عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

"الحياة موقف،

إن كُنّاه ، كُنّا..

وإن لم نَكُنه لم نكن! .."

..لا ..

نيقوسيا 29/5/1997

توجد في نيقوسيا على سورها وعند معبر جسري يصل بين قسميها القديم والحديث ساحةٌ صغيرةٌ دائريةٌ تحيطُ بها الأشجار وتُزرعُ فيها النبتات الوردية الموسمية الصغيرة ويتفرع عنها خطا سيرٍ متصالبان..

اسم هذه الساحة (ساحة أوخي)

سألت صديقي القبرصي:

-  عندكم ساحة (أوخي) ولديكم يوم (أوخي).. والمعنى؟..

أجاب الصديق القبرصي بفخر واعتزاز:

- كلمة (أوخي) كما تعلم في اللغة اليونانية تعني (لا)، تعني الرفض، وقد سُمِّيَتْ هذه الساحة باسم الرفض، رفض الخنوع، وكذلك يوم (لا)، يوم الرفض لإنذار الأجنبي للشعب اليوناني بالاستسلام.

لقد رفضنا الاستسلام لإنذار الأجنبي وحاربنا من أجل ذلك الرفض.. احتُلت أرضنا ولكنها تحررت بعد ذلك.. نحن نفخر بهذه الساحة وهذا اليوم..

شاركت صديقي القبرصي ابتسامته وربت على عضده، ثم قلت له:

- هل تحب أن تسمع قصة رفض أخرى آتية من بلدي؟..

ولما وجدت في تفاصيل خطوط وجهه رغبةً في سماع القصة، بدأت، واستطردت، وأغرقت في الانسجام، واحترم هو تأثري وانسياقي فظل صامتاً ينصت.

تابعت قائلاً:

" في مثل هذا اليوم، قبل خمسين عاماً، عند المساء، زمجرت شاحنة متهالكة بلون الليل عند مشفى دمشقي، ثم هدأت..

لم تمض دقائق حتى أقبل كل عاملي المشفى يتسابقون نحو الشاحنة، ويلحظ أحدهم أن بقعة كبيرة تحتها تتعاظم، لا يتبينها تماماً بسبب الظلام، لكنه يشم رائحةً تشمل دفعاً في الرهبة والخوف والتساؤل.. ثم يتابع بنظره خطاً من نقاطٍ تتبعثر مكتظة على طول الطريق الذي جاءت منه الشاحنة.. يمد يده ليتأكد من ماهية البقعة، فتغوص اليد في بركةٍ من الدم الآدمي..

"ينتفض عامل المشفى، ينتصب، يمد يده من بين حديد سور ظهر الشاحنة ليتعرف على كومة الكتل المرمية، فيراها أجساداً بشريةً ملقاة فوق بعضها البعض وقد امتزجت دماؤها.

ساعة الروع تحولت إلى ساعةٍ من الحركة، نقل عمال المشفى ثلاثين جسداً مكسواً بلباس الدرك السوري، مخرّقاً برصاصاتٍ لا تُحصى، في الرأس والعين والقلب والبطن والأطراف.. رصاصاتٌ بعدد جنود الأجنبي على أرض دمشق اخترقت جلد وعظم وعروق وزوايا ثلاثين شاباً سورياً..

"زمجرت السيارة موليةً أدبارها تاركة بقعة الدم الممتزجة من دفع ثلاثين قلب أتوا من كل الأراضي السورية.. امتزج الدم الذي مازال ساخناً، ورسم كما رآه عمال المشفى وقتها، خارطة الوطن

" كان عمال المشفى القلة والأطباء السوريون الأقل يتعاملون مع الأجساد التي مازالت ساخنة تقطر، وكأنهم يحضنون أطفالهم الجرحى، ثم يسندونهم إلى الأرض العارية.. فيصطفون ثلاثة صفوف.. والصفوف الثلاثة مازال يسري من تحتها ثلاثة جداول من الدم من ألف ثقب اخترقتها ألف رصاصة فرنسية..

منذ خمسين عاماً، وقف عمال وأطباء المشفى الدمشقي حول الأجساد الثلاثين يفحصونها، واحداً واحداً بقلوبٍ تخفق الخفقة إثر الخفقة، وترتعش حقداً على القتلة، وأملاً بفجر جديد قريب

ويصرخ فجأة أحد العاملين:

- إنه حي، مازال قلبه ينبض!.. إنه حي!.. هرع الآخرون إليه، جس الطبيب معصمه، نقلوه إلى زاوية.. اهتم الطبيب به وراح يستجدي الله في أن يعينه في محاولته إنقاذه،

اهتم الطبيب الآخر في البحث عن آخرين مازالت الحياة تنازع فيهم، فوجد شاباً آخر.. وبقي الثمانية والعشرون أجساداً بلا حراك ولا حياة.. فقرأ الأطباء والعمال الفاتحة على أرواحهم.. نقلوهم إلى المشرحة، بمشاعر أغلى ممن ينقل ابنه أو أخاه أو حبيبه إلى قبره..

وامتزج الدمع المنهمر بدم الشهداء.. وامتزجت الروح بالروح.. وتوحد الأحياء من عمال وأطباء المشفى السوريين.. كما توحدت أرواح رجال الدرك في الولادة والنشأة والمصير وتلقي رصاص الفرنسيين..

شدد الأطباء والعاملون العناية بالرجلين الذين مازالا ينبضان، وكان الخوف الوحيد الذي يتملكهم هو أن يكتشف الضابط الفرنسي نقصاً في عدد الأجساد المسجاة في المشرحة.. لكن إرادة الله، ولهفة العاملين في المشفى، شاءت أن يجتاز الشابان السوريان الفتيّان مرحلة الموت، ليبقيا - شهيدان حيان- يحكيان للعالم قصةً متميزةً، فريدةً، ولكنها من صميم أصالة بلدي..

"- قال الشهيد الحي لطبيبه:

كنتُ لمدةٍ طويلةٍ، بعد أن اخترق جسمي وأجسام رفاقي عدد لايحصى من الرصاص، وبعد أن تأكد جنود السنغال المأمورون من ضباطهم الفرنسيين، أن لا أحد منا بقي على قيد الحياة، كنت لمدة طويلة أعاني عالماً فريداً غريباً مأساوياً لا أتصور أن أحداً مَرَّ به وعاد.. كنتُ أعاني من اعتصاري في الشاحنة بين أجساد رفاقي من فوق ومن تحت، ومن بعض الأنين يأتيني رغم أن ألمي غيّب أعصابي، فقد أصبحت أعاني اختناقاً كاد ينهي كل شيء لولا أن اهتزاز الشاحنة ترك لي فجوة أتنفس من خلالها.. خلال الرحلة القصيرة ما بين مبنى البرلمان والمشفى، رحت في عالمٍ غاب فيه الجزع الذي عانيناه في بداية الأمر، إلى عالم من الأماني.. إن بقيتُ وإن غادرتُ فإن أمر البلد مؤكد، طالما أن ثلاثين دركياً من شباب هذا البلد امتثلوا بيوسف العظمة قبل أكثر من ربع قرن، هو ورجاله القلة بالعتاد القليل، الذين قالوا (لا) لإنذار الجنرال غورو بتسليم البلد للأيدي الفرنسية، وماتوا من أجل ذلك، كما امتثلوا برجالات وأبطال الثورة السورية الكبرى، الأطرش، والعلي، وهنانو، وغيرهم فكان الجندي الفرنسي منذ أن جاء غير قادر على النوم أو الراحة أو الأمان..

أمر ومستقبل هذا البلد مؤكد في حريته، وأنا فرد سوري ذو تاريخ عربي، رفض وقال (لا)

ولم يكن لدى الفرنسي حجةً يدلي بها سوى الرصاص المنهمر كدفقات المطر..

قال الطبيب مبتسماً ابتسامة الأمل:

- إن بلداً كهذه لا تركع أبداً.. تأكد بأنهم سيخرجون.. قريباً جداً سيخرجون.. أكثر من ربع قرن الآن وهم يصرون على البقاء لكننا نلنا منها وأثخناهم جراحاً في حواري المدن، في شعاب الجبال، في الغوطة.. في كل زاوية..

ابتسم الشهيد الحي:

- كيف غامرت بنفسك وخبأتنا أيها الطبيب ، ألم تخش الإعدام؟..

تابع الطبيب ابتسامته الدمشقية الحلوة:

- أنا لم أغامر بنفسي، كلنا قد غامرنا، وليس هذا بشيء أمام التضحية التي قدمتموها.. فلا أعظم من تضحيتكم بالروح في سبيل رفض الخنوع

*                 *                      *

نسيتُ خلال هذا الحديث صديقي القبرصي، لكنني في هذه اللحظة لمحت وجهه وعيناه، منصبتين على وجهي مبدياً رغبةً في الدخول في التفاصيل فتابعتُ:

" - تعلم يا صديقي أن الفرنسيين حاولوا السيطرة منذ عام 1920 على سورية، ولكنها قيدت طموحاتهم بالسلاسل ثم فجرتها وأزالتها.. وكل ذلك بكلمة (لا) ، التي حدثتني عنها..

قال صديقي القبرصي بشغف:

- أنت لم تحدثني عن الذي حصل بالفعل يوم أن جاءت الشاحنة ملأى بثلاثين دركياً سورياً اخترق الرصاص أجسادهم..

ابتسمتُ ابتسامةً فيها كبرياء واعتزاز وتابعت:

"- إنه نفس السؤال الذي سأله الطبيب قبل خمسين عاماً لواحدٍ من الشهيدين الباقيين إلى أن عاشوا مرحلة جلاء الفرنسي عن أرض الوطن.. وكان ذلك بُعَيْدَ ذلك الحدث الذي مازال يعيش في قلب وذاكرة كل سوري وكل عربي، وكل إنسان يعرف معنى رفض الاستعباد والظلم والأجنبي عندما يدوس على أرض الوطن..

أجاب الشهيد الحي الطبيبَ وقتها واصفاً له ماحدث:

"- كنا ثلاثين دركياً سورياً حماة لمبنى البرلمان في قلب دمشق، وعند المغيب، جاء ضابط فرنسي ومرافقوه ومعه عدد من جنود السنغال، وطلب منا الاجتماع في الساحة الخلفية، وعندما فعلنا.. طلب منا أن نقوم بتحية العلم الفرنسي عند إنزاله في المغيب.. فقلنا (لا)..

احتد، ثم أمرنا بأن ننفذ، فقلنا ببساطة وثقة: (لا).

جن جنون الضابط الفرنسي .. فهددنا بالقتل..

وأجبناه من جديد ببساطة وثقة: لا

نحن لانحيي سوى علم بلادنا

عندئذٍ، ولما أيقن أن لا فائدة من إقناعنا بالخنوع .. قال صارخاً:

- لن أبقي منكم أحداً حياً

فأجبناه بإصرار: أيضاً لا...

رأيناه يلتفت إلى مرافقيه والجنود البله الآتين من بلاد بعيدة:

- أطلِقوا كل الرصاص..

وأطلَقوا كل الرصاص!..

*                 *                      *

قال صديقي القبرصي:

- الأجنبي المحتل هو هو أينما كان، لكن ما حدثتني به كان مروعاً.. وهل يعرف كل أبناء سورية هذه القصة؟..

- بل يعرفها كل العرب، وكل من قرأ تاريخ سورية الحديث، وقبل كل الناس تعرفها فرنسا، وتعرف الكثير مثلها.. الكثير الذي لاقته في كل أرض دخلتها ولذا فقد خرجت مرغمة.. كما خرج غيرها من المعتدين.. وكما سيخرج كل معتد على أرض غيره..

- وهل في بلدكم أيضاً ساحة أسميتموها (ساحة أوخي) أو ساحة (لا)؟

- نعم يا صديقي!..

وهل لديكم يوم أيضاً أسميتموه (يوم أوخي) أو يوم (لا)؟..

- نعم يا صديقي..

- وأين هي تلك الساحة، ومتى هو ذلك اليوم؟.. أجبته بإصرار وثقة وابتسامة:

- ساحة (لا) للأجنبي ياصديقي، تشمل كل الوطن، ويوم رفض الخنوع ياصديقي يشمل كل الأيام..

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm