عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

" "نولد في وطن واحد

وننتهي نهايات متباينة .."

 

جريدة الصباح

نيقوسيا 9/11/1996

عند مدخل حديقة القصر نزل (باتِعُ المُجْتَرُّ) بقامته المكتنزة من باب السيارة الفارهة الخلفي داعياً نفسه إلى نزهة عبر الحديقة من بوابتها إلى بوابة القصر يشاهد إنجازاته في النباتات الملونة التي زرعها عاملوا الحدائق الذين عينهم مؤخراً، نظر إلى سور الأشجار، ثم أعاد نظره إلى العشب والماء المندفع على شكل نوافير هوائية تلطف الجو الحار وتقرقر فتزيل عن الجو السأم..

- مُدّوا قناديل كهربائية خافتة ضمن طرقات الحديقة، استعملوا أسلوب التنقيط لسقاية الورود والأشجار وأسلوب الرش لسقاية العشب.

فتح رجلان ضخمان بوابة القصر. انحنيا، ودخل السيد باتع المجترّ..

أفضل أنواع المرمر والرخام المذهب جاء من بلدان غربية وشرقية متعددة.. أفضل التزيينات والسجاد والنجف.. أفخر الأثاث، آخر صيحات الديكور والإضاءات والتزيينات والموسيقا.. وأكبر شاشة عرض في الصالون الواسع يدعمها آخر أنواع الاستقبالات الفضائية والأرضية..

يشعر بالسعادة..

يتحرك بجسمه المكتنز باتجاه درج طابق غرف النوم العريض، يلقي نظرة سريعة، ينحني سادة القصر وعبيده..

يشعر بالسعادة..

لكن جسمه الكروي المكتنز يتوقف عن الصعود، يستدير، ويذهب إلى المطبخ حيث يطل من بابه فيراه رحباً مجهزاً ممتلئاً، نظيفاً، عبقاً بالروائح الجذابة، فيبتسم باقتضاب راداً التحية على انحناءة رئيس الطباخين..

ينسحب باتع المجترّ، ويعود ليلقي نظرة أخرى، على القاعة الهائلة ويصعد متجهاً إلى غرف النوم..

يشعر بالسعادة..

حديقة هائلة، قصر أفخم من كل القصور، مجهز بما لم تجهز به ملكة..

يطل من قمة الدرج:

- كل واحد إلى عمله.. بهدوء.

غاص صوته في جسده المربرب.. وأعاد بصوت لايسمعه سواه:

- كل واحد إلى عمله بهدوء العذراء الداخلة إلى غرفة الدخلة..

يشعر بالسعادة.. ويحلم..

يرى كيف ستأتيه وجوه البلد، وكيف سيكرمهم ويطعمهم من مطبخه فيكتنزون مثله..

يحلم بصورة لاتفارقه، ولعله لم يبنِ هذا القصر كله إلا من أجل ذلك..

يحلم بحوريات الجنة، وهنّ نساء بعض موظفيه الذين استقدمهم من بلاد أجنبية بعيدة، يحلم بهن يخدعن أزواجهن، ويرافقنه في غرف النوم العديدة ذات المذاقات الملونة.. فيبتلع من كل واحدة أجمل قطعة في جسدها..

العين من السيامية، والعنق من الفرعونية، والنهد من الإيطالية، والعجز من الإسبانية..

سيصدر الأوامر، ويأكل الدسم، ويلهو الرجال، ويصادر الجميلات تحت شد وجذب السطوة والرفاه.. دخل غرفة نومه وحيداً..

وحلم بأن تكون هذه هي الليلة الأخيرة التي يدخل فيها غرفة نومه وحيداً.

*          *             *

في إحدى الزوايا المنسية، في عالم منسي، قالوا إنه كان يبحث ذات يوم عن وحدة وتضامن وعدالة..

وقفت سلمى تدفع بوابة دارها المخلّعة، فتنفلت منها قطعة خشب وتغور البوابة إلى الداخل، فتدخل سلمى بوجهها الأسمر النحيف وطولها الفارع الرقيق، تعبر الدرجة الحجرية فتلاحظ عدداً من الصراصير تجتاز فوهات التراب المنفتحة تحت الدرجة، ثم تنتقل قاطعة حدود شجرة التوت الهرمة الوحيدة ومجتازة باب الغرفة الذي التصقت عليه صور قوية الألوان لممثلين وممثلات لا تعرف أسماءهم ولا جنسياتهم ولا ماذا يفعلون..

اجتازت سلمى عتبة الباب، فوجدت نفسها وحيدة في غرفة تحتوي على خزانة خشبية عتيقة وسرير حديدي يزقزق كلما مال.. وعلى السرير قطعة من صلب سلمى..

ولد أسمر، شديد السمار.. خرج قبل عام من صلبها الأحمر..

حرّكتْ بعض الصحون وموقد الكاز في أبعد زاوية ممكنة من الغرفة.. قرقعت فيها وهي تحاول تسخين ماء تضع فيه بقايا الشاي والسكر، ثم تخرج من خزانتها قطرميزاً فيه شيء قاتم، وتتناول خيارة منكمشة القشر، وبعض قطع الخبز من بواقي الجيران..

تصنع من ذلك كله طعاماً، تضعه بجانبها وهي تحتضن بمقعدها أرض الغرفة وتستند إلى طرف السرير بحذر..

تنظر إلى طفلها راقداً.

تشعر بالسعادة.

تحلم، ببيت جديد، فيه بوابة جديدة وأرض من البلاط تحمي من الحشرات، وشجرة توت مثمرة، وغرفة منفصلة عن عدة الطبخ وعن حمام الغسيل والتغسيل.. تحلم بسرير لايزقزق، وبشريط ينقل النور إلى العتمة، وبصنبور ماء ينبثق كلما أدارته فسقت ابنها وشربت وأراقت القليل منه عند جذر الشجرة..

ابتسمت سلمى.. صحيح أن زوجها أبا الطفل ابتلعته الحرب دون أن يرى الصغير واكتفى بأن سمع عنه.. وصحيح أن زعيم منطقتها ليس هو زعيم كل المناطق، وهناك من يسن له السكين، لكنه وعد الفقراء مثلها بأمل في حياة أفضل..

فلعل نصيب صغيرها سيكون أفضل حالاً فيكبر ويتزوج ويبني داراً جميلة، دون أن تخترق قلبه رصاصة مثل أبيه على غير دراية منه، ودون أن يجوع ويعرى وينتظر الإحسان مثل أمه..

حتى لو لم تنته هذه الحرب التي لم تفهم سلمى أسبابها، ولاتعلم مجرياتها، ولا إلى أين ستفضي.. حتى لو لم تنته روائح الدماء المتعفنة، فإن ابنها قد يكون له نصيبٌ في أن يصبح قائداً لإحدى الفصائل، أو مساعداً أو تابعاً له أو خادماً عنده، المهم أن لا تخترق الرصاصة دماغه ثم يترك على حاشية الطريق إلى أن تأكله جرذان السراديب..

*          *             *

باتع المجتر، أكثر رجل مكتنز بين إخوته المكتنزين، يحب الطعام إلى حد نثره على صدره أثناء التهامه، يحب الحديث إلى حد اقتحام لغط الآخرين بصوته الخارج بصعوبة من بين الشحم واللحم، يحب القصور والرفاه والعربات المشبعة بالأفكار والإنجازات الجديدة..

وتحت الستار .. يحب القمار بإصرار.. فراهن مرة على مليون دولار.. وكسب الرهان ونام ليلة كاملة يبعثر في زوايا المرأة الفليبينية زوجة المهندس الفليبيني الخاسر.

باتع المجترّ يجب أن يتحدث في الناس بعض أيام الجمعة، فيتحدث عن خير يلف الكل، وعن قصره العامر يحتضن أصحاب الطلب والحاجة، وعن مشاريع أنجزها أو ينوي إنجازها من أجل مصلحة الناس العاملين..

كما يجب أن يتحدث في البلاط عن قوة البلاط التي تكمن في السيطرة على كل الرجال وأسرارهم، وعلى كل الأموال والمصانع ونتاج الأرض والأيادي..

لكن باتع المجترّ لم يتحدث عن ولعه الشديد، في لعق الحليب ولحس العسل عن صدر فتاة رومانية لونها بلون الزبدة..

فهي أمور خاصة تخصه وحده..

*          *             *

سلمى بلا رجل..

سلمى مع طفل نحيل أسمر، في أقصى زاوية من أرض الوطن الكبير..

حولها جدار صامت تخشخش فيه هوام الأرض فتحفر وتكور وتخزن وترتع..

وجيرتها مثلها.. مات رجالها.. أو لم يعودوا بعد، أو انتُزِعت أحشاءُ أولادها.. أو أُدخِلت فروع أشجار تحت جلود بناتها.

ولم يبق في الأرض ماتأكله سلمى..

فلم تتحدث سلمى عن شيء ذي أهمية، فهي لم تتحدث سوى عن رغيف خبز ناضج وشربة مياه نقية وثوب وسرير وحجرة بلا هوام.!.

ولم تحدث نفسها سوى عن زوج رحل قتيلاً، وهي     لا تذكر إلا أنه رحل يسوقه آخرون، طوال نحال جائعون مثله..

ولاتذكر إلا أنه في أول يوم التقيا فيه منفصلين عن الآخرين، لم يكن يعرف كيف يقاربها إلى أن استقبلها متعباً منهكاً.. وبقيت هي وقتها في جوعين.. ومازالت فيهما حتى الآن .. وإن لم يكن هناك من الزاد ما يكفي.. ومع ضغط الأحلام خلال سنين من العذاب الصامت برز فيها ما ينادي..

لم يبق في الدنيا متعة، تمددت على الأرض، تغطت بقماشةٍ فيها رائحة زوجها القتيل، نظرت من خلال الظلام فرأت ابنها راقداً بهدوء المخذولين..

تباعد ساقاها ببطء ورغبة جامحة لاحدود لها تأسر جسدها الضعيف المسحوق وتشد به بعنف طاغٍ للهروب من العذاب في رحلة قصيرة…

*          *             *

قرر باتع المجترّ أن يقوم برحلة إلى بلاد بعيدة من أجل توقيع اتفاقات هامة تفيد الوطن..

نزل أفخم فندق، صرف الأوراق الخضر على كل من التف حوله مبتسماً، وتكوم كتلةً من المطاط المرن في كنبة وثيرة.. تناول مضغوطةً من خلاصة القرد الهندي تعادل وزنها ماساً وابتسم راضياً لأنه اكتسب قوة بلا حدود، إنه بحاجة إلى تدليك من أجل الوزن الزائد: لابأس..

- اختر يا سيدي..

فتاة الجيشا، الحسناء الأسترالية، راقصة الباليه القادمة من بلاد الدب الروسي، فتاة الكرنفال البرازيلي، الأميركية الطويلة، الهندية المغنية الراقصة، اللاجئة من البوسنة، الهاربة من أحفاد كونتاكنتي، ونجمة الاستعراض من لاس فيغاس..

- اختر يا سيدي..

صمت باتع المجترّ، تمتم كلمات، ولم يبد عليه الرضا.

- اختر ياسيدي..

فتاة الهنود الحمر، فتاة الكمال الجسماني.. فتاة الجيل الحديث بعد البرويستريكا.. أيضاً البوذية التي مكثت في الهيكل وقد انحنى جسدها شهوراً..

تابع باتع المجترّ صمته، ولم تتحرك تقاطيعه كثيراً.

- آخر ما عندي يا سيدي!..

فتاة بوجه صبي،

ابتسم باتع المجترّ:

- ابعث لي باثنتين، فأنا متعب وبحاجة لتدليك كثير..

*          *             *

تحرك ابن سلمى.. بكى، جاهد إلى أن سقط عن حافة السرير.. لم تفق سلمى على بكاء الطفل فقد كانت ممددة على الأرض وغطاء زوجها القتيل فوقها.. زحف الطفل وراح يبحث عن ثدي أمه إلى أن وجده.. وجده لهاة لا تدرّ شيئاً، فانتقل إلى ثديها الآخر، فلم يجد فيه إلا برودة وصمتاً..

بقي ابن سلمى يبكي ويبحث عن شيء بعينه في الجسد الأعجف الفارغ.

*          *             *

في صحيفة صباحية جاء في الصفحة الأولى بالخط العريض:

بعيداً عن الوطن رحل رجل الوطن والخير والكرامة باتع المجتر رحمه الله إثر نوبة قلبية شديدة وسيشيع جثمانه خلال أسبوع من قصره العامر…

 كما جاء في زاوية الطرائف في صفحة مهملة:

رضيع يموت بين ساقي أمه وكأنه كان باتجاه العودة إلى البطن الذي جاء منه…

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm