أدب الإنسان         adab-insan   

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

حفل التكريم  

                                                                                    نيقوسيا 28/3/2004

                                                                        ( ابتلعنا الزجاجة ونسينا الدواء )

 

مات جدي في ذلك العام البعيد الذي أنهيت به مرحلة التعليم الابتدائية.  حينها سألني أبي وأمي ، كما تسأل الأسرة أطفالها في العادة عن رغبتهم فيما يريدون أن يصبحوا في المستقبل ، فأجبت بأنني أرغب في أن أكون طبيباً من أجل أن أعالج جدي الذي توفى..!..   ورغم المأساة وقتها فقد ابتسموا جميعاً ..

منذ ذلك الحين تملكتني الرغبة الجامحة  .. كانت عضلاته تنكمش ، ثم أفقد جدي العزيز الذي رافقني وأحبني ، ربما ، فيما اعتقدت ، أكثر من أبويّ .

***

مضى منذ ذلك التاريخ  خمسون عاماً ‘ قضيتها في الدراسة العامة والجامعية والعليا والدكتوراة والممارسة ، وأصبحت علماً مشهوداً له ضمن اختصاصه المتميز .. كما أنني تابعت كل تطور في كل أصقاع الدنيا لأستقي كل الجديد ..

***

رغم أنني الآن أكبر سنّاً من جدي عندما مات ، غير أن صورته ، كما صورة أبي ، كما صورة أمي ، لم تفارقني أبداً .. فقد كنت في كل مرة أبكي ذاتي وذات الآخرين وأبكي الإنسانية من خلال الأحبة الفارقين ..

***

جدّي ، لم أنسَ صورته المتشنجة الضاوية بينما كان في طريق الرحيل . كان مرضه يختفي أياماً وشهوراً ، لكنه يظهر فجأة ، ربما وهو يتكلم، ربما وهو يمشي ، ربما وهو يقطع الساقية أو يتسلق الشجرة .. ربما كانت عضلاته تنكمش ، وشدقه يُزبد ، فيخر على الأرض متقلصاً كما تخر الشاة المذبوحة..

ركضت إليه طفلاً ، أمسكت يده التي كانت دوماً تعطيني ، فبكيت ومازلت أبكي .. وفي كل مرة أزور قبره كنت أجدد عهدي له بأنني سأصبح طبيباً من أجل أن أجد العلاج ، وكأنه كان ينتظرني في قبره .!.

***

رغم عيادتي المتواضعة في بلدتي القديمة فقد تركز نشاطي في معهد الأبحاث ، وقد استطعت بناء حياة  متوازنة ، لا  تتميز مادياً أو معنوياً ، ولكنها ربما تتميز علمياً .. فقد تابعت اطلاعي العلمي وتابعت كل الأبحاث الجديدة التي تهتم بتطوير الحياة البشرية جسدياً ونفسياً وعقلياً ، وخاصة فيما يتعلق بداء الصرع الذي قتل جدي قبل ستين عاماً ، والذي أخشى أن يظهر مجدداً في أي يوم من الأيام ليفرض آلاماً جديدة وموتاً جديداً ..

*     *     *

دخلتُ بؤرة مجهر ، بين الدقائق وأدق الدقائق .. حتى أبعد مما يرى المجهر الإلكتروني ، ورأيت نفسي أتفحص ، أمشي في منعرجات المجهر وأتفحص ، أجس زوايا الخلايا وأمر من الطرقات العرجاء الضيقة حولها .. أشم الروائح وأنزلق مع السوائل ، وأرى المنعطفات ، أتحسس كل خلية لأسألها كيف أنت وكيف الحال ؟ وما هو تاريخك وكم أنت باقية ومتى الرحيل وإلى أين الرحيل ومن سيخلفك ؟ ثم أعود وأعود لأعيد السؤال ..

دخلت بؤرة مجهر لأعرف سراً خبيئاً يدلني ويفتح لي باب الأسرار .. وبعد أعوام من صداقتي للخلايا فتحت لي باباً لتقول لي أن ضمن الخلايا خلايا وأن الخلايا الأخرى تحتضنها خلايا جديدة ، وأن لكل خلية ضمن الخلية الأم أسرارها .. وأنها هي الصبغيات التي تحمل المورثات .. وأن المورثات هي التي تحمل التاريخ والمستقبل أو هي التي تحمل الإرث البشري ، وأن لكل واحد إرثه .. وهكذا .. غطست إلى أن نسيني البشر وقالوا إنني مأخوذ حتى السبات .. حتى السبات .. وأنني في عالم الجنيَات ..

 

*     *     *

قضيت السنين أكتب في أبحاث ، وأرسم نظريات وأجدول معلومات وأصنف كتباً تلتحف بأحدث النظريات.

جملت مخطوطاتي وذهبت إلى المسؤولين فاعتذروا عن النشر بسبب الميزانيات ، ثم ذهبت إلى دور النشر ، فاعتذروا مؤدبين ، لأن مثل هذه الكتب ليست المفضلة لدى القارئ قال :

كتبُ المطبخ ثم كتب الدين والسياسة ، ثم كتب الجنس وسِيَر الفنانين والمشهورين ويومياتهم ...

ولما لم يكن بيدي غير اللجوء لمن عنده قوة النشر ، فقد كتبت إلى عدد من المجلات ، فاعتذروا أيضاً على كثرتهم لأن النشر يقتضي اسماً هاماً في سماء الإعلام ، وليس اسماً هاماً في سماء العلوم..

وهكذا قررت أن أبيع أساور زوجي لأنشر كتابي الأول ..

ومرت الأيام ..

ونشرت خمسين كتاباً وبحثاً ..

ولكنني فوجئت أن معظم كتبي كانت مرتجعة رغم أن إحدى الصحف ، ذات مرة ، في زاوية ما ، كتبت أنني خبير عالمي في الآفاق وأنني قضيت عمري على سطح الرقائق ..

على مدى نصف قرن نشروا ذات مرة صورة لي بحجم نصف ليرة ، وقالوا إنني اكتشفت تاريخاً مكتوباً على وجنة صبغية، وكتبت قصيدة شعر على جدار خلية ..  وكتبوا أنني عالم وأديب ، وأنني أخترق الأسرار وأكتب الأشعار وأنني طبيب مثله ما صار ..

قدروا ثمني تحت وطأة السنوات .. والعمر الذي فات ، وقالوا لي علِّم الأجيال ودرِّس في الجامعات ، وقل لتلاميذك بعد أن تكون قد انفككت من زحمة الباصات ، أن الحياة كفاح وجهد وعطاء ، قبل أن يركب بعضهم في المقعد الخلفي عائداً إلى القصور المترفات ..

*     *     *

مضت ستون سنة منذ أن مات جدي أمامي ، فقرر الأصحاب والزملاء أن يكون هناك حفل تكريم لهذا الرجل الذي كرس حياته لخدمة العلم والطب والأدب والإنسان .. فضربوا  موعداً هو يوم إحالتي على التقاعد من تدريس الجامعات ، فربما برأيهم ، انتهت مرحلة العطاء ، وعلي أن أنحني محيياً من الآن روَاد المقاهي ..

وكان الموعد أمسية الخميس في الخامس والعشرين من الشهر الخامس .. في أكبر قاعة .. وتتم الدعوة لخمسة آلاف ، وتشكلت من أجل ذلك لجنة من خمسة أشخاص .. رجل البلدية ورجل المسؤولية ومدير القاعة ورجل المجتمع  وأديبة الغزل العذري ..

*     *     *

قالوا أنهم طبعوا عشرة آلاف بطاقة ، وأنهم وزعوا منها تسعاً ، واستعدوا لاستقبال الآلاف الخمسة .. قالوا إنهم نظفوا المكان ووضعوا باقات الورود على الزوايا .. ونصبوا لافتات التحية والتكريم ، ووضعوا الميكروفونات ، وجلبوا خمس فتيات لتقديم أنشودة..

*     *     *

سعادتي لا توصف ..

لو لم أصل في هذه الدنيا إلا لهذا التكريم لكفى .. لو أنني شقيت العمر كله ونلت محبة وحفاوة خمسة آلاف شخص وحسب لكفى .. لو أنني رأيت السعادة في عيون زوجي وأطفالي وإخوتي لكفى .. ولم أكن أبداً أرغب بجائزة أكبر من ذلك ..

 

*     *     *

بضعة أيام أنتظر ، ولم يمسسني شيئ اسمه الضجر .. فكل الناس عندهم صبر .. إنني أنا المحتفى به ، وإنني ورد الحفلة النضر ..

*     *     *

جئت المكان بعد ظهر الخميس في الخامس والعشرين  لأطمئن على المكان فوجدت امرأة عجوزاً تقف بين الفينة والفينة تداري سعالاً يرن في الأنحاء ثم تعود لتكنس .. فسألتها لماذا لم يُحضِروا غيرك يقوم بهذا العمل فأجابتني ، إنها لم  تكن تعرف  لماذا جاءت فهم لا يريدون هذا العمل إلا سخرة أو شبه سخرة ..

انتابني رغبة في أن أمسك المكنسة بيدي ، لكنني خشيت من أن يراني أحد ..

انتظرت وأنا أطرق يداً بكف ..

جاء صديقي مبتسماً ثم قال :

-         أسعد يا عم ! .. اليوم عيدك ..

أجبته :

-         إن قلبي مقبوض ..

          

*     *     *

اقترب الموعد .. اقترب كثيراً ..

إلى أن رأيت عامل الميكروفونات يقلب في جهاز صدئ تنتابه حشرجة ، ثم ينتقل ليجرب الإضاءة .. ثم يأتي الموعد .. والمكان مازال خالياً ، وأنا مازلت أطرق قبضة بكف ..

مضت نصف ساعة  إلى أن حضر أعضاء اللجنة الخمسة ، وخمسة من الأصدقاء ، وخمسة وجوه لا أعرفها .. وهكذا بدأ الاحتفال أنشودة خمسة أطفال ، وحديث لرئيس لجنة التكريم ، وحديث لي استغرق خمس دقائق ، صفقت بنهايته خمسة أيادي ، قدموا لي بعدها جائزة تشمل راتب خمسة أسابيع ، ونياشين خمسة تشمل نيشان العلم ونيشان الأدب ، ونيشان الوظيفة ونيشان المسؤول ونيشان البلدية ..

ذهبوا جميعاً .. وسقطت وحيداً على كرسي أهذي ..

أحسست بالمرأة العجوز تكح وتضع يدها على كتفي وتتساءل:

-         ألا تريد أن تذهب لبيتك لتستريح ؟!..

 

*     *     *

رفعت رأسي وحدقت بالمرأة العجوز مستغرباً فأجابتني المرأة من غير سؤال :

-         دائماً الأمر كذلك عندما يكون الأمر متعلقاً بعالم أو برجل محترم.

-         ولكن لماذا ؟.. خمسون عاماً .. ثم أذهب إلى زوايا النسيان؟..

قالت المرأة معلقة :

-         ولكن متى كنتَ أنتَ وأنا في زوايا الذكرى ؟!

قلت لها :

-         ولكنهم كانوا دائماً يذكرون ما قدمت لهم .. قدمت حياتي من أجل ما يفيد أو ما اعتقدت أنه يفيد .. كأنني كنتُ مخطئاً ..

قالت المرأة مواسية :

-         أنت لست مخطئاً ولكنهم هم .. لا تزعل فجزاؤك عند الله..

 

*     *     *

 

حملت نياشيني والليرات ، واستدرت تاركاً الساحة والميكروفون والإضاءة ، ودخلت في الشارع المظلم وانكفأت إلى نفسي .. وعدت إلى جدي .. وسألته فيما إذا كان راضياً عني .. فأجاب : نعم .. فقلت له هذا يكفيني .. خذني إليك ..     

*     *     *

استقبلتني زوجي عند الباب ، فألقيت بالنياشين والليرات بين يديها ،

-         أنا آسفة ، لم أستطع  المجيء كما تعلم بسبب صحتي .. عسى أن الحفل كان جيداً ..

-         والأولاد ؟ ..

-         أنت تعرف أن الأولاد لا يهتمون لهذه الأشياء ..  ادخل ، ادخل الآن فهناك مهرجان على التلفاز .. دخلت ببطء شديد ..

وجدت الأولاد وأصدقاءهم والجيرة  وجيرة الجيرة يجلسون متزاحمين يحدقون في التلفاز مشدوهين :

قلت : مساء الخير ..

ردوا على تحيتي من رؤوس شفاهم ، وأشار لي أحد الجيرة أن أجلس بهدوء ..

*     *      *

 

شاهدت على التلفاز خمسة آلاف يحدقون في خمسة فتية  وخمس مقدمين وخمسة مصورين وخمسة موسيقيين .. وكان الفتية بعمر العشرين ، أحدهم بشعر يقف كعرف الديك وآخر يتوزع برؤوس كمخالب صقر ، وآخر يلبس رقعاً في بنطاله ، ورابعة تهصر العجز وتريح الصدر ، وخامسة تشير بالرسم إلى السرة ..

قالت إحدى الفتيات ، ابنة الجارة :

أتعرف يا عمو كم عدد المصوتين حتى الآن من جميع أنحاء الوطن العربي ؟ ..

ولما لم أجب قالت : خمسة ملايين هاتف تصويت .. وهذا يعني عدد المشاهدين خمسون مليوناً ..

سألت الفتاة :

ماذا يفعل هؤلاء الخمسة؟..

تساءلت الفتاة مستغربة .

-         عمو .. ألا تعرف .. هم الآن خمسون يوماً في معهد النجوم يرقصون ويغنون .. كل مرة يصوت الناس .. وصاحب أقل الأصوات يخرج .. وخلال خمسة أسابيع يبقى الأخير وهو الذي سيكون النجم ..

علقت فتاة أخرى :

-         هنيئاً لهم .. أصبحوا نجوماً في  خمسين يوماً .. انهالت عليهم العروض للغناء لتمثيل أفلام .. أصبحوا مشهورين ، وأغنياء ..

سألتها :

-         في خمسين يوماً ؟!..

-         نعم يا عمو ! .. تصوركم كان الطريق صعباً !.. منافسة شديدة جداً ..

في هذه الأثناء ظهر على التلفاز دعاية الشركة الراعية  للبرنامج .. فارتخت بعض العروق المشدودة لدى الحاضرين..

فسألتني ابنتي :

-         كيف كانت حفلة التكريم ؟..

أجبتها وأنا أنسحب :

-         جيدة ، جيدة يا بنيتي !..

-         أنا آسفة يا أبي ، لم أستطع المجيء ، فالناس عندنا كما ترى ، والناس كلها مشغولة بمتابعة هذه الحلقة الهامة ..

-         لا بأس يا ابنتي لا بأس ..

 

*     *     *

(( استلقيت على أرض غرفتي ، وجهي وصدري إلى الأسفل ، ورحت أنتحب حتى الموت ..))

      *     *     *

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm

adab-insan         أدب الإنسان

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل