الغناء
جدتي التي لاتعرف غير الخوف وغير الحاجة فقدت عيناً ، وغطتها بغطاء الرأس كما يفعل أهل التل .
قالت لي وأنا بيت السر إنها كانت أجمل بنت في البلدة!
ذهبن صغيرات يغنين على طريق الحصاد في حقول الشعير البعلية . ذهبن ولم يلح الفجر بعد على الآفاق، فالطريق طويلة تحتاج لساعات.
كانت ذات الصوت تغني ، وكانت جدتي أصغرهن ، تردد معهن ثم تنط ّ مثل الضفدع خلف السرب ، ثم أمام السرب ، تقرص تلك ، وتداعب أخرى .. ثم يتضاحكن على أصغرهنّ الدلوعة ، ذات الطول في المنتصف ، وذات الصدر في المنتصف ، وذات العينين الجميلتين ، قبل أن تصبح ذات العين الوحيدة !
كانت جدتي وقتها ، بسنين أحفادي ، غير أن أحفادي يركبون سيارة ويلعبون بثلاثيات الأبعاد ويرقصون على الأغاني العصبية ، بينما كانت جدتي تركب الحمارة ، وتصنع اللعب الخرقية وتردد مع الحادية أغاني أبو الزلف والأوف والليّا ..
مشين لساعات من بيوت التل الطينية ، على درب طويلة طويلة للأقدام ، حتى أرض الرضايم على حدود حرستا بين الجبال .. هن جميلات وصغيرات كالوردات والطريق طويلة ، والفجر لم ينبلج حتى تلك اللحظة ، وقد تأخر الرجال لمرافقتهن كعادة الماضي من أيام .. فتحول الغناء الجميل إلى غناء الخوف .. كن عشرة من الإناث ، والعشرة ذئب واحد ينهشهن ، ورجل واحد يصرعهن ..
بعد منطقة الطوف وهي آخر حقول البلدة المسقية رأين على البعد أجساماً ضخمة تسد آفاق الفجر المنتظر . سكتن وأصخن السمع ، واختبأن خلف الصمت وخلف الرعشة ، وأحسسن بالبرد وبالهلع وجفت ألسنتهن في حلوقهن.
قالت كبراهن:الْزمْنَ السكينة واحبسن الأنفاس وصافحن تراب الأرض!
جدتي رجفت بالرعب حتى غاصت في الشقوق العطشى..
تهامسن: إن اقتربوا فلن نتهاون .. حتى الموت ولن نتهاون . امسكن المناجل بالأيدي ، واجعلن الأحجار قريبة وتذكرن خولة في التاريخ وتذكرن خالد ابن الوليد في العدد القليل أبداً لم يُهزم !
تحولن من الرعب إلى قطط باسمة الأنياب ، بارزة المخالب .. وربضن كما تفعل رجالات الحرب في يوم الشدة! .. واستمر سكون الليل بانتظار الرجال خارج مألوف العادة . اقتربت الأجسام الضخمة لتظهر عن بعد ثلة بدو ٍ فوق النوق يغنون غناء الصحراء . سرت النوق مقتربة ، ونسوة التل يربضن في حقل حجرية . اقترب غناء الصحراء بينما كانت أنفاس النسوة تنكمش ضمن الصدر، ونبض الأصابع على المناجل يشتد، وفي أذهانهن قصص سمعنها عن عابري سبيل أخذوا معهم روح الذكر وثمر الشجر وصدر الأنثى !
مرت لحظات ثم لحظات وبعد اقتراب حُداء الصحراء راح يبتعدُ .. فارتخت الأصابع من على المناجل ، وبدأت رؤوسهن تطل ، حيث أخذت الهمسات تتعالى ، لكن حالة التوثب والرعب مازالت تتمادى في القلب ، إلى أن قالت جدتي : اسمعن غناء الرجال ! غناء الرجال أتى ..
عندها بدأت المناجل تعود لأجربها ، وعادت الابتسامات والضحكات . لكن قبل أن يصل رجال التل لعند صباياها قالت الكبرى لجدتي:
- لماذا كنت أكثرنا رعباً مع أنك أصغرنا ، ونحن غايتهم ، لا أنت ؟!
أجابت جدتي وهي تخرج من فيض الخوف:
- فَضَحكُنَّ الله! كلكن متزوجات ، وأنا الوحيدة العذراء ، فلو حدث مايمكن أن يحدث ، لما ظهر على إحداكن ، وأنا الوحيدة التي يمكن الإثبات عليها !
ضحكن وضحكن حتى اهتزت مناجلهن ، وحتى غاب غناء الرجال في ضحكاتهن.
∞∞∞
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|