|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
قلب المدينة
نيقوسيا 10/3/2004
( من أجل أن آخذ لابد أن أثمر )
هي رؤية أو رؤيا .. تحت وهج الحر وفي الغبار ، أو في الزمهرير وفي الصقيع ، حيث تنبهر الأشياء إلى حد البله .. ..
عند بناء عتيق ، التصق رجل من بقايا حادث سير ، في الزاوية يتأمل بساطاً عليه قطع باقية من آلات صدئة ، وقطع من مذياع .. ثم يتنهد منتظراً أن يقبل رجل ما من أرض ما كي يبتاع .. وبجانب بقايا الرجل ينتصب رجل مائل وأمامه عربة بثلاث عجلات وعليها صاج يسلق أو يقلي أو يشوي ثم يقلب في المعلاق ..
وعندهما يصطف رجل وآخر ثم آخر ، في عيونهم مازال العمش عالقاً ، يحمل كل منهم ساعة يد أو بضعة كتب من مدرسة أهمل طلابها محافظهم .. وعلى بعد متر أو أكثر جلس ثلاثة رجال على كراسٍ بحجم كرات ، يحتسون الشاي الساخن ، ويدخنون السجائر وينتابهم السعال ، ثم يغريهم بخار خمير الشاي مجدداً ، فيطلبون كأساً تلو كأس ، ويمتصون الدخان إثر الدخان ، ويبصقون في الزوايا الخربة حيث تتجمع بقايا الشاي الخمير والمخمور ..
لحق بهم ، بمجموعة البقايا والعرج وحاملي الساعات وشاربي الشاي ، لحق بهم ماسح أحذية هرب من أمه وأبيه ، وصبي يخشى أن يراه الرجل جاره أبو البنت التي هف ثوبها عن ساق .. كما لحق بهم آخر استجمع أشياء من سلال القاذورات ، ثم غسلها في الماء الآسن وبسطها فوق طوب مكسور ينتظر صاحب دريهمات ينفقها مشدوداً بغرائب الأشياء .. رجل آخر أقبل يستمع إلى مطربة منخورة الصوت من خلال جهاز تفلتت أجزاؤه ، وتحركت مدخراته ، ثم رافقه مناد ينادي على سجائر آتية من بعد أبعد من آفاق ..
هكذا كانوا .. ثم انفرطوا فجأة ، خلال ثوان ، واختفت البُسط بما فيها وغابت في الأحضان .. وصرخوا بأصوات مبحوحة مكتومة .. "لقد أتوا .. لقد أتوا ..". انفرطوا فجأة واندثروا .. وغابوا وكأن شيئاً ماكان ..
غاب اليوم ، وغاب التالي ، ثم عادوا مجدداً ، وانضم اليهم عامل تنظيفات ، وبائع زجاجات ، وحمَال الغاز ، والمطرود من زوجه ، والمطرود من عمله ، والمطرود من نفسه ، وسارق الغسيل ، والأعرج ، والأعمى ، والأبكم ، والحالم بالأحلام .. ومن لا يعرف تعداد الأيام ..
وهكذا تنامى العدد من عشرة إلى عشرين ثم من مائة إلى مائتين فجاء صيادوا الفرص ، أو الضحايا ، يبتغون رؤية أو رؤىً ، فهم إما نهَابون أو منتهبون .. فلعل هناك اليوم بقايا من بيت مهدوم ، أو ما يُروى أنه مهدوم .. ولعل هناك ساعة مازالت ساخنة من يد حاملها ، أو شيئاً ما مازال دافئاً من حضن حامله ..
وللمرة الثانية والثالثة ذاب الجمع خلال ثوان .. وبقي المكان يصفر في الريح .. يجوبه ثلاثة شبان .. يشمون رائحة المعلاق المسكوب .. وعند الزوايا تنتظر الفئران ..
* * *
تسابقت الأيام وطارت .. ومات صديقي .. وتباطأت حركاتي .. وبكيت كالطفل ، وأكلت كالطفل .. ونسيت السنوات السبعين .. وحلمت كطفلٍ جاء الآن .. اليوم عيد ميلادي العاشر .. اليوم سأطفئ شمعة العقد الأول من حياتي ، لأنظر بشغف للعقد الثاني وأحلم بضم فتاة أو بعناق صبية ، أو برجفة حب فوق سحاب ..
حلمت كطفل جاء الآن ، وأنا في العقد الثامن ، ومات صديقي، وصديق صديقي .. تقوستُ كجائع في الصحراء الإفريقية ، وسمعت كشاة تقطع طريق السيارات ، ورأيت كرضيع خرج للتو من بطن أمه.. وقعت الأشياء من يديَ وسقط الفُتات من فمي وتطاير اللعاب ..
عشت حياتي .. عرقاً من جلدي .. وعرقاً في جوفي .. طرت وجئت .. بنيت وهدمت .. كتبتُ ومزقت .. عملت ولعبت .. بكيت وضحكت .. وعشتُ ..
أحببتُ وكرهت .. قبلتُ ورفضتُ .. شبعتُ وجعت .. ثم كبرت وشبت .. ثم انحنيتُ ..
وكما عاش كل الناس عشتُ .. حلماً كان ومازال .. يُختصر في كلمةٍ تقال .. أو في غناء موَال ، أو في كان ياماكان ..
حلماً أن أبقى .. فأنا أخشى الرحلة .. لأنني أخشى المجهول .. فسلمت أمري .. وألقيت عبئي على الخلاق .. واستغفرتُ وبكيت وندمت وتبتُ .. وقررت أن أسكن وأترك الريح .. قررت أن أستريح..
إلا أن الحلم سبق القرار .. وطالبني أن أزور بقايا رؤيا الماضي..
ألح علي الحلم ، فتلملم جسدي ، وتثاقل ، ثم تحرك ، ثم مشى ..
مشيتُ كثقل هموم الدنيا ، وكان في يدي عصا ..
* * *
حلمت في يوم ما ، وغرقت في كابوس بائع المعلاق ، وبسطة باقي حادث سير ، وحامل الساعة ، وبائع الشاي .. ولص الغسيل ، وجامع النفايات ..
غرقت في الكابوس في يوم ما ، ثم نسيتُ الأعوام السبعين .. ثم عدت أتكئ على عصا .. وأقترب من كابوس يتفاقم ..
بدل العشرات وجدت الآلاف .. صغاراً وشباباً ومسنين .. زحمة بشر ممتدة .. بسطات وبسطات .. بائع خرداوات ،بائع مجلات بصور العاريات .. بائع أجهزة وأدوات .. بائع أشرطة وأغنيات ، بائع فواكه وخضراوات .. وبائع الوعد والكلمات ..
غصت بلحمي المقَدّد ، وبعظامي السلكية ، ومررت بابن بائع المعلاق .. وسمعت جلبة ولفظاً ونداءات .. وأقحمت جسدي المهدود والمكدود بين العارضين والمستعرضين .. والمساومين والأذكياء والأغبياء . وغاب عني امتداد الساحة إلى الساحات ، وكثرة الرواد ، وقلة الأشياء ، ولهات الأنفاس .. حتى إذا خرجت إلى مابعد السقف ، رأيت كومات ممتدة ومدَات لاتحصى ، يميناً ويساراً ، عليها أشياء ملتقطة من زاروب أو شارع .. تمر بينها سيارات كتداخل موج طاغ وأعاصير .. لا تسمع منها إلا لفظاً يدخل في لفظ .. لحم البشر يدخل في الحديد والحديد يدخل في لحم البشر .. يمر الجميع كما تمر الأيام .. وبين هذا وذاك أتوه أنا بعصاي .. ويركض شاب يلحقه آخر يشتمه، فيصطدم بي ويكسر العصا فأخر ثقيلاً على حجر بازلتي .. يحزن بعض الناس ويتحسرون ثم يشجعون لكن أحداً منهم لا يطلب المشفى .. بقيت هناك ذليلاً مهيض الجناح ، وكلهم يقلب أشياءه .. ثم يجمع صرته ثم يوليِ .. وأنا باق أبكي عند جدار قديم صدئ .. إلى أن بقيت وحدي .. مكسوراً كعصاي ..
* * *
أغنية راجفة تأتي من بعد .. ثم تمر قربي .. ثم يرافقها صوت يقول " لاحول ولا قوة إلا بالله .." ثم أهجع وحيداً .. ثم تأتي سيارة فيها رجلان يحملاني .. ويقولان همساً رقيقاً :
- عسى أن يكتب الله له النجاة .. والحياة .. فهو رجل طاعن بالسن .. فقد النطق والبصر .. فما الذي جاء به إلى هذا الزحام والمكان ؟!.. ومن هم أبناؤه الذين أهملوه إلى هذا الحد ؟!..
كنت أسمع وأرى ..
وكنت أسأل وأتساءل فيما إذا كنت في فراشي أرى كابوساً .. وأنني مازلت شاباً أضرب في الأرض وأبتغي متع الحياة .. أردت أن أصدق أنني مازلت أرى كابوساً وحسب .. ولكنني تلمست جسدي بثقل فوجدته كومة قديد .. ورأيت من خلال الغمامات الرجلين .. وأحسست بحركة أنني في كابوس، ثم ضعت بين الكابوس والحقيقة ..
أكدت لنفسي أنني فتيٌ كالفتيان ، وأن الذي يجري ليس إلا وهم ناتج عن خوف من المجهول والزمن الآتي .. ثم أكدت لنفسي أنني أخادع نفسي وأضيع ، ويكبر سؤالي ليشمل الدنيا من تاريخها ومن أرضها إلى أرضها ..
لماذا يجتمع هؤلاء في قلب المدينة ؟.. ولماذا ليس لسوقهم اسم ؟.. ولماذا هؤلاء ذكور وحسب ، فهم أرض جرباء لا تثمر .. ليس بينهم أنثى واحدة كالأرض التي تثمر خيراً وعطاء وحباً وبناء ..
وأخذت أحلم الحلم الجديد .. في الطريق أرى على جانبيه أشجار الحور ومن بينها أرض خضراء ممتدة .. نسمة تهفهف صافية آتية مع غناء الجميلات يتهادى مع رقة النسمة ..
أرى أحمال الزرع آتية غادية ..
أرى القطار بصفيره وبراكبيه ..
أرى بسمة الصبية على شفاه الكرز ..
وأرى على صدر السوق اسم له ..
وأرى أن الرجال العقيمة قد تم استبدالها بنساء ولودات .. وشجرات مثمرات ..
*******
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
مدخل إلى بعض قصص
الموجودة في
هذا الموقع..