من كتابات الأديب زهير الشلبي في مطلع السبعينات من القرن العشرين

البداية    صفحة الآداب    قبل أربعين عاماً

 

كثيرة هي الأوهام التي تبرز فينا

                                                                                                      كحقائق ، فتفعل فينا أكثر مما

                                                                                                      تفعله الحقائق نفسها  . . .

 

مقابر الأحياء

 

     تناولت كأس الشاي ، رشفت منه الجرعة الأخيرة ، نهضت . كانت الساعة تقارب الثانية بعد منتصف الليل ، تحسست مسدسي وقلت للمعلمين الزملاء الذين لا زالوا يلعبون بالورق:

-    يجب أن أذهب الآن ، لقد تأخر الوقت

   ضحك أحدهم ضحكة مجلجلة ، وتطلع مشيرا الى مابين شعري وقدمي ، وانفجر بالضحك مرة أخرى . قال صاحب الغرفة بهدوء:

-    قرب الصبح  ، لا تذهبن الآن . أرقد في مكانك إن كنت تعبا .

-    لست تعباً أريد أن أصل إلى غرفتي .

-    خذ كأس شاي .

-    شربت من الشاي عشرين كأسا .

ترك صاحب الغرفة ورقه مقلوبا وحدق في جاداً:

-    دون مزاح والله لن تذهب  ، أعوذ بالله  . . قريتك تبعد عشرة كيلو مترات ، والساعة هي الثانية  . .

لا أعتقد أنك مجنون الى هذه الدرجة . امكث يا ابن آدم .

-    ما جئت لأنام .

-    ولكن بإمكانك أن تنام   . . بل ذلك شيء طبيعي  . . . لا يذهب عاقل في وقت كهذا في مثل ذلك الطريق .

قهقه أحدهم:

-    سيركبه الجني .

-    أنا لا أخاف هوسكم وخرافاتكم .

تلمست مسدسي تحت المعطف .

 

     كان لي الخيار ، بل والرغبة الداخلية في البقاء ، لكن هل أترك زملائي من معلمي القرى يتندرن بجزعي من السير وحدي ليلا؟ .هل أظهر بأنني خشيت العودة الى بيتي في القرية المجاورة بالرغم من مسدسي الذي لا يفارقني في مثل هذه الليلة؟  . . أنا الذي كسبت احترام كل من عرفت من أبناء القرية ، وزملائي المعلمين الآخرين . إنني لا أخشى المدجلين المنتشرين بين الفلاحين يحدثونهم عن جني أسود يخطف أروح الأطفال يسكن في مغارة وعن شيطان مبقع يركب أكتاف الذين يجتازون مقبرة الشمال ويجبرهم على حمله طيلة الليل يصيح صيحة الأموات وقد خرجوا من الأجداث  . .

 

قال صاحب الغرفة:

-    لا تخف لن نقول إنك جبنت .

انتفضت والتفت نحوه:

-    أنا لا أخاف السم الذي يزرقه بعض المشعوذين المتسولين في دماء الجهلة المساكين .

-  أقصد يا صديقي أن تبيت هنا الليلة وتتيسر في الصباح  . . . أنت تعب وبدلا من أن تقضي ساعة على الطريق .

-    عندي دوام في الصباح ، لا أحب التأخر .

-    تنهض باكرا .

-    يا أخي أريد أن أذهب .

-    والله أنت حر! .

     سلمت عليهم جميعا  . ودعوني بنظرة بينما كنت أجتاز عتبة الباب الخشبية لأخرج  الى الفلاة الرحبة .

 

     كان الظلام الدامس يهيمن على كل شيء ونباح الكلاب البعيدة يطرق أذني كموسيقى تمس القلب  . . . ضحكت من نفسي اذ أصبح النباح لديها نغما .  تابعت السير على طريق ترابي ينخفض بين مجموعة من التلال ، وكنت كلما ابتعدت عن معالم القرية عمتني الوحشة أكثر .

 

أبحث عن كلمات العجوز وهو يروي قصص الجان والشياطين .

 

     استمتعت بقصصه التي حبكها بفن فطري عظيم ، فأحسن سردها وتصوير مشاهدها ، وأعطاها من مؤثراته التمثيلية ما يجعله راوية في المقام الأول  . . . تكلم بحرارة الملتاع وهو يروي كيف كان شابا لا يهتم بشيء فركبه شيطان المقبرة  . . . تكلم كيف سرق شيطان البئر ابنه وواراه الأعماق لأنه قارب زوجه من حيث لا يجوز أن يقاربها ، تكلم كيف أكل الضبع ساعد الرجل الذي لم يغسل تلك اليد بالماء المطهر المبارك وترك الساعد الآخر .

     ألحت علي كلماته ، لكنني ثبت مرة أخرى الى سيطرتي الكاملة على نفسي  وزلقت شفتي العليا على السفلى ، ومططتها للأمام لا مباليا .

 

     كنت أشعر بالعمى وأنا أحاول تحديد الخطوط التي أستطيع تمييزها وأنا محدق بكلتا عيني   . . . وتابعت المشي أملا في الوصول بأقصى سرعة كمن يريد التخلص من كابوس فلا تجديه معاناته نفعا .

ظهرت ظلال المقبرة .

 

     كنت أفضل أن أتخذ طريقا منحرفا ولكن الكرامة التي تخشى الجرح و المسدس المهيأ منعاني من ذلك فتابعت طريقي  . . . شعرت بقلبي يجاهد كي يقفز من حلقي .

 

     لا شيء ، لماذا هذا التوثب؟ لماذا يكون جزع الرجال رخيصا؟ ولماذا تمزق الشكوك الإيمان؟

 

     وفجأة أحسست برهبة السكون و انقطاع الحياة  . . . ونظرت خلال معالم المقبرة ، فرأيته  . . .

 

     رأيت شبحا متطاول الجسم منتصبا ، عدت الى عقلي   . . أعلم أنه ليس في المقبرة غير الخواء  . . .إذن؟ هو؟   . .شيطان المقبرة؟  . . أنا لا أصدق هذه الخرافات  . . ولكنه أمامي  ، صحيح انه غير واضح الخطوط لكنه أمامي على بعد أمتار ، حدثت نفسي ، لعله رجل آخر  . . ناديته : من هناك؟   . . . لم يجب أحد وغاب صوتي في المسافات .

-    رد يا أخانا  ، رد يا أخانا  . .

لم يجب أحد ، ولم يتحرك الشبح .

عيناي تجحظان ، فرأيته يتحرك .

-    قف عندك .

لم يذعن وتابع مسيره نحوي  . . . قبضت على مسدسي .

-    من أجل الذي خلقك قف مكانك  . . من أنت؟

كنت أزأر مختنقا  . . . أتشنج كما لو أن الشيطان يعتصر أحشائي .

-    يا بشر يا شيطان  . . . قف  و إلا سأطلق النار   . . .

     تحركت يدي ببطء حاملة المسدس  ، وسددت من خلال الظلام  . . . وضغطت على الزناد فدوت طلقة هائلة  . . ولكن المخلوق لم يسقط كما توقعت بل بقي منتصبا  . . .

 

     ضغطت على الزناد ثانية وثالثة ورابعة وخامسة و سادسة  . . . ثم فرغ المسدس والمخلوق مازال منتصبا يتجه نحوي  . . . فاستدرت نحو اليسار وركضت ركض الأرنب الجزع  . . لا أدري كم جريت ، كم تشقق حلقي من الجفاف ، وكم تمزق جلدي واستدمى  . . .

 

     وصلت الى القرية  ، فأقحمت نفسي عند معلمها ، وبت ليلتي يقظا أرتجف  . . وآثرت أن لا أفتح فمي بكلمة للشاب الصغير الذي لم تر عينه الرقاد ، وأمضى الليلة خائفا من جيئتي المباغتة .

 

     وكان علي أن أمضي ساعات لأصل الى قريتي  ، واطمئن الى أن شيطان المقبرة ، مقبرة الشمال  ، لم يركب كتفي ولم يرغمني على حمله طيلة الليل .

 

     جلس العجوز وحكي عن المعجزات التي يقوم بها المردة و الجن والشياطين وكيف أنه كان يوجد رجل شديد الورع ، والتقوى والصلاح و الإيمان فقررت الشياطين أن يأكل كل منهم مزقه من جسده فينجون بذلك من عذاب الجحيم ، إذ لن تمس النار أجسامهم بعد أن أدخلوا لحم ذلك الرجل في لحومهم . وجه حديثه نحوي:

-    أنت يا بني صامت هذه المرة  . . كنت تجادلني سابقا .

أجبته لا مباليا:

-  تعبت من ذلك   . . .لنتحدث عن الأرض والزراعة  ، عن النهر الذي يطوف كل عام ويخرب البيوت ويفني الجهود ، لنتحدث عن آبار البترول  . . فلنترك كل مادون ذلك .

-  المال للرزاق المنعم ، هو الذي يعطي الخيرات  . . . التقوى يا بني هي الأساس  . . . كل شيء بمشيئة الله .

انفعلت قليلا:

-    لقد رأيت شيطان المقبرة  . . أطلقت النار  . . . هربت منه  .

قال متضاحكا:

-  إن شيطان المقبرة يا بني لا يمكن أن تراه ، ولا تحس به إلا وقد ركب كتفيك ، لقد كان كل ما رأيته وهما .

-    أوهام  ، أوهام ، كل مانقوله ونفعله ونفكر به أوهام في أوهام .

 

                                      *                 *                  *

 

البداية    صفحة الآداب    قبل أربعين عاماً