عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

"قد لايكون صديقك

هو الشخص الذي تعرفه."

 

رحلة نائية

 كانت رحلة تمتاز برخص تكاليفها وبمحورها الذي هو بقايا سكة الحديد وقطاراتها القديمة التي تسير ببطء شديد وبأشكال غريبة وكأنها تقوم باستعراضات محدودة الميزة، وربما ما جعلها مختلفة عن غيرها أن صديقي هو الذي هيأ لها وهو الذي أضناني طيلة الرحلة بتأكيداته على جهوده التي بذلها وإلا لما تنعمتُ أنا برحلة كهذه.

تبدأ الرحلة منتصف الليل كي تلقى الصباحَ في أماكن بعيدة. لم يكن يهمني أن أصف وسيلة النقل أو الطريق أو الأرض الخلاء التي عبرناها.. فقد كان صديقي طول الطريق يشغلني. تحدث عن طفولته العزيزة التي كان خلالها يصرف مالاً أكثر من رجل، وعن مدرسته التي كان يهدر فيها أكثر من أسرة، وعن شبابه الذي كان يرس المال فيه أثر من قبيلة.

تحدث صديقي كثيراً عن أنواع الثراء في أسرته وعن المفروشات المستوردة والسيارات الفارهة ضمن ديكورات وجميلات بلا حدود وبلا عدد. نظرت في عينه مستغرباً أنه في كل غناه يأتي في رحلة ثقيلة الدم كهذه.. كأنه فهم قصدي فقال:

- لا تستغرب!.. فأنا ما جئت هذه الرحلة من أجل نفسي.. أنا جئتها من أجلك!..

ذكاؤه الباغت هذا أرغمني مرة أخرى على السكوت فتمتمت:

- لا إله إلا الله.. اللهم أعدنا إلى بيوتنا البسيطة سالمين.. اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا..

صاحبي.. ابتسم ابتسامة انتصار، وهو يعتقد أنه قدم لي خدمة العمر، أما أنا فقد سألت نفسي كيف تورطت في رحلة كهذه طويلة بعيدة، بعيدة عن أحاسيسي مثل صديقي.. وسألت نفسي كيف اخترت صديقاً مثل هذا وهو رجل لا يعرف المشاعر إلا إذا أتت من داخله هو وليس من داخل غيره..

أحبُّ الصديق الذي يخاف على صديقه..

حتى لو كان على وجهه ابتسامة من القلب وحسب.. وصديقي هذا يتحدث بلغة الذين ملكوا الدنيا، ويحق لهم أن يملكوها، وأنا بالنسبة له محطات تفريغ لتباهيه.. وحيوانه الذي يصغي إليه.. بل ربما أقل من حيوانه، فهو يطعم حيوانه.. لكن أنا علي في بعض الأحيان أن أقدم له من طبخ أمي الذي أصبح شعبياً وهو محروم منه في قصره وبين خدمه وحاشيته..

كان صديقي يحب أن يأتي إلي ليحدثني عن مغامراته وأحلامه لأنه يخشى فيما لو تحدث مع الآخرين أن يفشوا أسراره، لكنه واثق بي، ولذا فهو لا يقول للآخرين كما يقول لي وهو يصف لي أدق تفاصيل انتصاراته الصغيرة على ابن جارته العمياء، أو رسام البلدة الطيب أو سائقه الخاص.. حدثني كيف يجعل منهم مسخةً زرية في تعليقاته المفحمة..

سألته، ونحن على طريق الرحلة، وربما كان سؤالي له أمراً غير مألوف له:

- ما الذي وجدته بي كي تختارني صديقاً؟!..

أجاب أنه يحبني، ويحترم فيَّ كتمي لأسراره، وأن اطيب وهادئ ومحب للخير.. وقبل كل ذلك فأنا صديقه..

أما أنا فأجبت نفسي على سؤالي، وقلت في نفسي أنه يعتبرني صديقاً لأنني بالنسبة له أحمق درويش جبان يستطيع أن يفرغ في وعائي يحل تفاخراته وقصصه، ولا أستطيع، وليس من شيمي أن أتحدث ضده أو ضد غيره.

*        *          *

 نرى حولنا ونحن نتابع قطع المسافات، نرى حقولاً بدون أخضر، وتراباً أصفراً وأحمراً بدون زرع .. مع قليل من الطرق الضيقة.. وقليل من البشر..

أنا أروي لكم هذه القصة يا أصدقائي المجهولين وأخفي عليكم فيها بعض الأسرار فأنا لا أذكر لكم وسيلة الرحلة، ولا أصف لكم باقي أعضائها ولا أحدثكم عن مواقعها وأسماء البلدان التي تجتازها، وال أسماء  وتعداد المشاركين فيها.. فهذه الرحلة، وأنا أحدثكم عنها، غاصت في أعماقي، واقتلعت كل التفاصيل التي اعتقدت أنها غير هامة، أو التي لم تبقَ عالقة في الذاكرة..

وماالفرق إن كانت رحلة في البر أم في الجو، مع صلاح أو نعيم أو ثريا أو فاطمة.. وكان السائق أحمد أم عيسى أم الطاعن في السن أم الشاب..

إنها رحلة وحسب!..

إنها للبحث عن بقايا السكة الحديد والخطوط المعجزة في عصرها والتي مازالت باقية كمعجزة من الماضي.. ربما كالأهرامات أو برج بيزا أو الحدائق المعلقة..

أنا بصراحة قد لا أحب الرحلات الطويلة، ربما أستمتع بالنزهات تحت الأشجار وبين الصبايا وهن ما زلن في كامل اندفاعهن يرقصن ويغنين.. فأحس بأنني رجل..

أما هنا في هذه الرحلة، وبعد مضي ساعات، ومع صديقي هذا المتكلم، والبقية الساهمون الصامتون.. فقد بدأت أحس بالقرف.. أخذت من الحقيبة الزوادة كأس عصير أرطب به حلقي، فألْمَحَ صديقي إلى ضرورة الاقتصاد بالمشروب لأن الرحلة طويلة..

أمسكت تفاحة ألوكها فأكد صديقي أن المكان الذي نذهب إليه ليس فيه تفاح.. قدمت له تفاحة هي الأجمل بين مجموعتين، فأكلها بشراهة..

تجرأت وسألته، وهو جالس بجانبي، في فترة صمت نادرة، أن يعطيني بعض القهوة أحتسيها من حافظ الحرارة الجميل الذي يحمله، فأشار إلي أن كل القهوة التي يحملها هي له ولي ولن يعطي أحداً سوانا لكنه الآن ضنين في أن يفتح فم الحافظة لأنها ستفقد بعضها من حرارتها ومازالت الرحلة طويلة..

أطفأت شهوة القهوة داخل فمي.. 

*        *          *

وصلنا إلى بلاد مهجورة..

قال لي صديقي إن في هذه البلدة تاريخاً منذ مائة عام يدل على عظمة الناس في تلك الفترة قبل أن تتحول محطة السكة الحديدية الضخمة إلى آثار بالية على وشك الانهيار وقبل أن يهجر الناس المكان.. ومن أجل الزوار مازال هنا بعض المتفقين وبعض الموظفين وبعض العربات القديمة التي تحمل الناس أو البضائع الرمزية على السكك وفد من الجسور..

نزلنا هناك في مطعم صغير ننطلق منه.. نزلوا كلهم واستمعوا إلى شرح وافر تفصيلي عن تاريخ المكان وأنواع الشعوب التي سكنته وكيف تم بناء السكة الحديد، وعظمتها في ذلك الحين..

أما أثار ووفي محبتي للانفراد، جلست آكل لفافة ولفافاتي وأقدم أخرى لصديقي..، وعندما أحسست برغبة في احتساء القهوة طلبتها مجدداً من صديقي..

أجابني وعيناه ساهمتان ومركزتان على قفا فتاة مكنتزة..

- ياصديقي، لو فتحنا الحافظة الآن لطارت حرارة القهوة، والقهوة ليست بذات الطعم لو كانت باردة. 

*        *          *

لعنت شفتيَّ اللتين طلبتا القهوة.. أطبقت فمي، وأحسست أن أحشائي تتقلب..

حملت نفسي صامتاً، وخرجت من جانب صديقي ومن بين المجموعة.. ولم أسمع نداءات صديقي، ولا المرشد، سمعت فقط نداء قدمي وهما يرغبان بالسير..

أنا، كباقي الناس، أمشي..

أنا كباقي الناس، أضحك ثم أبكي..

أنا، كمخلوقات الله،  أسعى في النهار، ثم ألوذ فرشي..

أنا، مثل باقي الناس، ما اخترت اسمي،

ما اخترت أبويَّ، وما اخترتُ قرشي..

أنا، مثل الآخرين، أمرض ثم أُشفى..

أنا، مثل خلق الله، أعطش ثم أروى..

أنا، ياصديقي، ورشفة القهوة تبعد عن شفاهي، بحجة أنها محفوظة من أجلي.!..

أنا أمشي، كما السحالي.. في الأرض القفر وفي الأعالي..

أبكي ثم أضحك، أقف ثم أخطو، أجوع ثم أشبع، ثم أمشي..

*        *          *

أما سكك حديدية قديمة رمادية متداخلة.. أمامي امتدادات لا نهائية منها، تتداخل وتمر عبر جسور، وعبر تقاطعات لا أفهم فيها.. ربما عظمتها في قِدمها وبقائها، ربما في تداخلها الذي لا يفهمه سوى المختصون، ربما فقي كثرة الجسور والجدران.. ربما في السكك المعلقة في ارتفاعات ملحوظة..

عظمة هذه السكك في أنني ما فهمتها.. تماماً مثلما ما فهمت صديقي.. وكذلك أنني جئت دنيا ذات طرق وتشعبات لا أفهمها.. ولم تكن لدي رغبة لفهمها، إنما وقفت مبهوراً للحظات كتلة متداخلة من القضبان الحديدية ذكرتني بالشعر الأشعث..

مشيت.. مع السكة وخلافاً لها.. تحت القضبان المعلقة وداخل المداخل وحفر الجدران المهترئة.. اللون الأسود من بواقي الفحم والدخان تغسل السكك والجدران.. وأصوات قطارات الماضي القريب تحتك بأذني وتدخل حتى دماغي.. أسمع هدير ونفثات القطر.. أشم رائحة الدخان الأسود الكثيف.. أتلفت يمنة ويسرة فلا أجد حولي لا قطارات ولا بشر..فأسعد بأنني وحيد في عالم من بقايا العوالم القديمة.. أحس بأن هنا قد مر بشر بالآلاف والملايين، مسافرون متأنقون مخططون، وعمال بائسون مجبولون بالفحم، هنا داس القطار طفلاً وكلباً، وهنا سرق اللصوص محفظة السيدة المضغوطة بالذهب.. وهناك قتل حاقد حاقداً مثله ببارودة بطلقة محشوة حشواً بالبارود..

ربما أحسست بأنني قضيب في السكك ضعت بين القضبان، ربما أحسست بأنني حجر، وربما رأيت نفسي شيئاً ما، ربما بشر أو حيوان، يبول على جانب الجدار الرمادي القديم، وبعد البول يرتاح..

نظرت إلى السكة المعلقة على جسر قديم فوق رأسي، وهو جسر بحجم السكة، وكان من الواضح أنه من أجل عبور القطار وحسب.. أحسست بذلك الجسر، والجسور الشبيهة به تنادي صارخة بأنه قد كفى تعليقها مئات السنين وآن لها أن ترتاح من مشنقتها فتنزل إلى حضن الأرض..

أنا وحدي.. في الطريق الذي لست أعرفه، وحدي. الطريق متاحة، والسكك كثيرة، وليس هناك أمامي سوى أبيض قديم لوثه السواد القديم.. ماعدت أدري من أين تبتدئ السكة ولا أين تنتهي..

أصبحت ضائعاً في شعر أشعث، كضبيانة معلقة في شعر رأس مخبولٍ ضائع..

 ومن أجل أن أجد طريقاً ما، دخلت باتجاه طريق إلى يميني، ثم إلى يساري، ثم إلى تحت ثم إلى فوق.. فوجدت نفسي معلقاً على جسر السكة الضيق القديم الذي سئم مكانه.. هناك أحسست بالخوف.. وحيد كفأر في متاهة.. أو كذبابة في شرنقة..

صوت قطار قديم بطيء يقترب لم أعرف على اية سكة يجري، ولا من أين يأتي ولا أين يتجه..

نظرت في كل اتجاه، فلم أرَ شيئاً.. خطان من الحديد الصديء يمتدان في كل اتجاه.. وفلاة، وانحرافات جدرانية لا تعرف الخبيء خلفها.. أنا لا أحب الليل.. خاصة إذا أتى الليل في النهار.. أنا لا أحب زمجرة كائن لا أعرفه ولا أعرف مقاصده..

أنا على سكة الجسر الضيق معلق، وهدير قادم، ولا أعرف أي اتجاه هو الصواب..

*        *          *

يارب!..

نحن البشر نعرف ربنا وتستجير به عندما يكون عقلنا بخير قادر على اتخاذ قرار .. عندما تضيق بنا (السكك)، وعندما يصرخ في داخلنا الألم..

أذهب باتجاه اليمين، ثم أعود لأتجه نحو اليسار.. أفكر في القفز إلى المستوى الأدنى للسكك.. أفكر في كل شيء، ولا أعمل شيئاً والقطار القديم الثقيل القميء يقترب مني ولا أدري من أي اتجاه..

نظرت في الجدران والمتاهات السوداء لعلني أجد إشارة ما، فلم أجد سوى وجه عروسي ينفر من الكتل الرمادية، ويعاتبني، ويواسيني، ويسخر مني..

يا حبيبتي.. نحن واجهنا السكك الكثيرة.. واجهنا الدروب، وابتسمنا.. وأنا أواجه السكك الآن وحيداً.. فلماذا تبتسمين ولماذا تسخرين؟.. وإذا كنت ترين العالم من فوق، وتعرفين المتاهات فدليني.. وقولي لي من خلال رسائل الحب بيننا إلى أين أتجه وإلى أين طريق السلامة..

لكن وجه الحبيبة غاب وبقيت حجارة الجدران الكالحة.

*        *          *

أعضاء رحلتي غابوا.. صديقي ليس أمامي.. حتى لو كان بجانبي فأشك أن يعمل شيئاً سوى أن يحدثني عن بطولاته في القفز وفي حسن القرار…

الجحيم هو في انتظار الجحيم.. والموت هو في انتظار الموت.. لكن شيئاً ما، وأنا أروي لكم هذه القصة، لابد وأن يحدث، أنا لا أحب رؤية قصص البؤس كثيراً..

أنا أروي لكم هذه القصة لأتابعها عن رجل قامته أقل قليلاً مما اعتاد الناس عليه، يلبس بزة بسيطة شبه رسمية، مثل التي اعتاد عليها عمال سكك الحديد.. رأيته مقبلاً من بين جدران الماضي.. لم أسمع صوتاً له.. إنما كان يجري على الحجارة وبين الدروب رافعاً يديه مرخياً إياهما باستمرار مثل إشارات الخطر.. سكنت في وجهه ابتسامة وتمسكت .. جرى الرجل الذي اعتاد على تلك المسالك.. أشار بيدين كمؤشرات القطارات عند المفارق..

جرى باتجاهي.. وأنا كالمسمار في مكاني، لا أفهمه.. جرى الرجل وكأنه قطار صغير لا يحتاج إلى سكة.. وعندما أصبح على مرأى واضح مني أشار إلى بإشارة تحثني بشدة على النزول من على الجسر..

هذا ما فهمت منه.. ولأنني فهمت ذلك نظرت إلى أسفل فوجدتني معلقاً في الفضاء وتحتي أمتار كثيرة، وعلى الأرض وبجانب وتحت السكة الدنيا ما يكفي لتهمشيمي لو قفزت أو نزلت أو سقطت.. وعلى سكة الجسر لا يوجد مكان إلا لعبور قطار..

تمنيت أن يشير لي الرجل أن أركض باتجاه اليمين، أو باتجاه اليسار، لكنه لم يفعل، ربما لعلمه أن السكة طويلة بالاتجاهين وهي من أجل قطار وحسب، وليس من أجل العابرين مثلي..

تابع الرجل ذو الابتسامة المشجعة يحثني على الهبوط بأي شكل.. تأكدت وقتها بأن القطار قادم نحوي..

ما زالت كتلة الحديد واللهب الدخاني تمشي بثبات على سكة الجسر حيث كنت هناك بلا قرار..

ومازال الرجل صغير الجسم ذي البزة والقبعة ذات الموديل القديم يشير لي بحركة يديه وقد تشنجت ابتسامته وتحولت إلى قلق واصفرار..

كم أحببت ذلك الرجل في تلك اللحظات!.. كم تصورت عائلته الجميلة وداره ذات الشجيرات والورود؟!.. لكن الرجل مازال يُلَوّح لي بالهبوط، إلى أن ترافقت تلويحات يديه مع قفزات من ساقيه بأقصى ما يستطيع وكأنه يحاول الوصول إلي..

الرجل الذي لا أعرفه، في أراضٍ لا أعرفها، يحاول الوصول إلي .. ومن غير كلمات..

الثواني تجري.. كل شيء يجري.. وأنا لا أعرف كيف أجري..

*        *          *

وجدت الرجل يهرع إلى خلف بعض الجدران تلك للحظات، ثم يعود حاملاً حبلاً نحيلاً يربط بطرفه حجر على عجل ويلوح به ويلوح، ثم يلقي بطرفه إلي.. ويحث إياي على لف طرف الحبل حول خصري والتدلي به من الطرف الآخر للجسر للوصول إلى الأرض بينما يربط نفسه بطرف الحبل الباقي لديه..

وهكذا فعلتُ.. ربطت نفسي وأمسكت بالحبل التعب بين يدي ودليت نفسي من الطرف الآخر.. مدّ لي كل الطول المتوفر لديه، ولكنني بقيت معلقاً في محاذاة الجسر تحته..

ما عاد الرجل يدري ماذا يفعل، وما عدت أدري ماذا أفعل.. لو بقيت معلقاً ومر القطار فسيقطع الحبل وأسقط أنا.. ولوعدت جاهداً، لأخذني القطار في طريقه.. ولو أنزلني قدراً أكبر لارتفع هو من مكانه ولسقط هو أيضاً.. كانت لي فرصة وأنا متدلٍ في أن أرى عيني الرجل على بعد مني وألتقط منهما شحنته من الحب الممزوج بالخوف تكفي  كل بؤساء العالم..

أنا أيها الصديق الذي ما رأيته سابقاً، في أرض مادستها من قبل، أحبك .. أحبك، فأنت خير من كل أصدقائي..

رأيته يؤرجح نفسه ويحاول إعطائي قدراً أكبر من الحبل، وهكذا كان.. رويداً رويداً وسنتيمات إثر سنتيمات أخذ طول حبلي يكبر وطول حبله يتقاصر.. فقلت في نفسي إنه يملك الخبرة والقدرة ويستطيع أن ينقذ نفسه، فلا ضرورة لشغل البال بشأنه فهو يعرف ماذا يفعل..

عندما أصبحت قريباً من الأرض أصبح هو معلقاً قريباً من الجسر، وكان كلانا مازالا معلقين عندما أقبلت كتلة الحديد السوداء، بدخانها المقرح وهديرها الثقيل، أقبلت تمر فوق سكة الجسر – ربما للمرة الأخيرة في تاريخ هذه المنطقة- ثم تقطَّع الحبل فوق سكتيه.. فأسقط أنا على الأرض وأنا قريب منها، ويسقط هو، وهو بعيد عنها..

*        *          *

 تحاملت في مكاني، وجلست ثم انتصب، ثم رأيته مهشماً على بعد أمتار مني.. صرخت حتى عمق أعماقي وأعماق جدودي.. صرخت حتى نلت من تاريخ المكان والزمن، شَرّت دموعي المحبوسة.. وسقطتْ فوق جثته وفوق دمائه..

عندما جاء أعضاء الرحلة إلى عندي، ومدّ صديقي يده ليشدني ويواسيني بقوله:

- لا بأس يا صديقي إنك توسخ ثيابك بالدم وستكلف كثيراً بالتنظيف..

عندئذٍ حَرّكْتُ وجهي ببطء تجاهه وتجاه كل الناس من أعضاء الرحلة والآخرين..

وصرخت في وجه صديقي من أسِّ خلية خلقي الأولى:..

- خطايانا كثيرة.. وهذا الدم كله طهارة..

هذا الدم على كل حال كان أرخص على صاحبه من القهوة التي لديك يا صديقي   ...

 -=-=-=-=-=-

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm