adab-insan   أدب الإنسان

 

الغناء

 

جدتي التي لاتعرف غير الخوف وغير الحاجة فقدت عيناً ، وغطتها بغطاء الرأس كما يفعل أهل التل .

قالت لي وأنا بيت السر إنها كانت أجمل بنت في البلدة!

ذهبن صغيرات يغنين على طريق الحصاد في حقول الشعير البعلية . ذهبن ولم يلح الفجر بعد على الآفاق، فالطريق طويلة تحتاج لساعات.

 

كانت ذات الصوت تغني ، وكانت جدتي أصغرهن ، تردد معهن ثم تنط ّ مثل الضفدع خلف السرب ، ثم أمام السرب ، تقرص تلك ، وتداعب أخرى .. ثم يتضاحكن على أصغرهنّ الدلوعة ، ذات الطول في المنتصف ، وذات الصدر في المنتصف ، وذات العينين الجميلتين ، قبل أن تصبح ذات العين الوحيدة !

كانت جدتي وقتها ، بسنين أحفادي ، غير أن أحفادي يركبون سيارة ويلعبون بثلاثيات الأبعاد ويرقصون على الأغاني العصبية ، بينما كانت جدتي تركب الحمارة ، وتصنع اللعب الخرقية وتردد مع الحادية أغاني أبو الزلف والأوف والليّا ..

 

مشين لساعات من بيوت التل الطينية ، على درب طويلة طويلة للأقدام ، حتى أرض الرضايم على حدود حرستا بين الجبال ..  هن جميلات وصغيرات كالوردات والطريق طويلة ، والفجر لم ينبلج حتى تلك اللحظة ، وقد تأخر الرجال لمرافقتهن كعادة الماضي من أيام .. فتحول الغناء الجميل إلى غناء الخوف .. كن عشرة من الإناث ، والعشرة ذئب واحد ينهشهن ، ورجل واحد يصرعهن ..

بعد منطقة الطوف وهي آخر حقول البلدة المسقية رأين على البعد أجساماً ضخمة تسد آفاق الفجر المنتظر . سكتن وأصخن السمع ، واختبأن خلف الصمت وخلف الرعشة ، وأحسسن بالبرد وبالهلع وجفت ألسنتهن في حلوقهن.

قالت كبراهن:الْزمْنَ السكينة واحبسن الأنفاس وصافحن تراب الأرض!

جدتي رجفت بالرعب حتى غاصت في الشقوق العطشى..

 

تهامسن: إن اقتربوا فلن نتهاون .. حتى الموت ولن نتهاون . امسكن المناجل بالأيدي ، واجعلن الأحجار قريبة وتذكرن خولة في التاريخ وتذكرن خالد ابن الوليد في العدد القليل أبداً لم يُهزم !

تحولن من الرعب إلى قطط باسمة الأنياب ، بارزة المخالب .. وربضن كما تفعل رجالات الحرب في يوم الشدة! .. واستمر سكون الليل بانتظار الرجال خارج مألوف العادة . اقتربت الأجسام الضخمة لتظهر عن بعد ثلة  بدو ٍ فوق النوق يغنون غناء الصحراء . سرت النوق مقتربة ، ونسوة التل يربضن في حقل حجرية . اقترب غناء الصحراء بينما كانت أنفاس النسوة تنكمش ضمن الصدر، ونبض الأصابع على المناجل يشتد، وفي أذهانهن قصص سمعنها عن عابري سبيل أخذوا معهم روح الذكر وثمر الشجر وصدر الأنثى !

مرت لحظات ثم لحظات وبعد اقتراب حُداء الصحراء راح يبتعدُ .. فارتخت الأصابع من على المناجل ، وبدأت رؤوسهن تطل ، حيث أخذت الهمسات تتعالى ، لكن حالة التوثب والرعب مازالت تتمادى في القلب ، إلى أن قالت جدتي : اسمعن غناء الرجال ! غناء الرجال أتى ..

عندها بدأت المناجل تعود لأجربها ، وعادت الابتسامات والضحكات . لكن قبل أن يصل رجال التل لعند صباياها قالت الكبرى لجدتي:

-   لماذا كنت أكثرنا رعباً مع أنك أصغرنا ، ونحن غايتهم ، لا أنت ؟!

أجابت جدتي وهي تخرج من فيض الخوف:

-   فَضَحكُنَّ الله!  كلكن متزوجات ، وأنا الوحيدة العذراء ، فلو حدث مايمكن أن يحدث ، لما ظهر على إحداكن ، وأنا الوحيدة التي يمكن الإثبات عليها !

ضحكن وضحكن حتى اهتزت مناجلهن ، وحتى غاب غناء الرجال في ضحكاتهن.

 

∞∞∞

email..راسلنا  adab-insan   أدب الإنسان

 

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل