موسيقى الجبال
من أجواء التل
نيقوسيا 9/7/2009
|
ذهبنا باتجاه محلنا التجاري في نيقوسيا مبكرين ونحن نأمل بيوم يعطيناً مؤونة مادية أفضل .. وأملنا هذا يتجدد كل يوم ، لكن الحقيقة أن كل يوم هو مثل أخيه ! قالت زوجي إنها ترغب في شراء حاجات ملحة من المخزن الكبير على الطريق المؤدي لعملنا ، فأوقفت سيارتي في موقف المخزن ، بينما غابت امرأتي في بطنه الواسع الذي يرمح فيه الخيال كما يقولون وجلست أنا في السيارة وحدي .. غبت في الزمن .. عدت إلى أيام العنفوان .. أبكيك أيتها الجبال التي افتقدتك ، أبكيك أيتها السهول المنبسطة الخضراء في الربيع والصفراء في الصيف والخريف والبيضاء في الشتاء .. أبكيك أيتها الأشجار الوارفة الكريمة .. أبكيك يا أمي وأبكيك يا أبي .. وأبكي على صدوركم يارفاق الطفولة .. يوم أن فارقت الجبل والوادي والشجر ودروب أرض التل فارقت قلبي وإنسانيتي .. ويوم أن بكيت على صدر أمي وأنا أرفع نعش أبي فارقت الحياة .. ولم يكن المال يحييني ، ولم يكن الجاه يرفعني ، ولم تكن صدور العرايا سلواي في ضربات قلبي .. أناشيدي هي في كُتاب الشيخ نبيه ، ومحفوظاتي هي في حضانة الغضبان ، وقلقي هو في غزو تفاح وخوخ الرويس وفي مشمشات جدي في أرض منين .. وفي حكايا جدتي أم قدورة .. مرتعي وصباي هو في حور الوادي وزيتون الغرب وسَكْر نهر منين وتينات الجبل وثلج رنكوس وحلبون .. رياضتي هي السعي مابين عين منين وثانوية التل على حدود مقبرة الجدود في سيدي قسّام .. خبزي هو من منشار جدي وحياكة نوله ونحت أبي وحطبات أمي .. مائي أصفته الأرض وألقحه غبار زهرات الشجر وجدده حصى النهر المقرقر على طول وادي الطفولة والذكريات. أبكي ذكرياتي على حضن أي إنسان يحس بإنسانيتي المفقودة .. ومنذ أن غادرت الأرض لم أجد ذلك الحضن .. فنحن صغاراً أم كباراً ، أطفالاً أم شيوخاً ، نظل دوماً على حدود الحب نبكي حضننا الجميل الدافق الذي افتقدناه .. ونظل نحلم به حتى موعد الرحيل الأبدي .. تركت إنسانيتي المفقودة على صخر عين الصاحب وفي مياهها ، وإنسانيتي نفقت يوم أن جفت عين منين وحفروا حتى أنفاق مياهها أولئك الذين لايحتاجون لورق كي يحفروا .. ضاعت إنسانيتي ، وضاع قلبي حين جف ورق الجوز والدلب والصفصاف .. وضاع إحساسي يوم أن توقف أبو صلاح عن زرع الشجر .. . . . . . ذهبت إلى صديقي أبي الحناء ِ ، على غصن زيتون ِ ! وحضنت أغصاني وبكيت بالدمع الهتون ِ .. وسألت نفسي إن كانت ِ الحياة ُ، من صنع ِ الجنون ِ .. أو أنني ، وأنا كبيرٌ ، كما الصغيرُ ، أحتاجُ إلى الحنين ِ .. قطراتُ ماء نهري ، هي من قطراتِ عيني .. وجبالي الحرة تسكن في سنيني .. أين أنتِ يا تلُّ ؟ أتحسّين بي .. فأنا ابنك المفقودُ ، يوم أن مات النهر فيك وتحولت بساتينك من عين الشمس ، إلى ظلام الليل ِ ، إلى المشين ِ .. . . . . . غبت في الزمن .. لاأحد حولي أحسه .. لا بصخب المدينة ولا بالمارة ولا بالراكضين والمسرعين إلى أواخر أزمانهم .. رأيت التل قبل خمسين عاماً ، رأيت جبال الشميس ووادي موسى وآخر سهل المعرة المرتفع والمشرف كالطير على الغوطة الشرقية .. طرت طيراً في السماء أحلق .. وصرت أسمع موسيقى الجبال .. أتعلم التل كم تبقى فيها من موسيقى الجبال ؟ إنها لم تعد تعلم لأنها أضحت غير تلك التل الرائعة التي عشقتها .. فجيلنا قد غاب نصفه في الزمن الماضي ونصفه ينتظر ولا يقول ، وبقيت وحدي أنا الذي أقول .. فهل تسمع جبالي ما تبقى من موسيقاها .. رحم الله واديها وسهولها وأشجارها وماءها وصفاءها وإنسانها .. ولم تبق سوى جبالها .. فهل تموت هذه أيضاً .. أرجوكم ، لم يتبق غير موسيقا الجبال فلا تقتلوها .. سمعت موسيقا الجبال .. هنا من قلب عاصمة في جناح الغرب سمعت تلك موسيقا الجبال ، فهلا سمعتموها مثلي ؟! عادت الدماء إلى وجنتي ، وعاد خفق الشباب الأول إلى صدري .. وعادت ابتسامة الجنة إلى شفتي .. عاد همس الصبايا في حب الحكايا على وقع مناجل الحصيدة ، وعادت حكاية عيّوش وفطوم ومريم إلى حواف التنور الحامية ، وعاد سني إلى اليوم الذي سجلت فيه أول هوية لي في بلدية التل مقبلاً بابتسامة ومغادراً بابتسامة ! أرجوكم ، لم يبق غير موسيقا الجبال ، فلتسمعوها قبل أن تذبحوها .. من نيقوسيا ، البلد التي لا تتحدث العربية ، أسمع موسيقا جبالي ماتزال صادحة .. أسمعها جميلةً كما لم تألفوها .. تسري الأنسام مابين جبال الجرد باردة ً ثم جبال منين ، وتلتقي بأنسام جبال رنكوس لتترافق فوق منين والتل ثم تبيت في معربا وبرزة .. أنا أسمعها هنا في وسط البحار ، فهل تسمعوها ؟ إن لم تفعلوا فترحّموا على آبائكم فهم قد سمعوها وعاشوها وعشقوها وأصبحت هي السلوى لهم .. وأنتم الآن لا سلوى لكم إن لم تسمعوها أو لم تعشقوها .. آباؤكم هم الأحياء في موسيقا الجبال .. وهذه حياة لم تعرفوها .. فاندبوا حظكم وأنتم الذين افتقدتم كل عناصر الجمال التي فيها .. . . . . . عادت زوجي تحمل أكياس الحاجات التي اشترتها تضعها في السيارة ، فوجدت نفسي أقتحم من جديد ، عالماً هو غير عالم التل الرائعة الحبيبة الغائبة في الزمن الماضي .. ولكنني انتبهت إلى أن صوت الجبال مازال مسموعاً صداه في داخلي ، فنظرت حولي لأرى شاباً وفتاة يعزفان على استحياء تلك الموسيقى الآتية من الجبال .. هنا لم أميز من أي الجبال آتية ، ولكنها تزداد انخفاضاً مع كل دقيقة تمر .. لم أتحرك في السيارة وتابعت الإنصات ، ورافقتني زوجي في إنصاتها .. خفت على الموسيقى أن تذوب في زحمة قيامة الناس ولا مبالاتهم .. راقبت الوضع .. يزداد رأس الفتاة ورأس الشاب انخفاضاً ، وهما يغرقان في خجلهما وخوفهما من العبثية في عزفهما لدى أناس لايفهمون ولا يحسون بموسيقى الجبال .. انسحبت من السيارة بليونة . حملت من جيبي قطعة نقدية .. ألقيتها في طاسهما الذي كان فارغاً .. أحنيا رأسيهما لي ، ورأيت الدموع في عينيهما مثلي ، فسألتهما باللغات التي أعرفها العربية واليونانية والإنكليزية عن بلادهما .. لم يفهما اللغات لكنهما فهما وجهي فابتسما .. وأخبراني بإشارة العيون أنهما من بلاد جبلية بعيدة .. وهما يعزفان موسيقى تلك القرى الجبلية المليئة بالشجر والعيون النميرة .. طلبت منهما أن يبتسما دائماً وأن يفخرا بموسيقى جبالهم كما أفخر أنا .. انسحبت وقلبي يتألم لأنني لا أستطيع تبليغ رسائل جبال الجدود لدي كما يفعلان ، ولكن موسيقاهما تصاعدت فرحة وملأت الكون وبقيت تلاحقني ومازالت .. ***** |