عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

"من الأرض الصفراء

ينبت الأخضر

ونحن تعلمنا فن الحلاقة .."

 

مصرع الشجرة

نيقوسيا 9/11/1996

يومٌ سعيدٌ كان ذاك الذي قضيناه، أنا وأسرتي -زوجتي وطفلي وطفلتي-، في الحقول، نجري، نتلاحق، نزعق، نتراشق، نشوي اللحم ونشربُ ماءَ النبع، ونكتب على صدر الزمن يوماً هو أسعد يومٍ يجري في العمر

بعيداً عن كثافة المدينة وسحبها السوداء، بعيداً عن تعداد السيارات والشاحنات، بعيداً عن ضجةٍ يضيع فيها الكلام ودويٍ صنعه ملايين البشر بخطوتهم، بصيحتهم، بعربات تكرُّ تهدر وتبربر بعيداً بعيداً في حضن النسمة والبسمة، بعيداً عن حيطان تسد النور وبسمة الضياء

بعيداً مع زوجتي، ابني وابنتي، صنعنا موقداً من أحجار، وأوقدنا فيه الخشب المبعثر في الحقول وصنعنا النار تطبخ طعامنا وتدفئ كل جوانب الحب الذي جعلته المدينة بارداً وراحت تقتل فيه حتى الفجيعة

قالت زوجتي: الله! ما أجمل الأولاد والبسمة في خلايا وجوههم، وحركات السعادة تنبض في جوارحهم

وقلت أنا: إنه يوم الحرية من كل قيدٍ صنعته البشرية، حيث نرى الحب ونلمسه ثم يغرقنا ويسعدنا حتى الخدر. لكن مصيبة هذا اليوم أنه سينتهي ونعود إلى بيتنا الصغير على ناصية الشارع الصاخب في المدينة

في لحظة ما نادت زوجتي طفليها، فاستجابا عن بعدٍ : نحن قادمان

وانتظرنا: ماذا هنالك يا سعيد! آن أوان العودة.

- نحن قادمان

دقائق أخرى وعادا يحملان سوياً شجيرةً بدت لي غريبة الشكل:

- ماهذا يا سعيد؟.. ألم يكف أننا رتعنا في الحقل طيلة اليوم!.. كيف تأخذ ما ليس لك؟..

- أبتِ، كانت فرعاً من شجرة ضخمةٍ توالدت حولها شجيرات صغيرات، وقد تعلمنا في المدرسة أن مثل هذه الفروع المتوالدة إما أن تقتلع وترمى، أو تقتلع وتزرع في مكان آخر.. وأنا أريد زراعتها أمام بيتنا في المدينة!..

أيدته سعاد، فهي دائماً تؤيده وتشاركه جرائمه الصغيرة وقبلت منهما الحجة على أساس أن نذهب معاً إلى صاحب الحقل في البيدر القريب فنرضيه..

وكم كانت سعادتي وسعادة زوجي قوية عندما قال الرجل الطيب مؤيداً نظرية ولديَّ: لو احتجتم غرسةً أخرى خذوها وسأكون سعيداً بذلك، لأنني أريد أن أرى هذه الشجرة الجميلة الوارفة الهادئة القوية سريعة النمو في كل مكان.. ازرعوا هذه الشجرة وتذكروني..

غفونا كل في سريره، ناسين الهدير وأبواق الهواء الخارقة بين حين وآخر، متجاوزين تعليمات المرور، غفونا كل في سريره، وبقيت الغرسة في الزاوية تلف جذورها خرقةٌ مبللة بانتظار الصباح، وقد بتنا ليلتنا خمسة أرواحٍ، فقد كانت روح الشجرة تعانقُ كل واحدٍ منا وخاصة توأمي الحلو سعيداً وسعاداً..

*          *             *

منذ الخامسة صباحاً بدأ نقرٌ ناعمٌ قريبٌ من النافذة على حافة الطريق العام.. وتبينت سعيداً يحفر بهدوء وسعاد تساعده، وتابعت المنظر بعيني.. الشجيرة تنتظر حضن الأرض وسعيدٌ يصنع الحاضنة وسعاد تجلب مياه الحياة.. ساعة واحدة وتنتصب الشجيرة واقفة وينتصب الطفلان سعيدين مبتسمين راضيين، متجهين إلى غرفتيهما استعداداً ليومٍ مدرسيٍ وطريقٍ صاخب مكرور.

الشجرة قريبة جداً من الطريق العام.. بل هي في الطريق العام..

- بابا، هذه الشجرة هي من أجل أن تكبر وتورف الظلال على كل الناس الذين سيمرون قريبين منها..

- بابا، في عيد الشجرة توزع ملايين الشجرات لتزرع، ولكن كثيرين من الناس يلقون بها في الزبالة.

*          *             *

أحب طفلاي هذه الشجيرة الشجرة، وأخذا يراقبانها يوماً إثر يوم تكبر وتتضخم وتتسع ساحة ظلالها لتشمل حتى نافذتنا وحتى رصيف المارة.

ما سألت صاحب الحقل عن اسم هذه الشجرة، وما كان بنظري لذلك أهمية، فما الفرق! فهي على كل حال نبتة حيةٌ تتطاول وتورق وتورف الظلال

ولكن ماجرى كان أكبر من ذلك، فالشجرة تنامت بسرعةٍ عجيبةٍ وبقيت أوراقها على شكل إطار أخضر يحمل داخله ليرة ذهبية، ذات عبق عطري يُلفت نظر السابلة.

هل تنامت مستعجلةً مستقبلها، أم ربما، أخذت الكثير من حب ولديّ لها.. فهما يفعلان كل ما يوحي بحبهما الحياة وحبهما لهذه الشجرة..؟!

سعيدُ أسماها صاروخاً نظراً لسرعة نموها وتعاظمها نحو السماء..

وسعادُ أضافت للاسم كلمة الحب فأضحت شجرتنا ذات اسم مركب هو: صاروخ الحب.

*          *             *

أضحى سعيد ،  وهو فتى يافع يدرس قرب نافذته التي تلامسها فروع الشجرة فتميس عليها وتتمسح  بها تغازل النافذة ومَن خلفها وجدرانها وتُدْفِقُ عليها من عطرها..

وسعادٌ ماعاد يضيرها شيء فكأنها كانت تتغذى من روحٍ طيبة تسكن نسغ شجرة (الحب) فقد نسيت أو تناست القسم الأول من الاسم فالحب الطيب الهادئ الجميل لا يتناسب مع صاروخٍ ربما يستعمل للدمار والقتل..

وكأن حب طفليّ للشجرة وحب الشجرة لطفليّ أنسى الجميع الصخب الهادر والغاز الخانق الغادر الداخل في كل الأعصاب والأنفس..

فنجح طفلاي بتفوق، ودلت تصرفاتهما على أن نضوجهما العقلي والذهني يفوق سنهما بمسافة، جعلت زوجتي باسِمَةً دوماً عندما ترى أفراد العائلة، ومن ضمننا الشجرة، فيضفي كل ذلك سعادةً، كواحة ضمن صحراء..  أو ككومة وردٍ ضمن مقبرة الحديد .. أو مثل بريءً ضمن جمع الجريمة..

جاء الفتى وجاءت الفتاة ذات مساءٍ يحدثاني، وأمهما تحضر كؤوس العصير، فأخبراني بأن عليهما أن يقدما موضوعاً مدرسياً يتعلق إما حول العلاقات الاجتماعية (الحب بين الناس)، أو بالثروة الوطنية، أو بالطرق الضرورية لتجميل الحياةِ، أو بالأسباب الكامنة وراء ازدياد أو نقص الوفيات وارتفاع معدل طول العمر..

وكانا يتشاجران.. لم يحدث ذلك منذ سنواتٍ طويلة..

سعاد: أريد أن أكتب هذا الموضوع..

سعيد: أنا الذي أريد كتابة هذا الموضوع..

وما هو الموضوع يا سعاد، ما هو الموضوع يا سعيد؟.

- إنه الشجرة..

لم أدر من الذي أجابني!..

- إنه الشجرة..

وكان خلافاً حقيقياً، لم ينته إلا بعد أن تدخلت فعلياً، فكان على كل منهما أن يكتب موضوعه من وجهة نظره وبطريقته، إذ لا يوجد مانع في كتابة موضوعٍ ما من قبل أكثر من شخصين فلكل رؤياه..

واتجها إلى غرفتيهما فرحين،...

إلا أن سعيداً عاد إلى قائلاً: لاحظت يا أبت أن شخصين كانا يضعان شيئاً مثل أنبوبٍ رفيع قاطعاً الطريق العام من جانبٍ لآخر ممتداً إلى مدخل البناء المقابل.. ما معنى هذا؟..

ولما لم أجبه، لأنني ماكنت أدري ماهو، عاد إلى غرفته ليبدأ كتابة موضوعه الذي أَحبه

*          *             *

لمحت على أنوار السيارات المتلاحقة ذلك الأنبوب الأسود الذي يقطع الشارع، ولكن لم أهتم له، واعتقدت أنه من أجل إحصاء عدد السيارات العابرة خلال يومٍ أو ساعة أو شهر..

نامت زوجتي قربي راضيةً وهمست قبل أن تغفو:

يبدو أن روح خير قوية تسكن عندنا في الشجرة، فقد أصبحت الدنيا سعيدة لسعيد وأخت سعيد وأم سعيد.. أليس كذلك يا أبا سعيد؟..

*          *             *

مضى يومان، بل ثلاثة أيام، فلم يكن الأمر هاماً.. وعدت من عملي حاملاً كيساً صغيراً من الفاكهة..

وعند باب بيتي سقط كيس الفاكهة من يدي، انتصب شعري القليل الباقي، وتراخت مفاصلي وتداخلت أمواج الموت في عضلي.. ونفر قلبي من ضلوعي.. وسمعت صراخ طفليَّ يملأ السماء إلا أنه يضيع في هدير قوافل السيارات والمشاة التي لا تنتهي..

ساح الدمع من عيني..

هاجت رؤوس أصابعي نبضاً وأنا أتلمس الشجرة مجدوعة الأغصان مرمية ، مقصوصة القاع مقلوعة الجذور حاملةً عار الإنسانية كاتبة الزنى واللواط في أيدٍ قوادةٍ همجيةٍ.. وريح طعم العطر الباقي ينازع ريح الجنازة والموتة الأبدية..

 

خرّشتُ وجهي بأغصانٍ مقطوعة الأوصال مرمية.. فبكيتُ وصرختً إذ رأيتُ جريمةً ترتكب في ثالث الأولاد.. في الصديقة التي كانت هي الخل الوفي.. متجاوزةً مقولة المستحيلات الثلاثة..

رأيت وصعقت، بكيتُ وما اكتفيتُ،

إلا أنني نظرت أخيراً مكان الشجرة، فرأيت نصباً من حديدٍ، وما تجرأت أن أرفع نظري، لأرى كنه هذا النصب الخازوق إلى أين يصل..

تحاملت على نفسي، وأخذت أرفع ناظري.. كمن يريد اكتشاف أبعاد الجرائم الشيطانية

وبكل بساطة وهزال رأيت في رأس العمود الحديدي، لوحةً من حديد كبيرة الحجم ملونة مبقعة كتب عليها:

" أفضل برنامج ليلي ، صيته وعنود، والراقصة المبدعة مياسة، والتوأمان نانا ومانا، والمطرب العاطفي عاهر عكنون.."

أرخيتُ رأسي ، دخلت بيتي.. ألفيت زوجتي وولدي في غرفتي.. قذفوا أنفسهم في حضني..

بأيديهم دفاترهم.. بلا أقلام تكتبُ..

في عيونهم أقوالهم، من غير دمعٍ تصرخُ.. ويضيع الصراخ..

فكرت في أن أقتلع عمود الحديد.. في أن أطمر الطريق بالشجر..

لكن لم تكن يدي قادرة على حراك..

كل ما كانت يدي قادرة على التقاطه هو دفتري ولدي.. قرأت في دفتر سعيد ما يلي:

 حينما تحت وهج الشمس تهنا،

حينما من حريق النار قمنا،

وجلودنا تُشْوىَ،

كأننا حشرةْ،

نحس نهاية الدنيا..

فتأخذنا في بردها وسلامها،

في صدرها تصوننا الشجرة..

 حينما دار الدم في العروق بلا غذاءٍ..

حينما لفت الآفاق فينا،

نبحثُ عن دواء ..

حينما ترنحنا، في خواءٍ

وجدنا على الشجرةِ..

كل غصن حاملاً دُرَرَه

*          *             *

لونُ الدما أنيابنا..

أكلنا .. أصبحنا جراداً..

لم نبق شيئاً..

ماتتِ العَطِرَةُ.. ماتتِ الثمرةُ، ماتت الشجرةْ..

فعدنا كرةً أخرى

لم تعد فينا ذرةٌ نضِرَةْ..

كلنا عفنٌ وجوعٌ..

في صحراءَ سوداءَ، أنيابنا خَطِرَة..

وكل أعضائنا قَذِرَةْ.

*          *             *

جلست إلى نافذتي، أرقب الطريق وأحصي عدد السيارات المارة في الشارع وأتساءل فيما لو أن في كل سيارة شخصين لكان ذلك يعني آلاف الأشخاص بل ربما الملايين يرون اللائحة خلال شهر، ولو أن نسبةً مئوية بسيطة من هؤلاء يستجيبون للإعلان، ولو أن كل واحد منهم يصرف ألف ليرة في ليلته لاجتمع لدى صاحب المشروع عدد كبير من الملايين وفي سنة واحدة أصبح قادراً على شراء كل الأشجار.. واستبدالها كلها بلوحات حديدية جديدة

 امتدت يدي لتفتح دفتر ابنتي سعاد فوجدت الصفحة مطموسة بكاملها بالحبر الأسود.

منذ ذلك الحين باعدت بيني وبين زوجتيفأنا لا أريد زرع أشجارٍ أخرى

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm