|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
مأساة جدّ ي
نيقوسيا 4/10/2003
( ظلمات الشر تأكل بواقي الخير في الإنسان ..)
لا أعرف حتى هذه اللحظة نهاية هذه القصة!..
أعرف أن جدي لأبي ولد عام 1878 وأنه كان من الذين انتزعهم العثمانيون من حقولهم و بيوتهم ليشاركوا في حربهم العالمية الأولى عام 1917 ..
جدي كان له حمار دائماً، وسيلة نقل وتنقل ورفيق درب الصبح، الى الحقل و منه، وجدي كان رجلاً محترماً لأن عنده حقل ولأن عنده حمار.. وكان جدي يصلي .. وقالوا إنه كان يحب النساء.. وكانت زوجاته الأولى، والثانية التي هي جدتي، كانتا جميلتين .. كالبدر..
كان جدي ضئيل الجسم قوي العزم و الشكيمة، لكن ذلك، و حقله وزوجه والحمار، لم تشفع له عند الأتراك.. فأخذوه..حيث وقتها لم يرافقه حماره..
غاب جدي، وغاب أكثر شباب البلده.. وبقيت النسوة والحقول خاوية.. وكثرت الحمير والكلاب الشاردة..
--- -- ---
من أجل السلطان، و تحت راية الغيرة على الأديان.. مشى الجوعى والحفاة آلاف الأميال.. بكوا في البداية لفراق الحقل و الزوج والحمار، لكن مآقيهم جفت، ثم أحسوا بالجوع فاعتادوا عليه، ثم داسوا الوعر، وصعدوا الجبل وهبطوا الوديان.. حتى نسوا هدأة الليل، ونسوا تطلعاتهم، و ماتت الفروق لديهم.. فأصبحوا آلة صدئة تتحرك بثقل لا تحس بما حولها، ولا يحس بها أحد، لا تبكي من أجل أحد، ولا يبكي من أجلها أحد..
تحول جدي إلى بغل من بغال السلطان، لا يدري من أين جاء وإلى أين يسير، و لماذا يسير ولماذا يعلّمونه على القتل.. بسلاح ما كان يعرفه من قبل.. سلاح ليس كالسيف أو كالرمح أو كالمقلاع، بل هو بندقية حديثة تبصق طلقة واحدة فتقتل عن بعد و أنت خبئ خلف حجر.. فأنت لست بحاجة لأن ترى عين القتيل وهو يموت.. وقالوا له إنه بهذا السلاح سينتصر.. قالوا له إن ذلك من أجل راية الخير و السلطان، و لكنه لم يصدق.. وهو يعلم أنه لم يكن عليه أن يصدق، فكل ما كان عليه هو أن ينفذ الأمر و يركض خلف بغال السلطان..
--- -- ---
بعد شهر أو شهرين، قالوا للجمع المنهار من البشر والدواب.. أن يرتاح يوماً أو يومين.. عند كهوف وشجر، وعند نبع ماء يتجمع بعد موسم المطر.. وقالوا أيضاً أن التموين قادم فيه لحم و برغل.. فغفى الرجال على الأحلام.. وسرحت البغال.. وتساءل جدي في نفسه لماذا اختاروا البغال وليس الأحصنة و الحمير ثم أجاب نفسه ربما لأنها لا تنجب الصغار!..
لم ينم جدي مثلما نام في ذلك اليوم، نام كالموتى.. نام كالشاة المسلوخة.. نام ونام ونام حتى نسي طعم الأيام، وخرج من جسده ليعيش في الأحلام.. و يعود إلى حضن الزوجة و إلى الحقل، و إلى الحمار الذي تعلم الكلام.
لكن جدي استفاق عندما ألقوا به في الساقية، فاهتز، بروح دخلته و قام مرتعشاً و مرتعداً كأنهم جاؤوا به من جنة ليحاسبوه مجدداً، ثم ليعلموه أن الطريق هو طريق القتل و الذبح قم لتأكل فقد وصل التموين.. وصلت (القروانة) المنتظرة.. التهموا كالبقر الجائع.. وكان جدي يعرف أنه في طريقه إلى المسلخ.. فالعدو هناك، خلف جبل أو تله.. عند منعطف، أو عند جرف في يده ساطور أو في يده بارودة.. و عليه أن يعلم أنه إما أن يكون السلاخ أو يكون المسلوخ..
قال جدي لصاحبه: ما عاد هناك فرق!.. لكن بودي أن أعرف من الذي سأسلخه و من الذي سيسلخني و لماذا؟.. أنا لا أصدق ما يقولون..
ثم رحل الجيش الذي ينوء بأحمال العدد وبالأثقال.. و هناك إحساس طغى وعم و استشرى يقول إن البغال أهم من الرجال.. ولما طالت الأيام مجدداً، ولم تأت القروانة.. أكل الجيش ورق الشجر.. وبحث البعض في روث البغال عن شعير.. ومازال الجيش يسير، من بلاد السهول إلى بلاد التلال.
حطت الرجال مجدداً رحالها ليكونوا على استعداد للقتال.. عليهم أن يرتاحوا هذه المرة من أجل المعارك.. تغذوا يا أبنائي.. صلوا ياأبنائي.. تدربوا يا أبنائي.. اثبتوا يا أبنائي..
مر راكب حصان، و الرجال تعرف أن من يركب الحصان هو آمر ذو شأن و أكثر قربا من السلطان، إذ أن الحصان أقرب من البغل للسلطان..
عندها قال جدي لزميله.. لقد آن أوان الذبح، فانتظروا..
تعلم جدي فك البارودة، و تعلم كيف يصيب الأهداف..تعلم كيف يقتل، وأن لا يخاف.. تعلم جدي أن جيش السلطان لا يُقهرفهو مع الله ومن أجل الله.. تعلم جدي أن الموت شهادة.. و أن القتل شرف.. لكن لم يتعلم جدي من يقتل ولماذا الموت من أجل السلطان..
--- -- ---
سمعوا بمعركة النبع عند البلغار، و بمقتل كثيرين عند حوض النهر عند التيار، كما سمعوا بأن عند الألمان رجل يعلو كالطير ويلقي بالصخر، فينفجر الصخر الذي يقتل المئات.. سمعوا بأحجام حديد كالبيوت تهدر، فتصيبها طلقات البارودة ولا تموت..
و كان جدي و رفاقه والبغال و البنادق، و جوع الكلاب الضالة.. بقوا في أماكنهم.. حيث لم يعرفوا المكان، ولم يعرفوا العدو.. وقال بعضهم إننا محاصرون.. لا يستطيع أحد الهروب من هنا أو هناك.. وقعوا في الفخ وكان هذا قبل خمسة وثمانين عاماً من الآن..
--- -- ---
يوماً أو يومين و تنفك الأزمة.. و الأزمة دامت شهراً أو شهرين.. لا أحد يقول من أين يأتي الخطر.. يذهب بعضهم شرقا ًفيرون جنداً و جنوداً.. يذهبون شمالاً و جنوباً و غرباً فيرون جنداً و جنوداً.. ليس هناك أحصنة، بل كل ما هنالك بغال .. بغال تتحرك و أخرى نفقت.. و روائح جثث و نفايات و قذارات.. و غيم بدأ يلوح في السماء..
الجيش شباب هرموا، و مياه شحت، و بغال نفقت، و آفاق مسدودة، و جدي يبكي، مثل غيره، بمآق ناشفة، كالأحجار، يبحث عن عشب، أو عن ندى، أو عن ورق أخضر .. و كان مثل جدي بضعة ألاف.. أنصاف موتى، جثث منتصبة أو ملقاة..
هلاك تحت الأجفان، ليس من الأعداء بقدر ما كان من نقص المعرفة.. فأي الجهات هو الأخطر، و أيها تسكن فيها الأعداء.. ومتى يأتي الحق و متى يأتي الموت الواقف في الأحضان؟!..
وجاء وقت قال فيه جدي لزميله: أنا الآن أفضّل أن أموت على أن أبقى تحت ناب الثعبان.. سأخرج لأرى.. فأن أرى و أموت خير من أن أموت ولا أرى..
خرج جدي من حفرة واضعاً بارودته على جنبه وباقي قطرة الماء على صدره، و سكينه و حبلته على عنقه.. ثم قال لزميله:
- إن لم أعد فاقرؤوا الفاتحة.
لم يكن جدي وحيداً في قراره، فكان هناك بضعة رجال خرجت كالنمل الأبيض من بين القبور تبحث عن زاد، عن لقمة، وعن شربة ماء..
--- -- ---
مشى جدي عند الفجر، نحو الضوء، مشى بهدوء وبصبر.. ربما دخل في قماش العسكر شوك، ربما سالت بقايا دم.. ربما كان خدراً كالأموات، و فيه رجفة شوق للأحياء .. وربما كان في داخله خوف صامت يدفعه لقتل كل الذي يتحرك.. و هكذا كان جدي في أفق الفجر يبحث عن فأر يأكله أو عن أفعى.. كان جدي وقتها أكثر سقماً من ذئبة.
مازال جدي يمشي ساعة.. وقد أحس بصمت الموتى و بسيطرة الخوف.. حتى لاح أمامه نبتة من تين.. عند الشجرة التقى وجهاً لوجه برجل آخر.. رجل مختلف الملامح.. من غير لغة يعرفها.. قال جدي في نفسه هذا رجل من الكفار.. خاف جدي و تردد.. و خاف الآخر و تردد.. قال جدي: من أنت؟
و أجاب الرجل بكلمات لم يفهمها جدي..أشهر كل منهما سلاحه.. أشار كل منهما للتينات..
كان الآخر أكثر جوعاً، و أكثر ضعفاً من جدي.. لم يكن أحدهما يريد قتل الآخر..فليس لجدي ثأر عنده، و ذاك ليس له ثأر عند جدي.. لكن الخلاف على الشجرة و مافيها.. تعاركا بالأيدي.. و كان ما يزال جدي أكثر قوة فربطه إلى الشجرة..
بحث جدي في الشجرة فلم يجد فيها تيناً.. رأى شجرة غيرها فتبعها.. ثم تبع الأخرى.. و ترك الرجل ينادي و يسترحم بلغة لم يفهمها جدي.
ربما كان جدي يبحث عن شيء يأكله في منأى عن منافسة جائع آخر.. ثم تبع جدي خط شجرات التين بأوراقها الصفر عله يتصادف مع باق من ثمر.. و هكذا مشى جدي مبتعداً حتى غابت أصوات الرجل الآخر.. إلى أن وجد نفسه مجددا قرب وحدته، التي أحس بحركة غير عادية فيها..
--- -- ---
قال له زميلاه:
- يبدو أن اتفاقاً تم لانسحاب وحدتنا بسلام..
سقط جدي على قاعدته.. ثم قال مؤكداً:
- يجب أن أعود..
فأجابه زملاؤه..
- هذه فرصة وحدتنا للنجاة..
فسقط جدي على ظهره..
- يجب أن أعود!..
- ولكن أين تعود أيها الأحمق.. إن من يشذ يطلقون عليه النار فوراً، فليس هناك وقت لشنقه أو خوزقته..
- يجب أن أعود.. يجب أن أعود!..
--- -- ---
انسحب الجيش من غير قتال. و مشى في النهار و في الليل.. وكان ينال وجبة طعام كل ثلاثة أيام.. مشى جدي بين زملائه مردداً:
كان يجب أن أعود!.. كان يجب أن أعود!..
- تعود إلى أين؟!..
- أعود إلى شجرة التين التي ليس فيها تين.
- وماذا تفعل هناك؟..
- أعود إلى هناك كي أفك قيودي!..
و لم يبح جدي بأكثر من ذلك.
--- -- ---
عندما عاشرت جدي في الستينات بعد نصف قرن، كان دائماًساهماً واجماً.. ينظر ألى الشجر الأخضر و يتلمس أوراق شجرات التين.. و يبكي كلما جاء الصباح بينما يصلي.. كان يشرب ماءً كثيراً ليهرقه دمعاً عند الصباح الباكر كل يوم و هو ما زال يسوق حماراً إلى حقوله الصغيرة الموزعة..
سقى رماناته و جوزاته و مشمشه بسعادة، و لكنه كان يبكي كلأطفال ويدمع كالثكالى كلما سقى شجرات التين..
--- -- ---
مات جدي عام 1968.. وماتت جدتي بعد ذلك، ثم ماتت عمتي ثم مات أبي و صديقي.. ثم مات الكثيرون بمرور الأيام.. أولئك الذين ماتوا عرفوا نهاية قصة الرجل الذي بقي مربوطاً في شجرة التين .. أما أنا و أنت و باقي الناس فما زلنا لا نعرف!.
*******
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|