عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

 "اليوم عيد ميلاد ابني،

وهو لا يعرف رائحة بلدتي جيداً"

نيقوسيا 11/10/1998

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟

تتجمع قرية منين حول نبعها الرئيسي الذي كان يتفجر من تحت صخور جبالها، ثم يندفع مروراً بأراضي التل ثم معربا وبرزة، فيشكل وادياً صغيراً يرتوي من مياه ذلك النبع. غير أن ماء النبع الذي كان يجري في فروعٍ أربعةٍ كان يتألم.

كان يجري في فرع الوادي وهو الأساس، كذلك في فرع أرض منين وأرض الغرب وأرض معربا.. ولما لم تكن مياه النبع تكفي لسقاية الأرض كلها فقد توزعت أيامه ما بين هذا الفرع أو ذاك..

وكان عبئه أكبر منه!.. فالناس يشربون منه، والأرض كذلك،.. والناس تسبح فيه، والضفادع كذلك.. والصبايا يتمشين على حوافه، وكذلك السحالي.. والعصافير تطير فوق أشجار ضفتيه.. وكذلك قلوبنا..

النهر كان حياتنا..

قلت لعمتي العجوز بعد ان عدت من غربتي سنوات طويلة:

-أريد أن أرى الوادي بنهره الهادر فهو يعيد لي ذكريات شبابي الأول، وحكايا القلب القديمة الدافئة..

ورحبت بي عمتي في أرضها التي مازالت تجاور ذلك النهر..

لكن صرخةً من أعماقي دوت في مراكز العصب لدي عندما شاهدت النهر المقتول بالقَطْعِ والحجارة والخرقِ والحشرات السوداء..

كان نهراً ميتاً بفروعه كلها..

عدت إلى غرفتي حزيناً كما لم أحزن من قبل، استعدت أيام الصبا، وابتسمت من خلال الدموع..

عندما رأيت النهر بقايا ليس فيه سوى بعض الماء من منبعه يتكلل بالقذارة والسواد بمجرد خروجه من بين أشجاره الأولى، ثم ينطفئ بعد ذلك  تاركاً بقايا جسد طويل من منين وحتى برزة، تاركاً تلك البقايا آثاراً قذرة خارجة إلى السطح كأجداث القبور.. عندما رأيته كذلك توقفت شراييني كذلك، مثله، عن الحياة!..

 *           *              *

 دائماً في غربتي كنت أعود إلى الصور التي خلّفها ذلك النهر، بنزقه وصخبه وحيويته، وبالأشجار التي حوله، وبالطيور التي تسكن أغصانه.. كنت أعود إلى تلك الصور وأعيشها، كما يعيش هذه الأيام طفل الألعاب الإلكترونية..

ذلك النهر، أو النُّهيْر، أو الساقية.. أو الموات بلا دمع الآن.. كان شرياني!..

عندما أذكر بلدتي، لا أذكر إلا ذلك الشريان!..

عندما أحب بلدتي، أحب فيها ذلك النبض في تلك الفروع الأربعة!..

وعندما أتحدث عن بلدتي، فإنما أتحدث عن قلوب تحدثت مع العصافير ومع أشجار الجوز والحور والصفصاف على ضفاف تلك الفروع..

وعندما أخاف في بلدتي، فإنما أرى مصير ذلك النهر، وأحس أن مصير الإنسان في داخلنا هو مصير ذلك النهر..

قال لي أحدهم:

و"أحدهم هنا" تعني أولئك الذين فهموا من الحياة أموالها، (ونفشوا) جيوبهم بأوراقها، وتلذذوا بطعم سجائرها، وبرؤية صدور وأرداف راقصاتها..

- لماذا يا أستاذ لا تقضي عصراً أو أمسيةً في منتزهات ذلك الوادي؟.. سترى أن الوادي أجمل مما كان!..

وكان علي أن أذهب!،

كان عليَّ أن أذهب، فأنا لا أستطيع أن أتخلف عن حضور جنازة ذلك الوادي!..

*           *              *

 إيه يا بلدي!..

أنا أحبك من الآن، عائداً بالزمن القهقرى، وحتى يوم أن خرجت من بطن أمي، في يومٍ ربيعي كما قالت لي!..

أنا أحبُّكِ، وأشجار واديك مازالت تهفهف في رئتي، ومشمش أرض جدي مازال يغوص في معدتي، وزعبوب منطقة السحر يلامس الألوان في عيني، وتفاح وخوخ وسفرجل أرض الرويس مازال يُعتصَرُ تحت أسناني..

إيه يا بلدي!..

إيه يا بلدي!..

إيه يا بلدي، وأنا أجلس الآن إلى طاولة واسعة ملونة، والشاب الأنيق يبتسم وبيده ورقة وقلم:

- (أيوه) يا أستاذ؟!..

- نعم!.. آسف.. لقد ذهبت في ذكرياتي قليلاً.. حيث كان هذا المكان غير هذا المكان!.. هل عندكم أكلٌ من تراث بلدتي!..

- ماذا تقصد يا أستاذ؟!..

- أقصد، مثلاً القمحية والشاكرية والنيفا والبرغل على حمص، والحراق بإصبعو والمخلوطة والجلبصطة.. هل عندكم حبق وبقلة وزيتون معطِّن؟..

- عن ماذا تتحدث يا أستاذ..؟..

- ماذا عندكم يا صاحبي..؟..

- عندنا مقبلات ومشاوي..

- هات المقبلات والمشاوي..

- والمشروب يا أستاذ؟.. كولا، عصير بزجاجات!.. بيرة، نبيذ؟ وسكي؟.. كونياك؟..

- سبحان الله!.. بودي أن أشرب من ماء نهر منين!..

- تشرب من ماء النهر!..

- نعم من ماء النهر!.. كنا ونحن صغاراً نعب منه، نثني وسطنا ونرتكز إلى حجرين في الحافة ونقلب رأسنا حيث نصل إلى الماء بشفاهنا!..

- الله، الله، يا أستاذ!.. تريد أن تشرب من النهر!.. تعال لتراه..

جرني من يدي، وهو متأكد أن عقلي ليس في رأسي، ثم أطل معي من مقعد اسمنتي منبسط وقال:

- أنظر، يا أستاذ!..

نظرت من علو، من بين أغصان تزينية صنعية، فرأيت بقايا النهر جافاً وقد أصبحت (عظامه مكاحل)!..

عدت صامتاً إلى الكرسي والطاولة!..

تابع الرجل مقترحاته بطعام شهي، وأنا ما عدت أراه ولا أسمعه، كل ما في الأمر أنني كنت أحني له رأسي علامة الموافقة..

وبقي رأسي منحنياً..

*           *              *

 عدت إلى طفولتي..

عدت ليس إلى سن السادسة أو السابعة حيث دخلنا المدرسة الابتدائية، كما كانوا يسمونها مدرسة (الدولة) وليس إلى سن الرابعة أو الخامسة حيث كنا في كُتّاب الشيخ (نبيه)، بل إلى سن الثانية والثالثة!.. كنا وقتها عرايا..

منذ خمسين عاماً كنا بلا ثياب، فلم يكن عيباً أن يجري الطفل عارياً في زواريب البلدة،وهي زواريب صغيرة!..

ولم يكن عيباً أن تأخذ الأمهات أطفالهن حتى سن الثانية أو الثالثة إلى حمام البلدة كي يشاهدوا العصافير في سقفه..

كنا عرايا .. تماماً، كما كان الشجر بلا جدران، والنبتات بلا أُصصٍ، والنهر على طبيعته بلا زينة!..

وكنا نجري، بلا خوف، بلا إحساسٍ بالذنب، بلا قيود، بلا ثياب، تماماً كما كانت الجداء تجري، تارة إلى قمة المرتفع، وتارة نحو النهر.. في المرتفع تقضم الأعشاب، وفي النهر ترتوي من الماء..

كنا نجري، نتصايح كما يبربر النهر، ونتدافع كما يتلاطم موج النهر، عراةً مكشوفين مثل سطح النهر!..

كنا، وكان الفرح راقصاً فينا..

كنا،، وكان جلدنا مسرحاً للشمس، كما كان مسرحاً لماء النهر.. يوشوشنا ونوشوشه، يصفعنا صفعاتٍ متتالية.. ونضرب سيقاننا وأذرعنا في مياهه.. كنا نعيش الجنة!..

وكانت حياتنا عريٌ ونهرٌ وشجرٌ وثدي أم!..

كنا الزهرَ في الأغصان، والأغصانَ في الشجر، والشجرَ مزروعاً في تراب الأرض، وترابُ الأرض مبتل ومشبع بماء النهر..

كانت جذورنا في النهر.. وكانت أغصانُنا تتمايل مع النسمة تحت أشعة الشمس..

كنا نبتل في ماء النهر، ونجف في أشعة الشمس الواردة إلينا من بين أوراق الشجر، ثم نعود لنبتل في ماء النهر من جديد!..

وكنا عرايا.. كما العصفور كنا، كما عصفور التين وأبو الحناء!.. كنا (نئز) كما نحل العسل!..

كنا لحظةً أبدية لا تعرف الماضي، كما لا تعرف المستقبل..

كنا دجاجات جدتي!..

كنا مشمشات جدي في أرض منين، وزيتون جدي الآخر في الغرب..

كنا ثماراً لحب قام، رَقَصَ في الأعراس، ودَبَكَ في الليالي، وغنَّى المواويل.. ثم راح يوزع الأجنّة على أرحام عروسات البلدة!..

كنا نهرَ الحياة الخارج من كهف صغيرٍ في جبال منين، ليتفرع ويعيش خالداً، أبداً يرسم الابتسامة والأفراح في كل القلوب، قلوب البشر، وقلوب الشجر.. وقلوبنا نحن العرايا.. ثمارُ الحب.. 

*           *              *

في يومٍ ما، جاءت امرأة عجوز إلى أمي وراحت تهمس في أذنيها:

- 

وكلما اقتربت منهما زاد الهمس ، ..

 أحسست بالمرأة العجوز تتحدث عني أو تعنيني في حديثها..

كنت لا أرغب في أن أخوض في أحاديثهن، فهن ثرثارات، لا يحببن العصافير، بل أحاديثَ مكرورةً في غرف التنانير الحامية.. وعلى وقع طقطقات الأغصان المحترقة في لهب التنور.. كنّ يتحدثن عن زنوبة، وسعدية، ومريم، وفطوم، وعن الصياح، والضرب، والزواج والذهب..

وكنت لا أفهم شيئاً…

كل الذي كان يعنيني أن أسرح قرب النهر أسمع وشوشاته، وأتابع حركة النمل، وقفز العصافير بها..

تابعت المرأة العجوز النظر إليَّ، إلى جسمي، وبخاصة إلى وسطه، ثم قالت لأمي مؤكدةً:

- عيب.. عيب!..

لم أعرف ما معنى الكلمة!.. كلُّ الذي رأيته كان وجه أمي أصبح أحمراً..

تذهب العجوز، وأشاهد أمي، التي بدت لي غريبة وقتها، تمسك بخرق قماشٍ تعمل منها شيئاً..

وعندما استيقظت صباح اليوم التالي وجدت جسمي ملفوفاً بتلك الخرق!.. فانفلت بالبكاء، والصراخ، والاحتجاج.. بكلمات مازلت لا أعرف كيف أنطقها.. وكنت أحاول نزع تلك الخرق!.. 

*           *              *

لحقت بي أمي وأنا أجري باتجاه النهر!.. ألقيت نفسي فيه لأستر الخِرق.. فجسمي عاري، وقلبي عاري، والشجر عاري، والنهر عاري، فلماذا هذه الخرق؟.. إنها تسدني، وأنا أريد أن أكون كالسماء بلا حدود..

ألقيت نفسي في النهر فالخرق هذه هي العيب الذي أحسسته، وراحت أمي تحاول الوصول إلى وهي تصرخ:

- عيب يا ولد!.. لا تنزع (حفاضك)!

وسنتا عمري كانتا تقولان لي:

"إن العيب أن ألبس الخرق والخروف لا يلبسها، والأرنب .. والديك.. العصافير لا تلبس شيئاً.. حتى الكلاب التي تعوي لا تلبس شيئاً.."..

ثم تعود أمي لتصرخ مغتاظة:

- أصبحت رجلاً يا ولد!.. عيب!..

صرختُ وبكيت وأنا لا أريد الخروج من النهر!..

في ذلك اليوم تركتني أمي لنفسي أنزع الخرق وأعود عارياً أجري.. أسابق النهر!..

لكنها في اليوم التالي ربطتني ربطاً محكماً لم أستطع فكاكه،

فجلست مستنداً إلى شجرة جوز سامقة تتهادى ظلالها فوق صفحة ماء النهر، وكنت هادئاً أبكي، وأنتحب، كما لو أنني في سجن أو في عارٍ أبدي لحق بابنة قديس البلدة!..

من يومها ما عدت أسابق النهر، ولا أجاهر بتحدي ديوك الجدة، ولا أموء كالقطة، ولا اذهب إلى حمام البلدة لأشاهد العصافير في سقفه!.. أصبحت كالحمل الذي منعوه عن (ضرع) أمه بوضع كيسٍ عليه!.. أصبحت حزيناً.. وأصبح النهر النابع من صخور منين والمتفرع شرايين في مناحي بلدتي ، أصبح حزيناً مثلي!..

أصبح الحزن يخيم على الشجر والطيور والعشب وشوك الزعتر، ولذلك فقد كتب أحد شعراء (حلبون) قصيدته: بيدر الأحزان.. ونشرها في كتاب.. 

*           *              *

*           *              *

عندما كنت أجلس إلى جانب الرجل الذي (نفش) جيبه بأوراق المال، وتلذذ بدخان السجائر المهربة، وجاء نادل الكازينو ليحضر لنا طعام السياحة من مقبلات ومشاوي، رأيت نفسي أقضم (الستيك) على أنه قطعة (قاورما)، وأبتلع شوربة (الماجي) على أنها (القمحية)، وألوك السلطات بالزيوت المستوردة على أنها حبق النهر بزيتونات الغرب،..

ثم لم تلبث فتياتٌ يلبسن ثياباً كاشفةً مكشوفةً، تعري الصدر والفخذ أن يتبادرن إلى الرقص على موسيقا كأنها الصخب المنظم..

فأرى ذلك على أنه جمع من الصبية والبنات ذوو وذوات السنتين في عمر الزمن عراةٌ في هذا الوادي قبل خمسين عاماً..

وأسمع  الموسيقا على أنها حفيف الشجر، وتقلبات المياه في النهر واصطداماتها الصغيرة بأحجاره.. وأرى الصدور أشجار الأثمار.. والأفخاذ أشجار الحور على ضفاف النهر..

عدت القهقرى،

عدت نصف قرن من الزمن.. عدتُ، وسألت وأنا في طريق العودة:

- لماذا يلبس الناس ثيابهم؟؟.. لماذا يلبس الناس ثيابهم؟!..

وكان كل من حولي يقول ويتمتم:

- هذا الرجل الأشيب، عاد مجدداً يتصرف وكأنه طفل صغير لم يتجاوز الثانية من عمره!..

 -=-=-=-=-=-

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

 index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm