البداية    صفحة الآداب    قبل أربعين عاماً

 

                                                                                              قتل العنكبوت  ذبابة ،

 والذبابة ليست عنكبوتاً ..

                                                                                                              قتل الهر فأراً ، والفأر ليس هراَ ..

                                                                                                              قتل الذئب حملاً  ،

 والحمل ليس ذئباً. . .

                                                                                                              قتل الانسان إنساناً ،

 والإنسان هو الإنسان  . . .

                                               رسالة في مياه البحر                                   التل   /    /1972

    

     امتد قوس قزح بألوانه الزاهية يضفي روعة تتمايل لها الأغصان تيهاً  . . . ترتعش لها أعضائي سعادة   . . وتتنشط خلاياي ، ويراوح ساعداي كراقصة باليه تستعد للقاء الحبيب بعد طول فراق  . . . تبدأ الحياة في رسم ابتسامة على شفتي ولكن – ويا لقسوة لكن أحياناً – يمتد نظري الى أعلى قليلاً فألمح أفعى سوداء ضخمة تلتف حول جذع شجرة الصنوبر الأم ، فتموت الابتسامة ويطل من خلفها رعب وقرف .

     كيف ترضى هذه الشجرة الأزلية الضاربة جذورها في جذور الأرض أن تعتصرها أفعى سوداء شرسة؟!  . . .

    كنت منعدم الحيلة ، فتخليت وبعدت وأنا ارقب الجسد المتطاول الغليظ الملتف ينأى رويداً رويداً  . . . رحت أبحث عن إنسان آخر يساعدني في عمل ما للقضاء على الأفعى ولكنني ما كنت أرفع يدي لأدعمها بصوتي مستدعياً  ، حتى اختبأ الناس وراء الأشجار المسطحة القصيرة غير عابئين بندائي  . . .

  

     أشجار الغابة موزعة بانتظام تمتد بينها مسافات من الرمال الجافة .  كان كل رجل يختبئ خلف جذع مفلطح فيقلص نفسه ويتكوم ويفعل أشياء غريبة ، أدير وجهي عنه فيسقط نظري على آخر ، فاضطر أن أستدير مرة أخرى ، أحاول الهروب من رؤية ما يفعلون فأفشل ، فأجد أن لا ملجأ إلا إطباق جفني  . . . أسمع الهمهمات عندئذ ، كمن سكن قاع الجحيم ليتعذب لا من لسع النار لكن من وقع عذابات الآخرين .

 

     أتساءل دائماً لماذا يختبئ الرجال خلف الجذوع المهترئة ليقوموا بأفعال يتنصلون منها أثناء عبورهم من جذع الى آخر  . . . ويظل التساؤل مخنوقاً بداخلي .

    

     شجرة الصنوبر تتعالى الى السماء وسط الغابة مطلة على مرأى كالجنون  . . . ذلك بأنها - لا شك- ترى ما وراء الجذوع المهترئة . أود لو أعتلي قمتها فأرى ما تراه ، أوليست معرفة ما يعمل الناس خلف الجذوع ويخجلون من إظهاره لذة عظيمة ؟  لكن  الأفعى الرهيبة تلتف على الساق وتمنعني من التسلق  . .

 

     أعود لأبحث عن معين  . . . يلتهب عظم ساقي ألماً وأنا أبحث  ، يطل رأس طفل من بعيد صارخاً  ، فأهرع نحوه لكن رأس رجل ضخم يطل بجانبه حاقداً هاصراً إياه فأتراجع   . . . في أعلى شجرة الصنوبر ترتفع الطيور وتغرد  . . . وأنا في القاع أرقى بنظري ولا للمكان نوالاً ، لا أستطيع القفز ، لا أستطيع الطيران .

 

     ينتقل رجل من خلف جذع الى جذع آخر بخفة ورشاقة حاملاً بندقية صغيرة بطول الساعد . انه يتابع رجلاً آخر . علهما يتصيدان مقتلاً من الأفعى ليمهد الطريق لصعود الرجال شجرة الصنوبر ،  كان أملي يزداد مع كل خطوة يخطوانها . لا شك أنهما قد اخترعا تلك البندقية لقتل الأفعى وهما يضعان الخطة لذلك ثم ينفذانها . كان وقع الخطوات يغيب ويظهر ، ينأى ويقترب ، والبندقية تلمع كلما اتجهت نحو الأفعى ، لكنها لا تلبث أن تستدير ويأفل لمعانها .

 

     كان الذي في المقدمة يركض مثقلاً بجذب يشده الى الأرض رغم صغر حجمه ، يلتفت الى الخلف نحو الذي يتبعه . عيناه تجحظان كلما التفتتا الى الأفعى  ، أو الى الرجل الذي يلحق به ، يتعثر حامل البندقية ، فيهدأ الثاني لحظة ، وما أن ينهض حتى يتابع اللحاق به فيضطر هذا الى استئناف الجري  . . .

 

     لو أنهما يقتلان الأفعى ، لاستطعت تسلق شجرة الصنوبر العظيمة ، وشدوت مع عصافيرها ناسياً رمال الأرض الرمادية . ولاستطاع بقية الرجال رؤية ما خلف  الجذوع البالية .

 

     يهرع الأعزل الى خلف صخرة منفردة ضخمة ويغيب إلا أن بضعة شعيرات من رأسه كانت تلعب بها نسمة تتجه نحو قوس قزح يتلاشى .

 

     يكمن حامل البندقية خلف جذع مكور هرم ويسدد ، فأفرح حينما يطلق النار ويتعالى فحيح الأفعى الى الثريا  .. لكن ما هالني أن الأفعى كانت مبتهجة  .. إذ عندما دوى الانفجار الهائل من جوف البندقية ، بدل أن تندثر الأفعى اندثرت الصخرة والرجل الأعزل الذي خلفها  في جوف  السديم القاتم .

      توقف شعوري تماماً  ، لم أستطع البكاء أو الضحك بدأ السديم ينقشع ، لكن الضجيج ظل يخرّش العالم  . . . بينما اختفى قوس قزح وسكتت الطيور .

 كان قلمي جافاً فغرسته في دمي وكتبت رسالة على قطعة من جلدي وألقيت بها في مياه البحر . وعشت أرقب الأمواج أملاً في أن القابع وراء الجذوع المهترئة سيحلل في يوم من الأيام مياه البحر ويكتشف ما كتب في تلك الرسالة . .

  عندها فقط أصعد شجرة الصنوبر .

 

                                  *                    *                          *

 

  البداية    صفحة الآداب    قبل أربعين عاماً