|
Home of Art and Literature |
|
|
||
|
By:
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الغلاف مأخوذ عن تخطيط للفنان سعيد أحمد عبد الرحيم الأحمر |
عن الرواية Introductions
رواية غير مألوفة.
رؤية جديدة لهذا العالم.
«ولأن الليل هو المصباح، ولأن القبور هي أماكن الولادة، ولأن كلَّ مالا يُمكن ممكن....»
* * * * *
«خذني بين يديك، محدثي، خذني بين يديك.»
«أنا كالجرف الهاوي حتى القاع إليك.. »
أهديكَ عملي هذا.. فأنا قد أتيت منك.
أهدي إياه إلى كل الناس،
حتى المذنبين،
فأنا قد أتيت منهم !.
عندما قال قيس بيتيه الشهيرين:
|
أقبل ذا الجدار وذا الجدارا |
|
أمُرُّ على الديار ديار ليلى |
|
ولكن حب من سكن الديارا |
|
وما حب الديار شغلن قلبي |
لم يكن يرى من الدنيا سوى ديار محبو بته وجدرانها التي ملأت حياته وعينيه..
وعندما كان يتحدث الناس عن فلان (العالِم) أو (كبير القوم) كانوا يهابونه، وقد يحبونه أو لا يحبونه، لكنهم في كل الأحوال يرونه كتلة شديدة الغموض ذات سطوة مجهولة ومعرفة بلا حدود..
كانوا يرونه كذلك، كما كان قيس يرى من الدنيا ديار محبو بته.. رؤية ليس فيها تفاصيل كثيرة..
بضعة آلافمن السنين في حياة الإنسان، نقلته من رؤية قاصرة محدودة للأشياء إلى رؤية تدخل في التفاصيل وتفاصيل التفاصيل..
الطبيب..
كان الطبيب فيلسوفاً وشاعراً وحكيماً ومجبِّراً للكسور ومعالجاً للرمد، ختّاناً، محرضاً على الحمل، معالجاً لبثرات الوجه، وكاتباً للحجب من أجل منع الشرور أو كشف المستور..
لم يمض ألف عام ..
أصبح الطبيب يختص في شريان واحد من شرايين القلب، بعد أن هجر موسوعته الضحلة في كل الأشياء.. بالتدريج..
دخل من العموميات إلى التفاصيل، ثم إلى تفاصيل التفاصيل، وكلما دخل في جزئية علمية، تبين له أن هذه الجزئية هي كُلُّ لجزئيات أكثر دقة..
كان الناس يرون أن الوجود يتألف من مستويات أربع هي التراب والهواء والماء والنار.. وأن الإنسان ليس إلا جسداً ونفساً وروحاً.. ولقد قامت الفلسفات القديمة على هذه الأسس.
ومع مرور الزمن أخذ الإنسان يدخل في التفاصيل فيجد نفسه في طرق تتشعب إلى طرق، والطرق الجديدة تتشعب إلى طرق أخرى وهكذا إلى مالا نهاية.
وبرغم انتقال الإنسان على مر السنين إلى التفاصيل الأكثر دقة واكتساب مهارات أكثر فقد أكتشف أمراً خطيراً وهو أنه صار يعتمد أكثر فأكثر على الأدوات والوسائل المتطورة الأخرى خارج نطاق قدراته المحدودة التي خُلِقت معه..
فلم يعد يكفي أن يرى متتبع الأثر الآثار الباقية ليستدل على أن البعرة تدل على البعير.. ولم يعد يكفي أن يرى المستكشف على بعد مسيرة ثلاثة أيام..
لقد أصبحت الأجهزة الحديثة ترى على بعد ملايين الكيلومترات وتعطي النتائج في لحظات..
سلسلة بشرية لا تنتهي من الاكتشافات والاختراعات والاختصاصات اخترقت كل الحدود التي كانت تراها الأجيال القديمة..
إنسان الغار ما كان يرى سوى غاره وامرأته وطريدته..
وإنسان الزراعة دخل في تفاصيل النبت والإنبات..
وإنسان الصناعة دخل في تفاصيل الفلز والصنع والتصنيع..
وإنسان الكومبيوتر دخل في تفاصيل الموجات الكثيرة التي لا نراها ولا نسمعها ولا نلمسها ولا نشمها ولا نذوقها.. الموجات التي تخترق كل الحجب وتأتي بالكثير من الإجابات، لكنها بالتأكيد ليست كل الإجابات..
لقد انتقلنا من مستوى، إلى مستوى، ثم إلى مستوى أبعد، ولكن هناك مستويات أخرى ما زلنا نجهلها، ولا أظن حسبما أرى بمقدراتي الحالية، أننا سنصل إلى النهاية..
ألف سنة وحسب عملت كل هذا التغيير في رؤية الأشياء، فما هو التغيير الممكن خلال بضعة آلاف من السنوات..
هل سينتقل الإنسان، كلٌّ على موجته،..؟ ..
هل سيتصل الإنسان بأجداده القدامى، كلٌّ عبر موجته الخاصة؟..
وهل سيتصل الإنسان بأحفاد أحفاده عن طريق اختراق الزمن؟..
وهل سيتمكن الإنسان من خرق الحواجز بين الأموات والأحياء، فيصبح، عبر وسيلة ما، يأخذ رأيهم فيما يجري؟.
لقد بدأ الإنسان يكتشف، وهناك في العالم آلاف الكتب بل ملايينها يحاول استشراف آفاق العقل البشري، فوجد أن تلك الآفاق بلا حدود.. تحدثت الكتب عن الأحلام وأسرارها، عن سمة التخاطر التي يكاد الإنسان يُقرُّ بها، وعن القدرات الخاصة لدى بعض الناس والتي يستطيعون بها رؤية مالا نرى نحن البشر العاديين..
فهل نحن على أبواب آفاق جديدة في المعرفة والقدرات؟..
أظن أننا كذلك!..
ليس للمعرفة حدود.. ليس للخبرات حدود.. وليس للعقل البشري حدود..
قال أحدهم: إن ما يمكن للإنسان تخيله يمكن تحقيقه بشكل أو بآخر.
أحلام الإنسان تحقق منها الكثير.. ولكن ما تحقق هو قطرة من محيط الوجود والمعرفة..
* * *
روايتي (رسالة للنسيان) تختلف كثيراً في أسلوبها وموضوعها عن الكثير من الأعمال الأدبية التي سمعنا بها..
روايتي هذه بلا زمن معين، وبلا مكان معين، وبلا أسماء..
هذا العمل دخل ببساطة في كثير من الأزمنة فاخترق أبعادها، كما اخترق الأمكنة والحواجز بين الموت والحياة.. ولم يستخدم الأسماء بل الصفات، لأنني أرى الصفات أكثر أهمية من الأسماء.
أنا في هذه المغامرة الأدبية النفسية الروحية حاولت الدخول إلى مستويات جديدة باختراق الكثير من الموانع المألوفة.
وكنت جاداً في المواضيع، ومتحفظاً في الكلمات..
رغم أنني ألقيت نفسي في بحر من الأسئلة والتساؤلات..
فربما تركت على شفتي قارئ ابتسامة سخرية..
وربما تركت على شفتي قارئٍ آخر إشارة تعجب..
ولكنني أظن وآمل أنني سأترك على شفتي قارئ ما دهشةً تدعوه للتفكير..
* * *
أعذر نفسي إذ أتجاوز أحياناً الكلمة المنثورة إلى السجع أو الإيقاع، دون وصاية من الشعر على أسلوبي..
كما أعذر نفسي إذ أكرر الكلمات أحياناً لأؤكد الصور المختلفة، وليس التكرار دائماً سيئاً، بل هو مطلوب وجميل في كثير من الأحيان..
في بَيتي المجنون الذين وردا في بداية هذه المقدمة، كرر كلمة (الديار) أربع مرات، كما كرر كلاً من الكلمات: الجدار، الحب، مرتين..
ومع ذلك فهذان البيتان من أعذب الشعر.
* * * (أعلى)
هذا «المشاغب» يأبى إلا أن يفاجىء القارىء، سنة في ائر سنة، ومنذ العام 1997 بكتاب. هو يضمّن الكتاب مجموعة من قصصه التي يختارها للنشر بكلّ عناية، فتغدو، في تقدير القارىء والناقد والدّارس على حدّ سواء، مَعْـلَما على درب مسيرته الأدبيّة والفكريّة.
بيد أن الكتاب الذي بين أيدينا، ونحن على مشارف السنة الثانية من القرن الحادي والعشرين، يختلف، من حيث الرؤية إلى الحياة عن سواه. ففي كتبه الأربعة السابقة وقفات له مع الملموس من الأشياء والوقائع إن صحّ التعبير، ولكنه في كتاب اليوم «رسالة للنسيان» يصوغ رسالة إلى الذات، إلى كلّ ذات تقترب، مع تسلّل اللحظات، من ساعة الرحيل عن دنياها، وصولاً إلى عالم الغيب، العالم الذي يرى إليه المؤلف عالمَ الأحياء الحقيقيين، فيما يرى إلى عالمنا باعتباره عالم الموتى.
في سياق هذه الرؤية إلى الذات، إلى ذاته تحديداً، يخاطبها خلال لحظات النهار والليل، وكلما تسنى له وقت للتأمل، على أرضيّة يقينه بأنه جزء من خليّة تدعى الكون، جذوره إلى أين تنتمي لا يدري، ولكن الذي يدريه أنه جزء من كلّ، وهذا الكلّ هو جميع من سبقوه إلى الحياة وغادروها، ليعودوا إليها، من ثمّ، على نحو ما، نباتاً، حيواناً، بشراً، في سياق نظرية التحوّل المعروفة عند بعض من فلاسفة العصور السالفة.
ومع أن جولة المؤلف التأمليّة هذه، تشكّل صفعة على عقل القارىء وليس على وجهه فقط، لصراحة نظرته إلى الموت والحياة، فإن هذه النظرة، لتمثّلها الوجودَ المرافق للذات الإنسانيّة في حالة اليقظة، وبالأحرى في حالة «الموت الواعي» أو حالة «وعي الموت»، تنقلب، في سياق التذكّر لما كان وسيكون، إلى مكانٍ كالعتبة، حيث يقف المرء أمام ما هو مجهول، وفي ذاكرته البصريّة تحديداً ما كان قبل الوصول إلى مرتبة اليقظة التي تنتظره مع لحظة عبوره إلى الوجود الآخر، ولا أقول العالم الآخر.
إن وقفة كهذه، أمام ومع جملة من التساؤلات وحالات التأمل التي تصطبغ بها أقسام القصّة الخمسة، تدفع بالقارىء إلى «معايشة» هواجس الإنسان الذي يحاور ذاته كأنها خارجها، إلى أن يصل بالقارئ إلى الفقرة التي تقول: محدثي هو وجه آخر منّي، تحدث معي كمرآتي. كنت على اتصال مع التراب والحجر، مع الليل والقمر، كان في داخلي الظلم والظالم والمظلوم، والذئب والشاة، والعقرب والفريسة، كان في داخلي نسر وبعوض وصفحة بيضاء داخلها خطوط سوداء، كان في داخلي الماء والصحراء، والفرحة والنحيب..
إنه الواقع الذي يؤمن به المؤلف، هذا المشاغب الذي اسمه زهير الشلبي، الذي أبى هذه المّرة إلا أن يخرج على القاعدة التي عمل على أساسها في المرات السابقة، فكانت نقلته من عالم ما تحت البصر إلى عالم ما تحت البصيرة، نقلة نوعيّة في السرد، كما في المستوى الفنّي، تؤرخ له في مستقبل الأيام.
ولا أعرض لفقرات التأمل، والتساؤل مع الذات أو الحوار معها، كلما انبثق فجر أو اقترب ليل، لأن في ذلك انتقاصاً من فقرة ربّما كانت الأجدر من سواها للإتيان ببرهان على عمق النظرة أو اتساع التأمل. ولهذا اكتفي بأن استخلص رؤية المؤلف إلى الحاضر الذي نحياه من قوله «في أعراف البشر نحن موتى، وفيما نعرفه نحن، فقد أصبحنا عند الأحياء». يستخلص المؤلف هذه «الحقيقة» في رأيه، لدى انتقال الإنسان من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة.
ويعمّق الأستاذ الشلبي هذه الرؤية في سياق أقسام القصّة وأبوابها، خطوة فخطوة، محتفظاً بسرّه، وبالتالي بسرّ من هو صاحب الحديث إلى ذات الراوي، إلى نهاية الرسالة، رسالة النسيان، التي تنبّىء بما سيكون إليه غد الإنسان لدى رحيله إلى عالم «الأحياء»، إذ من التراب وإلى التراب يعود، في ختام الجولة الي تبدأ مع لحظة ولادته، اقترابا من لحظة الرحيل، ثانية في اثر ثانية.
ولا يعنى المؤلف هنا، من هو بالتحديد، يكفيه أنه جاء إلى الحياة ليبدأ رحلة المعاناة بين الخير والشر، بين الضياء والعتمة، بين الحق والباطل، بين أن يكون ابنا لامرأة فاضلة أم لامرأة زانية، بين أن يعرف من هو صاحب النطفة التي جعلت منه انساناً أو لا يعرف. المهمّ لديه أن هذا «الإنسان» جاء ليكشف، ليتعرّف، ليضع قدميه على سلّم الرحيل، وهو مؤمن بأنه يبقى جزءاً، جزءاً يكاد لا يُرى لصغر حجمه بالعين المجرّدة، من خليّة كبرى، كبرى، اسمها الكون.
في رسالته اليّ يقول: أيها الرجل العزيز.
ها أنذا آت اليك للمرة الخامسة، آملاً في انك ستجد في عملي الجديد هذا نبضا يستحق أن تتحدّث عنه.
وبصراحتي التي تتعبني، أحياناً، أقول لك أيها الصديق: نبضك هذا يشكّل ما تعنيه عبارة «لا» تنهض في وجه كثيرين من كتّاب القصص والروايات في وقتنا الراهن، حتى يفيقوا إلى أنفسهم قبل أن يكتبوا أو يطبعوا، لأن الكتابة إذا لم تحتضن قضيّة حياتية تؤرق صاحبها والآخرين معاً، خير لها ألا تكون.
د. اسكندر لوقا
هي..
لغة جديدة، وأسلوب عصري، ورؤية عميقة للبحث عن الحقيقة في أفق واسع من العقلانية والمثالية الرمزية وضعها الكاتب بين يدي قرائه ليتحركوا في واقعهم المؤلم للوصول إلى الأفضل والأحسن في مسار الحياة، صور تنبع من أعماق الإنسان ترسم له وجوده الفعلي بين الحقيقة والوهم، بين الخطأ والصواب بين الخير والشر، وبين الحرية والعبودية حتى يصحح الرؤية المجدية إلى بناء الحياة والإنسان بين الموجود والمعدوم بين البداية والنهاية وليقدم قيمة الإنسان وما يحويه في ذاته من سلبيات وإيجابيات يقول مثلاً:
«فاستبشر النخاسون الخمسة وبدءوا يقهقهون هم وهم يمرون بأول بيت وفي بيدهم أثمن صيد…
صبي ليس مثل كل الصبيان بل هو الذي يحوي في كيانه ذرات كل الصبية الذين نفقوا كالشياه والسواقي، والذي يحتوي كذلك على كل الصحراء وعلى كل الذنوب والخروقات والمجاعات والمعاصي والظلم والقهر والاستعباد الأبدي الموجود بين البشر.»
ويرسم الكاتب في (رسالة للنسيان) صوراً متعددة تختلف من إنسان إلى إنسان في الزمان والمكان ويقرر مبدأ عدم الثبات بل اللون متحول فما كان في الأعلى لا بد وأن تدور به الحياة ليكون في الأسفل والعكس بالعكس وليعلن أن إنسان العصر اليوم استطاع أن يكتشف أسرار الكون المادي ويقدم الاختراعات التي أطلق عليها حضارة ولكنها في الواقع كانت سبباً في تدمير الحضارة والإنسان في الكون ولكن لم يستطع أن يصنع الإنسان الذي هو قطب الحياة والخير والسعادة في هذا العالم.
أجل إنه عطاء مميز، وقدرة على التحليل بأسلوب مبسط ربما تسهل قراءته ولكن الوصول إلى المراد منه يحتاج إلى فكر، والتفكير فريضة الإنسان. د.أحمد راجح
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|