|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
"اليومَ وُلِدَ نخاسٌ..
جديدٌ اسمه الكمبيوتر.."
|
|
رامي وجوليا |
نيقوسيا 26/5/1997
قال رامي في نفسه:
إنني أعيش في مدينة هائلة ذات شوارع عريضة تحيط بها الأشجار من الجانبين، وتحفها أبنيةٌ عملاقةٌ، وفيها مكاتب حديثة في كل منها أجهزة كمبيوتر متطورة..
الناس لا تحدّث أو ترى بعضها بعضاً إلا من خلال أجهزة الهاتف التلفزيونية، ولا تتبادل الكلمات إلا من أجل مشاريع أو تجارة أو أرقام، ولا تشرب إلا القهوة ولا تستنشق إلا دخان اللفافات، ولا تمشي أبداً فهناك سيارات قادرة على الانسياب في الشوارع بأية سرعة، أو التحويم فوق مخدات هوائية بحرية، أو الطيران الذبابي فوق أسطحة المنازل..
في المطاعم يُقدَّم الطعامُ آلياً.. تطلب من جهاز كمبيوتر بشكل إنسان، فيكون الطعام خلال ثوانٍ على الطاولة يوجَّهُكَ إليها بذكر رقمها أو بإشارة من إصبعه الحديدية الملونة، بعد دقائق، يطلب إليك بلطف أن تنتهي من طعامك فقد جاء دور غيرك..
قال رامي في نفسه:
" لم أعد أرى أنثى في طريق، فكله خلف مكتب فخم، أو تراه من خلال الشاشة، وفي أفضل الأحوال يمكنك أن ترى أنثى في حفل ما دون أن تراها، فهي جسم مغطى بالثياب الجميلة، وشعر لا تعرف إن كان منبته من جلدها أم من جلد غيرها.. أم من جلد حيوان قطبي.. ورموش العيون طويلة سوداء فتية، وعيون بلورية تتبدل ألوانها حسب لون الثوب والمحفظة والكعب العالي.. وشفاه بألوان الورد حسب الرغبة، ورائحة من بخور الهند أو من مسك الجزر اليونانية أو من مخترعات باريس أو من جذور نباتاتٍ أفريقية أو من نسغ نباتات آكلة للحوم من حوض الآمازون..
أما الكلمات فقد تعلمتْها من عدد من اللغات ونطقتها حسب طرق البروتوكولات المنوعة، من اليابانية والإنكليزية، حتى عادات سكان الأسكيمو في العصر الجليدي..
قال رامي في نفسه:
" إن كان عليَّ أن أرى أنثى فلا بد من الزواج، ولكن كيف أزيل الغلاف القماشي والشَّعري والرمشي، واللوني، والسِّني، لأرى الحقيقة؟..
كل الذي أراه بطيخٌ صنعي لا أدري اللون والطعم خلف قشرته.. إن قلبي ليهتز في جوفي خوفاً من أن تحتوي البطيخة المغلقة على بذور بلا معالم الأنثى.. فقد تغطى كل شيء.. إلى أن اخترعوا "الكعكة الثلجية" .. فتبتلع من صحنك الكعك الحار وفي قلبه الكريم المتجمد..
ولذا، لكل ما سبق، ولكل ما سيسبق، ولكل الأسباب المعروفة لدي والتي لا أعرفها، ولأن في جسمي المغطى رغبة تحت رماد ، ولأنني لا أحب التسكع بين سيقان القوادات، فقد قررت أن أذهب إلى عملاق أجهزة الكمبيوتر في مركز المدينة الرئيسي وأعطيه رغباتي في المرأة التي أريد حبَّها وجِلدَها وعصَبها، أن تكون في موازنة دقيقة مع حبي وجلدي وعصبي، فهو أكثر مني دراية بالحقيقة…
* * *
جهاز الكومبيوتر جهاز رائع، بحث خلال ثوانٍ في كل بنات المدينة، ودرس صفاتها وأجاب رامي أن الأنثى التي تتناسب وإياه هي جوليا، عدّد له ألف صفة من صفاتها، وأخبره عنوانها، واتصل بها، الكمبيوتر هو الذي اتصل بها، وبشّرها بوجود راغب فيها اسمه رامي ويتمتع بالصفات الألف التي أدرجها لها وأعطاها عنوانه وحدد لهما موعد اللقاء في الغرفة السبعين في القبو الثالث من البناء الثامن في الشارع الخامس من المنطقة الرابعة والثلاثين في المدينة، وذلك في الساعة الخامسة عشرة من اليوم الثالث في الشهر السادس من هذا العام..
قدم الكمبيوتر لائحة بملبوسات جوليا التي سترتديها وبألوان شعرها وخدها وشفتها ومنديلها وثوبها وحذائها، وبأنواع العطور التي ستضعها في ذلك اللقاء.. كما قدم لها أيضاً لائحة بملابسه وأشيائه التي سيحملها عند لقائه الذي سيتم في المكان والموعد المحددين..
فرح رامي إذ رأى جوليا من خلال شاشة الكمبيوتر، فابتسمت ولوحت له ولوح لها، بانتظار اللقاء…
* * *
لم يكن تحقيق الموعد صعباً، فقد اتصل جهاز الكمبيوتر بكل منهما قبل الموعد بيوم، ثم قبل الموعد بساعة وحدد واسطة النقل لكل منهما، وطلب منهما أن يتصلا به فور انتهاء اللقاء ليرى النتيجة ويسعد بها..
وفي الغرفة السبعين من القبو الثالث من البناء الثامن، في الساعة المحددة التقيا، وكان اللقاء رائعاً، فما تمناه رامي في الحب والجلد والعصب، وما تمنته جوليا في الحب والجلد والعصب، قد وجداه وفي أفضل صورة، فجلسا، وتحركا، وتداخلت أصابعهما ، والتصقت راحاتهما وتمازجت أنفاسهما وتراقصت رموش عيونهما وتهادت كلمات السحر في آذانهما، وتحركت في أجسادهما رغبة الانفراد وإسدال الستائر، لكنهما سمعا صوتاً يدخل غرفتهما يشبه صوت الكمبيوتر العملاق يذكّرهما بأن مدة المقابلة على وشك الانتهاء، وعليهما القيام بقبلة تجريبية عاجلة على أساس اللقاء في اليوم المحدد في نفس المكان والساعة وسيكون هناك مبعوث من الكمبيوتر ينظم لهما علمية الزواج الرسمية..
فرح رامي وفرحت جوليا، وقبل أن يفترقا، همس رامي: دعينا نلتقي في حديقة المدينة الثانية في الزاوية الشرقية عند قفص الطاووس غداً في نفس الساعة…
أجابته جوليا همساً وهي فرحة: غداً، وَدَعْنا من موعد الكمبيوتر!..
* * *
منذ صباح اليوم التالي يقف رامي أمام المرآة، يحاول إلى أقصى الدرجات أن يظهر بأفضل صورة.. وكذلك جوليا تقف أمام المرآة تضع كل ألوانها ومجمَّلاتها في سبيل الحب والجلد والعصب..
كان رامي سعيداً فكل ما تمناه هو في جوليا، وكانت جوليا سعيدة فكل ما تمنته هو في رامي، وكان كل منهما يسمع نبض الآخر، ووقع أنفاسه وينتظر لحظة اللقاء…
* * *
في نفس الساعة في اليوم التالي عند الزاوية الشرقية في حديقة المدينة الثانية بجانب قفص الطاووس.. كان المكان خاوياً .. لكن وخلال دقائق أقبل رجل أشيب، أعور، أفكح، خطوط وجهه غائرة حتى العظم، وقد استند إلى عكاز منخور، كما قَدِمَتْ امرأة عجوز رأسها قليل الشعر مُقصّفٌ أشيب، وعيناها بلا رموش وشفتاها بجفاف قشر البصل، مسطحة الصدر والعجز تستند أيضاً إلى عكاز منخور.
وقفا، تابعا الوقوف، أنهكهما البقاء منتصبين مستندين إلى العصيّ بجانب الطاووس الذي فرش ذيله الجميل استعراضاً..
أخيراً تقدمت المرأة من الرجل:
- ألم تلحظ شاباً جميلاً في هذا المكان خلال وقفتك؟…
- وأنتِ، ألم تلحظي فتاة جميلة في هذا المكان؟
استدار كل منهما إلى اتجاه يتباعدان متكئين على عصاتيهما، استدارا ثم تابعا، ثم استدارا ثم تابعا.. وتباعدا..
وعندما أضحى كل منهما في أفق .. سمعا صوتاً ضخماً يشبه صوت الكمبيوتر العملاق:
- أنا أعمل هنا، أنا لا ألعب!.. رامي وجوليا أرادا أن يتزوجا!.. فليتزوجا، فليتزوجا إن كانا قادرين دون أن يدفعا ثمن أتعابي…
![]()
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|