|
ابنة النعمان نيقوسيا 16/6/2009 |
|
تمنيت لو أنني شجرة زيتون من تلك التي يملكها جدي على حدود الشمس .. كنت أذكر دائماً تلك الشجيرات التي بدأت قوية تخترق التربة وتمتد فيها حاضنة التراب الذي هو بدوره يحضنها ويحنو عليها ويعطيها مافيه من خيرات .. كما كنت أذكر دائماً امتدادها نحو العلاء ووريقاتها النصلية شديدة الخضرة تتكاثف لتعطيني ظلها بينما تلتقط من ضوء الشمس اخضرارها وتأخذ من الهواء حياتها .. كنت ومازلت أذكر عصافير الحناء تسكنها ، وهناك تتغذى وتمرح وتصدح وتتكاثر وتخلد إلى الراحة ، وإلى الخلود الأبدي .. غير أن ظلال شجرات الزيتون عطشت وهي تنظر للإنسان حولها بعين عاتبة فتقلصت ثم تحطّبت ثم تهشمت ثم احترقت ثم أصبحت رماداً تذروه الرياح أو يختلط وحبات التراب الجافة .. وهكذا تحولت الأرض بعد موت جدي إلى يباس وشقوق .. فكتبتُ مرثيات طويلة ثم أحرقتها وتركتها ذروراً في الريح تحت أمل أنها ستُقرأ في يوم ما كما تُقرأ أسرار الأرض لتكون مرهم حب في ليالي الشتاء الطويلة ! ولكنني بعدها ، حملت معي الباقي من الأنفاس عندي ، وحبي كبيرٌ لأرض جدي، والباقي من الماء في جسدي ، والباقي من القوة في الخلايا ، ورحلتُ ، وكانت رحلتي بطول نصف قرن .. حيث كانت رحلتي تشتاق إلى شجرات الزيتون، فأخذت أبحث في الشقوق وفي الجبال وفي السهوب عن بذرة زيتون حبلى قد تلد محيطاً من شجرات نعيش لها وبها ، ونفرح كأفراح الناجحين يوم القيامة . غير أنني قد سرقتُ الوقتَ ثم أضعته ، وقد علمت أن قدرتي على الاستمرار لن تكون أبدية ، فأمسكت بقلمي ورحت أغذيه من دمي فجاء بلون أحمر ليكتب عن تاريخ الولادة والموت وتاريخ المحبة والفراق وتاريخ الخيانة والغدر ..ولقد تعلمت أن ما أكتب هو تاريخ الإنسان ..
حط بي الرحل بعد الترحال على رابية في منتصف الليل ، فقررت أن أحفر على جثث الشجر ذنوبي ، وأن أضع على الحجر عيوبي ، وأقرر للأبد أن موت شجر الزيتون في حقل جدي ، وعطش الأنهار ، وظلام النفوس ، نصيبي .. أخذت أكتب أن بحثي عن بلاد الزيتون فات أوانه ، وهذه الدنيا شبح الزمن الراكض للعدم .. وسألت نفسي فيما إذا كان مازال قلمي قادراً على الكتابة ، وبأية ألوان يقدر أن يكتب قلمي ! رابيتي هي آخر المحطات عندي أكتب عندها أن الماضي كان قشوراً وما كان لبّاً أبداً ، فبعد يباس الزيتون في بلدي ورحيل جدي تحولت الأرض الخضراء إلى صفراء .. والأصفر لا يعطي الخيرات ولا الظلال ولا الآمال ، فرحلت ، ووصلت إلى الرابية في منتصف الظلمة ، أبكي عند القمة قبل الإنهيار المعتم فيما بعد الظلمة! وأكتب على اليافطة الكبرى قولاً مأثوراً أبدياً : الحياة عبث أعمى .. ولأن الظلمة كبرى ، وليس هناك فرق في إغلاق العينين أو في فتحهما ، فقد ارتخت الأجفان واحتضنت بؤبؤها ، واستقرت على تلك الحال طالبة من الزمن أن يتوقف ، فلعل أهل الكهف يستفيقون ، ليصبح الحال غير الحال .. ويبزغ فجر يرسم ظلاً ومجدداً لأشجار الزيتون وعصافير الحناء .. عيوني مغمضة في الظلمة ، وقلبي يبحر في الدم ، وأنفاسي من عزف الريح ، وجسدي مسجى كالموتى على مرأى سماء لا أراها ولكنني أحس بها جداً في أعماقي .. هل هو عقل معقول أن يبقى الإنسان ، بين الناس ، وحيداً ؟! لم تنف عيون الناس ظلام وحدتي ، ولم تخلق لي الوشائج التي تمسح غربتي ، في عالم رأيت فيه الحب والاهتمام ينبعان من بساطة وبراءة شجرات الزيتون وبسمة جدتي ؟! فوق الرابية العطشى مثلي ، جلست أرقب الصبح ينبلج من الأفق ، كما ينبلج في داخلي من العمق ِ .. وأتى الصبح أخيراً ، وبانت مدينة حبلى بالأسرار تمتد باتجاه الرابية التي أقبع فوقها فارتجفت ، لعلمي أن الأسرار هي خلف الجدران وليس على الأسطحة ، فأملت أنني لو مت هنا ، فهناك من يحمل نعشي .. ، وهناك من يعيد حليبي للطين ِ حيث تندفن معي كل شجوني .. قرأت عنوان المدينة النائمة على عهد الإستيقاظ ، ورأيت العنوان يتلألأ عند النور الأول ويقول إن هذه المدينة هي مدينة النعمان ابن الإنسان .. لايهم إن كان العنوان هو النعمان إبن المنذر أم إبن الإنسان ، فحتى لو كان إبن المنذر فما زال إبناً للإنسان .. أقترب من المدينة ، ومازال القاطنون نياماً ، وما زلت ترى سلاماً ، فأرى رجلاً أعمى ، كالدنيا عمياء ، تخبط خبط العشواء .. رأيت الرجل الأعمى ، فأحس هو بأنني مخلوق آخر من هذه الدنيا فهز صوته لسماعي .. فاقتربت منه أنا ، أتلمس يديه بأشواقي وأنصت لما سيقول عن مدينة النعمان التي هي على وشك الاستيقاظ من الرقاد .. قال الرجل الأعمى: أنا أعمى البصر .. وقلت أنا : نحن لسنا عميان الأبصار ولكننا عميان كل الأشياء الأخرى .. سألني الرجل الأعمى: ماذا تفعل قرب مدينة النعمان الإنسان ؟! أجبت حزيناً: أنا لا أفعل شيئاً ، بل وجدت مصيري يلقيني عند النعمان الإنسان ، وربما عنده الأمل الذي أبحث عنه .. في غابة زيتون فيها عصافير الحناء !.. ابتسم الرجل الأعمى وقعّر صوته ، ثم أتبعني بجملته الأخرى: فيما أراك ببصيرتي أنت ، رغم السنين ، فتى ، ففي هذه المدينة لاتُقاس الأعمار بالسنوات بل بالأشواق ، ولا يقاس الجمال بالأشكال بل فيما هو داخل النفس البشرية! .. سكتُّ قليلاً فتابع ، ياابن الزيتون توقف لتسمع قانون النعمان من سطرين : صمتُّ ، وأنا أذنٌ تسمع ! قانون الحاكم من سطرين: أول سطر هو أن الإنسان القادم يأتي مدينته يومَ السعد ، يكرّمه النعمان ، وإذا أقبل في يوم النحس ، يقتله النعمان .. ولا أحد يدري أي الأيام هو للسعد وأي الأيام لتقديم القربان ! ثاني الأسطر هو أن الغريب القادم من مجهول سيُعرض على بنت الحاكم ، والتي هي أجمل كل إناث الكون ، لتختار له ، إما أن يكون زوجاً لها وحبيباً ، أو أن يكون ذبيحاً كالخرفان .. وحتى الآن من عُرضوا عليها كانوا كالخرفان .. ازداد صمتي عمقاً .. ثم سألت الرجل الأعمى: ماذا أفعل ؟ هل أبقى في وحشة غربةٍ من غير حدود .. أم أدخل في عسر امتحان ؟! أجابني الرجل وهو يستدير ليرحل في طريقه: ليس لدي لهذا السؤال جواب .. إبحث عنه لديك .. ادخل إلى حيث ظلام الأشياء وانبش عنه وتحسسه وتلمسه ، ثم إذا أحببت أخرجه إلى الأضواء .. ولتعلم أن لا أحداً غيرك سيشهد الجواب على السؤال .. ثم غاب الرجل الأعمى ، وبقيت أنا الأعمى ! سيدتي بنت النعمان ، ماذا أفعل لأرضيكِ ، وأبيكِ السلطان ؟! ماذا أفعل كي أستفيق من كوابيس الوحدة ، وأدخل المدينة يوم السعد ، وأنال رضاءك يا أم التيجان ! .. جلست على الرابية وحيداً ، ألملم ذكراي من أرض الزيتون ، وكيف هو عشقي للعصفور الهانئ بين الأغصان ! .. أفكر بالوصول إلى العقل والقلب لديك ، وبهذا يبقى الزمن الآتي يرسم حياتي ملونة ًَ وتغرق بالألحان .. عَطِشٌ للنسمة أبكي جزعي ، أفتش أجزائي ، أبحث عن أوتار الشد تلملمني وأنا في قلب القمقم أحاول الخروج إلى ضوءٍ يرسم الطريق إليك ، علّ عنقي يبقى في يديك يجمع البسمات من شفتيكِ .. إن أسفت على مصرعي فهو ليس لأنني أخشى فراق دنياي الكئيبة ، بل لأنني أخشى فراق عينيك ِ ، ولهفتي التي ترنو إليك ِ .. ولكن نهايتي على يديك تبقى هي أيضاً أفضل النهايات ثم أحلاها .. وإن كان الفراق مكتوباً فلا أريد سواها .. حبيبتي بنت السلطان .. حبيبتي بنت النعمان .. سأدخل التجربة .. سأنزل من رابيتي .. وسأدخل بيت السلطان .. كل شيء عندي عند آخره .. ولم يفت الأوان .. سأدخل مدينتكم .. قبل ساعة ٍ من صفر الليل.. قبل ساعة من لحظة انقلاب النعمان .. فإن كان يوم سعد النعمان مازال منتصباً كافأني في يوم السعد ذاك ، وإن لم يكن إلا يوم العقاب لم يبق لديه وقت لإعدامي ، وتأتي لحظة انقلاب النعمان قبل فوات الأوان .. حبيبتي بنت النعمان .. عندها لا يتبقى إلا عينيك لتحكماني .. وأنت تعرفين أنني العائد من آخر العمر لأوله سابحاً في بحور عينيك ثم آلامي .. وأنت تعرفين جمالي في داخلي ، وليس كمثله ثاني .. أستجمع كل شجاعتي وحبي وتاريخي وإيماني .. وها أنا قد أتيت إليك ِ هاجراً كل أحزاني .. ***** |