" إذا أحسست بأنك جزء من الريح
وامتدت جذورك في الأرض ،
فقد انتقلت إلى عالم الخلود.. "
نيقوسيا 15/2/2006
قبل أن يتركَ العصفور عشّه ، ذاتَ فجر ٍ شُباطي ٍ متقلب ٍ ، تحركتُ أبحث عن مصباح ، وأنيرُ العتمة َ في نفسي قبل المصباح ، ثم أخرج للريح ِ المبرودة ِ الطرية ِ وللبلل الباكر في رذاذ الكون المتناثر كحبات الماء المتكاثف في الضباب الأكثف .. أخرج وأنا في حاجة للخروج من النفس كما من الفرش كما من البيت كما من كل الأقدار .. كنت بحاجة للخروج من الدار ، ومن المعقول ومن كل الأفكار ..
أُقدِّسُ ساعة َ صبح ٍ منسية ْ ، كان فيها الناسُ نياماً ، وأنا والفجرُ شقيقان ، بين اليقظة والأحلام ، بين الظلمة والنور ، بين الشّك وبين الإيمان ، بين عالم الفلك وبين الأرض ، وبين من يعرفُ وبين من لايعرفُ الإنسان ..
رحلت ، وبين الظلمة والنور ابحث عن ميلادٍ يُجددُ أفكاراً بُلِيَتْ ، وعن ثوّار ٍ يعرفون أن الثورة في الوجدان ، لا في السباب ولا في النعيق ولافي الغربان ، وأن الأمر الموكول للإنسان هو الحب والحب والحب لكل خلْق ٍ ، كيفما كان ، الإنسان والشجر والحجر والحيوان .. وكل ماهو محسوسٌ ، وكل ماهو مكنون حيثما كان ..
خرجتُ من الفرش ومن البيت ومن كل أحاسيس الضياع الشاملة لكلاب السوق ولكل زمامير الحي ولكل الطرشان ولكل الأقبية الملأى بشتى أنواع الجرذان .. خرجت لأحيا في النور الساطع من داخل ٍ ، وليس مما صنع الناس من الأضواء.. خرجت لأحدثَ ذاتي وأراجعها ، ولألمس قلب الأم الواجدة في الرذاذ وفي الطّلِّ وفي العتمة وفي لَسْع ِ شباط ، وهو يبحث في الأرض عن بذر ٍ يتهيأ للخروج مجدداً من عالم الموت ِ إلى عالم مابين الموت والحياة ، محاولاً شق ّ الطريق إلى عالم قالوا إنه من أجل خدمة الحياة ..
- - - - -
لم يكن الطريق طويلا ً ، فالطريق إلى لملمة الأشجار الباسقة وسط المدينة ، هو بطول مسافاتي حتى أصلَ عالمَ التأمل ِ ، وما أن غادرت ُ السيارة َ وما صنع الإنسانُ ، حتى دخلتُ عالم َ الله فيما صنعَ وأجلى الغموض عن ساحات القلب العمياء ، وكانت حولي آلاف الشجرات من الصنوبر والكينا ، وآلاف العصافير المنتظرة لأول خيط في الفجر كمثلي ، وملايين الحشرات ، تتفقد ساعة الصفر ، حيث يأخذ النبض مجراه ، وحيث تأتي المعرفة ، لافي العين ولافي العقل ، بل بالاحساس الفطري المأخوذ من الله ، حيث يتصرف المخلوق بما يقتضي ، دون العقل الذي كثيراً ماكان هو المصيبة ، والكارثة ، والآخذ بعيداً عن الفطرة التي تحيا بها الأشجار والحيوانات والحشرات سعيدة ، وهي ليست بذات عقل ٍ وليست بذات قرارات ٍ تأخذنا لكل مكاره جلبت القتل والدمار وشوهت تاريخ وكيل الله على الأرض وما وصفه العلماء الأغبياء بأنه إنسان ..
دخلت الغابة ، وهي نشازٌ وسْط َ مدينة ِ خوف ٍ ، فهي الجمالُ وراءَ قبح قاذورات ماصنعنا ، وهي التفرّدُ في عالم الطغيان ..
كانت الغابة كومة أشباح ٍ ، طويلة َ الأشجار ، متكاتفة َ الأغصان ، تتضمن العصافير َ والقطط والمسارب الملتوية وسط العتمة منتظرة ً أن يأتي الفرح ُ يوماً ليضم َّ العالم وليس وحسب هذا المنعزل الملقى مصادفة ً ، حيث يحيط بها الناس ولكنهم لايأبهون ، وكأنه من أجل أن تحس بدء الخليقة قد فات الأوان .. هناك مسحت قطرات ٌ ناعمة وجهي وسرت من تحت الجلد إلى قلبي ، ودقت على قلبي دقات أخرى لم يعهدها الناس ، .. ثم سمعت نشيد الورق يتعالى ثم يتضاءل ماسحاً كل هموم الدنيا ، ماسحاً درنَ الأوحال ، وكاتباً أجمل إحساس ٍ يرقد في داخلنا وتخلينا عنه مديداً حتى انتُسِيَ ، .. ومازال كلام الأرض يناديني ، ومازال يدخل الغصن بأعماقي ، ومازال صفير الريح يأخذ للعالم موسيقاه ، ومازال العصفور يتنقل بين الأشجار يبحث عن أول شعاع ٍ للنور ليمتزج بخيط رذاذٍ آتٍ من عند الله .. ومازلت أنا أذوب وجداً ، وأمتزج ، فأصبحت جزءاً من هذا العالم ، العالم الذي نسيه الناس كثيراً ، فرحت أبكي وأشتاق كأكبر ماتكون الأشواق لأن أتحد وإياه وهوالذي أتيت منه كمخلوق عابر يعبر هذا الزمن الراكض ، ثم ليرتاح يوم يموت الزمن ، وتستمر المشاعر الصافية بغض النظر عن الأبدان .. هناك في ذاك العالم ، والذي هو أصل الأشياء ، أحسست بأن الرذاذ الواصل حتى عمقي ، والشجر النابت من جلدي والورد المشبع من نسغي والنسمة الباردة الخارقة لعظامي ، لوجودي ، لكياني ، لأيام ٍ هُجِرَت أو لأيام ٍ مازالت تبحث عن خلق ٍ ووجود .. أحسست أنني نصف العالم .. وأن الكون ، غير موجود ٍ بغير وجودي ..
لكن العالم هزيل لو بقي النصف بعيداً ، وليس البعد بعاد الأشياء ، بل بعاد الروح عن الروح ، وهي الروح أسمى من كل الأشياء ، وأنا نصف الأشياء ..
- - - - -
كان عالمي الروحي يتعاظم ، دخلت في لب الغابة ، انتحيت أعمق مااستطعت ، أمسكت الأغصان وتحسست قاع الأرض ، وكانت مياه السماوات وريح الوجود تمتزج بي ، وعند اختراق أول شعاع ضوء .. أحسست أنه قادم من عينيك ياحبيبتي ، وأنني أبداً ماكنت وحيداً.. بل إن روحك كانت تضمني ضمة النصف للنصف وأنفاسك كانت تعيش في داخلي وتسعدني وتشجيني ..
روحك هي التي كانت تطير بي وتأخذني إلى عالم الخلود..
- - - - -
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|