من قصص ماقبل أربعين سنة

        البداية    صفحة الآداب    قبل أربعين عاماً

  يصبح الإنسان أحياناً قطعة مما حوله

ويتحول إلى حالة توحد مع الطبيعة ..

 

دجلة والشيخ

                                                                                                                        المالكية  5\10\1971

        ترتكز قرية عين ديوار على مرتفع يشرف على نهر دجلة وتتألف من بضعة بيوت عامرة وقت أن كانت مركز المنطقة المحيطة بها  . . .

 

        في تلك القرية لا زال يعيش أبو النور الرجل الذي عاصر فترة ازدهارها ثم اضمحلالها . مرح فيها وقت شبابه عندما كانت محج الناس ، والتصق فيها بعد أن رحل المتأخرون. . .

 

        لا زال منزله التعب يقبع مطلا على النهر الخالد يرقبه ، عندما يغمر ضيعته وعندما يغور عنها . لا تزال القرية ، مع أنها شاخت ، ترقب انسياب النهر العميق من الشمال فاصلا بين الأراضي التركية والسورية متجها الى البعيد البعيد ، نحو بغداد .

لا زال أبو النور يحدق في كل صباح باكر بأشعة الشمس ترسو فوق الماء وتتراقص مع أمواجه الصغيرة ولا زال يراقب اصطخابه وثرثرته وطوفانه الرهيب في موسم الأمطار والرياح  . . .

 

        لم يكن أبو النور يملك أرضاً واسعة فليس لديه إلا داره المؤلفة من غرفتين لم يستطع اصلاحهما منذ أمد طويل ، وغرف القرى ( تسيع ) كل عام فتطلى بطين وتبن جديدين احتماء من الأمطار.

       يضاف الى هذه الدار قطعة أرض صغيرة فيها خمس شجيرات من التين و شجيرتان من الرمان وواحدة من الجوز .

 

       كان يشعر أن ما يربطه ببلدته القديمة المهجورة ليس الدار و ليست الأرض الصغيرة بل النهر الذي التصقت عيناه به كلما نظر الى أبعد من الحقل .  ثلاثون عاماً مرت وهو ابن مخلص له  ، سهر أياما كثيرة بجانبه ينتظر صيده ، وهو يعتقد اليوم أن يوم هدية النهر له قد  اقتربت مكافأة  للانتظار الطويل .. 

 

في هذه الأمسية جلس أبو النور قرب النافذة ثم بدأ يداعب طفله الصغير الذي لم يتجاوز الخامسة  ، طفله الذي تمناه منذ زمن طويل فجاءه متأخرا من زوجته الثانية بعد أن فارقته الأولى . .

خاطب طفله مغرورق الدمع:

-                 كم كنت أتمنى أن تأتيني قبل أربعينين  ، أو أربعين عاما لأراك بجانبي الآن وقت عجزي!  . .

حدق الطفل في أبيه قليلاً شاعراً بالحرج من سؤال في رأسه:

-   لماذا يا بابا لا يولد الانسان رجلا؟ هل صحيح أنك كنت طفلا مثلي؟  . .

-                 نعم يا صغيري . كنت مثلك تماما ، وكان أبي شيخا مثلي  . . نسيت خلقته الآن .

-                 وأين ينام الآن؟  . .

-                 لا أدري يا بني ، لقد وضعناه في تلك الزاوية . ألا تراها هناك ؟  . . أعتقد أنه تركها .

-                 الى أين ذهب؟ .

-                 أعتقد أنه ذهب الى دجلة ، وربما الى بطن سمكة كبيرة . كان يحب النهر كثيرا ، ربما أكثر مما أحبه الآن .

سكت أبو النور وهو يحضن طفله ، ويربت على ظهره ثم رفع يده ليمسح بضع قطرات شفافة مالحة من الدمع تبلل زاوية فمه .

كان النهر يمنحه في بعض الليالي بسخاء ويضن عليه في بعضها الآخر  . . ، لكنه كان قاسيا بعض الأحيان الى حد العداوة فكان يمنع كل شيء  . . لقد أحب النهر في وجوده وبخله ، في بسمته وسخريته ..  وكان أبو النور عندئذ ينتقم لنفسه ، ويتناسى حبه للنهر ، فيتجه الى (السفان) حيث تركد المياه ويتناقص العمق فيفجر فيه الديناميت فيجعل النهر يلفظ سمكه الصغير والكبير جزعا مرتجفا .

تمر الأيام وأبو النور يعشق النهر ، ولكن النهر كالمرأة يزداد دلالا على عشاقه ، وما أن يقرر العاشق الهجران حتى يلقي له بالطعم ثانية فيظل الموله المرتبط .

ثلاثون عاماً  مروا ، بل أربعون ، لم يستطع أبو النور التحديد  . . قل كل عمره هو اطلالة على دجلة ، مسيرة إليه ، سباحة فيه ، صيد منه  . . . أبو النور هو دجلة ودجلة هو أبو النور .  لكنه شاخ ووهنت عزيمته ، والنهر مازال فتياً يصطخب ويعمق مسيرته وبدا أبو النور يحس بالحاجة الى وداعه وداعا مراً  . .

 

في أمسية من تشرين الأول اكفهرت السماء قليلا ، وانقلب الجو الى خريفي تمتطيه الرياح دون أن يرعش البرد الأعضاء بشدة ، فأغلق أبو النور النافذة وقبع خلفها ملصقاً وجنته بزجاجها ، كان يحس همهمة الرياح من خلق الجدار حيث يتساقط (بَرَدٌ) مكور يزداد حجما وشدة .

شد الطفل الى جانبه وهمس في أذنه:

-                 انظر  ، هذا هو ( الحالول) ، حب العزيز ..  إنه كالحجارة الصغيرة تسقط من السماء ، يتلف الأشجار ويسبب السيول .

-                 من أين يأتي يا بابا؟

-                 من السماء ، أعتقد أنه غضب على أعمال الانسان ، انظر سيلون النهر بالبني الأسود وأخشى أن يقتل السمك . السمك أحمق يابني  . .

-                 لماذا يقتل السمك يا بابا؟

-                 في الشتاء لا يقتل السمك ، أما في هذا الوقت فالسمك يظنه طعاما يلتهمه لحماقتة وبطنته دون دراية  . . لا ضرر إذا انقطع خلال مدة قصيرة  . . .

صمت أبو النور طويلا ، لكن البرد القاسي كان يتكور ويزداد حجما وثقلا ، وأحس بأن شيئا كهذا لم يحدث منذ سنوات طويلة جدا  . . . ربما منذ أن كان طفلا في عمر ابنه .

أحس من خلال الجو المعتم بالنهر يزداد اسودادا وارتفاع ، وبدأ يتمتم:

-                 النهر سيقتل أسماكه . سيقتل أبناءه .

حلم كان يسيطر عليه وهو يتمدد على السرير تتخلل جسده أنفاس الطبيعة المتثاقلة في الخارج  . . . حلم غامض مزعج مخيف لم يرقد له جفن وهو ينقل أنظاره بين النافذة الرمادية والسقف الأسود .

عندما بدأ الفجر يتفتح لبس جزمته وأثقل ثيابه واندفع  متحاملا على شيخوخته نحو دجلة  . . . كان الجو الصباحي البارد يركن في خلايا الكائنات ويتسرب الى جلد الرجل المندفع  . .

 

كان يعلم أن دجلة قد قتل آلاف الأسماك  ، قد قسا على أبنائه ، ربما لم يستطع حمايتهم من غضبة الطبيعة أو ربما لأنه لم يستطع حمايتهم من بلاهتهم  . . . لقد قتل البرد والطين أبناء دجلة وأخرجهم جثثا تنزاح نحو تجاويف الضفة  . .

بعد أن سار أبو النور خطوات قليلة على الشاطئ تراءت سمكة ضخمة بحجم رجل بدين ، خفق قلبه بعمق تمنى لو كان شابا يستطيع أن يجرها وغيرها  . . ويملأ السوق سمكاً ، يملأ سوق المالكية والقامشلي بالسمك الطازج الشهي  . . . كان سيبيع بسعر قليل وسيربح الكثير الذي يمكنه من بناء دار من الاسمنت متينة الأوصال تكون خالدة خلود النهر .

رأى على بعد مترين آخرين سمكة أضخم لم يشك بأنها تزن مائة وخمسين كيلو غراماً كاملة  . . .أخذ يجري على الضفة غير مستشعر بالأشواك توخز  جلده الجاف   . . . جرى يتفقد الأسماك الصغيرة والكبيرة المتمسحة بتراب ونبات الضفة .

إن النهر يمنحه جائزته الكبيرة  . . جائزة عمر كامل ، تعويض أربعين عاماً   . . النهر قد استفاق على بخله فقرر أن يجزيه فيغنيه  . . . دجلة يمنح مرة واحدة في العمر بسخاء بالغ ، يكاد يذكر أن النهر جاد ذات مرة وليس كمثل هذه .

دجلة يتقيأ ما بجوفه من لحوم ، عله ملها فمجها  . . . عله قرر أن يصفو ، عله قرر أن يقيم العدالة في مياهه فيقتل الشريرات الشرهات من سمكاته .   أو كما أبو النور يحدث نفسه  ،  قرر أن يمنحه التعويض  . . تعويض العمر كله .

 

كيف سينقل تلك الأسماك؟!  كيف يستطيع نقل واحدة فقط منها وقوته ، قوة الصياد المتمرس ، قد ولت عنه .

اقترب من السمكة الكبيرة وضرب شصين في غلصمها ثم جرها بعناء بالغ الى الشاطئ الطيني تحت شجرة صفصاف باكية ، وعندما انثنى عليها يتلمس لحمها ضربت ذيلها به بقوة فألقت به منغمس الوجه في الطين  . . .

تحرك شيخ متكسر العظام وانقلب منغرساً في الطين ، أحس بأن الدنيا تدور من حوله وبأن الظهر المتين الذي طالما شد من اللحوم ورفعها قد فقد قدرته الى اللانهاية   . .

واحدة من السمك الكبيرة ، تريد أن تقتله انتقاما لكل زميلاتها اللواتي ذهبن ضحيته  . . . مد أبو النور يده الى زاوية حجر وتماسك وزحف .

 

كان وصوله الى البيت و إطلالته من النافذة هي كل مايتمنى  . . . يريد أن يموت في غرفته المطلة العالية ناظرا الى النهر الذي أراد الانتقام منه عند عجزه ، لأنه لم يكن يستطيع ذلك في شبابه .

كانت أشعة الشمس تثير الأفق عندما وصل أبو النور منقطع الأنفاس ، خائر القوى الى نافذته ، هناك جلس يرتعد والألم يقصف عمره . خلال ربع الساعة التالية تجمع الناس حوله ، لكن خلال الدقائق الخمس التي تلتها انفضّوا جميعهم ليتسابقوا نحو النهر .

 

كان يرقب الناس تتدافع نحو السمك ، تركض بأقصى قوتها ، دافعة بعرباتها ، تحمل بشراهة عجيبة  ، ثم تنطلق متسابقة أيضا نحو المالكية لتبيع  . . .

كان الطفل الصغير يحدق في عيني أبيه التي تفرر دمعا فيه خيط من الدم ، بقيت عينا أبي النور مثبتتين من خلال النافذة في أهل القرية يجرون ويتصايحون بمرح غامر  . . . عندما تمتم بنبرة لا تكاد تسمع:

-                 انه لي  . . .هم يسرقون  . . . شقاء أربعين عاما  . . . شقاء العمر  . . .

وبقيت عينا أبي النور مفتوحتين  ، متمركزتين في أعماق النهر الذي لم تمح صورته منهما الى الأبد .

 

 *      *      *

  البداية    صفحة الآداب    قبل أربعين عاماً