عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

"ما أكثر قطع الوعود للأبرياء

بالجنة.. ثم سوقهم إلى النار!"

 

حديث طفل معاصر

25/12/1996

 - عندما ستبلغ سن السادسة تذهب إلى المدرسة.

مسحتُ قطرة دمع عند زاوية شفتيّ أمي..

-  أنت أيها الصبي الأسمر، ستذهب عني كل يوم لتقضي وقتك في المدرسة وتتعلم وتكبر وتصبح رجلاً ذا شأن..

تحضنني ، تقبلني، وأمسح دمعة أخرى في زاوية فم أمي، وأسألها:

-  وماذا يوجد في المدرسة؟.

 - توجد ألعابٌ كثيرةٌ، وأولادٌ كثرٌ، ومعلمون، ترسمون وتتعلمون أناشيد الحب للوطن، وتكتبون على الأوراق ..

 - وبعد ذلك؟.

 - بعد ذلك تصبحون رجالاً تبنون بيوتاً كثيرة وتسقون هذه الأرض فتنبت فيها أشجار طويلة كالغابة، تحمل ثماراً طيبة، ويسرح تحتها غنم وبقر وماعز.. أكثر من الذباب الذي تراه..

- أكثر من دجاجاتك يا ماما..!

 - نعم أكثر من دجاجاتي أيها الأسمر الصغير!.

 - كل ذلك في المدرسة؟!

-  نعم.. ولاتنس أيها الأسمر الصغير أن تحضر لي عندما أصبح عجوزاً ويضعف نظري سراجاً جديداً جميلاً يضيء دربي في الليل.. ولاتنس أن تشتري لي حوضاً من الماء فلا أضطر مراراً أن أملأ الصفيحة من البركة.. ولعلك يابني عندما تكبر تشتري الماء من الساقي أو توصل بيتنا بأنبوب يأتينا بالماء فتوفر عليّ جهداً هدّني السنوات الطويلة.

مسحتُ دمعة ثالثة من زاوية فم أمي.. حيث لحظت خطاً مابين عين أمي السوداء وزاوية فمها.. نقّلت نظري ما بين شعرها القصير المجعّد، وبشرتها السمراء الداكنة التي بدت لي كامدةً مجعدةً مثل حبات كستناء كمثل تلك التي كانت ذات يوم في يد ابن جارتنا البعيدة.

- أصبحتَ أيها الأسمر الصغير في السادسة وستذهب قريباً إلى مدرستك فتعود إلي كل يوم لتساعدني في إطعام دجاجات الكوخ وفي سقاية الحقل الصغير حول كوخنا الجميل وفي جمع (زلطات) البقرة فهي تفيد سماداً وقد نحتاجها بدل الحطب، ولا تنس أن تشمّها لنتأكد من أنها يبست وأضحت صالحة.. خلال ذلك الوقت أكون قد عدت من مزرعة (القهراط) وداره الواسعة.

عدت مجدداً إلى عيني أمي فرأيتهما سارحتين في البعد جفناهما متقاربان، عميقتين، تسبحان في بحر بلاقرار.. تضغطني بين ساعديها..

- هذا الصبي الأسمر سيكون بطل هذه البلاد السمراء.. وسأرضعه لبن هذه الأرض كي لاتموت هذه الأرض.. وسأطعمه الثمار كي يزرع الأرض بالأشجار.. وسأعلق في عنقه تميمة زرقاء بلون السماء لتحرسه من آلهة الشر والظلماء.. وليكون في رعاية آلهة الخير والضياء.

-  ماما، كان في صدرك بعض اللبن، فهل في الأرض ضرعٌ غزير اللبن؟

 - نعم؟!.

انطفأ السراج القديم، فالتصقتُ بأمي أنال منها طمأنينة ضمن الكوخ المتهالك.. وعواء كلب شدني إليها اكثر.. ثم رحت أحلم بالمدرسة ورحت أتساءل عن معنى الكتابة والقراءة والحساب والأناشيد والرسم والموسيقى.. كيف سيكون شكل المدرسة؟ هل ننتصب طيلة اليوم أم نجلس على قرمية شجرة أم على الأرض وهل في الظل أم في وهج الشمس المباشر؟. وهل سيأتي آمر العشيرة معنا ليتعلم أم سيبقى هكذا ( يلبط ويشخط) ولايحبنا؟.  ومن سيعلمنا، طويل أم قصير؟.. بلون  الكستناء المحروق أم بلون لبّ جوز الهند؟ وهل سيكون مثل أمي أم مثل آمر العشيرة؟ .. لماذا لا تعلمنا امرأة مثل أمي؟

-  ماما، لماذا لاتعلمينا أنت يا أمي؟..

أحسست بها تشدني أكثر، وتسقط على وجهي قطرة أخرى..

-  تعرفين كيف تغسلين في حوض الماء وتطبخين في القدر وتخيطين قطع القماش والجلد وتقطفين الثمر وتوزعين روث البقر في الأرض..

-  هذا  لايكفي يابني، عليك أن تتعلم أكثر، أكثر بكثير إلى أن تصبح رجلاً ذا شأن، رجلاً يستطيع الكثير..

-  هل سيعلموننا كيف تدور السيارة التي رأيناها قبل مجموعة من شروقات الشمس؟.

-  أكيد!.

-  وهل يعلموننا كيف يتكلم صندوق الخشب؟.

-  أكيد!.

-  وهل يعلموننا كيف نطلق بندقية الصيد؟.

-  أكيد!.

صمت قليلاً وعدت أسأل:

-  وهل يعلموننا كيف نحب بعضنا؟؟..

*                 *                      *

أصبح عمري ستة، قضمت أمي البصلة، غمست طرف اللقمة في مرق.. قضمتْ لقماً خشنة.. استدارت، رقعت ثوبي بأيدي وهنة..

تضغط حشاي لتلبسني، ثم تعود لتفتق ماضمت، وتضم مافتقت وتلبسني، فقد أصبح عمري ستة، وغداً من الفجر أنا في المدرسة!.

أمي فرحة.. من زمن ماغنت، تغني الليلة على رجفات شعلة السراج.. وعلى وقع أناملها صار ثوبي حقل ألوان.. وتغني أمي:

 - " حبيتك ظغيرون أسمر ليش تهجرني..

وعيونك الحلوة تشوف أسمر، تكبر تسعدني.."

تخيلت المدرسة ساحة فيها شجر بلا عدد وأولاد كثيرون يزرعون ويغنون ويرقصون ومعلم أسمر مثلي يلوح بمنديله الملون ويوجهنا بحركة يديه ونفهم منه المعنى من غير كلام.. ولا يمضي وقت طويل قبل أن يصبح طولنا بطول أشجارنا، فنبني دوراً حتى السحاب، ونربي الأبقار بحجم دار آمر القبيلة.. وتجري السواقي، وتهرب الأفاعي.. بينما أضع تاجاً من ورد على رأس أمي التي تصبح ملكة فننحني لها جميعاً .. ثم يتقدم المعلم مني طالباً الزواج من أمي الملكة!.

*                 *                      *

غفوت، ثم سبحت في نوم عارم من الفرح، ولم يمض وقت طويل قدر احتراق الشمعة، حتى استفقت على ضربات من داخل صدري..

 - ماما، هل يعلمون الحب في المدرسة؟.

وعندما وجدت أمي تغط في النوم منهكةً شاحبة الوجه.. عدت من جديد لأغفو..

ولم يدم الحال طويلاً..

*                 *                      *

استفقنا .. أصوات بعيدة كبدء هزيم الرعد أو كقرقعة حوافر الدواب تصطدم بكتل الطريق.. تقترب القرقعات، وتتحرك أمي.. تتحرك.. تنتفض.. تسمع.. ترهف السمع.. تنتصب.. تفرد صرة، تضع فيها مايجئ تحت يدها، تلفها، تبربر ولا تلتفت إلى وجهي، ولا أفهم ماذا تفعل، تحمل صفيحة الماء.. تمسكني من يدي.. تجرني خارج الكوخ.. (أنتش) ثوبي الملون فلعلنا ذاهبان إلى المدرسة..

 

أشهد بضع أمهات يشددن أطفالهن يمشين كما نمشي، وأصوات محشرجة تخرج من أفواههن.. وبضع رجال في سن الشيخوخة يحملون رماحاً.. وبضع شباب يحملون بنادق .. وبضع صبية يحملون عيداناً من الخشب.. وأسال أمي:

-  هل كل هؤلاء ذاهبون إلى المدرسة؟؟

ولم تجبني أمي ، بل شدت على يدي وأسرعت أكثر!.

-  لماذا نذهب إلى  المدرسة ولم يطلع النهار بعد! كيف سنقرأ؟!.

ولم تجبني أمي..

كل ماكنت أتبينه كان صياحاً بعيداً مخيفاً وهمهمات وقرقعات وكلمات قصيرة.

ثم أصبحنا نجري..

أصبحتُ ست سنوات، ومعي ثوبي الملون من أجل المدرسة، وقد عرفت من أمي أنني الصبي الأسمر الذي سيرضع حليب الأرض السمراء.. وسيجلب الماء للكوخ، وربما سيتوج أمه ملكة.. أين الألعاب والأناشيد ومعلم المدرسة؟.. لابد أننا ذاهبون إليهم.. وهل كل هؤلاء ذاهبون إلى المدرسة؟ وإذا كان كذلك فلماذا يحملون رماحاً وبنادق؟ هل هي ألعابهم؟!

طال الطريق ولم نصل!..

 - تعبت ياأمي .. أين المدرسة؟.. أريد أن أصل قبل أن يتسخ ثوبي.. مالت أمي وقبلتني وغسلت وجهي بدمعها.. ثم عادت لتسير، بل لتجري مثل شاة أدماها قضيب الفتى الشقي في قفاها.. مسحت وجهي من دمع أمي الذي استغربت غزارته وملوحته..

-  أين المدرسة ياأمي؟.. جاء النهار ياأمي.. أين المدرسة؟

 - المدرسة! نعم، المدرسة!

صحت باكياً:

- أين الألعاب والأناشيد والمعلم .. والحقل والماء والثمار؟

وعلى منبسط عشبي تراكم البشر السمر غابة مكدسة  بلا حدود.. تراموا بلا ماء، بلا غطاء، بلا ألعاب ولا رسوم ولا أناشيد..

تكدسوا بلا طعام، بلا مكان يغوطون فيه.. والذباب يحفر من أجل الدم القليل من جلودهم..

أحرقني وهج الشمس ، دخل الذباب في عيني وفي أنفي.. لاماء يروي.. ولاصوت أمي يعدني بالمدرسة!.

-  ماما.. أمي.. أين هي المدرسة؟

أصختُ السمع عند زاوية فم أمي الذي أصبح أصفر جافاً:

 - لقد قرروا تحويلكم فجأة من المدرسة الصغيرة إلى مدرسة الحياة الكبيرة..

 - وهل يعلّمون الحب في هذه المدرسة؟!..

لم تجبني أمي لأن صوتها غاب في ضربات قلبها المتلاشية..

وكان عليّ أن أزحف من بين الأجساد الساكنة، حاملاً تحت جلدي بقايا اختلاجات أمي والتصاقات الجثث بالأرض فلعلني أكبر فتى أسمرَ أرضعُ لبن الأرض كي لاتموت الأرض وأعلّقُ في عنقي تميمة زرقاء بلون السماء.. فلعل السماء تسبغ على العشب اليابس حُباً نسي الناس أن يتعلموه.

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm