيام حيث كانت أمي تضمني وتخشى أن يأتي أبي حاملاً سكيناً تخترقها حتى الرحم، أو حاملاً حجراً يطحن الرأس حتى الفم، أو قابضاً على أصابعه مُدخلاً إياها في عروق عنقها..
ارتخِ، ولا تحرك شيئاً فيك، بل دع كل شيء لديك يمتزج بالصخر والأرض، وتعلم أن تشم رائحة الأطفال الذين امتزجوا بالتراب.. كل أترابي امتزجوا بالتراب وقتها..
عندما ولدتني أمي كان هناك خوفان، الأول من أبي بالاسم، والثاني من الجوع والمرض و( التابعة ).. أما أبي، فأنت تعرف رغبة الناس في تحريض الناس على قتل الناس.. وأما الجوع والمرض فهما اثنان يؤديان للجهل والجهل يؤدي إليهما.. وحيث يوجد هؤلاء، يأكل الأطفال الدود ويشربون السم.. وهكذا كانت أمي تطعمني الدود وتشربني السم لأنه لم يكن لديها غيرها..
تريد أن تحرك لسانك لتسأل، وتريد أن تفتح عينيك لتتساءل كيف يكون ذلك؟! أنا أجيبك، مع رغبتي في أن يكون الحوار بيننا بلغة أكثر تواصلاً ودقة من هذه اللغة التي أنا مضطر لاستخدامها معك، المسألة بسيطة.. فالأم التي لا تعرف شيئاً سوى الكوخ والساقية والكدر والأفاعي والبرسيم والدجاجة.. لا يمكن أن تطعم ابنها إلا مما لديها ولا أن تسقيه إلا من الساقية..
والساقية.. انظر إلى الساقية.. انظر بعيني رأسك.. إنها ما زالت تجري في داخلي.. فيها عصارات خرق الأطفال من مبتداها إلى منتهاها، وكل طفل يشرب من عصارات من سبقوه… وهكذا تتحول الساقية إلى جدول يحمل السم الجاري.. والمرض الجاري.. وهكذا كانت أمي تقطر السم في فمي..
لا تحرك شفتيك.. الآن لا تحرك شفتيك، فأنا لا أقطر في فمك سماً.
إنك تعيش معي تلك الأيام.. فهي أيام ماضية حاضرة أمامك الآن وأؤكد لك من جديد أنها حاضرة بالنسبة لي فأنا أراها وهي جزء من ذاتي..»
· كنت في تلك الساعة مأخوذاً لا أرى سوى ما يرى محدثي، ولا أحس إلا بما يحسه.. كنت جزءاً من الصخر والتراب الذي يرى ويحس ويتألم.
تابع محدثي العملاق ذو العينين والنَّفَسِِ الذي يغمر الأنسام حولي..
«ذهبت أمي إلى عجوز تسأله السر في ضعفي وشحوبي ولهاثي فأخبرها العجوز بأن في هذا الولد تسكن (التابعة).. وهي رغم أنها ستأخذ حياة الأطفال الآخرين، وسَتُضني ولدَكِ هذا إلا أنه سيعيش ليكبر ويتعاظم ويملك الدنيا وشؤونها.
وهكذا عادت أمي إلى كوخها تحملني، ونسوة الجيرة يندبن صغارهن الذين رحلوا قبل أن يتعلموا النطق.. والذين ذابوا في الأرض قبل أن تقسوا عظامهم.. ماتوا بلون أصفر دون أن تخرج نقطة دم واحدة..»
· كنتُ أرى الأطفال، مغمض العينين، ملقاة في الدروب تأكلها الديدان المفلطحة بنهم.. ثم تذوب في لحظات وتندثر.. ثم تأتيني رسالة التراب أن نصفه كان في يوم من الأيام مقابر صغيرة… ولذا ففيه تنمو اليوم كثرة من الأشجار…
«أنت ترى معي الآن كيف ماتوا لأنهم لم يستطيعوا مقاومة الموت الجارف، وبقيت أنا حاملاً بقاياهم، ووزرهم، ذلك لأنني كنت أحمل (التابعة) في داخلي كما قال العجوز لأمي.
و(التابعة) كما تعرفها أمك هي امرأة عجوز مخيفة عملها أن تخطف الأطفال إلى مصير مجهول، وهي شبيهة بالثقوب السوداء التي تخطف الأجسام وتضغطها حتى تتحول إلى كتلة صِفرية الحجوم.. فالتابعة في أمثالكم الشعبية هي البشاعة الميتة التي تضم الأطفال إلى الموت البشع..
قال العجوز إنها كانت تسكن في داخلي، ولذا فهي قد محقت الآخرين، واصطفتني كي أتضخم وأبقى.. وأحدثك..
ولهذا أيضاً فإن السم الذي كان يدخل في أفواهنا نحن الأطفال قتلنا وأبقى على بعض منا أكثر قوة وضخامة وعنفاً وهيمنة..»
· ضحك محدثي فأحسست بالصخرة ترتجف، وبالتراب يحاول الهروب من تحت قدمي.. ثم تابع:
«إذا كنت تريد أن تعرف لماذا ضحكت فإنني أورد لك تشبيهاً رأيته مضحكاً، وأنت ربما تراه مبكياً، والتشبيه هو كم أن (التابعة) التي حدثتك عنها تشبه مؤسسات هذه الأيام الكبرى في العالم والتي تحتضن، ثم تبتلع وتحول المؤسسات الناشئة كالأطفال إلى صفر.. ! ..»
· قال محدثي بصوت مختلف:
«خذ نفساً عميقاً، خذ نفساً عميقاً.. أنفثه من فمك بهدوء.. حاول ثانية…»
· وجدت نفسي أستيقظ وأرتجف ثم أفتح عيني..
كنت ما أزال أستند إلى الصخرة.. وأصافح التراب بقدميّ عندما رأيت محدثي يبتعد بخطوات إلى الخلف، وهو يشير إلى رأسي بسبابتيه..
ناديته:
- وبعد يا صديقي.. وبعد يا صديقي ماذا حدث؟ ..
«غداً لقاؤنا الجديد.. لا يمكنك أن تدرك كل الأمور في ساعات قليلة.. التاريخ هو في الحاضر.. ولكي تفهم الحاضر لا بد لك من رؤية التاريخ..
غداً يا صديقي.. غداً…»
* * *
(5) الأرض الخراب
· عند المغيب كنت ألامس الصخرة بعجزي وأدس قدميّ في التراب وأنتظر محدثي حيث أحسست بانتظاري يطول، ثم ما لبثتُ أن لامستُ جفنيَّ وأخذتُ أنفاسيَ الطويلة الهادئة، وقاربتُ ما بين راحة الخلايا ونوامها، وإذ بي أحس بمحدثي يربت على كتفي ويمد يدي اليسرى الأقرب للقلب لتمسك بغصن شجيرة عرفت أنها تنبت لصق الصخرة للمرة الأولى..
«تمسكْ بالغصن جيداً وأغرسْ قدميك في الأرض ما استطعت، وتوسّع في مساحة التلامس مع الصخرة… خذ أنفاساً طويلة أخرى، واهدأ حتى تحس بأنك تسري تحت الأرض وليس فوقها.. أنت على اتصال وثيق بها الآن.. فليكن في معلومك أن هذه الأرض شحيحة الماء، لأن موسم المطر قصير وشُحُّهُ أمر مألوف وكرمه نادر، ولأن طبقة الكلس لا تستطيع أن تعض على الماء ولا أن تمنعه ثقوبها..»
· أحسست بالحرية.. طال الزمن رغم أنني رأيته قصيراً.. رأيت عالماً من الصراعات تحت الأرض.. رأيت صورة كاملة في جوف الأرض لما هو فوقها.. لم يغير نور الشمس كثيراً من مبادئ الصراع والبقاء للأقوى.
بقي القانون هو القانون.. قانون الغاب فوق الأرض.. وقانون الغاب تحتها.. هكذا رأيت، أو ربما هكذا أرادني محدثي أن أرى.. فهو كما عرفت يقرأ أفكاري ويغذيني بما يريد أن يغذيني به من صور.. ربما تلك هي صوره وأفكاره لكنها كانت تأتيني وكأنها ملك لي، وما كنت أستطيع أن أميز فيما إذا كانت ملكه أومن صنعه، أو ملكي أو من صنعي..
· كانت كلماته هذه المرة أقل تكراراً من المرات السابقة، وكأنني تلقيت منه رسالة تعدني بأن يُقِلَّ في الكلمات ويكثر من المعاني، ولكنني لم أكن أستطيع أن أتلقى منه كل شيء فكان يضطر لتلقيني الكلمات الرئيسية في الموضوع الذي يتحدث عنه ومن ثم يترك لي حرية انتقاء المعاني الناقصة في الفراغات التي كانت تبدو عمياء في بداية الأمر…
· قال محدثي:
«كنا قلة من الأولاد، فقد ماتت الأجساد من كثرة ما ارتوت من الساقية، ومن قلة ما نالت من غذاء منَفِّر.
كان لي صديق، طفل مثلي، وهو الوحيد الذي كنت أخشى أن يصبح ذا عينين أكبر حجماً، وذا منكبين أكثر ضخامة وذا شعر أكثر جدولةً وطولاً وذا ابتسامة أقوى على الاختراق.. فقد كنت أنا ابن حرام، لكنه كان هو ابن سِفاح.
كانت أمي ذات الثدي المترهل والجسد الأنحل تزجرني عن اللقاء به، كانت تكرهه لأنه كان يذكرها بتجارب الحياة الخطأ، أما أنا فلم يكن الأمر يهمني بشكل أو بآخر.
تذكر أنني قلت لك أن الكثيرين من أترابي كانوا من غير آباء، وحتى من غير أمهات.. ولذا فربما يكون أكثر ستراً أن تتم مناداة الأطفال بألقابهم دون الاقتراب من أسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم.. وهذا أحد الأسباب المائة التي جعلتني أفضل أن لا أقول لك اسمي وعليك أن تعرفه وحدك.. وستعرفه عندما أنتهي من حكايتي لك الآن وأنت جزء من الأرض من خلال صخرتك وقدميك وغصنك.
انظر إليّ وأنا صغير ينطق بكلماته الأولى ويرى الدنيا رمادية ويخترق الزمن بصحبة رفيقه المماثل المنافس، يمضي بساقين شمندريتين في الساقية يحفر بهما ويعفر كالكلاب بحثاً عن درنة أرضية يبتلعها فجة بترابها..
كنت أعلم أن تِربي هذا، ابن السِّـفاح، لن يبقى، فهو أكثر إغراء لوجود نوع أكثر قوة من الدبق غير المنظور يشد إليه تجار البشر.»
· ازددت غرقاً في قدميّ، وازددت ملامسة لإيقاع الصخر، وازددت تمسكاً بالغصن العطش..
«عربات تجرها الخيول القذرة مرت من أكواخنا وساقيتنا، ونهبت بحوافرها ودواليبها أرضاً قفراً يباساً.. ونهبت الأمهات آخذة بقايا أبناء أرحامها، ولم يبق سوى الباقين على مقربة من الموت والمخبّئين بين الشقوق، وأنا..
أخذوا صديقي ابن السِّـفاح ليبيعوه بورقة ملونة، وليعمد أولائك الذين اشتروه إلى إضافته لتعداد الدواب التي تعمل في حقل أو في شق أرضي أو تكويم قاذوراتهم، أو حتى في تقليم حوافر دوابهم أو تقليم أظافر زوجاتهم بعد شطفهم بماء كثير مثل الماء القليل النازل من فوق في المواسم النادرة..
غاب قريني.. غاب الكثيرون.. ذهبوا إلى من يقصون الشعور ويسبحون بالماء.. ويأكلون من الشجر ومن حشو البهائم. ذهبوا إلى عند من يقرؤون كتاباً ويرقصون على الأوتار، ويأكلون بملاعق الذهب، ويملؤون الكؤوس الزجاجية ويطرقونها حتى تُزبد.. وإذ كنتَ تسألني كيف أعرف كل هذه التفاصيل عنهم، وأنا كما قلت لك أدرك أسئلتك من غير أن تطرحها، فتفاصيل حكايتي قادمة تبرهن لك على أن هذه الكلمات التي تسمعها مني لا تمثل إلا جزءاً زهيداً من المعنى وهي أسوأ أنواع الاتصال كما قلت لك.»
· عيناي غائمتان، وشعري منتصب، وقدماي وظهري ويدي اليسرى ثابتة في وصلات أقطابها مع الأرض.. وعندما كان محدثي يتحدث لم أكن أسمعه عن طريق أذني، فهما لا تعملان.. كنت أسمعه وأرقبه وأحس به عبر الصخر والنبتة والتراب..
«ليكن لديك ما تريد! .. هذه الأشياء الملموسة هي حبوب الهلوسة، التي جعلت من البشر ضباعاً، أو جعلت من مشيمات أمثالي شهوة في فم الضباع.. ومن ثم في خلاياهم النهمة…
أخذوا صديقي ابن السِّـفاح.. ولا تظن أنني بكيت لذلك.. فلم يكن هناك فرق، بل ربما أنهم أخذوه ليطعموه القليل ويدقون عنقه حتى يعمل الكثير، بأشد ما تصبره الحمير، لكن ما الفرق أيضاً؟..
هنا ستمر السنوات عجفاء ضريرة، وهناك ستمر السنوات حمقاء مجبولة بالقهر والصَّغار..
بقيتُ وأمي، والهياكل الصغيرة وأمهاتهم.. والساقية.. والضباع.. ودواب ضامرة وشوك..
كان الهواء راكداً.. وكان الماء آسناً.. وكانت أرضاً يباباً وبراريَ موتاً وخراباً.. كنتُ عَطِشاً وكانت الأرض عطشى وكانت أمي عطشى حتى اليباس، وكانت العظام تنتشر في كل مكان.
ومع كل ذلك فلم يكن يهمني شيء.. فقد كانت(التابعة) تكبر في داخلي حتى تلف العالم كله..»
· غاب صوتُ محدثي، ونامت أذناي وعيناي.. وبقيت أسمع أصوات الجثث قادمة من جوف الأرض.. وبقيت أشم رائحتها حتى العمق الأبعد.. وتملكني المشهد الخراب حتى أضحيت جزءاً منه.
«قل لي، هل تراني؟.. بلون الأرض هَلاّ تراني..!..
ضائع وسط البراري.. أداري ما أداري.. سلسال الموت جاري.. يأكل في إزاري، يغلق الأجداث من جوارٍ لجوارِ..»
· أصبح محدثي في داخلي.. وأصبحت أنا أجوفاً كصدى الطبول، أجاري، وأسير مع مشهد الأرض الضياع..
«أرض هي النار من غير وَقيدٍ، وهي الموت من غير غرق أو حريق.
وهكذا يا صديقي بقيت أنا مع ذلك العالم من غير أحاسيس.. أعلم أنك في غاية التعب، وهو تعب لا تحس به طالما أنت على هذه الحال، ولكن لابد من أن أنقل إليك ما تبقى من ذلك المشهد قبل أن أغادرك اليوم.
في ذلك الوقت كانت كلماتنا معدومة أو شبيه ذلك، فالحال يفسر نفسه، والكلمات لا تجدي نفعاً، وصلة الأنفاس والأعماق قوية ولذا فقد كنا نفهم بالأعين، وفي كثير من الأحيان بدون أعين ولقد تحدثنا كثيراً ونحن بعيدين عن بعضنا وبدون كلمات..
وكان حديثنا حديث صدق قادر على نقل ما بأنفسنا بشكل يفوق الكلمات ألف مرة..
ذلك المشهد يا صديقي كان من الطبيعي ومن طبيعة القوانين الفيزيائية التي تعرفونها كبشر أن ينتهي إلى فناء.. وكان كذلك هو الأمر..
ولكنني لا بد من أن أشير إليك إلى أن بعض البشر القلة قد ناحوا يوم الولادة وأقاموا الزينة والاحتفالات يوم الموت، وهم في ذلك أكثر منكم استيعاباً لما يجري، وأكثر فهماً لحقائق الأمور..
ولأقرِّب الأمر لك، فإن الرضيع يبدأ رحلته الحياتية بالصراخ وهو في ذلك يعبر عن حقيقة المجيء للكون، وعندما يموت الرجل يكون الزفير آخر أنفاسه، والزفير، لوجربته بوعي فسترى بأنه يعبر عن الارتياح..!
وهكذا كان يا صديقي، بقيتُ وحيداً، وأنا لا أكتمك أن وحدتي كانت قاسية.. وتمنيت من كل أعماقي، وبكل وجودي، لو أنني كنت مكان ابن السِّـفَاح ذاك..»
· ساد صمت كصمت تلك الصحراء، وتجمد المشهد أمامي بكل تفاصيله، حتى لكأنني رأيت نفسي مكان ذلك الصديق، وحيداً ضائعاً مخبولاً، وكل غربة الوجود في داخلي..
بقيت زمناً طويلاً أجاهد كي أفك التصاقي بالحجر، وأفتح قبضتي من على الغصن، وأخرج قدمي من دبق الأرض اليباس..
عندما فتحت عيني.. كانت الدنيا مظلمة، ولم يكن صديقي بجانبي..
* * *
(6) الرؤية الجديدة
· الليلُ، يا ليلُ يأتيني قابضاً على الشمس مغيِّباً إيّاها وراء طبقات العتمة، وأنا أنتظر صديقي ومحدثي عند الصخرة والفلق والشجيرة، أعض على أنفاسي كي لا تهرب دون أن تعود، وأرمق عند المغيب، والمغيب بمثابة فجر لي، أرمق المدى كي يأتي محدثي عريض المنكبين مجدول الشعر ضخم العينين غائرها، ويتابع رحلته الراحلة الماكثة..
وجدتني أستند إلى الصخرة مجدداً بلحمي، وألامس التراب حافياً، وأمسك الغصن بيد عارية.. ثم أطيل أنفاسي وأسبل أجفاني، وعندها أحس بيد صديقي محدثي ترتاح على كتفي، وأسمع صوته هزيماً ممطوطاً:
«ابقَ كما أنت، وستبقى يدي على كتفك، فأنا سأرتاح بذلك، وأنت ستحس بالأمان.
ارسم في رأسك صورة الصبي الباقي من غير رائد ولا مؤنس، من غير طعام أو شراب.. من غير ثياب.. بل من غير جلد طري يحميه الوهج والسموم.. الصبي الذي طالت قدماه واستطالتا وقستا لتبحثا عن جوف يشع بعض الرطوبة..
ولتستريحا عندما تقتفيان آثار نبات حتى لو كان شوكياً..
كنت أزحف حتى الساقية الذابلة.. رائحتها هي الوحيدة التي تشيع في الأنحاء، وديدانها هي الوحيدة التي تحيا، وقيحها هو الوحيد الذي يتراكم..
الموتُ يأخذ كل شيء.. ابتلعَ الصبية وتركهم جثثـاً مكشوفة للذباب، كما ابتلع أمي.. ولم يكن لديّ ما يكفي من القوة لأحمي جسدها لا من الضباع، ولا من الذباب.. ولا من العفن..
أضحيت وحيداً في صحارى ممتدة من الفناء..
هكذا كنتُ أرى !..
لكنني عندما استسلمت إلى جانب الساقية، وأنا مثلها، في حالٍ من عبور جسر بين الحياة والموت، حدث تحول خطير في داخلي بعثته الرؤية الأعمق للحياة والموت..»
· تحولت يد محدثي المرتاحة على كتفي إلى قبضٍ كشُعب شجري متوتر، فاشتد غياب كتفي بين أصابعه.. كانت عيناي مغمضتين، أشم أنفاسه ويأسرني صوته..
«ما عدتُ أرى الموتَ مخيفاً ولا شبحاً ولا مجهولاً.. أصبحت أراه برؤية ليست عينية ولا ذهنية، إنما في آفاق أخرى لا تأتي البشر إلا وهم في حال التحول ما بين الحياة التي تعرفونها والموت الذي تتحدثون عنه كثيراً ولا تعرفونه..
لم يعد الألم ألماً، ولا الخوف خوفاً، ولا الجوع جوعاً،.. أضحى الأمر مختلفاً.. ولأن لغتكم قاصرة عن التعبير فإنني أسوق لك مثالاً، والأمثلة هنا أيضاً لا تعطيك المعنى كما قلت لك، ولكنها قد تقربه إليك.. والمثال هو أن الموت مثل سيارة تراها تهاجمك بعناد فتجري حتى الإنهاك وعندما تستسلم، ترى نفسك في داخلها بدل أن تكون تحت عجلاتها.. فتصبح مشدوهاً سعيداً غائباً عما حدث بلا إذن منك..
هذا التحول جعلني أرقد بجانب الساقية، رائحتانا تمتزجان.. نتبادل المؤثرات، وتنشأ بيننا لغة أخرى للإتصال، ثم نغيب في الزمن، ويغيب الزمن فينا.. فتمر الأيام والأشهر، وربما تمر سنوات قليلة.. مرت حالات من الركود والسُّباتِ معروف بعضها لدى علمائكم..
هل سمعت عن الطبيعة التي تشفي نفسها؟!.. سؤال إجابته موجودة لدى الكثيرين من البشر.. أسوق لك هنا أمثلةً كالمطر وأنا سعيد بأن أنقلها لك، وهي ستساعدك على فهم حالة التحول التي حدثتك عنها:»
· تحول صوت صديقي إلى صوت شهرزاد وهي تحكي بحب ورفق وحنان تحاول امتصاص نقمة شهريار على النسوة الخائنات.. ربما أراد صديقي أن يمتص حقدنا على الموت..
«إنها أمثلة بسيطة للغاية تراها كل يوم: الجرح يلتئم من نفسه.. أليس كذلك يا صاحبي.. ليس عليك إلا أن تتركه نظيفاً.. والشاة عندما تمرض، وليس لديها عقل في دماغها، بل كل ما لديها فطرة تسوقها، هذه الشاة تبحث عن عشبة معينة تساعدها على تنشيط قدرة الحياة لديها، تلتهمها.. ثم ترقد في صيام.. ثم أنتم أيها البشر العاقلون بعد آلاف السنين من الطب والعقاقير بدأتم ترون الأمور من زوايا جديدة، فالطب الوقائي أضحى أكثر أهمية مما سبق، وأضحت الأفكار تقوم على أن مساعدة الجسم كي يقاوم المرضَ أفضل بكثير من مقاومة المرض بدلاً عنه.. أصبحتم تعمدون إلى إيقاظ الزوايا المعتمة في دماغكم عن طريق التأمل لكي تدير شؤون الدفاع الذاتي ضد المرض.. أصبحت الرائحة علاج، والتدليك علاج، والخيال علاج، والإيحاء علاج… بل أصبحت الأفكار القديمة التي كنتم ترونها شعوذة، أصبحتم تدققون فيها وتعيدون النظر، بل وتحيون أساليب كانت ممجوجةً لديكم لأنها كانت في إطار المجتمعات البدائية الغبية.. التي لم تكن تسير بعقلها، بل بفطرتها.
هذه الأمثلة التي سقتها لك، هي أمثلة بدهية الآن، بل وربما تراها ساذجة، لكنها في العمق يا صديقي.»
· صمت محدثي العملاق الذي أراه دون أن أفتح عيني.. صَمَتُّّ حتى رأيت الزمن يهيمن على الصبي في سباته ممتد اليد للساقية التي هي أيضاً في سبات..
سمعته يتابع حديثه مجدداً..
«أعلم بأنك لم تدرك العلاقات التي أقصدها تماماً، فلغتكم قاصرة كما قلت، وعقلك قاصر أيضاً، لأن مجريات الأمور في الحقيقة ليست على مستوى العقل..
قل لي هل يستطيع أن يدرك عقلك كيف حدث وأن أحست أم بابنها ساعة الشدة وبينهما ما بينهما من المسافات؟.. قل لي هل يستطيع أن يدرك عقلك كيف تتواصل البشر دون أن تدري فترى فجأة شخصاً أمامك بعد أن خطر في بالك؟.. وكيف يمكن أن تتلقى رسالة عقلية من شخص آخر على بعد هائل منك.. كيف تجري الأحلام بإيحاءاتها.. كيف يحرك إنسان جماداً عن بعد بقوته الذهنية؟.. كيف يقرأ بعض البشر أفكار الآخرين على مسافات بعيدة؟.. ليس عندكم جواب شاف تقتنعون به؟.. ولكن عندي بعض الأمثلة التي أسوقها إليك.
عندما اكتشف الإنسان موجات الراديو قال الآخرون إن في الجهاز شيطان.. ولكنها حقيقة.. أشعة كثيرة تم اكتشافها أدت إلى اختراع الهاتف النقال والاتصالات عن طريق الأقمار.. علماؤكم يقولون الآن أن لكل جسم جاذبية، ولكل جسم موجة.. ولكل ذرة موجة، وتحتك هذه الأمواج ببعضها.. ومن أجل الاكتشافات الأعظم علينا أن نميز أمرين أولهما أن نميز بين هذه الأمواج، وثانيهما أن نجد طريقة للتوليف على هذه الأمواج، أي للتناغم والتوافق مع هذه الأمواج.. هكذا اكتشفتم أمواجاً وولّفتم عليها وطبقتم ذلك العدد الكبير من الأجهزة..
كل هذا تعرفه!.. ومع ذلك أقول لك، وأنت توافقني أنكم ما أوتيتم من العلم إلا قليلاً.. نقطة في بحر،.. وهنا يأتي سؤالي الحاسم.
ما الذي يمنع كشف موجات أي شيء، وبالتالي كشف كل شيء؟ كشف موجة نيرون، وهرقل، ونوح..؟.. وما الذي يمنع كشف موجة الحيتان.. والبترول الدفين.. وموجة الشموس والأقمار.. والماضي والحاضر.. والحياة والموت؟.!
هل تراني بعد أن سقت إليك بعض الأمثلة، التي ما زالت ضحلة، هل تراني أتحدث عن عبث عندما أقول لك.. إن الصبي الراقد في مرحلة سبات وتحول بجانب الساقية.. قد أخذ في معركته جانب الصبر دون أن يدري بعقله.. وعندما ارتاحت الساقية من إلقاء السموم الإضافية فيها صارت أكثر قدرة على الشفاء والإشفاء؟..»
· هزني محدثي.. وكمن كان يبعث فيّ الاستيقاظ رويداً رويداً..
قال محدثي بحب وسعادة..
«يا صديقي، الساقية الذابلة تتحول إلى جدول ذي ماء نمير حتى لو كانت مليئة بالسموم والأوساخ شريطة أن لا يضاف إليها ما يثقلها وكذلك الجسم وكل شيء.. إنه الشفاء التلقائي..
لا تنس يا صديقي الشفاء التلقائي.. وهو خير أنواع الشفاء.»
· ساد صمت مطبق..
ما عدت أسمع صوت محدثي… ما عدت أحس بيده فوق كتفي.. أخذت أنفاساً عميقة.. فتحت فمي للريح.. فتحت عيني.. لم أر صديقي لا أمامي ولا خلفي..
علمت وقتها أن قصة الصبي و الجدول ستدخل مرحلة جديدة، ولن أسمع عنها حتى اليوم التالي..
* * *
(7) الاختطاف
· هرعت إلى المكان أسابق الأرضَ ودقاتِ القلب.. لم أنتظر حتى يأتي صديقي ومحدثي. أسلمت ظهري للصخر ويدي للغصن وساقيّ للتراب. أغلقت عيني وانتظرت. لامستْ يداه كتفيَّ الاثنتين. لم يفاجئني الوضع، بل أراحني..
· لم أقل كلمة، بل عضضت على شفتي و أنا أرى الصغير يتحول متصلاً بالجدول رويداً رويداً. إنه، وهو على اتصال، يزداد متانةً وعمقاً، ينتشي ولونه يعود بخلطته شيئاً فشيئاً، ينتشي حسبما ينتشي الجدول، ينصع بالنظافة قدر ما ينصع الجدول.. ربما دامت فترة الاستيقاظ بضع سنوات لكنها كانت تسير بثبات..
عندما بدأ جفنا الصبي ينشقان من جديد ويتبين بعض الذي يجري.. راح يحس بنبضات الأرض وخفقات الماء وانتشار عواطف وتناغمات الجنبات القريبة منه..
· يدا محدثي على كتفي.. وكنت أرى الصبي.. تختلط الأصوات تحت أدمتي.. وصديقي محدثي يحدثني عن الصبي، وصوته لا يمر عبر أذني بل كنت أسمعه عبر كل سطح يلامس الهواء. وهكذا كنت أرى الصبي من خلال صوت محدثي الذي يدخلني من أي مكان.
«ترى يا صديقي بأنك ترى من غير أن ترى كما يرون.. وتسمع يا صديقي بأنك تسمع من غير أن تسمع كما يسمعون..
ولذا فإنك ارتقيت إلى المرحلة الأولى من الارتقاء.. ولذا فإنك أصبحت أقدر على التواصل خارج نطاق أسلوب التواصل الذي عهدتموه أنتم البشر..
وأنت مازلت في البداية.. أعلم أنني أزجك في فلسفات قد تمطنا داخل الزمن.. لكن ماذا يهم والزمن لدينا لا يهم!..
أنا أحبك يا صديقي.. ومع ذلك فلن أقول لك اسمي، فأنت الذي ستعرف.. وستكتشف أنني محق في ذلك.. لقد أصبحتَ أقرب إلى المعرفة!..
أنت الآن تشاهد الصبي يتحرك وساعده غارق حتى الإبط في الجدول الذي ينتعش.. العشب ينمو.. البيض يفقس.. البذور تنتشي وتنتش تجسّ التراب فيذوب فيها.. تمتد خيوط بيضاء تحت التراب ثم تقصد العُلا والنور والهواء.. ينطلق تزاوج الأشياء، وتكثر الأعراس.. والأعراس، ليس التي تعرفونها كأعراس، بل هي حبات الطلع تبحث عن مياسم واللقاحات تبحث عن بيوض وموجات الماء تبحث عن انحلالات التربة، وأشعة الشمس تبحث عن وريقات خضر، ووريقات خضر تبحث عن فحم الهواء، وبخار ماء يبحث عن شمس وريح، وغيم منفوش الأرجاء يبحث عن طبقات باردة.. وحبات مطر تبحث عن مسارب تحت الأرض.. وينابيع تبحث عن مجرى.. وجداول تبحث عن جذور الحياة وكل شيء يجعل من كل شيء.. وكل شيء يتحول إلى كل شيء.. وهكذا ينتشي الطفل عندما تكثر الأعراس، وتكثر الأعراس عندما ينتشي الطفل..
كنت أعلم يا صديقي، أنه رغم النسيان لا أستطيع أن أنسى، فكما قلت لك ماضيّ هو في حاضري.. وحاضري هو بذور مستقبلي ولا فرق عندي بين الأزمنة.. بل هي كلها زمن واحد.. كان وقت استيقاظي من هجعتي هو استيقاظ لرؤيتي لأمي التي غابت إلى عالم آخر.. ولأبويَّ الذين اندثرا إلى عالم غير هذا وإلى عالم غير عالم أمي.. ولِتربي ابن السِّـفاح الذي ذهب إلى حضن النخاسين في مستوىً آخر من الصلات..
وهكذا امتزجت النشوة برائحة الجثث العتيقة، وخضرة الأرض بيباس الصحارى، وجريان الجدول بمضاء المصير.
وهكذا تخرج الحياة من رحم الموت كما تسمونه، كما خرج الموت من رحم الحياة.. وكله يخرج من أرحام كله.. وهذا هو الذي أسميته تحولاً وانتقالاً.
تحركتُ صبياً وتحسست العشب حولي.. رأيت النمل يسعى، والعصفور ينط ويزقزق.. والسمك يتقافز خارج الماء.. الشاة تثغو.. والجدي يراقص أذنيه.. صوت كلب ينبح مستبشراً يأتي من خلف سيقان طرية تمتد وتتقارب.. تكثر موجات النسمة، وتختلط بأصوات تقاطر الشلالات الصغيرة.. أصبحتُ في واحة فرحة.
غير أن الواحة نسيت اليباس والتقرح وعرفت وجودها من خلال أعراس الفرح.. أما أنا، الصبي ذي الألوان الأربعة الممزوجة، بقيت ممزوجاً في الماضي ضمن الحاضر.. وهذا هو فرقي عن الآخرين.. كان هناك شيء في رأسي يجعلني أرى ما يجري.. والهم الأكبر هو أن ترى ما يجري، لا أن تعيشه! ..
كان عليّ أن أسعى.. كالنملة، وأن أرى كالصقر، وأن أجري كالأرنب.. وأن أغني كالعندليب، ثم كان علي أن أتعب وأبتئس كالسجين..
ذلك لأنني كنت وحيداً.. لا أستطيع أن أعاشر ولا أن أتزاوج فالمتعة هي في أن أربو وأتربرب وأكثر وأتكاثر.. ورحت أسأل نفسي كيف يجد النمل نملاً، وكيف يجد العصفور عصفوراً، وكيف يجد البشر بشراً..؟ !..
طغى عليَّ حزن حزين.. رغم أن الحزن قد انتفى عن الجدول وعن إيقاعات الحياة..
صرت في واحة كل الذي فيها رائع.. إلا أن الذي كان في داخلي هو حزن أصفر فاقع.. أنتم تقولون أن الجنة بلا ناس..
أنا أقول إنه لا توجد جنة بلا ناس.. ولكن أين هم؟..
· شد محدثي على كتفي وهزني..
«اغرق في رؤياك ورؤيتك!.. اغرق أكثر لتراني صبياً في واحتي، وحيد العظم.. كئيباً في السعادة حتى جريان اليرقان في الأنفاس، وحتى زبد الجدول في شعاب الرئات، وحتى نفايات الديدان في خثرات الدم..»
· شد محدثي على كتفي ثانية..
«إلى أن شممت رائحة غبار صحراوي، ورأيت أخضر الواحة ينكمش ويتخافى وراء بعضه البعض.. ثم يظهر بعد مجموعة من الهياكل على شكل البشر.. وإذ بي أفرح وأخاف..
أنا الآن لا أفرح ولا أخاف.. ولكنني وقتها كنت صبياً أفرح وأخاف..
رأيت كما يرى الحالم.. وما يراه الحالم قد يتحول فحواه في لحظة رأيت كتلة بشرية عددها بين أصابع اليد واليدين
تُقبل وتقترب باتجاهي بالتحديد..
قلت: لعلهم يريدون ماء أو غذاء.. لعلهم يريدون راحة بعد شقاء..
لعلهم يستدلون الطريق، أو لعلهم يريدون المحبة والنقاء!..
كانوا يقتربون مني.. عيونهم مسمرة في جسمي.. كلهم ينظرون ويبحلقون..
اقتربوا، ثم أحاطوا بي.. لم يبتسم أحد منهم.. لم ينطقوا، لم يسألوا.. بل ضيّـقوا الإحاطة.. رأيت نفسي في دائرة تضيق.. ولم أتبين في وجوههم عرساً لي قادماً.. بل رأيت في رأسي ابن السِّـفاح عندما أخذوه.. ورأيت أمي عندما غابت، ورأيت كل الذي مضى في الذي يمضي!..
اقتربوا أكثر.. كانوا صارمين.. لا ذكوراً ولا إناثاً.. لا أعرف سوى أنهم متشابهين في تقاطيعهم وأشكالهم التي لا تحدد مصدرهم ولا تحدد مقصدهم..
لماذا أنتم أيها البشر تفاجئون أنفسكم بالسكاكين بدل الورود؟
ولماذا تقطعون حبال التواصل وتلغون أعراس المحبة.. وأنتم الوحيدون الذين تولغون في دماء بعضكم.. الخفاش يمتص دماء الآخرين، ولكنه يطعم أمثاله..
اقتربوا أكثر الأكثر وألقوا فوق رأسي شبكة وقيدوني ثم ساقوني بينهم وعادوا من حيث جاؤوا محملين بغنيمة هي أنا.
قال أحدهم لآخر:
ادمغوا على جبهته الرقم التسلسلي المكشوف، وادمغوا على إليته ملكيته ومصدره.
وقال آخر لآخر: عيناه واسعتان جميلتان، وجسده قوي، إلا أن شعره قصير أجعد.. سرحوه وأطيلوه إلى أن يصل ركبتيه، ثم زينوه.. فقد نستطيع استبداله بمدفع!..
وهكذا يا صديقي ترى أن عرس التزاوج في واحتي أصبح خلفي.. وإنني أصبحت أسير في صحراء جديدة هي من صنعكم أيها البشر.. لا تقل وداعاً.. أبداً لا تقل وداعاً.. فهناك دائماً لقاء قادم..»
· انفك محدثي عني.. وسمعت خطواته تبتعد..
أخذتُ أنفاساً طويلة.. لكن عيناي بقيتا مغلقتين وأنا أرى محدثي يغيب والرعب يملأ ملامحه التي تتحدث عن عصابة تسرق الأطفال الأشقياء والسعداء.. تبحث لهم عن شقاء من نوع آخر.. أخذتُ أنفاساً طويلة عميقة..
ابتعدت عن الصخرة والغصن.. حركتُ قدميّ ورفعتهما بالتناوب..
فتحت عيني… لم أر أحداً أمامي، لكن أنفاسي كانت ما زالت طويلة عميقة! ..
* * *
(8) بئر الصحراء
· من أجل أن أبدأ رحلتي مع الصبي في الأمسية التالية لم أكن بحاجة لانتظار صديقي ومحدثي، فقد التصقت بالصخرة العملاقة كالعادة وحفرت لقدميّ عمق قدم في التراب وأمسكت الغصن المبرعم بيدي اليسرى القريبة من قلبي، وأغمضت عيني وأخذت أنفاسي الطويلة العميقة المسترخية، عددت أنفاسي، ومررت على ملايين الخلايا الموزعة في جسمي إلى أن أحسست بساعدي صديقي ومحدثي تتجاوزان كتفيَّ وراحتيهما تستندان إلى نقرة رأسي الخلفية فأحس بأنفاسه تمر فوق صفحة وجهي! ..
«ذلك الصبي الذي تداخلت الحمرة في اصفراره بعد أن استفاق والجدولَ المعافى وحيداً.. وبعد أن جاءته الوجوه المتماثلة المخططةَ بثنيات الجلد، وأخذته مقيداً وقررت أنه مفيد، صار صبياً مقيداً للبيع، وجهه شهي ولحمه طري وزنده قوي.. عريض المنكبين غائر العينين خارق المزايا.. يستحق أن يباع بأثمن الأعطيات.. شبابه طويل، من قبيلة الغابات التي تم اصطفاؤها وتجاوزت كل اختبارات السموم والمجاعات وصبر الحياة والممات..
لأقل لك يا صديقي، وأنا دائماً أقول لك ما في عمق العمق، وفي عالمي لاشيء اسمه الكذب ولاشيء اسمه الغش.. هذه أشياء اخترعتموها أنتم البشر من أجل أن تصطادوا بعضكم بعضاً..
لأقل لك يا صديقي أنني وجدت في داخلي فرحاً تحت اللحاف وهم يأخذونني.. فأنا كما تعلم لا أخاف، لا من الجثث ولا من الموت ولا من أقل من ذلك أو أكثر لأنني أرى أنها أمور عادية في عالمكم ولذا فقد كنت أجد أيَّ بُعدٍ آخر في الوجود ربما يكون أفضل.
بل وجرت في داخلي فكرة فيها مكر لذيذ.. فربما يكون هؤلاء لقاء وريقات مالية، قد اصطادوني في عرفهم.. وربما يكونون قد وضعوا أنفسهم مكان الصيد بدل الصياد.!..
هنا لا بد أن أوضح لك شيئاً وهو أنني أفكر بطريقة مختلفة، ليس بمعنى أنني أرى الأشياء مختلفة وحسب، بل أيضاً لأنني لا أفكر بدماغي كما تفعلون، أو على الأصح لِنَقل أنكم تعتقدون بأنكم تفعلون.. أنا أفكر بكل خلية لدي ربما بجلدي وبساقي وبكبدي وبماضيَّ وبمستقبلي.. أنا لا أفكر من أجل هذه الأشياء بل هي مركبتي للتفكير.. أنت ترى الآن أن لغتكم التي أستخدمها أنا وأنت لا توضح الفكرة جيداً ولذا حاول أن تسمعني وتفهمني بطريقة أفضل!.. بطريقة تختلف عن أسلوب الكلمات.. تابع استرخاءك واقرأ ما بخلاياي وسيصلك المعنى بطريقة أفضل..
استرخ أكثر.. كن مكاني.. واقرأني…»
· أسدلت أمامي ستاراً أسودَ يملأ العالم ورحت أتبين تفاصيله، فرأيت أن الكون واحد، كله يؤثر في أجزائه وأجزاؤه تؤثر في كله.. ورأيت أن كل خلية وكل خلية في الخلية تحمل كل الصفات وكل المورثات وكل الزمن..
سمعت صوت صديقي.. الذي أضحى صاحبي أيضاً.. سمعته يؤكد قائلاً.. وكأنه يرى كل الذي بداخلي..
«ها أنت تصل إلى شيء، ها أنت تراني جزءاً من العالم وترى العالم جزءاً مني.. وبذا يمكنك أن تدرك أنني شيء ما اسمه حركة الكون الشاملة.
ولذا فما كان يهمني أولئك الذين قيدوني ورفعوا سعري فاعتبروا أن صيدهم كان ثميناً.. ولذا فقد عرفت أنني سأخرج قريباً من صحراء أعاني فيها الوحدة والوحشة والاغتراب وأدخل ربما في باب قصر..
بالنسبة لي حضن أمي وفيه رائحة روث البقر وريش الدجاج وخل الساقية.. أمتع من القصر وروائحه.. بل لأكن منصفاً فكلاهما عندي واحد..
ولما كنت أعلم أنني ابن حرام بعرف النسق الاجتماعي، فإنني لابد أن ألتقي بأبناء حرام مثلي عاشر الرجالُ أمهاتِهم بعيداً عن أعين الأزواج.. وأنتم تقولون مثلكم الشهير أن الطيور على أشكالها تقع.. وربما أنا أقول إنه لو حالفني الحظ فإنني سألتقي بصديقي الصغير الذي سرقوه قبلي ابن السِّـفاح..
وأنت لا شك تدري والكثيرون يدركون أن ابن السِّـفاح هو ابن أتى نتيجة المعاشرة بين الأقارب والقريبات المحرمات ولذا فهو ابن حرام بدرجة أعلى.. ومثله أيضاً كثير العدد.
انظر إليَّ أسير مقيداً، أسير بين الآسرين، بلا مداس يعزل ساقي عن الرمال..
انظر إليهم يركبون العربات ويمتطون الدواب وينتعلون الجلود السميكة.. ومع كل ذلك فقد كنت أحس أنني أكثر منهم قوة.. وعلى وجهي ابتسامة ربما يحسون بها تعضّ وجوههم..
قل لي يا صديقي: لو أنك أحسست بتلك القوة ألا تبتسم مثلي.؟!
قل لي يا صديقي: لو كنت يافعاً تحس بأنك رويداً رويداً تقهر جلاديك أفلا تحس بالفرح المخفي مثلي؟!..
هكذا كنت أنا ملكاً فقيراً مقيداً يجتاز صحراء رملية شائكة مع قيوده، وخطوطهم الصارمة في الوجوه..»
· سألته وليس من عادتي أن أسأل كثيراً: هل استطعت أن تدخل إلى داخلهم وتقرأ ما فيه؟..
«يا صديقي فلتكن رؤياك دائماً عامة!.. لا تنس أنني كنت صبياً أحس بقدراتي وعيني المزروعة في كل خلية لدي، لكن الأمور كانت مازالت طفولية.
عددتهم فكانوا سبعة، وجوههم صارمة، صيادون متمرسون، اعتادوا على شواء الجوارح، يبحثون عن القوة من خلال المال والغرائب..
الشيء الهام الذي ما ميزته وقتها بشكل مؤكد هو فحولتهم أو أنوثتهن.. الشعور نصف طول والصدور نصف بروز والكفل نصف اتساع والكتفان ضاعا في مشية خنثى.
ولذا فإنني ما عرفت وقتها كيف سأبدأ معهم الحكاية فلكل من هذين الجنسين طباعه التي أريد أن أجتازه من خلالها.. جهلي ذاك كان نقطة ضعف شديد لدي.
صوتهم يحمل الصدى، ولا يمكنك التمييز وقتها فيما إذا كنت تسمع الصوت أم تسمع الصدى....
قل لي يا صديقي!.. هل كل ما لديك هو طباع الذكورة أم طباع الإناث؟!..
لا تُجِب بطريقة كلماتكم، وحاول أن تجيبني بطريقة أفضل..»
· هزني السؤال.. هزني السؤال. وهو طعن بذكورتي فيما اعتقدت.. أجبته مبادراً.. بنبضة تقول: إنني ذكر!.. وفي الحال تلقيت جواباً غريباً بالنسبة لي ومألوف عادي بالنسبة له: تساءلت في داخلي عن ذلك الصبي كيف كان يرى نفسه وكيف كان يراه نخاسوه؟!..
ثم عدت إلى نفسي وتساءلت: هل الرجال هم أصحاب الشعور في الذقن والضخامة في الصدر وصلابة العروق في النحر، والصوت الأجش بين الناس؟.. هل النسوة هن أصحاب بروز المقدمة والعرض في الحوض والنعومة في أوتار الحلق؟.. هذه الأوصاف ربما اختلطت كثيراً وغلبت الفوارق بين الكثيرين.. بل إن الفوارق قد تتجاوز الذكورة والأنوثة إلى صفات تخرج عن الصفات البشرية بالكل.. فكم من رجل ذئب!، وكم من رجل شاة، وكم من رجل تحت النساء! .. وكم من امرأة تناطح أبطال العضلات بالعضلات! ..
«لا تفكر كثيراً.. كثرة من الرجال ليست رجالاً، وكثرة من النساء ليست نساءً.. كثرة من البشر ليست بشراً.. ولتقبل مني أيضاً أن كثرة من الحيوانات ليست حيوانات تقع تحت مصاف بعض البشر..»
· توقف دماغي عن نشاطه تماماً.. إلا ما كان ضمن إطار النشاط العام..
«هذه مسألة كبرى، أو أنكم ترونها كبرى للبحث وأنا اختصرها لك بعبارة واحدة سبق وأن نقلتها لك: كل شيء موجود في كل شيء، وكل شيء قد يتحول إلى أي شيء.. خبر جديد من عالمك البشري ربما لم تسمعه..
قال علماؤك مؤخراً إن الجسم يستطيع أحياناً أن يولِّد أجساماً أو معادن أو أملاحاً لم يأخذها عن أي طريق وذلك عند الضرورة.. أي أن الجسم قد يولد مادة أولية من مادة أولية أخرى بطريقة غير معروفة أبداً.. محققاً بذلك بذرة فكرة حجر الفلاسفة القديم الذي كانوا يبغون عن طريقه تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب! ..»
· صديقي، يا صديقي.!..
«أعلم أنك تريدني أن أتابع رحلة الصبي برفقة النخاسين في الصحراء، ولذا فإنني أعيش معك وإياها.. ولكن لا تظنني في استطراداتي قد ابتعدت كثيراً.. فأنا أذهب مسافة ما في الكلمات لأن: الكلمات كما قلت لك عاجزة، ولم نستطع حتى الآن أن نصل معاً إلى الطريقة المثلى للاتصال.. كما أن هذه الاستطرادات تجعلك تعيش ضمن إطار أرغب في أن تعيشه لكي تقترب مني!..
ذلك الصبي يا صديقي، الممزوج بكل الخلائط سار، وسار كما تراه يسير.. حتى توقف رَكبُ النخاسين وهو بينهم وسط مدى المدى… ولم يكن هناك شيء أبداً سوى بئر قديمة تحوم فوق فوهتها أعداد هائلة مما تسمونه البرغش والبعوض..
أشاروا لي أن أنزل البئر.. فابتسمت وبدأت أخطو نحوه.. لكن أحدهم أشار لي أن أتوقف فجأة..
ألا تراني أيها الصديق الآن كيف أخطو خطواتي وكيف يوقفني أحد النخاسين ويشير لأصحابه كي يربطوني بحبل من تحت إبطيّ ويسلموني الجردل كي أملأه ماء؟. كن معي يا صديقي.. تحدث أنت!..»
· توقف محدثي عن حديثه.. كنت أحس بأنفاسه تغمر وجهي، ثم سمعت وجيب قلبه.. ورأيت البعوض يموج بالأمواج فوق فتحة البئر، ثم رأيته مربوطاً بحبل سميك يضع نفسه ضمن غيمات البعوض ويبدأ في الانزلاق ضمن الفوهة..
- أنت معلق يا صديقي تغيب داخل الفوهة وتنحدر حيث يزداد الظلام من حولك.. أنت تتحسس حائط البئر.. تلامس برودته ورطوبته التي تزداد.. أراك تبتسم وكأنه لا فرق عندك ولا خوف لديك - هو الأمر كذلك لا فرق عندك ولا خوف لديك فأنت تعلم أنك خارج حتماً طالما أنهم يريدون الماء وطالما أنهم يريدون ثمنك! .. تغوص ويزداد الظلام.. وتعلم أن هذه الخلوة المعلقة لن تطول كثيراً.. ورغم أن العمق هائل فإنك لن تخاف.. تملأ الجردل من بين مخلوقات مائية غريبة الشكل ضفادع ليست كالضفادع، وديدان ليست كالديدان.. تشد الحبل.. يرفعونك.. يرفعونك الآن مسرعين فهم عِطاش.. والماء في الصحراء هو الأمان..
«ولكن ماذا برأيك كان يشغل بالي في ذلك الجزء من الزمن؟..»
- أن تخرج ثانية. ! ..
«كلا يا صديقي! .. فأنت تعلم أنه لا فرق عندي ومن يعرف الدوافع يعرف الممارسات ومن يعرف المقدمات يعرف النتائج!..
لم يكن هذا ما يشغل بالي.. ولا هي تلك الحيرة التي لدي.. ادخل معي في جوف تلك الرحلة القصيرة! .. ماذا ترى؟ ..»
· - لا أعرف! ..
«هذا هو الفرق بيني وبينك حتى الآن! .. كان يشغلني السؤال الذي يقول من أين جاءت أم هذا البعوض، وأم تلك المخلوقات إلى هذا الموضع ضمن صحراء يستحيل اقتحامها؟
أنا عندي الجواب! .. فهل عندك الجواب؟ ..»
· فكرت ولم يكن عندي شيء أقوله! ..
«تذكر أنني قلت لك أن كل شيء لديه بذور كل شيء! .. السر هو أنكم لا تعرفون أيها البشر كيف أن كل البذور موجودة في كل البذور.. وقد يلد الفأر قطة في يومٍ من الأيام! ..»
· شدهت.. ولكنني رحت أكثر عمقاً في إغماض عيني..
«ألم تقولوا أيها البشر أن أصل الأشياء واحد.. وأن كل الأحياء جاءت من الخلية الأولى.. !؟ ..
شربتُ أنا أيضاً!.. وفي اليوم الثالث أحاطت الحمى باثنين من النخاسين..
وفي اليوم الرابع ما عادا يقويان على الرحلة.. فورثهما الخمسة الباقون.. بقي الاثنان على ظهر الرمال مكشوفين للضواري ورحل الباقون يصطحبونني غنيمتهم.. أشار أحدهم إليَّ وقال إنه قد أكد لهم أن هذا الصبي الذي نجا من أشهرٍ وسنينٍ من المرض والموت لهو قادر على مقاومة أي مرض، إنه يساوي الكثير. ما كان يعلم المتكلم ولا صحبه أنني كنت قادراً على الانتظار حتى أرثهم أنا في رحلهم وفي نفسي.. وهكذا قاربت رحلة الصحراء إلى نهايتها.. فاستبشر النخاسون الخمسة وبدأوا يقهقهون وهم يمرون بأول بيت وفي يدهم أثمن صيد.. صبي ليس مثل كل الصبيان، بل هو الذي يحتوي في كيانه ذرات كل الصبية الذين نفقوا كالشياه والسواقي.. والذي يحتوى كذلك على كل الصحراء، وعلى كل الذنوب والخروقات والمجاعات والمعاصي والظلم والقهر والاستعباد الأبدي الموجود بين البشر.
قل لي يا صديقي! ماذا ترى فيما لديهم من صيد!..»
· أنا يا صديقي أراك ابن الساقية الذابلة والبئر الآسن تخرج للدنيا.. فكيف لك أن تفهمهم.. كيف لك أن تفهم النخاسين في شؤونهم؟ ! ..
استفق يا صديقي، فقد أطالت عيناك الإغماض، ونعست خلاياك حتى نامت! .. قم لتبحث عن جواب سؤالك وتذكر دائماً أنني قريب منك كل يوم عند المغيب…. عند الصخرة وعند الغصن وعند التراب.. استفق يا صديقي فقد آن الأوان.. والآن هو مثله قبل اللقاء ومثل اللقاء الآتي ......»
· صوته تداخل في الآفاق.. وتثاءب في الأعماق.. حتى ذبت فيه مبتعداً..
· - إلى اللقاء يا صديقي..
فتحت عيني، بدأت أبحث عن أنفاسي التي تبعتها حتى عمق داخلي.. أحسست دفء الصخرة والأرض.. وأحسست بنسغ الغصن يشهق فرحاً بانسيابه..
رأيت دمعي ينساب من شق الصخر.. يقرقر قائلاً: إلى مساء الغد..
* * *
(9) المحطة والقطار
«ما زلتَ تريد معرفة اسمي.. أنا على ثقة بأنك عندما تنتهي من سماع قصتي ستعرف اسمي.. وإن لم تعرفه حينذاك فلا خير فيك!.
أتابع لك اليوم رحلتي من أرض الشموس إلى أرض الأقمار. مررنا على بيوت بدت منهكة الأوصال لأن أوصالها كانت من التنك وعيدان الشجر، كما بدت خالية مهجورة، في أرض قفر مقهورة.. بيوت مبعثرة كصحون حفلات السكارى.. مهشمة كأفكار الحيارى، مطلية بالقار مثل حبات قمح اجتاحها موج العفن الأسود..
مررنا بحمير جُربٍ وكلابٍ عرجٍ، وصعاليكَ من الجرذان وأشكالٍ مشوهةٍ من إنسان.
أطعمونا صيدَ القطط كي لا تنفقَ السلعَ ومن ثم يبور المسعى نحو المال، الذي هو هدف أصحاب الوجوه الصارمة إن كانوا نسوة أو كانوا رجالاً.
تحول الشوك تحت أقدامنا إلى نثرات زجاج، وتحول الرمل إلى طين عفنٍ يدبق، وتحول طعم جدولي الناهض من لوثته، إلى طعم ممزوج بالخردل وروث الأبقار..
وهكذا وصلنا، خمسة نخاسين وأنا إلى ركنٍ قصي في القرية تحتويه أعمدة خشبية مات السوس فيها، يلفها غطاء منثني منحني متكور من التوتياء المدروبة المثقوبة.. وفي أرض هذا الركن القصي يمتد قضيبان صدئان من الحديد قالوا إنها سكة القطار القادم على مهله والراحل على مهله وصوته والدخان أكبر من كل المكان..»
· توقف صديقي برهة وأسمعني صوت أنفاسه التي مَرَّ بها على عينيّ المغمضتين. شممت من أنفاسه رائحة محطة القطار الصغيرة التي تكاد تكون مهجورة إلا من بعض النخاسين واللصوص وبقايا البشر.
رأيتُ تحت جفني مجموعة منهم تأتي إثر جماعة ولدى كل منهم بضعة أطفال مثل صديقي..
«هكذا يا صديقي أصبحت ترى بعض الأشياء دون كلمات قاصرة. أنت تراني صبياً فحلاً بين الصبية أمثالي، ومميزاً لدى أشباه الفتيات من لوني وخلائطه ذوات الصدور التي تبحث عن ثورة ضعيفة..
بالفعل يا صديقي، جمعتنا عظام المحطة: صيداً وصيادين، ورجلاً عجوزاً مقرفاً. والكل كان بانتظار قطار ليس له موعد، لكنه آتٍ يبحث عن حثالةٍ تحمل حثالةً وتدفع بعض الحثالة..
وقفنا هناك وانتظرنا.. ورأينا نخاساً يرصد صبياً لنخّاس آخر. يحاول شراءه..
رأينا نخاساً يأخذ رقيقةً بلون العسل المجبول بالتراب، يضع يداً على كتفيها ويداً بين ساقيها ثم يرفعها على كتفه ويتوارى بها خلف صفيح المعدن يُسمِعنا من هناك فحيح قرود.
عند المساء يخور نخاس يريد أن يكون رجل النخاسين، ويطعن نخاساً آخر في قلبه ويأخذ صيده.. وهكذا يسقط بعض الدم الأسود تحت صفائح التوتياء.. دون أن يهتم لذلك أحد..
كنتُ أشد الصبية قوة، ولذا فقد كنت أحس بالنظرات ترتطم بي دون أن تقابل عينيَّ وكنت أعلم بأنني مَقرُّ نزاع لا محالة.. فأنا الأقوى، والأغلى والأحلى و صاحب السعر الأعلى! ..
ثم استطال الزمن حتى أعيانا وجعلنا نترامى ككلاب مدهوسة، بانتظار القطار.. بل نحن الصغار كنا نتمنى أن يستطيل الزمن أكثر إلى أن يقتل جلادونا بعضهم أو نجد مجالاً للهرب، حيث لا ندري إلى أين!.. ربما لا تكفينا قوتنا ولا ماؤنا أن نلجأ إلى أي مكان.. ربما نموت بعد مسافة قصيرة.. لكنه سيكون موتاً كموت القطط الحرة وليس كموت الجرذان في مصيدة الجرذان.
لكن الصيادين لم يقتلوا من أنفسهم سوى واحد.. ولم يصلوا إلى العجز المطلق كما وصلنا.. فلديهم ما لديهم، وليس لدينا ما لديهم.
فكرتُ في أن أرسم جدولي وعشبه وحيواته الصغرى.. ثم أبل بمائه جلدي.. رأيت جدولي أمامي، فأحسست بالنشوة، نظروا إليّ بغرابة.. افتتحت أفواههم طاقات وأبخرة.. وتمددت وتقلصت فتحاتُ أنوفهم.. وركضوا خلفي.. حتى قبضوا على عنقي، ورأيت في عيونهم إنذاراً بالفناء لو كررت محاولة الهرب.
وهكذا جاء القطار.. سمعنا شخيره عن بعد.. فتحرك الأموات يرددون الصلوات بكثير من اللغات واللهجات فقد أزفت ساعة الخروج من أخر ميادين الموت! .. هكذا قرأت فيهم حركتهم، وبحثهم عن ربحهم ولذتهم، من خلال الجثث الواقفة.
وعندما كنا نصعد القطار جلادين ونخاسين وصبية من عدة أصقاع.. اندفع نخاسان نحوي وحملاني وأركباني قي العربة الأخيرة.. ورمقا النخاسين الخمسة بنظر تحدي القتل وأشهرا في وجوههم عصياً من فولاذ. أما الخمسة فقد اصفرّوا وبكوا وترجوا ودفعوا..
أما أنا فقد فرحت لأنني صيد ثمين، ولأنه كلما أخذني آخر ازدادت قيمتي.. حتى تصل قيمتي إلى أكبر من قيمة صيادي.. وعندها أجد الوسيلة لأن أصطاده أنا.. كنتُ أعلم أن ذلك الأمر قادم.
رأياني أبتسم فابتسما.. وعلما بأنني ماكر فتحاذرا، ثم حرصا على الغنيمة! ..»
· أنا أراك يا صديقي تجلس على أرض القطار فالكرسي لهم.. وأراك تأكل مما يتساقط منهم.. وتشرب من باقي طاسهم.. وتضحك، فما أنت إلا ابن زانية، وما كنت إلا في أرض يباس.. جاء وعدها في جدولها لكن وعدها جاء متأخراً بعد الفناء وليس قبله.. كنتَ الصبي الوحيد في العربة.. البقية هما نخاساك.. كان كل الصيد وصياديه في العربات الثلاث الأخرى.. أنت تفكر بجدولك، ثم تعود لأمك ولأبيك ولصديقك الصغير الذي سبقك في هذا الطريق.. وتخشى أن تتكرر قصة أمك فيك، أو قصة أم صديقك ابن السِّـفاح فيك.. أنت تخشى عيون جلاديك، وتتحاشى فرد أعضائك فيك، كي لا تجتاحهم شهوة الرجال وتصبح لعبة الاختبار بين أيديهم..
«أصبحتَ تقرأ دون كلمات يا صديقي! .. أصبحتَ أقرب إلى أنفاسي، وأنا أسعد في أن أراك ترى في غَمضِ عينيك أشياء لا تراها في فتحهما وبذا تصبح أقرب.. خذ نفسك العميق الآن .. فأنا راغب في أن أطمس باقي رحلة القطار.. فساعاتها لم تكن تحكى أو تقال بطريقتكم في رصف الكلمات.. فقد كانت ساعات توقفت فيها الساعات بعقارب تراكبت فوق بعضها، إلى أن زاحت النوابض عن أماكنها.»
· عندما فتحت عيني لم أر أحداً أمامي، وكل ما كان لدي هو صخرة فلقاء بحجم هائل وتراب ندي تحت قدمي، وغصن أخضر يفرع غصوناً جديدة..
ما عدت أستطيع أن أدير ظهري وأغادر المكان… بل إن الذي أستطيعه فقط أن أسير مبتعداً ونظري ملتصق به..
وأنا أسمع أشياء تجرى في داخله..
* * *
(10) سوق النخاسين
· أغمضت عينيَّ واتحدت مع المكان، ففي زندي تمر فروع الأغصان، وفي قدمي تسري نبضات القاع، وعند ظهري تسري مغنطةٌ تخترق بُعدَ الأصقاع.. وأحس بصديقي يأخذ كتفيَّ بيديه ويرتاح رأسي على صدره.. أسمع دقات صميمه!..
«لا عليك، ولا تكثر من الكلمات.. فأنا أرى الكلمات، هل سمعتَ رؤى الكلمات؟.. سترى أن الكلمات تُرى من غير عيون.. وهذا سبيلنا لبعضنا.. فنحن مختلفان طالما تنتظر مني لغة البشر مرصوفةً بحروف.
تابعْني وأنا أتابع رحلة الصبي! .. لديك بضعة أيامٍ أخرى.. وعندها ستعرف كم أن الكلمات هي تحت مستوى أدنى الصِّلات.. حدثتك في هذا وليس من عادتي أن أعيد وأستعيد..
أنا الصبيّ من عَجنِ أمي والأحجيات، ويباس العجز، وانبثاق الحياة.. أنا هذا الصبي يركب القطار في العربة الأخيرة والنخاسين الجدد.. ويسير القطار مثل بطء أحاسيس الركاب، وتعلو جلبته وقرقعة مصارينه، وينشر دخاخينه تقتحم الأبواب.
ابتسمتُ وابتسما.. هما كالقطّين وأنا كالفأر، أبحث عن مزمار ألعبه فلعل القط يلهو بالمزمار.. لكن لم يكن في الركن شيء..
بل كنت أنا المزمار.. والقطط تلهو بقطع الأوتار.. فتوقعتُ أن يموت الفأرُ أنا، بين أنياب الفهود الصغيرة.. أليس هكذا تسمون القطط؟ !..
دعني أريك القطار الصدئ يقف في المحطة الكبرى.. هناك تجتمع القُطُرُ آتيةً من صحارى أخرى، من بين الكثبان تفرغ حملها من أطفالٍ ونخاسين، ورُكّاب خيول، ودواب.. وتأتي بالصِّبيَة كفروع النبتة مقلوعةً مجدوعة الجذور ملقاة على أرض المحطة.. كَثُرَت أكوام الصبيان، وتعالت أفراح الصيادين ومعجبيهم حتى ارتجفت بالجدران، وتمددت في ألواح التوتياء فوق الرؤوس.. وسادت الهمهمات وروائح الزبد المرغي في الأفواه، من كثرة التشدق بنجاعة الخطط ونجاح المسعى لصيدٍ بأكبر الأثمان..
اكتظت المحطة بالباعة والمشترين لرخيص الثوب واللقمة، وكثرت مخططات البيع للبنات الآتيات من عوالم أخرى وللصبية خَدَمِ الخُدّام، ولسعر السوق، وأين السوق، ومتى السوق..
عرضَ قادمون نقداً للصبيَّة.. فهم مستعجلون لذوق الفجل في وضح النهار.. وعرضوا ذهباً لي، أباعُ بقنطار، لأنني أملك عينين كبومة، ولأن عضدي فيه وعدٌ بعطاء.. ولأن طولي مثل حَورَةِ ماء.. وصاحب الصبيّة لم يبع لأن غداً أكثر كرماً، وصاحباي ما باعاني لأن اللقاء هو في اليوم التالي، وثمني غالٍ لدى أصحاب الجاه والمالِ..
وهكذا كان.. أنا والصبيّة الصغرى نتحدث من غير كلام، أبحث في عينيها عن طريق أخرى.. ما كنا نحتاج للهرب من الناس كي نتحدث، فلغتنا كانت غير لغة، قلت لها من غير شفة: إنني أبحث عنك، ولعل لنا في قادم يومٍ لُقيا.
فأجابتني: إن اللقيا ممكنة دوماً. خذ مني نغمي.. خذ مني موجي واحفظه لديك.. فأنا قد حفظت موجة رأسك، موجة قلبك.. موجة لُقياك..
وهكذا كُنا أنا والصبية نغماً متحداً في جسدين، لا نخشى بطش النخاس، فهو لا يدري كغيره من البشر أن هناك عوالم أرقى.
وهكذا أصبحت لي حبيبة جمعتنا المصيبة.. وهول الماضي وهول المصير.. معدني معدنها، قلبي مبسمها، توليفات المصير لديها تقابل توليفات مصيري، ولذا فقد قررنا أن يبقى خط اتصال أحمر بيننا ليل نهار.. وهو خط أنت يا صديقي لا تدركه بعد، رغم أن أناسك أضحوا حتى الآن يضعون المعدن الصغير في الجيب وينتقون بالهاتف الجوّال أي شخص في العالم بلا استثناء ليتحدثوا إليه دون عناء حيثما كان وأنّى كان.. يرونه ويراهم.. لكن بالعين.. وأنا رأيت وأرى حبيبتي وهي تراني ليس بعينٍ ولا بهاتف نقّال..
عندما تضرب عودك النغمي تحسس الأشياء الصغيرة حولك ستكتشف أن بعضاً منها، رغم البعد، قد يهتز! وهذا هو الكشف الأول للأنغام.. وبيني وبين حبيبتي كان الكثير من الأرقام السرية تُترجَم بالأرواح كأنما نحن نهار وكل الآخرين ظلام!..»
· رغم رؤيتي لعذاب صديقي (الصبي)، فقد فرحت داخل خلية قلبي لطريقة حب كهذا، تسري خارقة صف الأعداء دون أن يروا وأن يحسوا بما يجري.. وهو حب ألذ أنواع الحب، مختلف عما اعتدنا عليه من ترجمات للحب على الفراش..
«أعجبك حبنا؟ !.. أعلم ذلك يا صديقي!… ولو أنك عشت طريقته بدل أن تسمع عنها لجمعت بعض صفات الأرواح، بعض صفات الخلود.. فالقشرة الجسدية لدينا كانت لا تهم كثيراً.
كن معي ضمن محطة القطار الكبرى. القطارات كثيرة لكن الحمير كثيرة أيضاً، والنخاسون أكثر.. والمستعبَدون والمقيدون أكثر الأكثر.. وهناك كان انتظار، والنهار هو الضرب والقدح والشتيمة والعار، لكن الليل كان هو النهار حيث يهجع الصيادون بأيديهم بندقية وطرف حبلِ قيدِ عَبيد..
نخّاسٌ أطاح جسمه في الهواء وعوى كالذئب المجروح عندما بال أحد الصبية، وهو أمر يُنَزِّل في سعر المزاد، ويبعد أصحاب المال عنه إلى غيره.. ركل وصفع وهاج وماج.. ولكنني كنت مبتسماً فأنا أعلم أن الكثيرين مثله يبولون ويبيضون في خلسة من الآخرين وهم يترقبون الأكثر من ليرات ذهبية أو عملات نقدية.
هكذا كان الحالُ واستمر الحال، وكل ما حولنا من صيد وصياد، وألم وصراخ، وبول ونباح، لا يأتي لنا على بال.. فقد كانت بيننا سمفونيات فوق سقف الموسيقى البشرية..»
· أنا أرى الصبي يتمطى في ساحة القطارات عند رصيف المزادات، وصبيته تزداد طولاً وجمالاً تتكور في الصدر وفي الأنحاء نداءً لصبي الحب الجالس في علياء سماء ترقب ما يجري من بهتان.. وتقرأ في الأعين حركات عقارب من تحت القش.
«أصبحتَ أيضاً ترى معي بعض الأشياء.. شدَّ يديك على الغصن. تحسس أنفاسي في صدرك. ذب في صخرة عجُزك. انغرس في الأرض سنتيمات أخرى!.. وشاهد، إن استطعت أن تخرج قليلاً عن النظم البشرية، كيف ألتقي بصبيتي والناس صحو ونيام، في سوق النخاسة وسوق السلع المقتلعة من أرضها…»
· رأيت الصبي، وقد بدأ شعر رأسه يستطيل حتى الكتف ثم وسط الظهر، وهو يرقد في ركنٍ يداه مسلسلتان كغيره من الصبيان، والصبيّة الأخرى، حبيبته على بعد وفي ركن آخر.. لا يريان لا بالعين ولا يسمعان بالأذن، لكنهما يلتقيان على كف رائحة كأنها شبيهة بورد وريحان..
«ما كنتُ أخاف، كعادتي، ما كنت أخشى لأن كل ذلك عابر.. ولأنني رأيتهم صغاراً أصغر مني..
وهكذا افتتحوا المزاد.. عندما جاء مزركش تحمله أكف العباد.
نخّاسيّ باعاني، واختلفا على القسمة، غنمني المزركش.. نظر في عيني.. غارت عيناي أكثر واستطعت شَدَّهُ فيهما لحظة اقصر من كل اللحظات.. لكنه راح بعدها يبحث عن صيدٍ آخر. ولأن أيامي وأنفاسي وتقاسيم أوتاري وموجتي ومحبتي، كلها تلقى الصدى في موقعٍ عند الصبية، فقد اشتراها مثلما اشتراني..»
· قالهُ خبرٌ سعيد. رأيته يزداد حباً، وأحسست بقلبي يزداد وجيباً.. وانسالت دمعتان على خدي..
«أنت سعيد إذ تراني سعيداً. هذه أيضاً بعض لُغةٍ تختلف قليلاً عن لغتكم بالكلمات.. أنا سعيد لأن أرى فيك هذا.
غداً ألقاك يا صديقي! ..»
· نشوة تملؤني وأنا أسترد أنفاسي القصيرة.. و أسترد عينيّ وأسترد نغم ما يجري حولي.. كان الصخر ساخناً، والأرض ساخنةً والغصن يملأ يدي نسغاً.. أحسست بكل شيء فرحاً..
لم أستدر بل سرت إلى الخلف وعيناي وأذناي وشفتاي ملتصقتان بالدفء.. غير أن صديقي كان قد غادر المكان..
* * *
(11) القصر
«اشترانا المزركشُ فرحاً ومضى بنا في عربته الفارهة وبين رجاله وحاشيته. كان يرمقنا طيلة الطريق بعينين زرقاوين فيهما النشوة والرغبة. يرى من نوافذ نقّالة أرضاً وأشجاراً وأسواقاً تترامى، تبين وتختفي، ثم يحتار من أية زاوية يرمقني.. ويرمق الصبية.
كان يراني لا أراها، ويراها لا تراني، ويحتار في أمر اثنين وجهيهما وجه العشاق، ثم لا يتلامسان أو يتهامسان، ولا تلتقي عيونهما.. فبأية لغةٍ يتخاطبان؟!..
رأيت في مالكي نغماً فرحاً، كطفلٍ يغامز لعبَة، أو كقط يراقب فأراً، أو كليلٍ يسعد بصباح.. ولو دخلتُ قليلاً، أو لو كبرتُ قليلاً لرأيت قليلاً أكثر، فمالكي كان عميق الحال، يرسم للبعد الأبعد، يرسم حتى الآجال.
صبيتي كانت أكثر فرحاً.. حتى مني!.. كانت ترسم فرح الخوف بعد لؤم الأيام. كان ذلك يسطع في العينين، وبلون الجلد، وبوقوف الشعر، كان ذلك الفرح يبرز في الزر الصدري، فيندى ملهوفاً للآتي من أفراح..
أما أنا فكنت أبتلع البسمة حتى الأعماق، أداريها عن عين المالك، فرغم ابتسامته المعقوفة، كنتُ أخشى ما يخبئ في رؤياه.. لكن رسائلي للصبية ما انقطعت.. وكنت أسمع منها ما تقرأ.. فأنا أعشق صوت الصبية يقرأ وبالأخص عندما لا يسمع ما تقرأ سواي.. وعندما تتلون الأنغام بيننا كالحلم الواقع، كأنه حلم الأبطال…»
· أخذني محدثي صديقي حتى رجفة فرح الصبية، وحتى خفق عيون الصغيرين المخفية، وحتى غزارة الرغبات لدى الملاّك.
رأيتُ هذا التفاعل وكأنّ لا فصلَ زمانٍ ولا فصل مكان..
الصخرة في ظهري، أو أن ظهري في الصخرة، والتراب يحضن قدميَّ أو أن قدميَّ تغوصان فيه.. ويداي والأخضر متحدان.. ومحدثي يلامسني، في الرأس وفي العين وحتى الهدبين..
«أنت تقرأ مني رؤية ما حدث!.. وأنت تريد أن تَقرَبَني أكثر.. خذ نفساً، أطول ما أمكن من أنفاس، وأثقل بكل جسمك على الدنيا.. وصافح النسمة تحت الجلد، تقربني أكثر.
نعم، هكذا تقربني أكثر.. وإذا كنت ترى كما أرى، فإنك تعلم ما جرى، ليس من أحداث مرئية، بل ما جرى في دماغ المالك، وهو أمر كان بعيداً عني.. فقد كنتُ ما زلت صبياً آتياً من صحراء أنبتت بعد الموعد أخضراً معزولاً. وكانت صبيتي بعدي في معرفة الأحياء، فأنا الرائد في سبر الأشياء لأن وسيلتي في الرؤية هي غير العين والأذن والكلمات.ومع كل ذلك فلأنني يافع، كان لدي رؤية مغشية ضبابية. كان المُلاّك يستخدمون الإبصار وكنتُ وحبيبتي نستخدم البصيرة.. هم يستخدمون القوة والمال، وأنا في ضعفي قوتي من حيث أن الصلة العليا، وتوليف الذهن والرغبات، والحب لو تناغم أو ساد، أقوى من سطوة النخاس. كلام قد يبدوا غير مفهومٍ لك يا صديقي. فكر فيه.. إنس كل الدنيا وفكر فيه، تراه المعجزةَ.. عِشهُ تراه الدنيا الحلوة لو كانت، في أُسِّ أساسها… هي الدنيا غير الدنيا التي تسمع عنها..»
· أنت تحب الاستطراد في البحث عن كنه الأشياء؟!..
«وهل هناك خير من البحث عن كنه الأشياء ؟!.»
· أنت تلعب على الحروف التي تمقتها، والكلمات التي تراها أسوأ طريق للتواصل وهي سبب الكوارث وسوء الفهم بين البشر!
«قل لي، هل تسمع كلماتي في أذنيك؟!.»
· بعضاً منها أسمع!..
«والبعض الآخر يأتيك بأسلوب آخر.. هو أن الأوتار بيننا تهتز وتتصافح عن بعد.. ولذا، ولذا فأنت يا صديقي، عندما يتم كل شيء بيننا بغير الآذان وبغير العينين، ستعرف اسمي!»
· اسمك؟!.. قل لي ما اسمك!..
«ما زال الوقت بكوراً.. اقترب مني.. انظر في الفؤاد، وشاهدني أنزل وعقيقتي في دار الملاك، نبحث في زوايا المكان وهو يتفحصنا، ثم يأمر بنقلي إلى مكان يتدفق فيه الماء وترتج فيه العطور.
أخذوا صبيتي. ألقوها مثلي خلف جدار في تيار رذاذ. دعكتني امرأة منفوشة بالشحم، ودعكتها امرأة أخرى. غسلونا حتى النقط المنسية. ولكن يا صديقي رغم كل الفرك والتقشيط فقد بقي مسعاهم خارج جلدينا. وكنتُ أحس وأسأل من الذي يستطيع الوصول بالنظافة حتى قعر الأشياء؟.. من الذي يزيل منا كل العالق فينا من عفن الموت وخداع الناس وغدر الأحياء؟..
يا صديقي! لم يكن لدي من سبيل وأنا صبي سوى أن يتسع طريق التواصل مع صغيرتي.. هي تبحث عن صخور الهم العابق في الداخل، وأنا أستخدم إزميلي لقلع جبالٍ سودٍ عالقة من تاريخ الإنسان الباقي فينا.
لكن لا تيأس مني!.. أَمشِ معك في الحكاية، هذه الأمسية خطوة أخرى، وأطلب منك أن تراني، وأنا أخرج من حمّامي، وتخرج كذلك هي الأخرى، نبحث عن طرق أخرى لتنظيف دخائلنا ونسعى لأن نتبادل قدراتنا الصغيرة. أطلب منك أن ترانا اثنين كوردتين خرجتا من كتلة المنفيات، تفتحتا رغم أن في اللب بقايا المنبت، ورآها المالك، فثارت لديه الرغبات، فأمر أن توضع الصغيرة على أحلى فراش من أجل أن يدربها على مهنة عرّفوها بأنها أقدم مهنات النسوة.
هكذا دخلتْ غرفةً كالأحلام، ليس فيها ما يماثل ذباب الصحراء، ولا موت الأطفال في كل الأرجاء.. غرفةً تصرخ بالجوع أن يشتد أواراً كي يَشبَعَ وكي ترتجف الأعضاء..
وصلتني منها دعوة نجده!.. ولم يكن بيدي طلق ناري أو حتى خردقة طاشت، أو حتى لعنة على شفتي.. كل الذي كان لديَّ إرادة وروح صغيرة تستطيع اختراق الجدران وفتح الأبواب.. وبذا دخلتُ إليها دون عيون الأحقاد.. وقلتُ لها أن تبحث في داخله عن رغباته، وتعلم عن نقاط الضعف لديه، ولا تيأس.. فالنصر لا يأتي إلا بالإصرار..
كنت أروح أجيء، وعظامي تنمو، وعضلي يتأجج، ودماغي تغلي.
روحي نفذت من فراغ الذرات، وقلت لها أن تتصرف بغرابة: ضعي خرقك في فمه، ضعي تحت قدميه المساحيق اللزجة.. أدخلي في دماغه الحيوانية، وحدثيه عن موت العضلات، وعن تحلل الأشياء، تحايلي عليه في موعد لاحق، فالجني ما طاب بعد.. اعملي أي شيء لا يذكرني بأمي ومنبتي كيف جئتُ إلى عالم الأوغاد.. لن يفقأوا ثانية عيني.. لن يُطفئوا ثانيةً أغلى الأضواء.. لن يحولوني وحشاً هائلاً ينفجر مخيفاً.. فيكفي ما لديهم من وحوش..
كنتُ أروح أجيء.. وكانت النسوة السمان يبحثن عن أشياء صغيرة تفيد الملاك في الامتلاك.
كنت أروح أجيء.. والأبواب موصدةٌ. شدّي من ساعدي قُدرتِك أيتها الحبيبة في وجه زيف الرغبة.. لا يكفي أن تقولي: لا.. بل، اصنعيها!
تضادّت في داخلي رياح الخير ورياح الأحقاد.. قفزت عندي أمي بنار الظلم تُنبتني في الأحشاء.. أضحيتُ ابن حرام ونسيتُ الخير. جسدي النابت ما عاد يهمني سوى أنه سَجّاني ضمن القضبان..
أنت تعلم يا صديقي أن الجسم سجن للأرواح، ولذا فإن كل ما في السجن بغيضٌ، فما أن تخرج من خلف الأسوار، حتى تنطلق من غير جناح. وأنا كنت سجين الجسم وحولي جدران، أروح أجيء. وجيب يعلو، والجدران سميكة، وأنا قيد الإيقاف.
وهكذا كان صديقي!.. خرجت صبيتي بِزِرَّيها يستدميان، ورغم شظايا الدم على الوجه، فقد لاحت بسمةٌ في عينيها تنبئني أن اللبوة الطفلة لم ينل منها سوى بعثرات جراح.
بكينا في الضحكة، حتى مسحتُ جروحاً مندّاة بحثالة قاعٍ بشرية.. فابتسمت صبيتي كما هي وردة صحراء، وفرحتُ أنا كما لو أنه قد تم إلغاء أخبار البغاء.
لكن لكل شيء راسبه، وصارت عيناي تغوران وتتسعان وكأنهما مغارتان عميقتان كما رأيتهما عندي.. وصار شعري يتطاول كأبناء الغابة قبل اختراع المقص. وبقي الراسب في عمقي يحثني على نقمة، وهذه تزهدني في الدنيا وتزين لي الانتقام..
لم نفكر بهرب، فكل الناس كانت لدينا كالنخاس. والناس إما ضُعفٌ مثلنا أو أنهم يمسكون رقاب الناس.
بقيت رغبة التحدي لدينا، فبكينا، ثم استوينا، وقررنا أن لا نفترق، وهنا مكان لقيانا المضمون، حتى لو كان كل المكان محاطاً بأنياب الذئاب.
استفق يا صديقي من عالمٍ هو الآن لديك، خذ هواء حتى يبرز كرشك كالتلة، انفثه حتى تتباين من صدرك العظمات، أعد ثانيةً، واقطع الآن خطوط الوصلات، فقد أزفت لحظة فراق بعدها لقاء قادم.»
· اهتز رأسي وصحا، وقد احتجت الكثير من الهواء لأصحو، فقد كان قَصرُ زبون النخاسين جميلاً لكن هواءه كان فاسداً.. كان التصاقي بالصخر شديداً، وكانت قدماي تغوصان حتى الركبة، وكان نسغ الغصن يبحث عن جريان له ضمن عروقي.. لذا فقد استفقت كأنما الدنيا كلها أحمال..
كان صديقي قد سبقني، فعدت أخطو خطواتي للخلف، لا أستطيع، وأنا أبتعد، أن أخرج من دائرة المكان…
* * *
(12) الرسم بالأوحال
· كان صديقي يتحدث كالأحلام!.
«سمعتَ عن أناسٍ يرسمون بالأقلام والألوان، ولكنك لم تسمع عن أناسٍ يرسمون بالأوحال.. وكل واحد وله أوحاله المختلفة!..
أقول هذا لأقرب لك الفكرة، والحق يقال أن أوحال النخاس الجديد كانت مبتكرة!..
وضعونا في غرفة، أنا والصبية، كل الذي فيها أجمل، الغرفة، أتحدث عن الغرفة!.. كل الألعاب، وكل موسيقى الرغبة، وكل الأصباغ، وكل ما يفوح من العطور الصينية التي تدخل في دهاليز الاشتهاء..
دوماً لا تبدوا الأشياء صريحةً في البداية حتى تتكشف.
قالت السمينة ذات الشحم المرتاح تحت الألوان، إن لدينا الحرية، أن نعبث، ونهشم، ونقضم حتى سن المفتاح..
وجلسنا، متكئين إلى الوسائد الحضّانة، وسمعنا جواكر علب الليل تتمطى، وأوصلتنا الروائح للصين..
كآدمي، ثارت تحت جلديَ الحشرات، ورغبتْْ هي في فتح الصدر وإيقاظ زر الرمان..
قلت من غير كلمات: قاربونا حتى أبعاد الصفر، ورغم بصيرتي لم تأتني (لماذا). وأنا لا أسأل فهذه طباع الأشياء في عالم يزخر بالأشياء. أفرحونا لساعات، ولكن كانت هناك ثقوب في الجدران والأبواب. يريدون أن يرونا نتفاعل كالنيران، تلهث أنفاسنا حتى زبد الليل.
رأونا عسلاً أرضياً، يخفي في لزوجته سحر الأحياء، غير أن رؤية الملامس تختلف كثيراً عن رؤيا الأرواح..
وهكذا كانت فرصة لي ولها كي نتلاقى دون تلامس، وكي نتزاوج من غير لقاء أو كلمات على الطريقة البشرية.. وهكذا تحدثنا حتى امتلأت مني وامتلأتُ منها، ولكنهم لم يروا بأعينهم القاصرة ما جرى.. ولم يسمعوا موج الكلمات.. وعندما خرجنا لنرى أعينهم الخائبة، كنا عهداً باقٍ في الأعماق، إلى أن تزول مجسات الأجسام الخرساء…»
· خفتت نبرة صديقي محدثي إلى أن غابت، وأصبحتُ أرى الأمور بطريقةٍ أكثر علواً.. ما عدتُ أسمع في أذني، بل بطرق أخرى، فصوته أضحى داوياً يمتلك الآفاق، مردداً:
«كان في داخلي ما زال الخير طاغياً، فالنخاسون حتى حينه، لم يخترقوا حجبي.. إلا أنهم..»
· غاض الصوت. دخل جوف الأرض.. ثم فاجأني بالعالم كله مرتجّاً.
«إلا أنهم أصابوني في السويداء.. عندما استفقت صبحاً لأرى أن حبيبتي آلت إلى نعشٍ ينتظر النقل.. وكان عليّ أن أنتظر حتى أصبح أنا في نعشٍ آخر ويمكن لنا اللقاء مجدداً.. وها أنت ترى أنه لم يحدث ذلك بعد..
اهتز العالم عندي. لم أبك، بل كنت مذهولاً. سجّاني، نخاسي عندما لم يقنع برؤيانا، ولم يدخل إلى محتوانا، قرر أن يدخل عنوة. دخل ولكن إلى جثة!.. أما هي فقد طارت في بُعدٍ آخر تنتظرني، وهي ما زالت..»
· أعماقي اهتزت كالأرض والسماء وضمن الماضي والحاضر..
«قتلوني قبل الولادة وزرعوني الزرع الخطأ.. أعادوا قصة أمي ثانية! ثانيةً فقأوا عيني.. ثانيةً جعلوا من قلبي جثة.. ثانيةً جعلوا من روحي روحاً نجسة!..
قررتُ أن أسرق السلاح الذي لديهم.. وقررت أن أكون الصياد بدل الصيد، حتى لو دخلت إلى عقر الوطواط.. أو استعرت ممصاته وقررت أن آخذ الحسن بجريرة السيء.. بل أنني قررت أن أكون أسوأ مخلوق في العالم..
وكما تحالف أحدهم مع الشيطان الآخر، فقد تحالفت مع الشيطان الذي في داخلي وتعاهدنا على أن ننال من البشر حتى نجعلهم صاغرين تحت الأقدام..»
· هدأ محدثي مجدداً، وتخافت صوته، لكن العالم ما زال يرتجف.
«… ولكن، ولكن لا بد لنا، أنا وشيطاني من أن نميز ما بين أناسٍ غاصوا في الظلم وأصبحوا شيئاً فيه، وما بين آخرين حط الظلم فوق رؤوسهم أمثالي..
قم يا صديقي سريعاً من بين أنقاض العالم المزني فيه، واستفق، ثم راقب كيف أن كلماتكم ولغاتكم أنتم البشر، في أكثر لأحيان لا معنى لها..»
* * *
(13) الضبع
«مربوطاً في الركن، كنتُ أنا. أثور كثورٍ مشدودِ العصب في المائتين!.. أخور، أخورُ.. فتىً يتحول إلى ثورٍ في المائتين!.. تحول سني إلى نابٍ مخفية!.. تحول جسدي إلى معادن مسقية. تحول الكنه لدي إلى ذئب.. ذكرت مشيمتي، وسبرت المسافة والأبعاد، ووجدت أن أُسّي أسَّ ضباع، هم أفاقوا فيَّ الضبعَ، الذي اعتاد على عَمي الأبصار، والقتل بركابٍ صلبة، ونبش ونتف الجيف المخفية!..
ما أردت أن أكون وحشاً، لكنهم جعلوني!.. دخلوا حرماتي، في صلبي قبل الولادة. دخلوا في دنياي، كل الدنيا، بعد الولادة.
وأنا أضحيت خراباً من داخل!..
وهكذا يا صديقي، جمعتُ المأساة من أمي وحبيبتي.. وجمعت القدرة من صمودي أمام أقسى الأجواء وأعتى الأمراض.. وجمعت اللؤم من الضباع، وجمعت الغدر من البشر..»
· أصبح صوت صديقي همهمة تحتوي الآفاق. لديه كل رزايا البشر وخطاياهم. ضغطت يداه على كتفي، وأصبح وجوده آسراً في عينيَّ المغلقتين.. ووجودي مهروساً في صلب الصخر وقاع الأرض ودفق النسمة ونسغ الشجرة.. غصت بنفسي حتى قاع الإحساس، أتلمس صبياً مربوطاً في الركن يصارع في طيات الحبلة.. يلعن في دمه كل مخلوق يدّعي أنه بشري..
«وهكذا تراني، صديقي، وقد أضحيت كتلة رغبة لقتل الناس.
أضحيت كتلة تدمير مُثلى فاقت كل الحروب الأهلية!..»
· رأيتُ، وأذكر لكم، أنني صرت أرى من غير عينين، حتى أنني قد أسمع من غير الأذنين، فقط من أناس كصديقي المشدوه مما يجري، فأنا كذلك كنت مشدوهاً بحيرةٍ سكنت حتى جوف عظامي.
«قررتُ أن أطبع على وجه الناس قاع قدمي، وأن أجعلهم يرغبون بذلك.. ولذا فقد هدأت حتى فكوا القيد بعد شهور، فابتسمت كمن بدأت خطته تنجح!..»
· صمت صديقي المحدثُ، خفّت حدة صوته.. غابت نبرته أكثرُ في الأعماق. حدثني ثانيةً عن أمٍ حَمَلَتهُ وهناً وصعاباً. وعن ساقيةٍ أرضعته سموماً، وعن خير ينمو في الجدول، ثم عن نخاسٍ، ونخاسٍ إثر نخاس، وعن بؤرة حب أكلها الضبع البشري.. حدثني عن ضبع أَفاق من مشيمته المأكولة في خليةٍ أكثر من ضبع فلاة..
* *
(14) برقع الورود
· كنتُ أعلم أن محدثي لم يكن شخصاً سطحياً عادياً، فعيناه كغارين عميقين، ولونه المشبع بلون الأرض والشجر، وشعره الطويل المسدول، وقدرته على تجاوز أسلوب الكلام البشري إلى مستوى أكثر رقياً في الاتصالات الروحية والذهنية، يجعلها خيراً أكبر لو كان خيراً، وشراً أكبر لو كان شراً.. ولأنني بشر، من صلب البشرية، شدتني إليه الأسرار، فتعلقت به، واقتربت، وصار موعدي معه كل غروب ينذر بغروب الدنيا في العار.
«أصبحتَ جزءاً مني يا صديقي، وأصبحتُ جزءاً منك، ولذا فقد أضحى بإمكانك أن تفهم الكثير من الكثير دون استخدام الكلمات أو حتى دون الخبرات التقنية. ولذا فَألحَظُ أنك عندما كنت معي في بداية القصة، كنت لا تقول قليلاً، وأصبحت الآن تقول بعض القليل مما تأخذه دون حروف. أصبحت ترى الأشياء بمنظار أوسعَ من دون المنظار.. شاهدني أبحث عن ثأر!.. شاهدني أبحث عن معولٍ كنتُ أريده للبناء.. ولكن.. أنت تعرف أن زمني واقف.. والزمن الواقف عندي قد يتحرك، وإذا تحرك فهو إلى زوال..»
· شاهدتُ صديقي في ذلك القصر يتناسى ولا ينسى، ويضع على وجهه ابتسامة تغطي الغصّات، ويعطي في كل يومٍ حقنةً للطمأنينة أنه قد نسي.. أصبح كالثعلب مكاراً، وكنخاسي الأرض غداراً..
«صرتُ جميلاً. ثقبتْ نسوةُ القصر كل الجدران، أحبتني كل النسوة. وأحبني كل الرجال. أصبحت أقدر على قراءة ما فيهم، وأصبحت أزرع شوكاً صحراوياً يبدو كزهور. وصرت أحقن فيهم عطراً هو سم الزمن الآتي.
لم يطل الأمر كثيراً. أصبحوا أفراداً وجموعاً في قبضة يدي أحركهم كالتمثال. أرى ما فيهم من رغبات، وأعرف ما لديهم من أسرار تكفي لنسف الدار، كل الدار.
هذا قد سرق ضمير فلان، وذاك قد عبث بخابية أسرار نسور الساحة. هذا قد دخل عرس فلان، وذاك قد سبق الذَّكَرَ سباحةً حتى أبعد شطان..
صغيرٌ يريد مَوقِعَ كبير، وفقير يريد أموال غني، وغني يريد شرف فقير، وكله، لو دخلت داخل كله، لوجدتهم يحملون ملاقط للفئران، ضخمةً صالحة لصيد المصائر البشرية.. وهكذا كان..»
· وكان يا ما كان!..
«نعم كان يا ما كان. صبي فتى يأكل من صحن النخاس ويبحث عن سكين! وأول ما فعلتُه صبياً كان أن أبلغ كل سبايا المَلاك. وثاني ما فعلته أنني قبضت مالاً من أجل ذلك..
وثالث ما فعلته أنني استطعت إقناع كل سكان القصر أن يسألوني كيف هي الطريقة المثلى لإسقاط الآخرين.. قلت في نفسي إن لديهم استعداد للشر.. فلست الوحيد الذي أكلتِ الضباعُ مشيمته. فربما أكلت مشيمة أحدهم ذئبةً، أو كلبة، أو نتف فيها نسر أو أفعى أو عقرب. ربما ضاعت أيضاً مشيمته بين الأفواه البشرية.. عذراً يا صديقي!.. فبعد ما رأيتُ، لا أرى فرقاً بين وحشٍ ضار في البر أو في البحر أو في الجو، وبين شجرة التوالد البشرية!..
قلت لفتاة، تجمّلي واعرضي لحمك للنخاس، ثم نامي معه وافقئي باقي الرجولة لديه. قلتُ لصبي أن يدس السم للنخاس وأن يستجر نخاساً آخر لساح الجريمة..
قلت لامرأة من ذات الشحم، أن ترثَ غنياً بالقنطار.
وقلت لنخاسٍ أن ينتفخ كعملاق جبار وأن يأخذ السطوة من صاحب سطوة، وأن يفرح بمقتل من ذهبوا..
وهكذا أصبحتُ، وراء برقع الورود، مَصْدَرَ كل الآثام.»
* * *
(15) الغياب
· لماذا لم تأتِ، صديقي، يوماً أو يومين؟!.. أعلم أنك تحولت لذئب أو ضبع وتطبعت طباع البشرية.. أعلم أنك حملت وزر من سبقوا، وتحس بحملان وزر من لحقوا، فأصبحتَ شاهدَ تاريخ حروب العالم في داخله منذ أيام السواقي وحتى أيام القصور.. منذ أيام ركوب الحمير وحتى اختراق جدار الصوت، وإلى أن ينتقل البشر بالأسلاك أو حتى من غير أسلاك..
أحببتك يا صديقي حتى لو كان الضبع فيك، فإنه في داخلنا كلنا ضباع.. وإلا فلماذا تكثر سكاكين البقرة عندما تنهار؟!.. لماذا يأكلون الأشياء بعد زوال الحياة منها؟! لماذا يعيش أناسٌ على أتعاب أناس؟!..
أحببتك يا صديقي دائماً حاضراً، فأنت تذكرني بالكيفية التي تخرج بها النتائج من خاصرة الأسباب. عندما أنت تحمل حقداً، فهو نتاج الظلم الآتي من آخرين منذ اللقاح، وحتى السلخ الأخير.
عشتَ صديقاً بين أبٍ ليس بأب، وأمٍ زُوِّرَت أماً، وبين أمراض كالنمل المنشور، ووحدةٍ معزولة كل أيام الطفولة، ثم صديق مثلك ابن زنى الأقرباء يذهب إلى أيدي النخاسين، ثم تلحقه أنتَ، تلقى حبيبةً مثلك مأخوذة.. يتم ذبحها أمام عينيك.. وأنت مذهول.. ترى الكون من غير توازن، فتقف أمام نفسك تعلمها درس القط والفأر، ومصيدة الجرذان، ثم تقرر أن تلبس حُلة السهرات المكوية، وتقف بابتسامتك الهادئة، وبعينيك العميقتين، وبشعرك المجدول، تبحث عن قحطٍ لرحال النقمة..
· لماذا لم تأتِ، صديقي، يوماً أو يومين؟!.. كان هذا الزمن الصغير مفلوشاً مثل المدى. أمن أجل أن تراني أفكر في أرجاء نفسي مجدداً؟ أمن أجل أن أرى ذاتي على مرآة ذاتك؟.. أمن أجل أن أستعيد قرضَ الشعر من ذاتي ولذاتي؟! وهل هو شعر المديحِ أم شعر القدح، أم شعر الحبِّ أم شعر الرثاء؟!.. لماذا لم تأتِ، صديقي؟!.
· يلفني الغروب مسقيّـاً بالبرد، ويتندّى الصخر الضخم بفلقيه، ويقسو تراب الأرض، ويجفو الغصن الأخضر.. لماذا لم تأتِ صديقي؟!..
كأن الماءَ صار رمالاً. كأن الآتي صار مُحالاً، وكأنك أيها الصاحب قد كنتَ خيالاً..
أصبحتُ من غير وجودك جلداً وعظاماً، ومغيبُ الشمس يسرع نحو الظلام. لا تغب عني، فأنا أفهم حقدك يا صديقي!.
* * *
(16) الصديق الآخر
· لم أستطع أن أمنع نفسي عن المجيء كل غروب إلى عند الصخرة التصق بها ثم أغوص في تراب الأرض حتى الركبتين، وأحتضن غصن الشجيرة بجنبي. أغلق عيني وآخذ أنفاسي الطويلة، وأجسُّ بذهني كل خلاياي.. وأنسى الدنيا، ثم أنتظر صديقي.. أنتظرته طويلاً، وقلت بنفسي إنه لن يعود!.. لكنه عاد.. عادَ هذه المرة محملاً بهمٍّ أكبر يحدثني عما جرى بينه وبين صديقه الآخر!..
سمعت صوت صديقي. أحسست أنفاسه الحرّى تغسلني.
أحسست بدفء الصخر والأرض ورأيت النسغ يجري نشطاً ضمن عروق الأشجار.
«مازلتَ في البداية يا صديقي. أنت لم تستطع مواصلة الاتصال بي لأنني كنتُ عنك بعيداً، وعلماء البشر أضحت لديهم وسائلهم لذلك النوع من الاتصال. وأنت ليس لديك وسائلك!. فأنت مثلاً لم تعرف اسمي بعد!.. ولم تعرف أين كنتُ وماذا فعلتُ، ولم تستطع حتى أن تخمن!.. فكم أنت سجين يا صديقي!.. على أية حال فأنا أخبرك عن قرب. ربما أحتاج للكلمات كما أفعل الآن، وهي كما شرحت لك عند لقاءاتنا الأولى قاصرة حتى العجز لمد جسور الفهم والتفاهم. ولكنك تأتي يا صديقي وأنت مؤمن بي، وبأن هناك طرق أرقى، ولذا ستتعلم.. سترى وستكتشف أن خارج سجن الذات تكمن الحقائق كلها..
غبتُ عنك يا صديقي لأنني التقيتُ وعن قصدٍ بابن السِّـفاح صديقي الذي حدثتك عنه.. طفل صار صبياً قربَ شَبابه، مثلي من سني! ورغم أنه لا يحمل الطول والجسد وقوة السبر التي أحمل، فقد غاص في مستنقع أسياده باكراً.. لم يستعمل الكلمات كثيراً بل قرأت في عينيه كل الأحجيات!.. رأيته مرات بين نساء، وسط نساء. ورأيته مرات بين رجال، وسط رجال.. لم يعد عمله أن يحمل أطباقاً أو في اسطبل خيول.. أصبح مغسولاً بمياه الصابون العطري يمتطي صهوة الأسرّة مأخوذاً بشراب الرغبة..
حدثني أنه فرح بهذا الدور، رغم أنه يحس بمقتله الآتي ضمن نزاعٍ وصراع.
أما أنا، يا صديقي، فرأيت تحت الفرح الكاذب شياظ عذاب، ورأيته طفلاً تمتصه الديدان، وهو ينتظر رحيلاً إلى نفق آخر، ثم إلى مستوى آخر أرقى، حيث كل الأشياء بلا حدود وحيث الوجود غير وجود..
ولذا فقد حدقت به من غير عيون وأخبرته أن يخرج من تلك الدار، ويبحث عن أخرى، فليست كل الدور كتلك الدار..»
· صديقي!.. أليس لي حق في لقاء صديق صديقي؟..
«أنت أيضاً ثرثار!.. قليل الحيلة، كثير الكلمات المحبوسة ضمن إطار! ألم ترَ صديقي الآخر من ضمني؟!.. ألم تشهدني أحمله في جوفي؟!.. أو على أقل تقدير ألم تُحِسَّ ببعض منه معي؟!.. اخرج قليلاً إلى هامش إطارك فلعلك ترى بعض ما أرى..
أغمض عينيك كثيراً، وشاهدني وإياه نتحدث!.. سألته من أنت؟ ابنٌ لعمك أو ابنٌ لخالك؟.. أجابني إنه ابن أقرب!..
سألته ألست جلداً وعظماً وشحماً ولحماً ودماً؟.. أجابني إن ما أذكر مركبةًً وحسب، أما هو في الحقيقة أكثر من ذلك.. ربما مسحة حزنٍ أو تاريخ عذاب.. ربما هو فصل في الزمن المفقود عليه بعض ثياب.. أجابني أن رجاله ونساءه يحبون ركوب المركبة ولا يهمهم الزمن المفقود، فهم ضمن إطار الولادة والموت كما يعتقدون.
وهكذا يا صديقي أعود لألقي عليك تحية المساء، وأقول مجدداً بلغة الأرواح: ابن الزانية لا يختلف كثيراً عن ابن سِفاح.. وأنا وإياك لا نختلف كثيراً إلا في المكان الذي نجلس فيه. أنت جالس على الأرض بين سكان الأرض وأنا في بُعدٍ آخَرَ أعتبره، أعلى، أو أرقى، أو أشد غموضاً لكم ولأعينكم ولآذانكم..
أما أنا فأراه أشد وضوحاً لأنه يلغي أُطرَ السجن وأسوار الأجسام.
قل لي، وقد التقينا، وغاص بعض مني في بعض منك، هل تراني وهل تعرف من أنا؟!.. أظنك ما زلت بعيداً، وما زلت تطالبني باسمي!. ولذا فإنني أعود زماناً، وأنا كما ترى قادر على اجتياز الأزمان، لأحدثك عن رحلتي بعد أن قتلوا الحبيبة، وبعد أن حملني الحقد على أكفه.. وبعد أن غطيت الحقد بالابتسامات..
أعود لأحدثك بإسهاب عن مغامراتٍ كتلك البشرية، وعن مرحلة انتقام لا تختلف كثيراً عما يفعله الناس.»
* * *
(17) التَّحوُّلُ
«هذه لغتكم متعبة، وهي قليلة المردود، بطيئة إلى حد السأم، وأنا منذ بداية حديثي معك بينت لك بأنها قاصرة، وبسبب عجزها عن تحقيق التواصل الحقيقي الكامل بين الناس وبين ما حول الناس فإن الحروب تنشأ والجرائم تحدث وتاريخ المخلوقات في هذا الكون مطلي بالسواد. إن لديَّ اقتراحاً. اسمعني، ثم حاول أن تدرك ما أقول وتهضمه، ثم تعيشه فلعلك تستجيب لي.»
· كنت أستمع إلى صديقي محدثي بالهمس أكثر من الكلمات، وبالنفس أكثر. من الهمس. كنت ملتصقاً بالأرض والصخر والنبات وتحت وقع أنفاسه - أنفاس محدثي - ونبضات هالته المؤثرة. كانت عيناي مغمضتين، وأذناي مغلقتين ولساني ساكن وجلدي في غيبوبة وكأن هذه الحواس ليس لها وجود، غير أنه مع ذلك كانت قدرتي على الاقتراب من فهم صديقي أكبر.
«اقتراحي، وقد قاربتني، وعرفتَ مسببات الحقد الداخلي لدي، وأصبحت لديك الشفافيةُ الكافية لتدرك الأشياء من غير الكلمات، اقتراحي هو أن تريحني من الصناعة اللغوية وترتيب الحروف، وتقوم أنت، وكأنك أنا، برواية قصتي، عِشها كما عشتُها، خذها مني بالشفافية والإحساس الأعمق والأرقى. كن مكاني.. كن أنا.
انس جسدك المفصول عن العالم، وتعلم أن تكون شيئاً من العالم وللعالم ضمن وحدة متكاملة للكون.
أراكَ تغوصُ أكثرَ في الأعماق وتبحث عن النور في داخل ذراتك، وهذا شيء مبهج أن تدخلني أكثر، وتتحدث عني من خلالي.
أرجو منك أن تَصدُقَ الآخرين قصتي، وتتحدث بكل الصدق الذي يمكنك جمعه كبشر، مستخدماً كل أسرار اللغة، إن كانت كلمات أو جملاً، أو صوراً أو رسوماً أو موسيقى أو شعراً أو أغنية أو همسات.. فحتى لغتكم لم تكن فقط بالكلمات وحسب إنما هي بما ذكرت أو ربما أكثر مما ذكرت..
خذ مكاني!.. أمسك كتفي، وقرب أنفاسك مني، وادخل تاريخي وأحاسيسي، واقرأ.. وقل. قل كل الأشياء. قل من غير تردد. لا تخش الموتَ فإنه تحول إلى دار بقاء أفضل، ولا تخش الناس، فمصير الناس إلى رب الناس..»
· كنتُ مغمضَ الجوانح المعروفة.. مفتوحَ الأرجاء النورانية، أرى الآخرين عُمياً يتخبطون تسير بهم رغباتهم إلى صراعات ونزعات.. وجدتُ نفسي مكان محدثي..
رأيتُ نفسي في القصر رهينة بين نساء ورجال، والنقمة تأخذني مجراها، لأن أمي وحبيبتي ماتتا تحت عذاب الظلمة، ولأن أرضي تعمق فيها اللون الأصفر.. ولأن العهر يجتاح سوادَ الدنيا..
تاريخ محدثي صار في داخلي.. مشاعره باتت ضمني، إحساسه بالظلم تملكني.. فأصبحت سجين أعراف الناس، ولم أعد سوى خادم فتى جميل البنية قويها يشتهونه ويخافونه، فهو فتى بدأ يتطاول كعملاق يخرج من قمقم!..
«هو كذلك. خذ مكاني. لا حاجة لك لأن تأتي الرمل والشجرة والصخرة بعد الآن.. يمكنك أن تحسها وتراها في أي مكان، على سريرك وبين غَيرِكَ، في يقظتك وفي حلمك، في صحوتك وفي ضعفك.. تابعني.. تابعني، وأنا فتى الحقد، مثل أمثالي، أنمو بين الناس..»
* * *
`القسم الثاني:
(18) السِّباق
· أنا هو ذاك محدثي!.
خذوني منذ الآن هو. أغوص في لبه ومراكز حياته ما استطعت. اعتبروني نسخةً عنه أو عالماً من عالمه. ليلاً من ليله ونهاراً من نهاره.. وشاهدوني على أنني هو في المرآة..
منذ هذه اللحظة أنا أتحدث وقد سكنتُ عضلة لسانه، ربما وقد سكنت غرائزه ودوافعه وتاريخه وأحلامه..
فأنا الآن الذي أشرَبَتهُ أمه السمَّ صغيراً ثم ماتت تاركةً إياه وحيداً يرتوي من خلال يده الغارقة في ماء الجدول. أنا الآن ابن الزنا يرى أيّاً من الرجال أباه، وأنا من سرقه النخاسون وباعوه، وأنا من مزقت الذئاب حبيبته قبل أن تتفتح براعمها.. أنا من وضعوا فيه كل مساحات الشر.. وأنا من التقى بصديقه الصغير ابن الزنا الأكبر.. وأنا من تجمعت في داخله كل عناصر النقمة، وعلى مظهره كل مقومات القوة، وعلى وجهه كل عناصر الخديعة.
ولأنه كان فتياً، أنا فتيٌّ، وكل ما دخل في داخلي منه كان فتياً أيضاً.
· أنا هناك بين نساء ورجال، يرتوون من عرق أقنان الأرض، يتضرعون لله بالخير يطلبون منه العون، ويجعلونني أشم عطورهم المخلوطة بأنواع الرغبة..
· تكرار المشهد أمامكم ينزع مني القدرة على قراءة الحياة بشكل أفضل.. فالمشهد أنني سلعة تباع وتشرى، وكذلك تستعمل حتى الاستهلاك، تتجدد بالتلميع، ثم تُعاوَدُ للاستعمال.. ولا فرق، فكل سيد وكل سيدة قادران على وضعي قيد الاستعمال.. طالما أنا سلعة.
· لكن قراري في داخلي لم يكن من أجل أن أبقى كما وضعوني، إذ جعلتُ أسلحتي قيد الشحذ. أيقظت في عضلي القوة وزوقت على شفتي ابتسامة، وتدربت على صنع الكلمات.. تدربت على قوة عينين كالفولاذ.. وعلمت بأن هذه الأسلحة المشحوذة هي أقوى من كل الطلقات، لو قدرت على وضعها في موضعها في كل الأماكن والأوقات.
· كنت أجري كالخيل في حقل القصر فجراً وهواء الصبح يمزِجُ الدماءَ غزارةَ قوةٍ. كنت أقفز بطلاً للغابات بين الأرض والأغصان. كنت أشرب ماءً يأتي من تحتِ تحتِ سراديب الأرض، فأنا لم أنسَ أبداً أنني ابنٌ للأرض..
أصبحتُ آلة قوة.
كنت أستلقي فأشهد الفضاء بلا نهاية فتمتد آفاق نفسي وأصبح أشمل في الرؤية.
أصبحت أقدر على رؤية ما في الناس. تعلمت كيف يفكرون وماذا يريدون.. ماذا يذكرون وماذا ينسون..
وأول خطواتي كانت أنني تحديت أترابي من عبيد الأسياد، في سباق جريٍ أمام النخاسين لأنال الإعجاب..
كلهم وكلهن جالسون وجالسات يرون السَّبق يلمع في يدي، فتعجبهم بطولتي.. وتعجبهم أكثر قامتي.. يصفقون وأنا أقربهم، وكثيرٌ منهم ومنهن قد غاص في عينيَّ حتى القرار..
علمت أن بعض صباياهم قد غرقن عن غير دراية في بحر دوار، يصعب أن ينجو من يغرق فيه..
وهكذا بدؤوا يرونني بالمنظار الأجمل..
نخاسي راح يتباهى بما يملك، والسمينة ذات الشحم تحت الجلد، تتحدث عن مزايا الصبي غائر العينين ذي اللون الطيني.. وصغيرة الجيران صارت تراني في الأحلام..
· سبقت أترابي في الجري وفي القفز وتسلق الأشجار.. تعلمت أيضاً الرقص على الألحان الفرحية وأعطيتها نكهة صحراوية، وأخذت بعضاً من دَفين الألم وأدخلتها فيه.. فأصبحت كل صغيرات الجيران يرينني في الأحلام وفي غير الأحلام.. تعلمت، قراءة الحرف سرقةً عند مفاصل خلوتي بعيداً عن الأعين، فهم لا يريدونني أن أتعلم.. تعلمت أن أفهم ما يكتبون وأن أقدر على كتابة، لو أحببت، ما يقرؤون.
وبذا صارت تأتيني كتابات يدوية صغرى من تحت الأبواب، وعند المنعطفات وعلى ضوء القمر.. وأنا أقرأها ثم أجمعها، في زاويةٍ من مخابئ الجدران..
* * *
(19) المبيع
· أنا هو ذاك محدثي!.
كَبُرَ جسدي وترعرع. نمت عضلاتي. نضجت سمات وجهي. نمت قدرتي على السبر في خلفيات الأمور. أصبحت لا أحتاج لوقت كي أفهم.
أصبحت أستطيع استقبال خفايا العقل من العقل من غير لغات.
قالوا إني في شكلي ساحر بالمعنى الجمالي، وقالوا إني في ضمني ساحر يعمل باقتدار.
في السباقِ سبقتُ، وقد أصبحتُ شهيراً يتحدث عني الناس. أسرّوا لي بالأسرار لعلي أفك رموز التعاسة من صناديق الرؤوس ومجاري الأحداث، ثم أغرقوني بهدايا. حوّلتُ الهدايا إلى مال ثم جمعت المال فوق المال.
ولأنني محبوب بين الخلق، أصبح نخاسي يخشاني، ولإحساسه بأن عندي بعض المال صار يعطيني بعضه الآخر..
وهكذا نَمَوتُ شباباً كبذرة صحراوية ارتوت من غابة فيها كل الزرع وانتشرت فيها كل الأحياء، البريئة منها والوحشية.
· أنا هو ذاك محدثي!.
ولأنني أحدثكم بالشكل العام، ولا أُفصِّـل فيما أتحدث، فقد قررت أن أريكم بعض مشهد من لقاءات تمت بين من اشتراني وبين صاحبةٍ دسمة.. لأن في المشهد أسرار تطفو، كما الفقاعات تبقبق على سطح الماء، وضمن الماء ثورة الغليان.
جلس النخاسُ من اشتراني يدخن سيجارة غزيرة الدخان، على أريكته ذات الأعمدة، منهكاً مقصور الثياب، وغرفة نومه واسعة متعددة الزوايا والمرايا، سميكة في مفروشات الأرض، منمنمة في مفروشات الجدران.
النسمة أخاذة تأتي من نافذة تطل على مساحات الأرض والأشجار والعبق النبتي. جلس النخاس، وبقايا الموسيقى مرميةٌ في أرجاء غرفة نومه، وراقب صاحبته الدسمة باسترخاء وقد فاتته الرغبة منذ ثوان. راقبها تصفف شعراً في الفوضى، وتسدل بعض غلالات الستر على اللحم المكوي.
ناداها النخاس وأجلسها جنبه وقال لها بصوتٍ تَعِبٍ يأتي من قعر إنائه:
- هل رأيت إلى الصبي يكبر يتطاول ويتحول من رقاد العشب إلى نخل الصحراء؟!.. ألا تحسين به أمراً آخر غير المألوف.. كأن بذرته جاءت من نَبتٍ شيطاني!. أصبحتُ أخشى أن أصدر له الأوامر أو حتى أن ألقاه. إنه مطيع مبتسم!.. لكن قامته الأخّاذة، وعيناه الغائرتان القويتان، وابتسامته ضمن لون العسل الغامق أمر مختلف بالمرة.. بت أنا أخشاه، لأنه يزداد قوة وجمالاً وسيطرة على محبة الآخرين.. ولأنني لا أعرف أسراره، بل هو الذي يعرف أسراري.. وفي كل مرة أعمل شيئاً أحس بأن ابتسامته تتحدث.
أجابته عشيرته الدسمة باستعلاء:
- إنك تضغط نفسك في قارورة. ليس هو إلا عبد لك وصبي.. والناس تفرق بين السيد والعبيد. لو كان يضايقك، فبإمكانك أن تبيعه أو تطرده.. بإمكانك أن تنسى الصحراء التي أتى منها…
- منذ أن صلبتُ قرينتَه الصغيرة.. منذ أن ماتت فيها الحركة، وأنا أخشاه.. بل أنا أحس بأن شيئاً هائلاً ما سيحدث في أي وقت، وإنني لو طردته أو بعته أو حتى أودعته بئر الظلمة.. أو حتى أسلخته جلده أو شوهت له وجهه، أو أعجزته في ساقيه.. فلن يتغير شيء فيما أخشاه.. لأن ما أخشاه مازال من المجهول..
- أعطني إياه!.. فأنا أحب أن أعتصر المجهول وأستخرج منه الأسرار..
- كأننيلم أسمع شيئاً قلتِهِ!.. لأنني رغم الخشية، فإن في داخلي شيء يهواه.. وهو أمر أيضاً مستغرب..
· غطس النخاس في داخله وأحس بأن الفتى ليس غريباً جداً عنه، بل هناك جذور تربطهما، كالقاتل أسير عيني ضحية. هو الآسر له، والمأسور، كمن راح في الصمت يدور، يبحث عن شيئ لا يعرفه، وهو مغروس في الأعماق.
- أعطني إياه وسأعيده لك أكثر تهذيباً. سأعلمه كيف يحب الأسياد، وكيف يضع عينيه في الأقدام عندما يخاطب تلك الأسياد.
· ارتاح النخاس للقول، فلعل في الصاحبة الدسمة ما يستطيع كشف رؤى القادم من أيام، وقال لها:
- عُضّي على شفتيك عهداً أن تعيديه بحلول الزهر القادم. وأنا سأعلن أمام الناس أنني بعتك إياه..
- نعم، فلتعلن ذلك. ولكن الأكثر أهمية هو أن يقنع هو بالإعلان. فإن عَلِمَ أسرار هذه الجلسة، فلا يفيد الطريُّ في قطع الصَّوان.
- غداً سأبيعك إياه.. اجعليه عبداً كالعبيد.. أسبلي عليه الذلة، وأفقديه ابتسامته وذكراه.. اشطبي لونه من جدول الألوان، واجعليه بلون الجاريات الخبيئات..
· أنا هو ذاك محدثي.. صارت لي نخّاسة دسمة. أخذتني إلى دار أمسح فيها أو أطبخ أو أسقي الوردات. ممنوع عني أن أرفع وجهي..
ولكن نخاستي في أول الأمر ما عرفت أنني أدرك من غير الأعين، وأن كل ما أعمل يزيدني قوةً، وأن غوصي في الأعماق لا يحتاج إلى لغة مألوفة..
· أدركتُ شيطانَها الذي استفاق، وأنها بالفعل اشترتني، وأنها لم تستعرني كما فهم نخاسي.. بل هي أرادتني لها.. وكما أخذت قصراً من قصوره فهي قد أخذت أيضاً عبداً من عبيده.. وكل ذلك ثمن بخس لِكيِّ الجلد إلى أن يسيخ الدسم من تحته..
* * *
(20) زيارة
· أنا هو ذاك محدثي!.
من أجل أن أتعلم لباقة العصر لم أعد أتحدث عن نخاسي نخاساً، ولأنها امرأة دسمة أصبحت أناديها سيدتي.
وسيدتي هذه صاحبة السيد أبقتني رهن البيت، سراً من أسرار الأسوار، سراً من أسرار الأنثى الذهبية!. سكنت هي الأخرى عند شجر الحديقة، وأرسلت للسيد - النخاس - القديم، أنني شغلها الشاغل للتدريب، وهي من أجله تصدُّ عَينَيَّ، وتفقأ الابتسامة عن وجهي، ثم تعطيني حجماً أصغر..
لكنها كانت كذّابة!..
فقد كنتُ في الحقيقة لعبةَ امرأة منفية!.. وليس النفي هو البعد المادي وحسب!. كنتُ لها جسراً تعبر عليه الرغبات.. وأنا أردتُها أن تكون جسراً للحريّة!..
سيدتي!، طوعُ بنانِكِ سيدتي!.. إن شَحّتِ ابتسامَتُكِ خذيها مني!.. وأن استرخى قلبكِ يوماً، فليجرِ معي فرحاً خلف الآفاق البشرية!..
سيدتي قَبِلَت أحجيتي، وكانت تدرك أنني مجبول برياءٍ، كذّاب كغيري، أو أكثر من غيري، لكنها غطت وجهها بكريمات لزجة ورقائق عطرية!..
أفاضت في اللعنة أمام الناس، ولسيدي القديم بالرسائل الورقية!. تحدثهم عن وقاحتي وعن قسوة تدريبي، وعن سجني في بيت الجرذان.. والقضيب الرماني في يدها يلسعني كشيخ الكتاب القديم في القرية، هكذا قالت للكل.. وهي وأنا نعلم أنها مدعية، وأن غرفتي لا تسكنها الجرذان، بل المرايا، وفي الركن مياه ساخنة وثياب أنثوية مرمية!..
قلت لسيدتي إني أرغب بالجري أسابق الحمام الزاجل والطائرات الصنعية!..
- كيف لك أن تجري!.. والرجل الأسود في القلب له رجال كثر على الطرقات، يرقبُ كل رمشة عين في الأنحاء!.. سيجتاح مملكتي، لو علم النخاس أنني وإياك على قرب.
- لا ضيرَ سيدتي!.. قولي إني عبدٌ فك قيوداً، وجرى مجنوناً، لكنه يعود إذ يأكله الجوع!.. وإذا لم يعد فالكلاب ستأتي به في رمقه الأخير!.. قولي سيدتي!.. والكل يصدق، والكل لديه استعداد للتصديق..
وأنا سأعود سيدتي.. لأنك أحلى امرأة في الدنيا.
كنتُ أعلم أني أفّاقٌ، وكانت تَدرِكُ الكذب لدي!.. لكن كلانا كان راضياً، كما يرضى الناس كلهم بالعوالم التي يصنعونها.
وهكذا كان!.
خرجتُ من الأسوار، تركتُ الشجر الجميل المنمنم غزير الأوراق والمسقي حتى التخمة، والمزدرد بالمخصبات ذات الماركات العالمية. خرجتُ، إلى البرية، حيثُ أضحت الشجرة شجيرةً، وحيث أصبحت الغابة حُرشاً، وحيث يشح الماء، وحيث تصبح الأرض أكثر عطشاً.
رحت أسرع بالخطوة!.. رحت أركض. أجري كالطير مقصوص الجناحين.. قلبي يهتاج وقد شَرَّعَ أبوابه لهواء آتٍ من جهةٍ بعيدة..
طارت بي أشواقي وطرتُ بها، أحسست بأن الناس دخلوا في جوف التربة.. أصبحوا بلا لونٍ أو كلمات لا يأكلون طعاماً ولا يطرحون نفايات كالأبقار.. تمنيت لو أن البشر لا يأكُلونَ ولا يُؤكلون..
لكنني كنت أدرك أن الدنيا ليست كذلك!..
جريت حتى سبقتُ نعليَّ ولمستُ الأرض. جريت حتى سبقتُ ثيابيَ ولمست الريح.. جريتُ حتى خرجت من جسدي ووصلت بغيتي..
وهناك في الأرض القفر، وعند الغروب، وعلى التراب الهش، ألقيتُ خفقاتي وكل الشقاء..
وغُصتُ في التراب حتى الأعماق..
فقد كانت هناك ما تزال ترقد بقايا حبيبتي الصغيرة.
* * *
(21) أبناء الضباع
أنا هو ذاك محدثي..
ومحدثي ما زال يرتجف.
· لم أبرح مكاني حتى امتزجت عذاباتُ صغيرتي بي، وعلقت أيامُها القصيرة بمفاصلي.
نهضت أكثرَ استعداداً للنقمة، وأكثر اقتداراً على رسم الابتسامة، وأحدُّ بصيرةً في اختراق الحاجز الأعمى للأشياء.
ذكرتُ سيدتي الدسمة ورأيت الشحم يغطي العالم، فما أن تبدو الشمس حتى تظهر الزوايا الخبيئة وتفوح أرواحها..
ذكرتُ سيدي، النخاسُ المبطورُ، من اشتراني، ورأيته يستل من تحت لحمه سكين الذبح للحم حبيبتي الصغرى، وكل حبيبة صغرى في كل الدنيا في كل الأزمان.
ذكرتُ أبي المُسَمّى مخدوعاً، وأبي الخفيَّ جُرماً، وأمي تخطت، مهدورةَ الإنسان، احتمالاتِ كل نواميس الإنسان..
ذكرتُ صديقي الطفل الناتج من لقاح سِفاحٍ أعمى يجري بذرةَ سوءٍ، يرغب في صحائف بيض، لكنه من زرع بغاء أسود، لا يعرف إشراقة صبحٍ، ولا يؤمن بالإيمان..
فعضضت لساني، ومسحت عينيَّ وعيون الآخرين ضمن الأجفان، ومشيت بخطاً أبطأ أثقل، أعبر دروب البلدة وأمر بالأبواب وألقى الصِّبيَةَ أمثالي، أقنان الأرض، وأقنان المطبخ، وأقنان غرف النوم..
ألقى صديقي هذا ابن زانية القربى، وصديق ذاك رضّاع البقر، والثالثُ مجدوع الخِصية، والرابع من زرعِ الألم، والخامس المُبيَضُّ من الكنكنة في أماكن الظلمة، والسادس بديل الأزواج، والسابع المخبول من خلط الأمور بالأمواتِ بالأحياء.
كلنا أكلت مشيمتنا الضباع.
ألقى أمثالي، ألوانهم من ساقيةٍ ماتت ثم تجدولت فتلون حوضها بالأخضر، لكنها ما لبثت أن غابت في أرحام حروف التفاهم البشري، عندما انتُزِعَ عنها ومنها ومن حولها قلبٌ صافٍ خفاق بلون التفاح.
ألقى أمثالي، أشد على أيديهم، يشدون على يدي، ونكتب عهداً، خارج ألواح التاريخ الأزوَر..
كان الكلام قليلاً، فاللغة هنا ليست بالكلمات، ربما يتحدث لقاء الأعين أكثر، ربما ينقل لقاءُ الأيدي أكثر مما تنقله اللغات.
ربما تلقى الأرواح في جمعٍ يفهم الأسرار ويخلط الجراح ويوقظ الأشباح.
كان الكلام قليلاً، كان اللقاء طويلاً من الصباحِ إلى الصباح. أنا هو ذاك محدثي، ومحدثي ما زال يرتجف!..
· عاد كل من الأقنان إلى قنه وقد حمل معه قصة العبيد في ثورانهم وفي مصرعهم، ذاتَ تاريخ ما..
عدتُ وعادوا ونحن على موعدين، الأول ليلَ كل بدرٍ شهري، والثاني دائِمٌ نعيش فيه في ضمائرنا كل الذي جرى ويجري وما سيجري من آثام.
غادرتُ أصحابي أمثالي، جميعاً نحمل في الداخل أن هناك خطيّةً، وفي الأنحاء تنتشر تلال الأخطاء. افترقنا ونحن نعلم أن الضعيف ليس له جولة، عرفنا أن أول الأسلحة هو المال.
نحن لا نؤمن بالأوراق النقدية، ونعرف أن تفاحة أكثر فائدة منها.. لكن بها سِحرٌ نعرفه يخترق غضب النخاسين. عرفنا أن آخر الأسلحة هو الهرب وحمل السيف والرمح فتكون نهايتنا الجسدية كنهاية ثورة العبيد على هامش التاريخ البشري.
فرحت سيدتي الدسمة، وهي تشجبني وتوبخني على هربي، ثم تسامحني لأنني عدتُ من نفسي ولم تأتِ بي الكلاب الوعرة.
فرحت سيدتي الدسمة أكثر وهي تودع زوارها وتغلق الباب ثم الباب، ثم تنقلب من سيدةٍ بعصا إلى كتلة جوعٍ تشهق بالدمعة.
أمسكتْ يدي. سحبتُ يدي. رأيتُ يدي جافةً كصحراء رمال..
ولم تدفأ يدي لتعود للغوص بالدسم إلا بعد أن التحفت بورق مطبوع، حديثاً يطقطق، عيون الناس تراه في الأيام والأحلام..
باعوني كثيراً.. ولكنها المرة الأولى التي كنتُ فيها أبيع نفسي وأقبض الثمن..
كنت أعلم وقتها أن كل أصحابي من الأقنان قد باعوا مثلما بعت، وقبضوا كما قبضت!..
* * *
(22) الجريمة
· أنا هو ذاك محدثي!..
نمت آخر الليل طويلاً بعد جهود تضني. واستفقت على أصوات نزاع بين رسول النخاس وبين سيدتي. السيدة الدسمة تتحدث عن أني أشد خطورة مما سبق، ورسول النخاس يلقي خطبة موعظة يتحدث فيها عن خطر الإهمال.
فنخاسي مستاء لأنه لم يعتد على خسران، فكيف به يخسر مرتين؟!.. خسر صَبِيَّهُ السبّاقَ الذي كان به يتباهى، كما أضاع عشيقته الدسمة.. وهو لذلك مستاء يريد استعادة أملاكه.. لكن السيدة، ولخوف في الداخل، ترسم الابتسامة على الوجه، ثم تميل قليلاً، وبالصدفة تفتح عن صدر غانية.
قالت سيدتي:
قل لسيدكَ إني قادمة له، فليكن في أشد حالات الراحة، وليسعد فإني طوع رِضاه. قل له إني سأحتاج لكأس آتية من رف الأحلام.
ابتسم رسول النخاس ومال قليلاً نحو الصدر يعاني من قِصَرِ الأنفاس.
وهكذا ولى الرسول مبتهجاً.. وخلفه كانت ابتسامة سيدتي تتحول إلى مكر الثعلب على فكي ضبعٍ ذي ظهرٍ متصِّلب.
حضنتني، حضنتني حتى أحسست بإيقاع القلب يهز كل الأعضاء.
علمتُ عندها أن أمراً ما سيقع، وأن الليل الآتي ليل سوادٍ كالقطران.
رأيتُ سيدتي تتمدد، تتمطى، تتثاءب، ثم تنام، وسيدتي لم تعتد على نوم الأنوار. هي أسيرة الليلِ، تحب الليلَ، وتتحول إلى كتلة موجٍ في ظلمته، والموج أمر فيه الحيرة، قد يداعب جسماً منتهكاً ويزيل عنه الإنهاك، وقد يأخذك في تلافيفه ويقطع عنك أغذية الدم.
سيدتي أفاقت، دخلت في الحّمام، خرجت امرأة محنطةً بالأصباغ.
عطرٌ فوّاحٌ آتٍ من أرضٍ قديمةٍ خلف بحار. ثيابٌ كلها في مجموعتها يمكن وضعها تحت إبط واحد. خرجت سيدتي مرسومة مثل عروس المولد إلا أن في غلافها شِقٌّ من رأسٍ لقدمٍ، يكسر أسباب التحفظ والاستحياء.استجابت سيدتي لليل، وغنت بتقاطيع الكلمات. حملت زجاجة عطر صغرى، وضغطت عليها بالأصابع الخمس، وضاعت عيناها في الآفاق، ثم استردت ذاتها لذاتها وألقت على منكبيها ورأسها ستاراً قاتماً لإظهار العفة والإباء.
انسلت سيدتي في عب الليل تاركة بصمة قبلتها الدسمة على ضفيرة رأسي.. تاركة بعض الكلمات: نم يا صغيري هذه الليلة وحيداً..
· أنا هو ذاك محدثي.
ومحدثي كان يتململ في داخلي شاعراً بالغربة مما يجري، خائفاً من وقع الضربات..
· أنا هو ذاك محدثي..
نمت وحيداً.. دائماً كنتُ وحيداً. مع أمي كنت وحيداً.. مع صبيتي المفارقة صرت وحيداً.. وأنا في النوم أرى أبعد من كل مسافة وبعيداً عن كل زمن، أن حرباً ستقوم قريباً..
سيدتي الدسمة لن تفارقني، ونخاسي لن يرضى بخديعة.
وأنا عملي أن أرقب لأرى من سيكون صاحب الأمر والنهي لدي.
كنت أعلم أن سيدتي أكثر مكراً ودهاء، وأن نخاسي أكثر قوة وتعداداً.. وأن عندي الصبر الكافي من أجل النصر الآتي.. فأنا عبد ليسس عندي رمح لأثور.
عادت سيدتي عند الفجر ألوانها خَلطٌ، وابتسامتها عَجَبٌ، وبعض جوانب جلدها بلون زهر الرمان.
أمسكتني، حضنتني، هصرتني، عضتني كي لا تنسى أنني ما زلت وُجوداً. قالت إن الأمر قد فات، وأن ما أرادته دوماً هو شيء آت. قالت لي ألا أبكي جزعاً، وأنا أبداً ما كان البكاء طريقي.
مدتني سيدتي على سمك السجاد، وراحت تتفحص فيّ كل شيء وهي غير مصدقة ما ترى، وأنا غير مصدق ما تفعل!..
كانت تراني في ذاك الفجر صغيراً كالأطفال. أحسست بها أماً وجدت ابنها المفقود..
بكت حتى غسلتني بالدمع غزيراً.. خافت وتشنجت وارتعدت ونظرت عبر النوافذ ترقب الفجر القادم..
ارتخت وغابت، كما يرتخي ويغيب المعذبون عندما يستسلمون.
نهضتُ بنصف قامة أتفحص أنا أيضاً ما يجري!..
رأيت أمامي كل شيء يتحدث..
رأيت يديها فارغتين.. فقارورة العطر المضمومة ما عادت موجودة!..
* * *
(23) لون الأرض
أنا هو ذاك محدثي.
· سيدتي الدسمة مالت للنحف، ذابت خلال ساعة.. تبللت الأرض بعطر وعهر، وعادت إلى طبيعتها الأصلية.. امرأة من أجل شراهتها قتلت، ومن ثم اكتشفت أنها قُتلَت بالقتلِ، فراح الماضي يأكل في الحاضر حتى يدميه ويهصره ثم يذيبه. رأيتها تصغر وتضمحل كثمرة خضار ضخمة وضعتها في عين الشمس.. توضّع الشعر في الجلد وتراخى.. ازدادت خطوط اليباس.. وعندما جاؤوا للقبض عليها بتهمة قتل النخاس كانت قد أضحت عظماً..
وهم يسوقونها كانت آخر الكلمات:
- من أجلك قد فعلت الفعلة.. ولك أترك كل ما تحت يدي، إلى أن يجيء أوان العودة!..
· رغم أن ليلهم عندما يطال صباحهم، يسعدني ويرضي حقدي، ورغم أن الذي حصل كان طفرة طبيعية لنوع العلاقة السُّمية الموجودة عند الأسياد، فقد تألمت كثيراً. لم تخطر في بالي أمي، ولم تخطر حبيبتي فلا شبه في القضية. الذي خطر في بالي صراع النخاسين على الأملاك.. ووجود صراع من هذا النوع، هو طبع آدمي غير موجود في الضباع..
· جلست وحيداً في غرفة أسموها غرفة أحلام.. جلست وحيداً بلا ريشي مذعور القشرة.
آكل من لُبَدِ الساعات التي فاتت، وأستعيد رحلة القاهرين والمقهورين في أمعاء الظلمة.. كحيات البطن، تتصارع تلتف تمتص وتفرز السموم .. ثم تأتيها موجات التفريغ..
· أردت نظم قصيدة شعر أَحولَ.. كتبتُ على الأرض، كتبت على الجدران.. كتبت على الأثواب، وعلى ملايات الأسرة..
كتبت حتى أضحت كتاباتي رسماً بلغة لا يفهمها الناس.. حكيت عن بذرتي المحرمة، وعن الخيانة الدائمة.. سردت قصة أرضي المسمومة العطشى، وقصة الاندثار في الجوع، والاختفاء في الأمراض.. جعلت من الدنيا لوحات من زمني، مدهونة بألوان الدم والدمع والغلالات والسكاكين والشجرات..
قلت في قصيدة خلطتها بعطور سيدتي وبقاياها، إن الموت هو الشطآن، وإن الميلاد هو الدخول إلى الدنيا، والدخول إلى الجسد هو الدخول إلى بيت السجّان!.
· سيدتي دخلت ضمن الجدران، والنخاسون أكثر قسوة في شغفهم، وفي الكراهية..
ذابت سيدتي. يبست سيدتي، ثم آلت إلى بقايا..
ألقوها بقرف مع باقي البقايا.. حيث سارت مع المياه الآسنة لتسقي البستان!… شجر ينمو في كل مكان، يأكله البشر، وتأكله الدواب، فيتوه في عالم النسيان، لكنه يعود ليظهر في كنه حياة المولودين.
· مشيتُ، خرجت من الغرفة، غادرت الدار.. بعدتُ عن القصر، إلى أن جئت الأرض القفر، وجدت هناك قَرابةً بيني وبين الأرض القفر.. ولأنني كنت وحدي ألقيت بأسمالي بُعداً، وشاهدت لون جلدي يكتسب لوناً ليس أرضياً.. ومن أجل أن أستعيد لوني استلقيت عارياً على الأرض أشهق بالنحيب من غير دموع.. التصقت بالأرض أستمد منها تجديد حب الأرض التي أنا منها وإليها عائد ككل الأجساد، وفوقها وفيها سأحوم ككل الأرواح.
كنتُ مذهولاً حتى الغيبوبة، وأنا ملتصق بالقاع، فرأيت أمي والحبيبة تنتظران مجيئي، وتشداني من كل الأضلاع..
كما رأيت الصغار من الأقنان أمثالي يشدونني لأبقى معهم.. فقد قالوا إن مهمتي لم تنته بعد..
* *
(24) الزعيم
· عندما اقتربت من الصخرة المنفلقة، والشجرة الريانة، والتصقت بهما وبالأرض، وأسبلت جفوني وأرخيت أكتافي، وتنفست أعماق الأعماق، ما أحسست بمحدثي يأتي، وما سمعت صوته جلياً يخرج من خلاياي.. أصغيت حتى نهاية الإصغاء، وتراكمتُ كتلةً من السكون حتى تهادى قلبي في دقاته..
ولم يأتِ محدثي..
تعلمت منه ألا أسأل (لماذا)، فهي كلمة نسيتها، بل أن أسأل (كيف)؟.. و(كيف) تعني الرغبة بالمعرفة، بينما (لماذا) تعني الاستهجان والاستغراب. قال لي إن (كيف) تهدي، و(لماذا) تفرق بين الأحبة والأصحاب.. ولذا فقد كان سؤالي: كيف يتواصل حديث محدثي؟..
وهنا أجابني صوتٌ واسع يهز الأرض بثـقل: اغرس نفسك كلك في جوف الأرض، وستسمعني!.. فحديثي منذ الآن يأتي عند الجوف الأعمق.
عيناي وأنفي في الريح، والباقي مخلوط بتراب بواقي الأيام المرتحلة. سمعت صوت صديقي، وعدت مجدداً لأكون: أنا هو ذاك محدثي أرى وأسمع ثم أروي، من دون الكلمات.
· أصحابي من الأقنان، أعادوني إلى البيت الذي صرت به ذا شأن. إبطاً لإبطٍ، وإبطاً لإبطٍ تتلاقى وتشكل خطاً طوله طول الآفاق..
أعادوني للبيت بلا سيدته، ثم نظروا إلى وجهي ويديَّ، وغاروا في عينيَّ، نظروا في دورة عضلاتي، وفي شعري المسترسل، وأحسوا أني مقدامٌ لهم.. فاجتمعوا حولي، وحدثوني عن متاعبهم، وكأنني أستطيع تغيير هواء الزرائب الداخل في أنوفهم، أو استبدال طينهم بعسل الأزهار..
لم تلق عيوني عيونهم زمناً بطول البحر، فَنَسِيت أمواجَها، لكنني عرفت بدون عيون أن القن من الأقنان أكثر ترحاباً في ضمائرهم من أي نخاس حتى لو كان مبرقعاً بشظايا التيجان.
كان لديهم ما يفرحني، فنزلت عند رغبتهم المعلنة وعند رغبتي المخفية في أن أجتاز سلوك عبيد الأرض والإسطبل والفراش.
وهكذا رفعت رأسي وابتسمت واستقبلت من دخائلهم بعض الأوجاع..
قلتُ لهم إني منذ الآن صدر مفتوح وبيت مفتوح، لكن عليهم أن يستبدلوا كل العَرَقِ بالذهب وأن تصير لدينا غرفة من الفولاذ تتكوم في داخلها الأموال.
* * *
(25) الاجتماع
«اغرق حتى العنق ولامس ما تحت القاع. اجعل نفسك جزءاً من موج الأرض، حتى تعرف أكثر من غيرك أن الحياة والموت أمران طبيعيان ولا يتناقضان.. ولكي تعرفني أكثر من غير كلام، أنصت.. أنصت حتى تَلمَسَ دبيب النمل وزحف الدود، وجري الدم في الأعراق يجتاح الأسماع..»
· أنا هو ذاك محدثي..
ودائماً كان محدثي يقترب مني ويقرِّبني منه، ويسعى لأن يزيد التصاقنا، وافتراقنا، لعلني من أجل أن أحس بالفرق بين كوني بشر عادي، وكوني أعيش المرتبة الأرقى في التواصل.
لعله أرادني أن أعرف الفرق بين كتلة بشر كالمعزاة، همّها سلخ قشور الأشجار، وبين كتلة بشر تركب موج الريح، وترى وتسمع من غير عيونٍ أو آذان..
· وَجَدتَني أدخل مراتٍ، كما رأيتم، موجَ صديقي، أنسى نفسي، فتسمعون مني صوته وترون في وجهي صورته.. وكما قلت دوماً من غير عيونٍ أو آذان..
ولذا، فأنا هو ذاك محدثي..
عندما اعتقدوا، الأقنان أمثالي، أنني ملجأ لجميل الآتي من أيام، سمعوني، وقبلوا مني، واعترفوا برجاحة عقلي، وسداد الخطوات.
سيدتي الدسمة غابت، لا أبحث أين.. والنخاس أنتقل إلى بُعدٍ أخر.. أيضاً أمي، والحبيبة الصغيرة في بُعدٍ آخر.. أطفالٌ كثر ذهبوا قبل حلول الأوان على نعوش لم تكن موجودة، فاستعاضوا عنها بأسراب الذباب.
استندوا إلى زندي، ابنُ السِّـفاحِ، ابن تلال الشهوات، ابن جبال الغيم، وابن الأعشاش. ارتاحوا إلى عضدي، ثقبوا حيطَ التنك الَملويِّ، واخترقوا، بهدوءٍ، أُسُسَ التعليمات.
اليومَ عملنا سَبَقاً وأصبحنا مشهد طرافة، فدفعوا لنا قليل قروشٍ وضعناها ضمن صندوق الحديد، وقلنا إنها قطرات..
والغدير دوماً ينشأ من تجمع القطرات..
اليومَ نعمل قرداً للضحك، ونعمل مسرح نخاسٍ وعبيده، ونصر على ضحك الأسياد.. إلى أن يضحكوا حتى الرجفة وتسقط منهم بضعة قروشٍ أخرى نجمعها ونكومها في بيت المال..
لكن جمع القرش ما كان غزيراً، ما كان يكفي لأن يتغير يوماً الحالُ إلى آخر.
جلسنا عندي جلسة عمل، كما يفعل أصحاب الأعمال، وتبادلنا النظرات، فكان من الأقنان فئة أولى قبلت سمات الأقدار، وكان منهم فئة ثانية قبلت قوانين التفاوتِ والسعي إلى الأفضل دون آثام..
وكانت منهم فئة ثالثة شددت على أن ما لديهم هو نتاج السرقات من كل الأنواع، وهذا يبرر أن نسرقهم بكل الطرق المشروعة إن وُجدت، وإلا فبالطرق المخفية خلف القوانين البشرية..
وانتظروا رأيي!..
أعرف طرقاً أخرى..
أنتَ يا قنَّ البستان، قتلوا أباك وأخويك في حربٍ بين طالب قوة وطالب مال.. وأنت يا قن الدكان أخذوا من عينيكَ بيتك وقطعوا ساقي أبيك.. وأنت يا قن السرير.. اجتاحوا أمك وأختيك..
مثلكم مثلي.. نعيش مرحلة الآلام من كثرة الآثام.. وقد جاء الآن أوان النقمة.. والانتقام لا يكون بحمل السيف أو بتوجيه هبّات النار..
أعرف طرقاً أخرى، تقوم على استغلال الرغبات..
سكتُّ طويلاً.. طويلاً طويلاً.. حتى بان لهم عظمي من تحت غلاف الجلد، وأحسوا بالعار.. لكنهم قبلوا، ثم أخذهم الحماس، ثم صاروا لي رهن إشارة.. وطلبوا مني تفسيراً..
تابعتُ حديثي مبتسماً..
كل الرغبات لديهم شريرة وأنتم تدرون تماماً ماذا لديهم من رغبات.
إنهم شرهون للبلع الدائم.. ضعوا تحت أنظارهم ما يرغبون مزيناً بالألوان.. ثم أفرغوا كل جيوبهم حتى لون الخيطان.
إنهم يشترون حكايات العار.. خذوا منهم الثمن الكافي. كل منهم يرغب بسقوط الآخر.. أفهموهم أنكم الأداة لذلك ودعوهم يدفعون لكم مجدداً، ثم دعوهم أيضاً يدفعون..
إنهم شرهون للحمكم، فدعوهم يشمون رائحة اللحم مقابل قنطار ذهب..
ارقصوا أمامهم وخلف ظهورهم وفي دخائلهم ليل نهار.. إلى أن تتطاولوا أنتم ويتقاصروا هم..
وَحَّدتكُمُ المصيبة، وفرقتهم الرغبات. تذكروا دوماً أن أكثر ما يفرق في مرحلة الدنيا هي الرغبات.
* * *
راح الأقنان أمثالي يعملون بهمة ونشاط..
لم نهدر كثيراً من الزمن حتى امتلأ صندوق الحديد الأول، فوضعنا إلى جانبه الصندوق الثاني..
* * *
(26) الحرب
· أنا هو ذاك محدثي.. تخلى هو عن الكلمات.. وتخليت عنها أنا.. وما يقلقني أنني ما زلت أتواصل في كثير من الأحيان ومع الآخرين، بها، وهي كما تحدثنا سابقاً قاصرة، بل هي أضعف وسائل الاتصال.. فهم يتحدثون عن نصف ما لديهم ويصل نصف ما يتحدثون، ويُفهم نصفُ ما وصلهم ويعملون بنصف ما فهموا.. كما سبق وأن بينت في سردي لهذه القصة.. بل ربما أصبحوا يتواصلون وكأنهم يرون عالماً متكاملاً يظنونه الحقيقة وهو ليس إلا قشرها.. وهو ليس إلا صوراً متحركة تم طبعها على أشرطة من بلاستيك ومعدن.
· أنا ما زلت أتواصل معكم من خلال اللغات، ويؤسفني لذلك أن يتم سوء فهم، أو قصره، بيننا، وهو أمر مألوف في هذه الحالات. وأنا على ثقة بأنه عندما يتم التواصل بيننا بطريقة أكثر رقياً.. قد تكون البداية هي في أن نتأمل وجود بعضنا، ثم في أن نتبادل الأمكنة، مثلاً..
- عندها تخف علينا وطأة الحروب والصراعات..
· أنا هو ذاك محدثي..
ورغم النقمة العارمة في داخلي، ورغم أن أكثر من صندوق معدني قد امتلأ، ورغم أن ركوب مطية رغائبهم كانت هي الوسيلة الساقطة، إلا أنني ما فهمتُ - رغم فهمي - لما حدث بعد ذلك.
أصبحتُ شاباً.. أصبح الأقنان مثلي شباباً.. أصبحنا ثمراً ناضجاً لمن يريد أن يظهر قوته فيشنق رقابنا، ولمن يبوح برغباته فيغير في لون أجسادنا، ولمن يموج بالرذيلة فيه فيبدع في ألوان السباب.
ربما فهمتُ شيئاً من هذا، فهي طباع بشرية، وليست طباعاً أخذوها من ضباع..
أنا علمتُ بأن مشيمتي قد أكلها الضبع، ولأن مشيمتي صارت شيئاً من خلايا الضباع، فأنا أفعل ما أفعل، وليس على وجهي أثر بكاء.. وأنتم تعرفون من خلال سردي، ولو أنكم لا تحسون، شيئاً من تاريخ رحلة الصحراء وبيتَ القمر المرسوم كتلاً من البيوت والحجر.
وأنا هو ذاك محدثي، الذي ألتقي به كل غروب عند الصخرة والشجرة والنسمة وقلب التربة.. وأنا أتحدث، ولسانه هو ما عندي.
ولأن الذي ما لديه هو الذي لدي، فأنا أنط كالضفدع في الوعاء المغلق المعلّق فوق النار…
لابد من أن أصل إلى النقطة الحرجة بعد هذه المقدمات. أنا مجبر، ولقد حاولت تجنبها ما استطعت.
في هذه المرة أحدثكم، ومحدثي قد غمرني ودخل في كل خلاياي..
أحدثكم عن بشرٍ تجاوزوا كل طباع الحيوانات الضارية، والكواسر، والزواحف الخبيئة.. الحيوان يقتل للحاجة. والحيوان لا يقتل إلا ما يريد أن يأكل، أو إلا من أجل أن يدرأ عن نفسه الأخطار، والفرق الأكبر هو أن تلك المخلوقات الأدنى لا تقتل أبناء جنسها.
البشر يصفقون لسباق الكلاب، وقد اخترعوا جهنم الوسائل لقتل الآخرين- الضعاف- بالجملة.
البشر أصبحوا أكثر رسماً للابتسامات، وهم ينتزعون حقوق العمر كله بثنيات رؤوس الأقلام على الأوراق..
البشر الحمقى، وبدون إدراك الأسباب، يقتلون بشراً حمقى مثلهم.. يقصّون الساعد من إبطه، ويكسرون الساق في فخذه، ويتركون العيون لترى ما يجري.. ومن الأشد مرارة أن ذلك يجري تحت ظلال الغابات..
ولأن لازمة الأغاني تتكرر، ولازمة الحروب تتكرر، فقد قمت في يوم لزج ليلُه بالكوابيس والتوابع الضخمة التي تخطف الصغار والكبار، قمت وأنا منفرد على سرير سيدتي، أسمع إيقاع التنين المعدني يخبط في الأنحاء..
عرفت أن الأسياد اختلفوا.. وهم دائماً مختلفون، ولأن أسيادنا مختلفون فقد اختلفنا نحن الأقنان..
السيد الأول كتب على رايته إنه من أجل العدالة ثار، وكتب السيد الثاني أنه لا يقبل بالعار، وقال السيد الثالث إنه يدافع عن أقنانه، أما الرابع فقد كتب دون أن يعرف من يتبعُه ما كتب لأنهم لم يتعلموا بعد القراءة.
سالَ الدمُ. رسم بؤرات على سطح التربة. تفرقت أجساد فوق الأرض.. والأرض ترفض الدم والبؤرات والأجساد وتعطيها للذباب والديدان.
جال وصال هديرٌ كالزلزال.. سقطت الأعمدة الواقفة..
اشتعلت الحجارة بركاناً.. ومشت موجات السم تشل الأوصال، ولم تعد الحياة في عصمتها لا النساء ولا الرجال ولا الكبار ولا الأطفال.
القتل جاء، من الأفق، من الهواء، من تحت الماء.
سكن الأنين في الآباء والأبناءِ، في كل الدروب والزوايا..
وفي كل الأنحاء قتل الإنسان الناسَ، وقتل الناسُ الإنسان..
* * *
`القسم الثالث:
(27) مكسب قصير
· أنا هو ذاك محدثي.
أفرزت الحرب الكثير من المقعدين، والكثير من المقاعد لحمل المقعدين، كما أفرزت الكثير من العميان، والكثير من الكلاب لجر العميان.
وكذلك الكثير من القبور، والكثير من الضباع لنبش القبور..
الجوع أصبح أمراً مألوفاً. جالت السرقة في الأنحاء. ومن لديه بعض المال يَطالُ الحلال وغير الحلال.
وأنا القن قبل الحرب، ومعي بعض الأقنان.. خرجنا من جلد الثعبان، وابتسمنا فقد أحزننا ما كان، لكننا لم نكن الذين اخترعوا الحرب..
نحن جئنا كالفطر يأكل في البواقي.. أو كالضبع الضعيف يقتات من النوافل والأجداث..
ولكن قانون التحوِّل في الأشياء لصالحنا.. فقد خرجنا من الضعف ومن ظلم الناس..
ذكرتُكِ سيدتي، ووسط دسمك شكرتُ لَكِ نَفسَكِ جِسراً من أجلي.
ذكرتك يا حبيبتي الصغيرة التي رضعت الأرض بقاياك..
ذكرتك يا أمي، وأنت الآن جذور الأرض
وكل الأشياء..
ذكرتك يا صحرائي، ويا ساقيتي، ويا بئر الذباب، ويا ضفادع الثعبان..
ذكرت أني في مرحلة الخراب وارتحال الكثبان..
أغلقنا تاريخ العبد، وأضحينا أصحاب القوة والسطوة، فأرادوني - صحبي هم من أرادوني - أن أجلس في الصيوان، وبجانبي ابن السِّـفاح، وأمامي صدر هائل من فاكهة الأشجار.. وعلى البلاط الملون ترقص العرايا.
جلست بعض رجالٍ كالموتى.. وآخرون للتصفيق، ثم وقف من يقرأ شعراً..
قالوا إني رجلٌ للآتي من سعد وهناء.. وأنا لم أصدقهم، فقد كنت أعرف طباعَ البشرية..
مدينتي اتسعت، ومن أجل ذلك أكثرتُ من الحراس. ولأنني أتعب بالقنطار فقد أمرتُ بقليل من حفلات الرقص. ولأن حفلات الرقص جميلة فقد أكثرتُ منها.
نسيتُ أن الزمن هو الصفر.. وأنه مهما طال هو صفر.. وظننتُ خداعاً أنني لا أتحول..
لكن، وأنا أعتاد على المتع المألوفة، استفقت ذات صباح..
رأيت أقداحاً باقية حولي..
علمتُ أنني لا أفترق عن طبع الذئب الأغبر الموجود في كل النفوس البشرية.. علمت أن حقدي يقتل غيري وهو كذلك يقتلني.. فكرت في إعادة ترتيب الجدول. كتبت على ظهر يدي، أنني في الحقيقة بلون الأرض، رغم مسحات الكريم والشحوم التي تغطي جسمي..
قلت لمن حولي.. إني ابن زانية، فقطبوا وجوههم.. قلت لهم إني طفل مسروق من صحراء.. فأشاحوا عيونهم، قلت لهم إني رجل مملوء حقداً.. فابتأسوا..
تهامسوا، وطال الهمس. عرفتُ بأنهم لا يريدون من يعترف لهم، بل من يخدعهم.
قلتُ إني عبدٌ في يوم ما لنخاس سرقني من نخاسين آخرين، ثم قتلته نخاستي الدسمة.
وإذ بهم يصيحون: خذوه فغلوه. ليس وحده أن تصلبوه، بل كل من كان عرقه بلون الأرض..
نحن بلون الزهور، هكذا صاحوا، وهم قد نسوا أن الزهر على الشجر جاء من رضاع الأرض..
وهكذا كان..
لففت ذيلي وحملته بين أسناني وانكفأت إلى داري أجمع المال.
* * *
(28) النبع
· أنا هو ذاك محدثي يحدثني ويُخرِجُ تعبيرَه من خلال لساني على إيقاع أحشائي.
أنا هو، غوّاص الأرض، لمّاس الصخر، مَسّاك الأغصان، بيّات الخفق كالضفدع في طين الشتاء..
إنه هو الذي يصرخ، فيتزلزل العالم. يبقى الزلزال في داخلي، ولا يخرج مني سوى بضعة كلمات لا تعبر إلا بضحالةٍ عن الحقائق الأبدية.. ولأنه ليس بيننا من وسيلة اتصال حتى الآن سوى الكلمات القاصرة فلا بد من استخدامها..
أنا هو، أجمع المال لأهرب.. مالي ومال الأقنان الذين عملوا تهريجاً طوال تاريخ، ومال النخاسين الذين باعوا العبيد بأكثر من أشجار الأرض..
ولأن الطائرات سكنت، والقطارات خرجت عن سككها، ولأن السيارات تثـقّبت مستودعاتها، ولأن الضباع كانت بعيدة فقد لجأت إلى الحمار الصابر أختاره رفيقاً لدربي بين الجبال.
ولأن المقام هنا صعبٌ أن يطول شرحه فإنني أختصر مشيراً إلى أن الأزمان لدي مقصورة، ففي كل نقطة زمن مقصورة تعيش كل الأزمان، كما ثبت أن كل خلية في جسم ما تحمل كل عناصر الأجداد والأحفاد. ولذا فإنكم ترونني أتحدث عن الطيران في وقت البغال، وعن الحمير في وقت الهاتف النقال.
ولكي لا تتداخل الأمور من خلال تداخل الكلمات فإنني أرجع إلى قطع النقد التي تحملها الحمير.. وأنا. حمّـلت الحمير مالي، وحملتُ أنا علف الحمير.
وِديانٌ مثل مكامن الزواحف، وجبال مثل أعشاش العقبان.
تعفن الهواء في القيعان، وتراقصت النسمات فوق رؤوس الراسيات.
هربتُ، رغم أنني لا أخاف، ورغم إيماني أن ترك أسلوب البشر في الحياة ليس سقوطاً بل ارتقاء.
هربتُ، لأنني رغم إثم الآخرين، فأنا ابن زانية وآثم، وكوني ابن زانية لا يحملني وزراً.
أنا بين ثنيات الأرض وحميري. حميري صابرة، وأنا كذلك.
ولأنني أريد أن أريح الجسم المهروس بعبء المجريات، أردت أن تستريح الحمير كذلك.
وقفنا، واستلقيت، عند نبع دفقه بحجم القلب ونبضه بقوة نبضه وتواتره، غير أن النبع كان أنقى من الدم.
تركتُ حميري تشرب قبلي.
عند النبع شجيرات عطشى.. حملت لها بين كَفَّيَّ وفي فمي بعضاً من ماء الري..وسقيت.. قدر ما استطعت.
فرحتُ لفرح النبتات.. آمنت بأن النبتة تفرح كما الإنسان.
هو يبتسم وهي تزهو بالألوان وتشتد أوتارها في الأغصان، وتصبح أكثر رقصاً في الريح.
أصبحت الحمير والنبتات والنبع أصحاباً لي.. ثرثر النبع بأغنيات، وترعرعت النبتات وكبر فيؤها.. وتبلور دفق النبع كدفق قلوب الفتيان.. وأحسست بسَعدٍ مَسروقٍ لا متناهي..
أنا والحيوان والنبع والغصن والليل والنسمة.. نحن جميعاً بلا زمن، نحس بالأم الأرضية.. تصبح دموعنا وسائل اتصال.. تتلاقى إيقاعات قلوبنا، ونتمنى لو أن الزمن تجمد مع صمت الكلمات..
أصبح عالمنا فوق العالم، ونبضنا فوق النبض.. وأصبحت فرحتنا فوق الأفراح..
لكن التحول آت..
جاء بعض الأقنان يحملون جراحهم إثر الحرب، يتهادون كمن يحمل موتاً على كتفيه، وقد مات الدمع في مقلتيه، وغاض الدم من جلده..
فرحوا للقائي لأنهم رأوني حلاً للعبء المحمول..
وأنا كنت بين نقيضين. أنا قد فرحتُ لأن المظلومين أمثالي نجا بعض منهم، وهم سيكونون عوناً ورفقةً وستاراً..
واجتاحني بعض الارتداد والخوف في جوفي، لأنني رغم معرفتي بالظلم، فقد كنت ابن زانية وزاني.
لم يكن بينهم صديقي ابن السِّـفاح، وقالوا لي إنهم شنقوه..
جلسوا مثلي. جلسوا حولي.. جلسنا نفكر.
وكانت الحمير، وكان النبع، وكانت الشجيرات، كلها مثلنا تفكر.
* * *
(29) النوم
· توسَّعَ النوم وتعَمقَّ إلى أن جذبنا إليه ثم أسقطنا فيه حتى غرقنا واستغرقنا.
اليقظة هي سيادة النزعات والرغبات والسجن في قمقم الجسد، والنوم هو انطلاقة النفس، وربما الروح، في أبعادٍ أخرى.
كنا سبعة فتيةٍ لوننا بلون الأرض وأربعة من الحمير، ونبع وشجيرات وجبل وصخر ووادي.. كنا العالم كله في تلك اللحظات.
أما الصفات المشتركة بيننا فهي أننا مقهورون من المفترض أن نعطي وألا نأخذ..
سبعة من البشر فيها سمات الذل، والجهد، والصبر، دون الشكر على ذلك، وهي صفات الحمير الأربعة أيضاً. نوعنا البشري يجب أن يكون قِنّاً للأرض أو للبيت.. أو.. كما جاء سلفاً، وعلينا أن نقدم ناتج جهدنا بالكامل للنخاسين، وهذه صفات الأشجار أيضاً..
كان علينا أن نتدفق بالعطاء كالنبع وأن ننام كالصخر، وأن نئِنَّ كالريح..
ولأن أحد السبعة شنقوا كل الآمال فيه فجدعوا له أنفه من وجهه، ولأن الواحد الآخر تلقى مسماراً من الألم في كبده عندما سخروا من أصله وعرقه وجهله وفقره وحماقته وقلة حيلته.
ولأن الثالث زرعوا فيه عتهاً نتج عن النقيض بين ما رآه من اغتناء المدينة والسقوط الحضاري.
ولأن الرابع تلقى بصاقهم الكاذب والمخادع إلى أن غاص فيه.
ولأن الخامس كان حماراً النقل، ولأن السادس كان قرد التجربة، ولأن السابع كان أنا،
ولأننا السبعة كنا كما كنا فقد غرقنا في النوم واستغرقنا فيه..
وهكذا نام العذاب والتاريخ، كما نام الزمن والمستقبل..
كذلك نامت الدواب والأشجار. سكنت الرياح، وهدأ الماء على فم النبع.. وتوقف الزمن الذي نعرفه.
ولأن كل شيء كان خارج الزمن فقد سار الزمن بعيداً مفارقاً إيانا.. كئيباً ولكن على الآخرين. نحن كنا خارج حدوده.
ما عرفنا اختلاف الفصول أو درجات الحرارة ولا دورة الأرض، ولا تحولات البيئة. تجاوزنا فترة قتل الإنسان للإنسان وخرجنا من دائرة العصيان إلى دائرة الأمان. وعاء الأجسام أصبح خارجنا، ولذا فقد انطلقنا.
انطلقنا في كل الأنحاء، ورأينا كل الأشياء، وشاهدنا معدن الصلبان وقلب العميان، وذرات الحديد، ودود الحجر، ونسغ الشجر، وجذب القمر، وموت البلدان، ودم الأحبّاء.
رأى كل منا أمه وأباه، وحبيبته المطعونة.
رأى كل منا أرضه وصباه، ومشيمته الملعونة..
رأينا النخاسين في أجواف مراكب مائية وترابية وهوائية..
وكنا نحن الأسرع، لأننا خارج إطار الزمن والأجساد..
رأيناهم قد اخترعوا الحجر والسكين والمقلاع.. ثم رأيناهم وقد صنعوا بندقية ودبابة وصاروخاً وليزراً..
وكنا نحن الأسرع لأننا خارج إطار الزمن والأجساد..
كنا لصق الأرض حتى نبتنا فيها ومنها ولها.. وكذلك كانت أشجارنا وحميرنا والنبع.
في مقياس الزمن نمنا.. وفي المقاييس غير الزمنية صرنا طيوراً كالأشباح من غير جناح. ليس لدينا حواجز.. نسافر ونجتاز الحواجز كالأرواح.. اختلفت مفاهيم القيم. ما عدنا نطرح فضلات وما عدنا بحاجة لغذاء.. ما عدنا نخشى الموت فنحن داخل معناه. ما عاد النصل يقطعنا فنحن خارج الأجساد. ما عاد الطلق يصنع غاراً من إدماء..
ما عاد الظلم يعمل فينا ولا الإغواء..
ما عدنا شيئاً موصولاً في مقياس الدنيا.. ولا شيئاً يُدلق في الزوايا، أو شيئاً خاضعاً للإجراء..
كنا نفساً وروحاً ترى الرؤية أكثر عمقاً، في بُعدٍ آخر، هو أكثر شمولاً، وأكثر صدقاً.
رأينا العالم والدنيا، وسبرنا أغوار الميول والأهواء والشهوات، وعرفنا قانون البدء والانتهاء، وقانون الخروج على القانون..
فضحكنا رغم أن الذين خارج الزمن يرون ولا يضحكون..
لكن ما رأيناه من السلوكيات البشرية كان كافياً لنضحك حتى أشداق الأشداق، رغم أننا كنا خارج الزمن والأجساد.
* * *
(30) الحياة في الموت
· أنا هو ذاك محدثي.
لكي تفهمني بعض الفهم تعرَّف على موجات الكون. إنها تسير من غير حواجز، وتجتاز جدار الزمن. تتوازن وتتوحد وتشكل المنطق الأرقى والصلات الأعمق التي تتجاوز سر الكلمات.
ونحن السبعة والأربعة والنبع والشجر والصخر والوادي، كنا فوق سمات الأجساد، في عالم هو أرقى من موجات الكون..
في أعراف البشر نحن موتى.. وفيما نعرفه نحن، فقد أصبحنا عند الأحياء.
تحدث البشر طويلاً في البلاد البعيدة وفي الهضاب الأعلى عن وحدة في الكون. الكون واحد ولا يمكن أن يكون إلا واحداً، فالأشياء المنفردة المعزولة ليست منفردة ولا معزولة، فهي حسبما رأينا ضمن قانون التحول، وهي أيضاً تؤثر وتتأثر ويتكرر أشباهها لكنها هي لا تتكرر. الماضي يفعل في الحاضر والحاضر تحصيل الماضي، والمستقبل يتوالد مما فعل الماضي ومما يفعل الحاضر.. الكواكب تسبح في توازن والتوازن سر البقاء والخلود الكل يأتي من الكل ويتحول إلى الكل..
ولهذا فعندما نمت وناموا وأصبحنا في عرف البشر موتى، كان من السهل أن نخرج على كل القوانين الفيزيائية المكتشفة، وأن نسبح ضمن قوانين أخرى هي قوانين الكون الأرقى.
ولأن الليل هو المصباح، ولأن القبور هي أماكن الولادة، ولأن كل ما لا يمكن ممكن،.. اقتربت أنا ورفاقي أبناء القهر سلع النخاسين، اقتربنا من النبع والتصقنا به، واقتربت دوابنا وأذابت مياهه في خلاياها.. ومن خلال النبع اتصلنا بأعماق الأرض والصخر وجذور الأشجار..
وأصبحنا على التصاق وعلى موجةٍ واحدة خارجة عن نظام الدنيا.. أصبحنا أقرب، وتداخلنا.
تداخلنا، كما يدخل غاز في غاز فيخرج ماء.. أو كما يدخل معدن في غاز فيخرج ملح.. أو كما يدخل مخلوق في مخلوق فيخرج مولود آخر.
وهكذا خرجتُ أنا..
«يا صديقي، إن كنت ما زلتَ مفصولاً عني، فلأن دخولك في الأرض والصخر والشجر والنسمة وفي نفسي ما زال ناقصاً.. ولذا فإنك تسمعني بعض الأحيان.. أما عندما تعرفني دون أن تسمعني أو أن تراني.. فأنت عندئذٍ مني أقرب.»
· وهكذا خرجتُ أنا.. بعينيَّ الواسعتين العميقتين كضوئين في غارين، وبجبهتي وصدري العريضين، وبشعري الطويل المجدول..
خرجتُ من دخول سبعة أشخاص يحملون العار الإنساني، وكذلك من دخول أربعة دواب ضخمة، ومن دخول أشجار وينابيع وصخور..
خرجت من كل ذلك، وفي صلبي أمي.. وأبي وساقيتي الذابلة، وفي صلبي سيدي النخاس وسيدتي الدسمة..
كما خرجت من الظلم، خرجتُ من العار، وكما خرجت من أعباب الليل، خرجت من أسرار الديار.. خرجت من روح ابن السِّـفاح، وخرجت من رغبة أقنان الأرض في تحقيق انتصار..
أنا لم أعد أنا.. بل أصبحتُ الكلَّ أنا..
أنا الكأس المملوءة بقطراتٍ من كل الأصقاع، أتت من كل الأزمنة، ولامستها كل الأيدي فاحتوت كل العوامل المرضية وكل عوامل الشفاء.
أنا الكأس التي استعصت في التحليل على كل المخابر البشرية.. ففي تلك الكأس تسكن كل الأفياء والأدواء والآباء والأبناء، وملامح الصفر.
هكذا خرجتُ، وهكذا دخلتُ وعاءً من لحم وعظم، لأتحدث كما يتحدثُ اللاهثون وراء الأوهام...
أمازلت تبحث عن اسمي.؟...
· انتفضتُ كعشب في النار!.
«أمازلت تبحث عن اسمي..؟.. ما زالت أمامك خطوات..
اخرج مني الآن.. فأنا نصفي شيطان ونصفي إنسان..»
* * *
(31) بين عالمين
«أغرق نفسك في الطين كما تفعل الديدان. أغرق نفسك في الماء كما تغطس الحيتان.. أغرق نفسك في الصخر كما تفعل موجات الرادار.. أغرق نفسك في نسغ الزهرة كما تفعل حبات الطلع..
اذهب في قلب النسمة كما تفعل شطآن الشمس، واغرس نفسك في الظلمة كما يفعل إشعاع النور..»
· أصبحتُ طَوعَ إرادة محدثي.. أغوص في الطين والماء والصخر وتحت لحاء الشجر أذوب مع النسمة وأسري مع الأشعة.. فأنا أملك جوازين هما جواز الجسد وجواز الروح.. ولذا فالحرية ملكي أتنقل بين البلدان.. أصبحتُ بدون الزمن أتواجد في كل الأكوان..
· ما كنتُ الأقنان السبعة والدواب الأربعة وماء النبعة، ونسغ الشجر وصَلدَ الصخر وحسب!.. كنتُ التاريخَ منذ ولادة أمي، بل قبل ولادة أمي.. ومنذ الساقية وقبل ولادة الماء، ومنذ رحلة النخاسين بل قبل ميلاد أجدادهم، بل قبل نشوء الإنسان.. كنتُ التاريخَ منذ نشوء الأرض.
· خذني بين يديك، محدثي، خذني بين يديك. أنا كالجرف الهاوي حتى القاع إليك.. أنا كالفلز الصغير ممغنط مأخوذ بجذب الأفلاك. ضعيفٌ وحدي، جبارٌ فيك..
«أصبحتَ تسمعني من غير الكلمات، وهذا يجعلني إليك أقرب.
أصبحتَ تقفل عينيكَ، وترى بالبصيرة.. توشك أن تراني.
وعندما تراني تعرف اسمي..»
· تتضاءل في وجداني الرغبة، فحيثما أشاء أروح.. تتضاءل في أعضائي الشهوة فأنا موجود في كل المشتهيات.. لو جعتُ لدخلت في لب الثمرة.. ولو جاءتني رغبة الضواري لدخلت في لحم الخرفان.. ولو أنِستُ عطراً لشممته دون مسافات، ولو رغبت بالالتصاق بجنسٍ آخر لخضتُ في موج الأعضاء.. لكن رغبة الأجسام تتضاءل. أضحت ضعيفةً ماثلةً أمامي ترجوني ألا أصبح غير البشر..
· في وقت ما، قد يكون ليلاً أو قد يكون نهاراً، جاءتني أمي من بين الأرواح.. وقد كانت تسبح أنى شاءت، غير مملوكة من محدثٍ أو في حديث.. دخلت في جسدي وحاولت أن تأخذني إلى العالم الذي هي فيه.. كنت ثقيلاً وضخماً وكانت هي أكثر هشاشة من زبد البحر.. قالت لي إنها تحاول ثانية أخذي معها.. حيث الطيور من غير جناح.. فقلت لها: أمي، إنني في النفق الطويل أحمل جسماً، هو ما بين ثقل أوزار الإنسان، وما بين عالمكم الآخر.. أتذبذب يا أمي عند مراكب الرهبان، لا أدري بعد إن كنتُ سأتأخر عند الأجساد، أم أرحل إليكِ وحبيبتي الصغرى حيث تنتشر كثيراً روائح الريحان..
«أنتَ الآن المراسل بين العوالم.. عَلِقتَ في الأجواء.
ربما يُحمِّلك هذا بعض العناء، لكن ما زالت لديك مهمة تنهيها، وأنت بعد ذلك منقول… حيث أمك وحبيبتك وأبناء الزنى وضحايا الحرب والأمراض.. وقتلى الغباء، حيث كلهم لا يعانون، بل هم في موجاتٍ أثيرية مرتاحة وقد توازنوا مع موجات الآخرين وكل المخلوقات..»
· ولأنني أحمل في داخلي كل الأوزار، فقد كان حملي ثقيلاً، ولأنني أتنقل في العوالم أرى كم كان الإنسان جهولاً ظلوماً قاهراً مقهوراً نخاساً مستعبداً.. وكم أن المخلوقات الأخرى تئن من جوره القادم من كل الأنحاء بلا حدود..
· ما هي مهمتي يا صاحبي؟!.
كان صوته قد نأى.. وعندما يبتعد صاحبي أعرف أنه لا يريد إجابتي.. وعليَّ أن أعرف..
لكنه همس بصوتٍ مفاجئ في أذني قائلاً إنه لدي سؤالان الآن لا أعرف إجابتيهما وحدي: أن أعرف المهمة، وأن أعرف اسمه.
* * *
`القسم الرابع:
(32) الجسر
· أنا هو ذاك محدثي..
أصبح جسدي منفياً أكثر. صحيح أن له استخدامات عدة وخاصة من أجل الاتصال بالناس فهم قليلو القدرة على الاتصال بغير الكلمات.. حتى أن اكتشافاتهم الحديثة للأمواج واستخدامها كمتن وسائل النقل.. هي وسائل نقل للكلمات أو ما شابهها.
ولكن جسدي أصبح منفياً أكثر.
اتصالي بمحدثي يومياً عند الغروب صار مألوفاً بل تجاوز الغروب إلى الليل والصبح والظهر والعصر وكل الأوقات.. لا يهم كثيراً إن كان الجسد مغموساً في الطين والعتمة ملتصقاً بالصخر والشجر والريح وشعاع الشمس.. لا يهم فالزمن أصبح هامشاً كما الجسد كذلك.
· محدثي في داخلي يتحدث وأنا وسيلة الاتصال بين الناس وبينه..
· الزمن الذاهب والزمن الآتي في داخلي وأنا الجسر بينهما..
· الجسد والروح مسكناي.. عالم البشر مسكني، وعالم الموج والروح مسكني. هذا أمر عادي لدى كل المخلوقات لكنهم ربما لا يدركون ذلك إلا بعد مفارقتهم لعوالم التحول.
· هنا أسوق قصص الذين توقفت قلوبهم عن الخفقان وماتوا سريرياً بعرف أطباء البشر. لا دم يجري ولا نبضات دماغ ولا ردوداً من أي نوع للأعصاب.
مضت عشرون دقيقة أو نصف ساعة بِعُرفِ السّاعات ثم عاد النبض فيهم مجدداً.. يروي هؤلاء أنهم حاموا حول أجسادهم يراقبون أطباءهم ما يفعلون وهم غير قادرين على الاتصال بهم، ثم يدخلون في نفق معتم قبل أن يحسوا مجدداً بالعودة إلى أجسادهم وهم غير سعداء لذلك.
وعندما يعودون للأجساد فإنما هم وأصدقاؤهم وأقرباؤهم في فرح دنيوي هو من نوع آخر من الفرح.
يروي هؤلاء الناس رحلتهم الطويلة في الدقائق القليلة، ويظن الأطباء والآخرون أنهم قد أمضوا رحلة هلوسة.
· حديثي حتى الآن كان عن محدثي وبلسانه، ويبدوا لي أنه سيبقى كذلك.. فبعد أن دخلتُ أبعاد النفس والروح الأخرى وعرفت بعضاً من طرق الاتصال والتواصل بعيداً عن الكلمات، وشممت روائح ليست كالعطور أو غيرها، ورأيت بعين أخرى غير المألوفة.. بعد كل ذلك ليس لدي ما أقوله عن نفسي!..
لقد اختلط علي الأمر، فما عدتُ أدري من أنا.. أهو أنا، أم أنا هو محدثي..
عندكم أنني ما عدتُ بشراً عادياً، بل إنني البشر الذي لبسه جِنِّي..
وإنه لمن الصعب علي حتى الآن أن أفهمكم غير ذلك.
* * *
(33) الغريزة والجينات
· لأنني هو ذاك محدثي، فقد ساق لي شاهدين هما ما أسوق لكم الآن..
في زمن الجهل الغابر قُرِعَت طبولٌ فهاجت رقصات.. ربما تمايلوا وخرجت الأزباد من الأفواه، إلى أن يصبح الحال خروجاً عن الطبع والعقل والدخول في عوالم غير الحالات المعروفة..
لحقوا الطير ليكتشفوا مخابئ المأكولات. بحثوا عن أعشاش النمل ليعرفوا أسرار الخزائن.. ساقتهم الغرائز وعوالم الخزعبلات..
وبعد أن كشف الإنسان بعض أسرار الكون وأصبح جائعاً لباقي الأسرار أخذ يعيد النظر في أسلوب العرافين، وأصبح يوقن أن طاقات العقل البشرية أكبر بكثير مما عرفوا، وهرعوا ليجربوا الأعشاب القبلية ليغلفوها في وصفات..
كما جلس حكيم الشعب المطموس الجاهل قبل التاريخ يشوي قرن غزال وشحمة قرد وعيدان الأشواك، ثم يرقص ومقربيه فوق النار.. كذلك بعد نشوء المدينة وسقوط الحضارات وقف رواد على إيقاع موسيقى جبلية أو موسيقا ديسكو مهووسة يتناولون أقراصاً أو يشمون مسحوق الأموال..
قديماً كانوا أكثر صدقاً لأنهم أكثر جهلاً، وكان الطريق إلى الحقيقة أقرب. كانوا أقدر على شم رائحة الهارب من حكم مجلس القبيلة، وأقدر على معرفة اتجاه الماء والأعشاب،.. روحهم كانت أقوى.. أما وسائلهم فكانت ما زالت في غيبوبة.
الشاهد الأول ما قلته لكم الآن: البشر أخذوا يكتشفون أسرار الأجداد..
الشاهد الثاني هو علم الجينات. الجينات عناصر صغيرة لم تعرفها من قبل البشرية. تلك الجينات تحمل إرث الإنسان.. إن تحدثنا عن جينات الإنسان.. وتحمل إرث الحيوان إن تحدثنا عن جينات الحيوان.. وتحمل إرث الإنبات إن تحدثنا عن جينات النبات.. وبالتالي فهي تحمل إرث الصخر والتراب والماء والهواء.. وبالتالي إرث الكون..
الجينات لا تحمل إرث الماضي وحسب بل هي تحمل كل اللازم لما يأتي من تاريخ..
وبذا يكون الماضي في الحاضر في المستقبل هو المزيج الحياتي الأكثر صحة ودقة..
وبذا يكون الناس قِطعاً من بعضهم.. وبذا يكون الناس قِطعاً ليست منفصلة من الكون..
وبذا يكون التواصل بينهم ليس بحاجة إلى الكلمات.
* * *
(34) الرسالة
· أنا هو ذاك محدثي!..
ومحدثي يأسف لأنه خرج عن سياق القصة زمناً ليحدثكم عن فلسفة العميان ذوي البصيرة..
· رأيتُ أن محدثي كان على صواب، فقصته مأخوذة من ظلام الغابات.. هكذا شبه قصته، ليس المهم عنده أن تطغى الأشعة على الأرض القفر، لكن المهم عنده، وكذلك عندي، أن الذي يجري هو تحت ستار وفي الظلام وبين كائنات من كل الأنواع..
أي أن ما جرى وما يجري كان دوماً في غابة..
· عند النبع والأشجار والصخر تحولتُ إلى صبغية حملت كل التاريخ وكل آثار الحياة والموت والنخاس والنخاسة وأمي والحبيبة والأرض والساقية والأقنان والحمير..
ثم أصبحت في العالم الأوسط أركب الجسد للقاء الأحياء، وأتركه للقاء الموتى.
الأحياء يخافون الموتى لكنهم قادمون إليهم..
والموتى يضحكون من الأحياء ويُرثون لحالهم..
زرت أمي. كانت أمي جمع ورود، وكانت حبيبتي زراً فيها.
زرت صديقي ابن السِّـفاح، كان صديقي حجراً مثقوباً تدخل فيه المياه وتخرج منه..
زرت من سرقوني في الصحراء. كانوا يمرون عبر النيران ويضحكون. زرت نخاسي فرأيته يأكل ذهباً كالنار..
زرت نخاستي الدسمة، رأيتها مبتسمة ناعمة تستبدل جلدها مرة إثر مرة..
زرت الأقنان.. كانوا يرقصون مع الريح وأيديهم متشابكة،
وجميلات كجنيات البحر يمتطين فوق الأكتاف.. الرقصة كانت مفرحة أبدية..
رآني أبي فقال سلاماً. رأتني أمي فرغبت أن تأخذني في الحضن لكنها قالت إن الأوان لم يأت بعد..
كانت الألوان من غير حدود.. وكانت رقصاتهم وابتساماتهم من غير حدود أيضاً..
هم لا يتحدثون بالكلمات.. ليس لهم أسماء زائفة.. كُلٌّ يُنادى بصفاته..
هم حَمَّلوني رسالة للأحياء، وكان من الصعب ترجمة الرسالة، فجاءت تحمل بعضاً من بعض المعنى الذي أراده الأموات..
ولما أردت أن أقول الرسالة للأحياء، نصحوني أن أذهب لإذاعتهم.. فصوت الإذاعة يُسمع في كل الأنحاء..
منعوني أن أتحدث، وقالوا إن الرسالة حديث الشيطان.. وعندما سريتُ بعيداً عن أنظارهم.. دخلت إذاعتهم، غير أنها كانت ذاتُ أرقام سرية..
* &n