Home of human Literature

    adab-insan   أدب الإنسان     

 

 

الموسيقى

 

تسجيلات صوتية

This is different !هذا موقع مختلف

مدخل الأعمال الأدبية الكاملة

   عودة للمقدمات       عودة للمقدمات

المََشاهد

القسم الأول:  (الخروج من الميلاد)

1- المفاصل                2- ليلة الميلاد            3- وجه  آخر              4- نوم  الصباح        

 5- اليوم الأول           6-عالم الأقحوان            7-أرض الزهور            8- دروس الحب  

 9-العاصفة                10- مدينة حمقى          11- الطبول 

 

القسم الثاني:  (أرضُ اليباس )

12- تراب الأرض         13- تحت التراب           14-  الريح                 15- الحوار 

16- الجنون               17- الانتشاء               18- لذة الانتشاء            19- البرعم 

 20-الإنتشار

 

القسم الثالث:  ( الترحال )

21-البداية              22-أولى الخطوات         23- الناعمون               24- المتحدثون 

25-المتأرجحون        26- القاتلون               27- الجائعون               28- الخائفون    

29  - البائعون          30- الراكضون             31- المقبورون             32- المشدوهون

 

القسم الرابع:   (أرضُ الأقحوان ..)

 33- النائمون          34- الرؤية في الظلام      35- أرض الأقحوان         36- رفاق الرحلة  

 37- على الطريق      38- تحت الطريق           39- اللقاء           

  

 القسم الخامس: (الارتداد ..)

  40- الانكفاء          41- الطوفان ..             42- تراتيل ..  

 

.. آخر صفحة     ..  أول صفحة

كلُّ واحدٍ منا هو طائرٌ وحده في الظلام ..

القسم الأول

الخروجُ من الميلاد

(عودة للأعلى)

 

1-      المفاصل ..

إن امتدت حياتنا نحن البشر لدقائق أو لسنوات أو لعقود أو لقرون ، فجلها منسيّ ، ويمر في ذاكرة الزمن أو الأرض أو الناس بلا قيمة ..

إنه في الحياة المألوفة للبشر ، ووسطها العالمي في السبعين مثلاً ، لاتكون هناك أهمية حقيقية لأكثر من أشهر ، وربما  لأكثرمن أيام ، وفي تلك الأشهر والأيام ، تكون هناك دقائق معدودة ، هي التي تنطح وجودك وعالمك ، وتقلب التاريخ لديك والمعادلات ، وربما تقلب قوانين البشرية وتغير مجرى قناة نهر الحياة ..

كثير من العظماء ماتوا صغاراً ، وكثير من الهامشيين انتقلوا إلى القرن الآخر ، وبقي العظماء الصغار خالدين مخلدين ، وانتسي الآخرون قبل أن يجف التراب على قبورهم !

كذلك هي مفاصل الحياة ، وكما الأجسام لا تقوم إلا على مفاصل ، حتى لوكانت تلك المفاصل في البداية أو النهاية فقط ، فإن الحياة كلها عبارة عن مجموعة من تلك المفاصل ، والمفصل عندي لايعني الركبة أو الرسغ وما شابه ذلك ، بل يعني أيضاً كل ما هو منفصل ليشكل وحدة تفترق عن غيرها بشكل آخر ..

 أقول إنه رغم النظريات بالتأكيد على وحدة الكون ، ومن المفترض أن يكون هذا الرأي مقنعاً بالفعل ، فإن وجود المفاصل هو أمر يقابل نظرية الوحدة ويكملها ويتممها .. والتفاعل بين هاتين الرؤيتين هو الذي يخلق من طرف تعاطفاً إنسانياً ، ومن طرف آخر صراعاً إنسانيا ًً ، وماينطبق على الإنسان ينطبق على كل ما هو كائن في هذا الوجود كله ..

كانت هذه مقالة كتبتها ذات يوم ، فقال لي أحد الأصدقاء:

-           لم أفهم ما تريد قوله ! 

أجبته وقتها ، وأنا بالفعل لا أدري ما أقول:

.. هناك صاعقة تأتيك في العمر ، ثوانيها قليلة ، لكنها أهم من العمر كله  ..

-           أيضاً ، لم أفهم ما تعني ! ، هل هناك انفصال أم تواصل ، أم هو المزيج بين الحالين ، وهل هذه الحياة لها قيمة أم بعضها ؟!

قلت له وعيني مغمضة أريد أن أنام:

لن تفهم ما أعني إلى أن تقرأ سفر الوجود كله ، ذلك السفر الذي كتب وانطلق وحلق وهوى واحترق في سبعة أيام ..

-           لم يفهم صديقي الكثير ، فآثر أن يتركني لأحلامي .. استدار كمن يسخر مني متمتماً:

-            سفر الوجود .. سفر الوجود .. هذا الرجل فيه لوثة بالتأكيد !

انقطعت عيناي عن الدنيا ، انقطع الصوت ، غابت الرائحة ، توقف التنفس ، وتريثت ضربات القلب ، وانتقلتُ إلى السراط على حد السيف ..

----- 

(عودة للأعلى)

 

2-       ليلة الميلاد ..

لم تثلج ليلة عيد الميلاد كالعادة ، بل كانت دافئة دفء الرغبة بالرقصة ، وكان بابا نويل يهم الأطفال فقط ، وكانت التراتيل داخل المعابد هي على ألسنة المنتظرين للأعطيات ، أو على شفة منافق يريد أن يقول إن التاريخ لديه هو الهام ..

وكانت نظرة إلى السماء تكفي لأولئك المؤمنين الصادقين القلة ،..

 

اتركوا الصغار عند الجدة ، وأكثروا من هدايا بابا نويل ، فعيون الأطفال هناك ، وأنا عيني في الرقصة ..

عين المؤمنين في السماء ، وعين الأطفال في بابا نويل ، وعين بابا نويل في ورق النقد ، وعين الزعيم في التمثال ، وعين المنشد في البنطال ، وعيني أنا تحترق على الجسد الصارخ رقصاً في الوجه والنحر والورك والصدر ، لا يغلفه سوى شال ..

 

تعالي يا امرأة نفرك كعبنا ، ونغط الليلة في الوحل ، فنحن لم نذق أبداً طعم الأوحال .. يتحدثون كثيراً أن الألذ في هذا الوجود ، هو أن نعود لطينتنا المجبولين منها ، فنحن لم نخلق من نور بل من صلصال ..

تعالي يا امرأة نَصُبُّ الزيت على النار الليلة ، دعينا نطشطش  في الدنيا ، في قلب الليلة ، فزيتنا قد تجمد لكثرة الصقيع ، ونسينا أن الزيت الذي فينا يتجمد في الأوصال !

لو بقي الزيت في الأوصال دفيناً ، لكان الصدأ هو ما يأكل فينا أحلى الآمال .. ، وتعلمي يا امرأة ً أن الزيت هو مثل الماء أو مثل الدم ، إن تخثر ، توقف العالم ، وأنا لا أريد أن يتوقف العالم هذه الليلة على الأقل ، فليغل الماء والدم والزيت ، وليتحول عيد الميلاد إلى شََقّ ٍ للمألوف من الأقوال ومن الأفعال ، ومن خدع العين ، ومن زيف يحرمنا حق الرقص ، وحق اللعب على الأنوال ..

-------

 

جعلتني أدمع ، كما يدمع الناجح في مهمته ، وكما يدمع الرضيع في ولادته ، وكما يدمع العاشق في حبيبته ، وكما يدمع التمساح ممارساً لمتعته ..

سرنا ، سرنا والعالم مفقود ٌ في الخلف ِ ، ومن بعدنا فليكن إعصار  ، ولتندثر سقوف الدار  ..

في عيد ميلاد هذا الليل أنسى  كل الزمن  ، مغادره وآتيه ، وأقول إن كل الزمن هو اللحظة ، واللحظة هي كل العالم ، وكل العالم هو أنا والأنثى ، وأنا والأنثى تركنا الكثير ولم يبق سوى قلب وقناة .. قلب هو مركز العمليات ، والقناة أداة التنفيذ ، وما كنت أدري فيما إذا كانت القناة يداً تلمس أو سناً يقضم أو حلقاً يزدرد أو معدة تبتلع ، أو شفة تلملم أفراحاً من أخرى ، أم غير ذلك من أدوات ..

جاء الليل يختبيء في الليل ، ويطلب منا أن نتعرى كالشجر ، وأن نهطل كالمطر ، وأن نلمع كالدرر ، وعند الصعود وقبل الهبوط من أحلى الصراخ ، أن نخور كالبقر ..

جلسنا ، أنا والأنثى  في زاوية ظلماء وكتبنا اختلاساً على الجدار أن هناك اثنان جاءا لهذا المكان يبحثان عن برق في الأضلاع خلف ستار الليل ، فلم يكف ما كتبنا ، فحفرنا بأظافرنا الأخشاب ، وعندما اقتربنا أكثر من قلب الظلمة ، اقتربنا أكثر من تداخل القلب والقنوات ، فطردنا الهواء من بينينا ، واختصرنا بجلد واحد لجلدينا ، وأحسسنا بالقيامة قد تقوم بين جنبينا ، فدمعنا من تحت عينينا ، وبكينا وبكينا ،

 ونحن لا ندري ، أنا وهي ، أين يدينا وأين عينينا وأين نبضينا ، فتحولنا إلى واحدٍ نحن اثنينا ..

 

كتبت في إحدى قصائدي:

الناس قد علقوا منذ أن خلقوا

جاؤوا فرادى ..

 سيرحلون فرادى ..

لكنهم في الحياة التي تواجدوا فيها ،

 تراشقوا  بكل مابأيديهم ،

وفي كل الأشياء ما اتفقوا  ..

كأنهم جاؤوا لحقل ألغام ٍ ،

وما اجتمعوا إلا ليفترقوا ..

 

نسينا أنا وهي هذا الشعر في ليلة عيد الميلاد ..

في الركن العاتم في الليل وفي علب الليل ، اقتربنا حتى العدمية ، وتوحدنا كالكيمياء ، وانفصلنا عما هو آخر ، وكان التزاوج ليس كما القفل وكما المفتاح ، وليس كما الغصن وكما التفاح ، بل كان التزاوج بيننا ذوباً لا مكافيء له ، ووحدة مادة تتحول إلى أخرى لاتنفصل  لابمشرط ولا بتحليل ولا بمقص ..

لن نعيش فرادى ، لن نموت فرادى ، لن نكون أبداً فرادى .. ولن يعرف الآخرون أن أحداً منا اختفى في الآخر ، وتحول الآخر إلى أحدٍ فردٍ آخر ..

 

رقصنا ليلة عيد الميلاد بقلب واحد ، وبجلد واحد .. ونسينا يوم كنا فرادى ، ونسينا السواد ، ورأينا في البصيرة مساحات الرؤى ، ثم طرنا بلاداً بلادا .. وكأن كل امتداد ٍ لا يكفينا امتدادا ..

-------

أنا لا أتحدث عن حب ٍ  بل ذوبان ..

أنا لا أتحدث عن بلد ٍ بل بلدان ..

أنا لا أتحدث عن كون ٍ بل أكوان ..

أنا لا أتحدث عن يوم ٍ بل أزمان ..

أنا لا أتحدث عن حجر ٍ بل إنسان ..

------

 

الالتصاق والذوبان والانصهار أمر خارق ٌ،

 أكثر من خيال ،

 لكن من المحال أن يبقى الخيال حقيقة ً ..

وأن تسير الحقيقة للزوال ..

وأن يتحقق في هذه الدنيا محال ..

 ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ

(عودة للأعلى)

 

3- الوجه الآخر للميلاد

يوم أن صرخ الجنين ليتحول إلى مولود ، اخترق المفصل ، ويوم أن توقف عن رضاعته اخترق المفصل ، ويوم أن ابتدأ اللفظة اخترق المفصل ، ويوم أن استقام الهاجع فيه اخترق المفصل .. وهكذا تستمر المفاصل .. حتى لا تنتهي إلى الأزل هاتيك المفاصل ..

والمفصل هو دوماً في لحظة ، لكن الأثر يبقى أطول مَدّا ، وهو الذي يعطي التجديد ويعطي الإثارة ولذة الانبهار والقدرة على الانتظار ..

اكتب ْ ..

اكتب إني جسد من غير غطاء .. اكتب إني وجع من غير دواء ، اكتب إني فصل في مفصل تغيير الأنواء ، وتعلم أن جلدي بعد مفصل لصْق ٍ في ليلة عيد الميلاد لم يقبل أن يغيب طويلاً في الآخر إلا تحت جنون الصرخة ، فما أن تفجرت الأفلاك ، حتى عادت أشواكي لمواضعها واستقر الزلزال .. ليهجع في هدأة عصب ٍ ،  وكأن الزلزال قد اندثر تحت مفصل غاب إلى الماضي المنسي ..

ولماذا تكتب ؟ فهل يُقرأ ما يُكتب ؟

تذكر ْ .. تذكر ، ولماذا تتذكر ونحن في مفصلنا ، وكل مفاصلنا ننسى !   وإذا كنا ننسى أبداً ، فما السبب في أن نتذكر ، ثم نعود لننسى .. ونتذكر عندما نتلذذ في أن نتذكر ، وننسى عندما اللذة تأتينا من ذكرى أخرى ، مفصلها يذهب للأبعد ، ورغبتها تتحقق .. وننسى أن الزمن مَضاء ، وأن الصيفَ منسيّ في برد ِ الشتاء ..

..

نامت المرأة عند الصبح ، ولأن ليلة عيد الميلاد أخذت من قلبي الصرخة ، وأسقطت من جسدي ثورة ورثتها من جسد الأجداد ، .. ولأن ارتكاسات الزلزال تبقى في ذات المكان ، فقد نامت المرأة عند الصبح ، وبقي عندي صدى الوديان ، ورائحة الزبد المغليّ في القيعان ، فقد ثرتُ .. ثرت ُ ، وكنت وحيداً في الثورة ..  وكسرت الجرة .. وانكب الماء الراكد في الجرة .. وصارت الأرض مبتلة ً كما هو التراب  تحت سحابةٍ حرة ..

 

سؤال يجرح في الخاصرة أسأله ضمني ، ولا أسأل أشياء كمثل سؤالي في العلن ِ ، وأنت إن صادفتك زجاجة ُ سري مرة ، فانس أنها مني إليك ، وتعلم أن تنتقل إلى مفصل ٍ آخر ، من مفاصل دنيا تركبك كصاحب دابة يركبها وسيبقى راكبها على مَرّ  الأيام  ..

أقول سؤالي في خاصرتي  يحاصرني ، فأهمس أنا ، أنا الذي أهمس في أذني :

أهو الالتصاق الذي يخلق فينا الرغبة  ، أم هو شيء في دخائلنا .. ونحن الذين – فقط نحن _ نحس بالذي فيه ؟!

أهو الآخر ، حتى لو أحسسنا بأننا ارتدينا جلده وعباءته ، ليس  منا ..  وما نحن فيه من ثورة ، هو من الذي فينا ، وليس من انتظارنا من الذي سوف يأتينا .. أملا ً سوف يأتينا ، من الجسد المقابل ، لكن آمالنا والرغبات التي فينا ، هي التي سوف تسقينا .. هي التي ستهز كياننا وترضينا  ، ونحن الذين نظن أن الآخر سوف يعطينا ؟!

هل نأخذ أم نعطي  .. ويبدو أننا نظن أننا نعطي ، وأن الآخر سوف يعطينا ؟!

ثورتنا في دخائلنا ، وليس غير الذي فينا سوف يشبعنا ، وليس غير الذي فينا سوف يرضينا ..

 

أناشيدُ الهوى ، هي خداع ٌ ، ككل أنواع الخداع ِ ، تخرج من مخارجنا ، ولا تحكي دمعاً ولا شرايينا ، فكله كلماتٌ منمقة، قد تحكي مآسينا ،  لكنها لاتعرف الصدق الذي نظن أنه ساكن ٌ فينا !!

 

أنا قلت ُ امرأتي .. تذكروا أنني قلت امرأتي ، ولم أقل إنها المكتوبة  في صفحة تعدادي ، وليست المرقونة جنب عيد ميلادي .. أنا قد أوحيت بكذبة ٍ ، ضحكت عليكم ، ضحكت ُ عليكم ، وأنتم تسخرون ، فأنا لست أكثر من حيوان قضى ليلة عيد الميلاد على  ، بل في ، جلد امرأة أخرى ، وظن حمقاً أن المفاصل قد تبقى ،  .. وهاهي الليلة تأتي ، وكأن ليلة عيد الميلاد ما كانت أصلاً ..

ليلة عيد الميلاد مثلجة ٌ ، وتلك لم تكن ِ ، ليلة عيد الميلاد صلاة وتلك لم تكن ِ ..

 ليلة ُعيد الميلاد محبة ٌ ، وتلك ادعت بأنها كانت ، وهي في الحقيقة ثورة ُ ذات ٍ ، ولم تعط ولم تأخذ بل كانت تلملم من داخلها فطرتها ، وفطورَها ، من ليلة ميلادها ، إلى الكفن ِ ..

--------

(عودة للأعلى)

 

4- النوم ُ في الصباح ..

أنا ، وأنا دوماً أتحدث عن  (أنا) ، تلك السحرية !

أنا أتحدث عن ذاتي  ، يوم صنعت قالبين لنفسي:

 أنا لولب ، وأنا فم باللسان وبالأسنان ..

خلق الله كما قالوا ، وأنا أصدّق ما قالوا ، خلقَ الليلَ لباسا ، وخلق النهار معاشا .. وليلة عيد الميلاد ما كانت لباساً ولا كانت معاشا .. والصباح اللاحق ما كان معاشاً أو لباسا ..

ليلي هو ليل اللص ، ونهاري هو لون الزيف ، أعبعب وأتنقل بين الحالين وأكتب عن الإنسان عندما ضاع وادعى ثم أنكر ما ادعى  ..

خفقُ قلبي لا يعرف أنواع النغمة ، خفق قلبي يريد اعتصار الأشياء من الأوصال ، ويبقى كذلك يقول إنه الذي لديه نعمة وفضل ، وهو يستحق تلك النعمة  ، ولا أعترف أن خلف قلبي تكمن ابتزازات الأقوال ، وليس دمي إلا مايحصّله اللولبُ عندي من غيري ، ومن قلوب ٍ أخرى صارت تبتغي الترحال لتحولها لسراب ٍ تلك الآمال ..

كانت ليلة ميلادي لولب ، يخترق كل الأغلفة ، وتحوّلَ الفم عندي لمِمْصاص .. قضم السن عندي وانغرس الناب ، وتحول اللسان عندي إلى إذاعةٍ تتحدث عن إخلاص ..

لكن الأمر فات ، والزمن هو المهماز لتفويت  السعادة ، كما هو لتفويت الآهات ..

كان صباحاً ، والزمان ليس هو الوقت وحسب ، بل هو أيضاً مكان مثل المكان .. قبل دقيقة كان شيء ما هنا يحتل المكان والزمان ، وأنا جئت الآن لآخذ ذات المكان .. هل اختلف المكان ؟ لا بالطبع لم يختلف المكان ، لكنني في الزمان أصبحت بديلاً لغيري في ذاك المكان  .. وأنا أصبحت غير غيري في المكان ، بفرق الزمان !  .. الزمان أيضاَ هو المكان في ذات المكان ..

 

عندما أبكتني دمعاتي ، لموت ليلة حب ٍ في ليلة عيد الميلاد ، سقطتُ من أعلى الأبراج ، لأهوي كصرة أهواءٍ ماتت تحت نعال النسيان ..

.. فجلست على عجزي ، أكتب في قلبي لعبة صيد المفتاح ، لدعوة جسد ٍ مُلتاش ٍ مدّع ٍ ، يبحث عن ظلمة كور ٍ في المنتصف من الأطراف ..  كتبتُ ، على ذكرى ، من غير قراطيس ولا أقلام ، أن كل الأشياء مأكولة ٌ ، وتدخل في الأخرى ، كطبع ٍ ومن غير استحياء .. كتبت أن ليلة عيد الميلاد كانت من أجل ساعتها ، وفي ساعتها تلملمت مشاعر كالسيل ، دون أن تلاحقها الأضواء .. وانتهى السيل من ساعتها وعدت إلى جلدي أتحسس نبضاً في داخله ، فوجدت أن لا ضغط فيه ولا رجفة ، وكل الباقي هو ذكرى تهرب في خيلاء .. خيلاء لأننا نفرح أن نكون لوالب نثقب على مهل ٍ كلَّ ما يصادفنا ، نثقب ثم نثقب ثم نثقب ، وعلى وجهنا صبغ حياء ..

المرأة تلك نسيتْ من أنا ، وأنا مثلها ، وتذكرت أن الحياة مفاصل ، والمفصل الذاهب لايعود ، إلا كذكرى تموت و وتندثر كما كل الأشياء ..

ولكي يكون المفصل ، ذو الحدود المنظورة ، في الإحساس ، طرق على بابي أن أعمّق مفصلي ، بجلب الجدار إليه ، والجدار فصل من أعماق ..

كان جدار المفصل عندي هو أن أجعل ليلة عيد الميلاد بلا أصحاب ، فأعزلها ، كما يعزل الناس كلَّ الوحوش ، وما ظنوا أنهم الوحوش ، بدون ناب ٍ ، أو مع أنياب ..

ارتخيت على وسادة ريش ورحت أحلم بأن أستعيد لذائذ أعياد الميلاد ، مع صحب ٍ أو بدون الأصحاب ، فأنا ، وليس غير أنا ، في قائمة الأحباب .. كانت أجفاني كالليل ، وكانت شفتاي كعبق ورود ، وكان قلبي كموقد أشعار .. لكن من يبقى هو ذاتي التي تملأ قوائم الأصحاب وقوائم كل الأحباب ..

فارتخيت مجدداًَ ، وقلت لريش الوسادة ، أن يعلم أنه لم يعد ريشاً فهو ليس على طير ، بل كان ريشاً في سابقة الأيام ، أما الآن فهو جثة ريش ٍ ، .. مثله مثل ليلة عيد الميلاد .. حيث طارت ذكرى الأجداد .. ولم يبق شيء أرغب فيه سوى إيقاظ المفصل في صبح ٍ يذكر في الميلاد أن ما كان ليس أكثر من لعبة أوغاد ..

 

وضعت رأسي على مفصل ريش ٍ ، وقلت إنني سأنفصل من ليلة عيد الميلاد .. وأنسى .. ولم يعد الصبح يهم إن كان معاشاً أم لباساً ، أم مسرح أبعاد ،

المهم عندي أن أروح إلى العالم الذي لست فيه أنا ، وعندما أستفيق ، إن استفقت ، سيكون هناك يوم آخر وعالم آخر ، وستختلف الأبعاد ..

النوم سحر ٌ .. وأنا أبحث عنه لتغيير المفصل .. وبعد عيد الميلاد .. نسيتُ الليلَ ونسيت الحفر على الجدران والحفر على الأخشاب ، ونسيت التداخل في القلب كما الأضلاع ..

وضعت أنا في شتى الأصقاع ..

التصقتْ وجنتي بمخدتي ، وكبَتُّ عن المفاصل دمعتي ، وذهبت في نوم صبح ٍ  وأنا لا أعلم غايتي ، سوى أنني ذائب ٌ من عبث الدنيا  ، في حرقتي ..

-------

(عودة للأعلى)

 

 

5- اليوم الأول ..

لا أفهم لغة الناس ..

وهم أيضاً  لا يفهمونَ الكلمات مِني !

بكيتُ وحيداً ، وأخذت أنفاسي وحيداً ، ومارست كل الطقوس وحيداً  ، عقصت ُ جلدي ، ومسحت عيني ، وكتبت شعري ، وشلحت ثوبي ، وألقيت أسمالي بعيدا ..

كل ذلك لأجتازَ مفاصلي وأصبحَ مخلوقاً جديدا ،

 لا يهمّ إن حققَ السعادة ، أو لم يكن أبداً سعيدا ..

نمتُ صبحاً ، والآخرون صياح ٌ وشكوى ، وكانت في نومي سلوى .. سلوى كامرأة ٍ أم بمعنى السلوى ، لايهم ، لايهم صديقي ، فأنا  ِلأكن ، ومن بعدي البلوى ، فأنا لا أفهم معنى التقوى ، وكل ما أفهمه أن نوْمة َ الصبح عندي إثر الميلاد كانت مفصلاً وزعت على نفسي فيه الحلوى ، عندما قمت إنساناً جديداً ، اجتاز الحدودَ ، وكان في انفصاله عن لغة الناس إنساناً عنيداً يفكّ قيودا ..

لانستطيع أن نفك كل القيود مهما فككنا قيودا ..

هربتُ إلى الحقيقة التي لا تعرف زيفها ، حيث أن كل الزيف جاء من بين أسناننا نحن البشر ، كما سطعَ كخيوط ِ ضوء أسود ، وانبثق ككتلة الحيوان من مصادر الرغبات فينا ..

هربتُ من البشر ، وأنا بشرٌ ، ولا أستطيع الفكاك من نفسي ، هربت إلى حيث لم يفسد البشر كل الأشياء ..

لجأت إلى جبل مثل ابن نوح ، وإلى شجرة مثل عصفور ، وإلى القاع مثل الديدان ، وإلى الماء كغلاصم أسماك ..

حشرتُ قصيدتي ، ضمن الضلوع ، وعلى موجة خفقتي ، وأعدت مرات ومرات لتلك قصيدتي:

جعتُ ، عريتُ ، وانقصَّ جناحي ..

لم يعدْ عندي سلاحٌ ، فقد سرقوا سلاحي ..

لجأتُ إلى الحقلِ أعيشُهُ ، وألامسُ عن قربٍ أقاحي ..

أرتجيها لأكون واحداً منها ،

 لعلّ دواءها يشفي جراحي..

فاستقبلوني بحفاوةٍ ،

 وتراقصوا رقصَ الملاح ِ ،

لكنهم ذكّروني أن الأقاحيَ  لاتعيشُ طويلا ً ،

وموسم إعدامها  ..

عند الصباح ِ ..

 

حشرت قصيدتي ضمن الضلوع ، ورحت أبحث عن أقحوان يرقص لي وينسيني جنحيَ المبتور ِ ودميَ المهدور ِ ، ويزرعني بلسماً على كل القبور ِ ..

لقد أعدموا كل الأقحوان في الدنيا ، ولم يبق سوى النائي والمختبيء منه  ، فأخذت أنأى أكثر وأبتعد حتى عمق الأعماق مابعد الآفاق ، لعلى أنسى أنني بشر جئت هنا قسراً ..

عندما لم أصادف أقحوانة واحدة .. لمعت فكرة في الخلد لدي ، والخَلد لدي ، لايسكن في رأسي بل في كل انتمائي لجسدي ولفكري وللعواطف عندي .. العقل عندي هو ساكن أزلي في كل ذرات كياني ، هو في رأسي كما وجداني ، هو في الحيوان بداخلي وإنساني ،

 هو في تاريخي وجغرافيتي ومحبتي وعدواني ..

 

عندما لم أصادف أقحوانة واحدة لمع في الخلد لدي:

أهي الأقاحي التي لا تعيش طويلا ً رأتني بشراً فظنت أني جئت لأذبحها ، فتنادت باللغة المجهولة لي أن تختبيء على هيئة شوك ، يتركه الناس لينمو ثم يترعرع ثم يتزاوج وينجب في الأفراح ؟!

أهي الأقاحي بدأت تفهم لغة البشر وديانتهم ؟!

 كبر سؤالي حتى امتد إلى الآفاق ، فجلست أبكي  ..

 سقطت دمعة !

ومن بين جذور ٍ تحت أقدامي امتدت أقحوانة فتية أصابتها الدمعة ، صارخة ً:

أأنت من جئت تذبحنا ؟ ألا يكفي ضعفنا وضعف حيلتنا وقصر الأيام التي نعرفها وتعرفنا ؟!

ابتسمت وفي عيني دمعة أخرى وفي قلبي دمعة حرّى ..

أنا ، أيتها الرائعة ، جئت لأنني ، رغم بشرتي وأصابعي وانتمائي ، جئت أرجوكم أن تقبلوني واحداً منكم !

قالت الأقحوانة الفتية: ولكنك لست مثلنا ولا تشابهنا ..

قلت لها :

لكن الذي في قلبي يشابهكم !

قالت وهي تختفي: سأبلغ قومي ..

 

عدت وحيداً من جديد .. وتحولت المشاعر عندي قديدا . .

لم أتحرك ، فأنا سعيدٌ تعيسٌ .. متجمد ٌ ، على وشك انهيار ٍ ولا أحتمل المزيدا ..

الأقحوان خائف مني ، ولا أحد أراه غير الشوك كالبشر ..

تطير المحاجر مني في كل صوب ٍ ، وأنا رأسُ الجبل ِ ، أبتغي إجابات على تساؤلاتي ، في الوجود وفي المصير ، في الذنوب وفي الغفران ، في الزيف وفي الإجابة على كل ما مضى وعلى كل ما سيأتي ..

أنا وحيد ٌ قرب السحاب .. أنا الطريق عند الغياب .. أنا الموجُ والبحر والحياة والفناء في قلب العُباب ِ .. أنا الضياع بنفسه ، فلا أنا قادر على الانصياع لقانون البشر ِ ، وبذا أتحول في مشاعري إلى حجر ِ  .. ولا أنا مقبول لدى الأقاحي أحاكيها ، وتحت أفئدتي ألاقيها .. لأكون واحداً منها ألاعبها ، أغازلها وأعيشُ رعشة الحياة التي فيها ..

قلبي يخفق سيدتي الصغيرة ، قلبي يخفق ،

 علك أن تعودي ، فأنا في الخلقة بشر ٌ ،

 وفي أسّي إنسان ..

 وفي روحي ابن لبستان ٍ هو أرض أقاح ٍ ،

 وورودٍ .. ورياحين وريحان ..

قلبي يخفق ، قلبي يخفق سيدتي ،

 علك أن تعودي ، فأنا وحدي ..

 تركت البشر لسوائلهم ..

لاتخافي سيدتي ..

 فأنا نجوتُ لقيطاً من دنيا

 لا تعرف إلا الذئاب ،

 وإلا الخرفان ..

.   .    .    .    .

يسائلني جرحي الغائب في كل الأضلاع ، يسائلني خوفي في كل عيوبي ..أين أنا من قذف المجهول ؟!   أين سأرسو عندما تقذفني الحياة بكل أوجاعي وأنا على شفاه ضياع ِ ؟!

ونزلت من عيني دمعة !

خرجت من تحت الأرض الأقحوانة الفتية قائلة :

أمي وأبي ، سيريانِكَ إن كنت تخطب ودي ، وإن كنت ترسل الدمعات من عينيك إلى خدي .. فمهري هو الدمعات ، وإن كنت صادقاً ، فما في دموعك من شعر ٍ ومن حب ٍ ، هو الذي يشفي ، وهو الذي يجدي ..

غابت الرقيقة الجميلة ، وخرج من الأرض  أقحوانتان قويتان وانتصبتا كالسهم .. قالت الأولى:

قبلنا هديتك الأولى .. لأنها عندنا أغلى الهدايا .. فنحن لا نقبل مثلكم أيها البشر الذهب والمال ، فهي تقتلنا تلك الهدايا .. نحن هدايانا من الدمع ..

 ألم تر أننا كلَّ فجر ٍ تكثر من دموع أمنا هدايانا ..

 والندى هو مايبقي الحياة فينا ..

 ويعطي حياتنا لوناً وألحانا .. ؟!

ماذا تريد منا ؟.. أنت بشرٌ سفاحٌ، ماذا تريد منا ؟!

إن كنت تحبنا كما تدعي ، فاتركنا لشأننا ولديننا ،

 فقد شبعنا من البشر تقتيلاً وعدوانا .. 

وبوجل المحبين قلت :

ولكنني بالفعل أحبكم ، وأحب أن أعيش بحبكم وبدينكم ..وأريد أن أكون صدوقاً وأن أستزيد إيمانا ..

قال الأقحوان:

 وأين الصدق ُ وأنتم تفعلون غير الكلمات التي في أفواهكم؟ . إن كنت صادقاً حقاً فأخبرني:

أنت اعترفت بلسانك هذا أنك قد اشتريت سكيناً وقصصت به أعناقنا ثم وضعتنا في مزهرية مذهبة .. ثم نظرت سعيداً إلينا وأنت تقدمنا هدية لصبية  .. فكيف ترى فيما نرى بأنك مثل الآخرين بما جرى .. نحن لا نثق طبعكم أيها البشرُ .. ولو كانت من فاهكم تطلق الدررُ ..

سالت مني دمعة !

نحن هذا ما نؤمن !  الدمعة الصادرة عن قلب ٍ في المحبة ِ يسعى !   إن كانت دمعاتك ندم ٌ ، فلتعلم أنه يمكنك أن ترانا .. فتش قلبك في العمق حتى ترانا ، وإن كنت مخلصاً  ستجد أنك في دخائلنا ترانا ، وعندما تغيب العدوانية فيك .. فانظر .. انظر الآن على امتداد الأنوار .. والأجواء والأمطار والأخيار .. فلن يطول انتظارك حتى ترانا .. غابت ألأقحوانتان ، وعادت لتبرز أقحوانتي الفتية:

هل تراني .. أهرق ِ الدمع حتى تراني ،

 اجعلني في قلبك حتى تراني .. ولن ترى أحداً مكاني ..

قرر الأقحوان أن تكون تحت التجربة .. ولكي تكون منا فمهرنا هو نهر من دموع .. نسقي بها كل من يحتاج للحب ، ونسقي بها كلَّ القلوبِ .. قلوبِ  الجميع !

-------

(عودة للأعلى)

 

6- عالم الأقحوان ..

أو أحسب نفسي جسداً ، يعرف كيف يأكل ثم يشرب ثم يبلع ثم يترع ُ ، وكأن الدنيا بحث غنائم ، ولذائذ بلع ٍ أو تفريغ ؟!..

عند بلوغي رأس الجبل رأيت أن الحياة هي أن أخرج من طيني .. وأن يكون ديني هو السعي لكل الأخيار ولكل الخير..

فالجمال في الحقيقة ليس في الضخامة ،

 بل في سحر التكوين ِ

 ..وليس من الضرورة كي أرى الجمال أن أفتح ،

 بل ربما من الأجمل ِ أن أغلق عيني ..

عند رأس الجبل ، وأنا بين الأشواك ، قالت لي الأقحوانة الفتية أن أغمض عيني لأرى .. فوضعت يديّ على عينيّ ، وصمتّ طويلاً لأسمع عن بعد ٍ أجملَ ترتيل ٍ وأروع تلحين ِ ..

ثم لأرى من عين ٍ مغمضة ٍ أن الروعة في دخائلنا  ، عندما يستيقظ فينا أفضل خَلق ٍ وأروع ُ تلوين ِ ..

جاءت أطياف الورد ، وأجمل النسيم يعبعب فيها ، وأروع موسيقا الفردوس ترافقها .. جاءت من أفق ٍ ، كما جاءت من قلب ٍ بين ضلوعي ،

جاءت تهتفُ باسمي .. وتناديني ..

 فهي في أعراس الحب تلاقيني ..

 واليوم العرس يعني أن الأبدية تسعى في الحب ،

 لكي تغمرني وتجمعَ كل الروائع ، وتعطيني ..

كنت أعلم أنني في اليوم الآخر والوجه الآخر من دنيا لاتعرف دنيا انغمست في الطين ِ ..

 بل في دنيا الألوان ، والامتداد ِ والصحو على إحساس الحب والخلود من الأزل إلى الأزل ..

 لا في دنيا يسير بها الإنسان ُ كمجنون ِ ..

ماعدت ُ أرى من تحت الجفن ولا أسمع من صيوان ٍ ولا أحس بجلدي ..

 فقد نامت كل  أحاسيس الحيوان ِعندي ..

 ففككت قيدي ، وأصبحت أطير على الأثير..

وصارت كل الطيور جندي ..

 

فتيتي ، أقحوانتي سألتني:

أو َ تحبني ؟

فأجبتها :

هذا يعتمد عل معنى الحب لديكِ ، فإن كان كبنات الناس ، الحب لديهم شبق ٌ وخلاص من ضغط العصب ، فأنا ليس ذاك هو الذي عندي .. إن الذي عندي ببساطة ٍ هو الذي مات عليه جدي .. يوم أن تفرّغت الدنيا حوله ،  فبكى وقال إن الذي يجري خلفه الناس ، لم يعد يجدي ..

عادت فتيتي ، أقحوانتي ، تسأل:

أوَ تحبني ؟!

فأجبتها :

إن كان الحب هو لصق شفاه ٍ ، ودخول الزوائد في معابر النواقص ، فلست أنا .. ذاك هو شأن آخر لايعرف معنى الحب إلا خداعاً ، وتعمية َ بصر ٍ ، وأنا قد أغلقتُ عينيّ وصممتُ الآذان وخدرت جلدي  فرأيت الدنيا ... كما أنت ترين أيتها الفتية ..

عادت الجميلة الفتية تسأل:

أو َ تحبني .. ؟

أنت تسمعني !  كيف تسمعني ؟ .. أبلآذان تسمعني ؟ كيف تراني ؟  أبالعيون تراني ؟

قلتُ: لا ..

فبادرتني :

إذا كنت لاتسمعني  بأذنيك ، ولا بعينيك تراني ، ولا تحس بجلدي .. فكيف يمكن أن تحبني بطريقتهم ! .. كما أنت تسمعني ، وكما أنت تراني ، وكما أنت تحس بي ..

 بنفس ِ الطريقة حبّك سوف يلقاني ..

 انسَ دائماً أيها الإنسان ، أنك جئت من عوالمك ،

 وتذكر الآن أنك في عالم ٍ ثاني ..!

. . . . .

أنا ضخم الجسد بين نبتات الأقحوان .. قدمي كالفيل تدوس على الصغار ، فتموت قبل أن تئن .. فأجلسُ لأدمع من عيني كل الدمع ، وبصدق ٍ ، فيسامحونني مجدداً .. وما أن أقوم لأمشي حتى أدوس كذلك من جديدٍ .. ثم أدمع من جديد على قتل أصحابي وخلاني .. فيسامحونني كما لو أنني ماعدت أقوم من أرضي ، ولا سأفعل فعل إنسان ِ ..

تعبوا من قصتي ، أخذوني لمحكمة أنشأوها من أجلي:

ما كنت أقصد القيام بفعلتي !

قرروا بدلاَ من أن يشنقوني أو يصيدوني أن ينشئوا مدرستي ليعلمونني الحياة كما ينبغي .. من أجل أن يُسقطوا أحزانَهم وبمنعونني من جلب أحزاني ..

. . . . .

كانت محكمة ً أولى ، ومدرسة أولى في التاريخ ، إذ أن عندهم قوانين الحب غير قابة للكسر ِ ، والروح عندهم غير قابلة ٍ للأسر ِ.. وكلهم لايتنقلون ، ولا يعرفون كيف يتنقلون ، إلا على جسر المحبة ، وجسر المحبة ساكن دوماً في الرأس والعين والصدر ِ ، في القلب والزند والنحر ِ ، في البحر والليل والبرِّ ، وفي كل روح ٍ أو نسمة ٍ تجري ..

قالو لفتاتي أن تعلمني:

اجلسْ . ارقد واستلق ِ . وتنشق عطراً لم يأت من ضمن زجاجة ، وتعلم أن الحب دوماً فيك ، وليس فقط عند الحاجة !

اجلس وتنشق نسمة ً نحن نصنعها .. نحن نأتي بهواء لم تلوثه يدُ إنسان ، ونطلق عطور الأرض ، ونتركها تتفاعل عمر الأرض ِ ..

إجلس ، وارقد ْ .. واترك النسمة تخترقك .. واترك لحن الحب يجول فيك ، واترك أشعة حب تصطادك برضاك ..

اجعلهم غذاءك الذي لاينتج قاذورات .. فنحن هنا لا نعرف أسلوب التصريف لقاذورات .. نحن نأخذ حباً ونعطي حباً .. انس البشرَ الذين إذا أخذوا حُباً أطلقوا نفايات ..

نحن الأقحوانُ .. من رفاتنا تنطلق الحياة ..

أتيتنا خاطباً وداً .. ونحن لا نرفض الودَّ .. بل دائماً نقبل الحبّ .. نرغب الحب ..  فالحب هو الحياة .. وهو الطريق الوحيد إلى النجاة ..

أتريد أن تعبّر عن أشياء؟

إن لم تجبني بلسانك ، فهذا أول بدء للرحلة !

فأنا قريباً لن أخاطبك بصوت لسان ..

وعندما نمشي الخطوة الأولى ستسمعني من خلال النسمة والريح والموجة والأنغام ..

 

أما عندما تصبح مثلنا ، وأعلم أنك حقيقة ً صرت منا ، ستصبح قادراً على كتابة حب بغير قلم ، ومضغ الأشياء بلا أسنان ، وسماع الصوت بلا آذان .. وتصبح أنت البصير ، ويصبح أصحاب القلم وأصحاب الأذن وأصحاب العين هم الطرشان وهم العميان ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

7- أرض الزهور ..

على الجبال ِ ، وما بعد الجبال ِ ..

 على السهول ِ ، على الرمال ِ ، وما بعد الرمال ِ،

 على امتداد ما يمكنُ أن أراه مدى الخيال ِ..

 كانت الزهور تجتاح أحاسيسي وتقاربني الوصالَ ، تحادثني ، تلامسني وتغنج لي وتمنحني الدلالَ ، فأحس بجنتي التي أسعى إليها والتي في امتدادِ متعتها ، كأنها الأمر المحالُ ..

لوسبحتُ بحوراً وحققت انتعاشاً وسمحت لنفسي أن أطير بكل أفراحيٍ .. لما كان ذاك الأمر شيئاً مقارنة بما كنته بين خلاني من أقحوان ٍ ومن زهر ٍ ومن سيوف الحبّ في قلبي طِوال ِ ..

أفتيتي !

 بين طرقات ِ عوالمكم شدّيني..

 فجمالكم وروائحكم وعبْق الزهر لديكم ،

 هو ديني ..

لامسي الزهرة في خدي .. ضعي نداها في عيني،

ضعي النسغ في قلبي ، أدخلي الموسيقى في جيني ..

علميني أن الحبَّ هو الحياة ُ ..

 والحياة ُهي ما يخفق فيني ..

 

 

أيتها الأقحوانة الرائعة:

علميني ما يمكن أن أنسى ،

 فأنا مازلتُ البشرَ المجبول بذئب ٍ ، وداخلي فيه الشوائبُ تطحنني ، تسد عروقي ، تذبحني ،

 وكذلك تبكيني ..

 

سكتتْ . ضحكت . بكيت . رمقتني ،

 وأحستْ بأنيني ..

امتدت ، لترضعني نداها ،

 ولترضع دمعاً من عيني ..

- - - - -

في اليوم الأول مازلنا نجري كعنادل خضراء ، فهنا العنادلُ خضراء ، في المساكب والجيوب ِ .. نجري ولا نحس بآثار ٍ تنبّهنا لغيبة حب ٍ أو لغياب جمال ٍ أو إلى وقت ِ غروب ِ .. زرنا الأقاحيَ بغير ِ تعداد ٍ ، وسبحنا في بحر الطيوب ِ ،

  وزرنا العصافيرَ تأتي من شمال ٍ أو جنوب ِ ..

وزرنا السحاليَ في زوايا الدروب ِ ..

 ورأينا الأسماك راقصة ً ، لا تأكل بعضها ،

 أو تغرق في الذنوب ِ ..

هناك لفظ ٌ واحد ٌ أينما حللنا كنت أسمعه ..

حبيبي ..

- - - - -

قالت لي الفتية :

ونحن نرى النور يغمر كل العالم أحدثك عن صداقة نشأت بين نمر وصاحبه .. أحب الصاحبُ نمرَه ورعاه منذ ولادته حتى قوي واشتد وصار مرهوباً ، هو ،  كما صار صاحبه الذي تفاخر بقوة نمره والبأس فيه !

جمع كل الناس حوله يشاهدونه يدخل رأسه ما بين الأنياب وتبقى الصداقة تجمع النمر بصاحبه  لعمر طويل.. والناس مندهشة ، ولدهشتها تدفع مالاً مما ينتج عنه حياة حلوة للصديقين ..

في يوم ما نسي الصاحب أن يطعم النمر ضحيته ، وأرسل رأسه بين الأنياب ، فغرس الأنيابَ في رأس صاحبه ، ونسي لغة السنين ، كما نسي لغة الأصحاب ..

تأكد الصاحب لحظتها أنه مهما تغيرت الأشياء ، لا تتغير أطباع الأحياء ، وأن النمر يبقى نمراً ، وأن الصاحب يبقى لحماً عندما تتداعى الأضواء ..

...

أفتاتي .. أقحوانتي وحياتي !..

أهي قصة نمر نسي المعروف في جنان الأقحوان ؟!

ظننتُ أننا نسينا الغدر والخداع ، والذئابَ والضباع ، عندما غادرنا بلاد الإنسان ..

...

هنا المشكلة حبيبي !

فالنمر كان ينسى لوقت ٍ طويل ٍ أنه نمرٌ .. طالما ما كان جوعانا ، أما عندما جاعَ .. فقد عاد لطباع الغدر إنسانا ..

...

أفتاتي ، روعتي وسعادة ذاتي !

وماذا يأتينا من حديث يكدر صفونا .. هذا هو يومي الأول في ربوع الأقاحي .. هذا يومي الأول في الجنة .. ومع أحلى حورية ، وأنا لا أرغب في أن أسمع قصصاً تكدر صفونا، وصفو ربوع المحبة!

...

حبيبي ، يا ابن الإنسان ،

أخافُ ، ولخوفي تبرير ، أن يأتي يوم فيه ترفض عالمنا ، وتنحدر مجدداً لطبع ضباع ِ البشرية ، فتسبب تدمير حياتنا ، وأنت الآن تعرفُ الطريق إلينا .. فتصبح البشر العائد للبشر ، كالنمر العائد للنمر ..

...

هذا لن يحدث ، لأنني ، كرهت نفسي وذنوبي .. وكرهت كل العيوب ِ .. وبحثت عن ذاتي ، فلم أجد غير الهروب ، إلى عوالمكم ، التي تعرف لفظاً واحداً .. هو لفظ: حبيبي ..

...

تساءلت الحبيبة ..

أسألك حبيبي ! أسألك فيما إذا لا حظت َ أمراً .. وها أنا ذا معك طويلاً جداً .. ألم تلحظ شيئاً ؟؟

...

فكرتُ ، واحترقت دماغي ، واستعرضت منذ أن أغمضت عيني وانتقلت إلى العالم الثاني .. وسألت نفسي .. ورحت أتمتم .. ولم أصلْ لجوابي ..

قالت لي : أنت ما زلت إنسانا .. ما زلت حيواناً ، لم تفعل شيئاً بعد سوى أن تدوس على الأقاحي .. ولو بالفعل ستنجح في الامتحان الذي أردناه وهو يرضينا لقلت لي شيئاً يفيد في الفهم ِ ..

قالت لي أنت كاذبٌ فابعد عني ، وعد لعالمك الرخيص .. وافتح عينيك وانسانا ..

بكيتُ كالمجنون ِ وسقطت من عيني الدمعاتُ .. فهرعت لعندي  تتلقف تلك الدمعات ِ وتمسح ضربات القلب عندي ..

- دمعات قلبك عندي نبضُ حياة ٍ ، ودمعاتك نقطة ضعفي ..

 قل لي ، ألم تلحظ شيئاً ؟ عاود لترانا في قلبك .. ستلاحظ أشياء لم تألفها لتكون غير البشر وغير الإنسان ، صاحب ِ الابتسامة ِ والسكين .. ولكنني سأساعدك حبيبي ..

...

...

كنتُ  مذهولا ً ، وقلت في نفسي: حظي أسودُ مثل ليلي ..فتذكرت على الفور أنه منذ أن أتينا إلى عالم الأقحوان لم ألحظ لوناً أسود هوكثير في عالمنا نحن البشر ، وغير موجود في عالم جميل هو بالألوان ..

قفزت ، وأملي أن أنجح في امتحان:

حبيبتي .. أنا أرى كل الألوان حبيبتي ، ولا أرى غير الألوان .. حتى العندليب حبيبتي أخضر ٌ .. وأنا نسيت اسم انعدام الألوان ..

قفزت أقحوانتي الجميلة الندية فرحة ً ، وراحت تفرز مطراً من ندى يغسل وجهي بأحلى متعة وجود في هذا الكون ..

قالت: هو ذاك .. نحن لا نعرف إلا الحياة في الألوان ، لا نعرف موت الألوان في سوادِكم أيها الإنسان ..

منذ الآن سأعلمك دروس الحب .. أنت بحاجة لدروس تحيا فيك ، إلى أن يصغر جسمك مثلنا ، وإلى أن تتغير رائحتك إلينا وإلى أن تستطيع ، بدل أن تدوس علينا ، تستطيع أن تعشقنا ونصبح نحن لديك أهم من نفسك ..

تحرك جسدي مهتزاً في عسل الجنة ، وانكمش ما استطاع محاولاً التقزّم في الحجم والعملقة في الحب.. محاولاً ما استطاع .. بحب كل الوجود .. وبحجم اليراع ..

 

أمسكت بيدي بين وريقاتها:

أنا سأعلمك الحب .. وربما تكون أول التلاميذ وآخرهم !

وسؤال آخرُ سوف يسعدني ، هو أول درس ٍ في الحب .. وسأعلم إن كنت قادراً على رؤية الحب وليس على التلفظ ِ به وحسب !

سؤالي الثاني الآن:

هل شعرت بطول اليوم ِ ؟!

آه حبيبتي .. ليست عندكم منبه أو ساعة ! .. هذا جميل ٌ أن لا تضبطك الساعة ! .. ولكن لماذا الساعة والمنبه والساعة ليس لها انتهاء واليوم ليس له آخِر ، واليوم ليس له تعداد ..؟!

تابعت الحبيبة الصغيرة:

صوابٌ هو ما تقولُ .. ولكن لماذا وقتنا بلا ساعة ، ويومنا ليس له تعداد ؟!

أذهلني السؤال ، لكن كان علي أن أبحث عن إجابة ، فلا يجوز أن أرسب في امتحان ؟!

أجبتها: ربما لأنكم لا تحبون الليل !

ارتعشت سعيدة ً: نعم ، هو ذلك ! ولكن لماذا نحن لا نحب الليل ؟!

لم أجبْ وترددت ُ.. فتابعت :

حبيبي نحن لا نحب الليل .. لأن الشر لا يرتع إلا في الظلام ..

فتابعتُ معها: .. والمحبة لا تحيا إلا في النور ..

...

 

ارتعشت حبيبتي على وجنتي وتندت في دمي وهمست:

-            شكراً حبيبي !..

 _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

8- دروسُ الحب

تأكدت أن المساحة المهيأة خالية من الأقاحي والزهور لأستلقي عليها ، وبجانبي فتاتي الجميلة الرائعة الصغيرة تتمسح بخدي وشفتي ، وتضطجع على عنقي ،  ورويداً رويداً تنغرس فيني وأنا أحس بأنني أتضاءل حجماً وأمتد مشاعراً بحجم الدنيا ..

قالت صغيرتي:

-           كيف تعرّفون الحب أنتم البشر؟

*  ما عدت أذكر ..!

-  يجب أن تتذكر من أجل أن تنسى بالرغبة وليس لمجرد النسيان .. تعلموا أن تحبوا برغبتكم ، لا أن يفرض عليكم ، أو أن تفرضوا على أنفسكم !

*  ما عدت أذكر تعريف الحب لأنه لم يكن هناك لدى البشر تعريف واضح له !  

على أية حال فإن ذكرتُ بعض ما قالوا فإنهم يرون الحب على أشكال عدة:

يرون مثلاً الحب مضاجعة أو الطريق إلى المضاجعة !

يعرفون الحب بأنه الشهوة تتحقق بين اثنين وأكثر !

ويصدقون أن الحب هو ما تقوله العارية أو تمارسه على المسرح .. أو أن الحب هو فعل الرغبة ، وتفريغ الرغبة ، فيقولون ممارسة الحب  ..

كما يطلقون الحب أيضاً على العلاقات الإنسانية ، وهذا أعتقد أنه أمر جميل ..

-           حبيبي !

أنا أتكلم عن حب آخر غير الذي تقول ..

كل التعريفات التي قلتها هي تعريفات لشبق لذة التناكح للإستمرار ولا تعترف ولا تقترب من الحب برمته ولا بجوانحه القصوى ..

أما أنهم يطلقون الحب على العلاقات الإنسانية ، فهذا مجرد إطلاق ليس له استحقاق .. أبداً غير موجود في حياتكم أنتم البشر ..

قل لي كم مرة كنت متأكداً من أن الخيانة والغدر والغش أمور غير موجودة ؟! لا أنت ولا غيرك ولا أحد أبداً لم يعان ِ من غدر ٍ أو غش خلال حياته أبداً .. حبيبي أنا أتحدث عن تعريف للحب القائم والموجود فعلاً لا لمجرد أفكار ليس لها جذر في الواقع !

أقول لك وأستثني من هذا رؤية أمّ ٍ في الإعصار ، ويجرفها الإعصار ، والإعصار فيها هو الخوف على انهيار الدار وفيها الصغار ..

* أفهم تماماً ما تعنين ، لكنني أبكي أناسي وهم ُ سكارى بحب هو أقرب لنزع القلب من صدر الجنين .. تحت ادعاءات الحب الأمين ..

- أتبكي أناساً يدوسون رقابنا وينتزعون منا الحياة .. أتراهم صناع الحياة ، أم من السادرين في الظلم منذ أن وجدوا ؟!..

   * للناس حاجاتٌ ، من أجل أن تنبض قلوبهم وتستمر جوارحهم ، ولذا فهم يحتاجون الأرض للزرع ، والحيوانات للركب والأكل ، والهواء للتنفس والوقود  والماء لضروراتٍ قصوى ..

-  حبيبي ، كنت أفهم هذا ، لو أنهم ، علاوة على استغلال كل شيء وزرع الآلام في كل شيء ، بالفعل كنت أفهم هذا ، لو أنهم لا يفعلون نفس الفعلة بأنفسهم !

* حبيبتي .. أنا مستثنى ، فقد جئت إلى الأقاحي أرتجيها لأكون واحداً منها .. لعل دواءها يشفي جراحي .. فبكيت منهم وبكيت على نفسي وقد بكيت عليك ِ ..

- لعل وعسى أن لا يخيب الظن فيك .. لأن شكلك إنسان .. فهل سيستطيع الإنسان فيك أن يهجر الظلم والقذارة .. وينتقل إلى أرض الأمان .. وأرض الطهر والحب الكبير الواسع العميق من أقصى المكان إلى أقصى المكان..

* سأتعلم منك حبيبتي أن إغماضة العين في حقيقتها هجر لظلم الناس والرحيل إلى بيت كبير يعيش فيه الأقحوان ..

- دروس الحب لا بداية لها تراها ، ولا آخرة ً لها تراها .. فالحب عندنا حبيبي أنك أنت أنا، وأنا أنت ، الحياة تعيشنا والموت يحصدنا ، ورفاتي هو رفاتك وعندما تنطلق حياة جديدة تكون من خلط الرفاتين .. بأمنا الأرض و السماء وأمنا الهواء والماء ، والروح ونبض الحياة .. فهل تستطيع أيها الإنسان أن تفعل وأن تحس وأن تؤمن بذلك ؟! ..

* حبيبتي وأنت في حضني ، أنا في حضنك أيضاً ، وأنت في قلبي ، كذلك أنا في قلبك ، وأنت في دمي أنا في نسغك ..  

- إن كان هذا ما تشعر أو تريد .. فلتعلم أنك تخلقُ من جديد .. وسيكون حجمك صغيراً ولونك أزهى ، وستستبدل دمك بالنسغ الصافي .. وسيصبح عمرك قصيراً مثلنا ..

*.. لكنهم ذكروني .. أن الأقاحي لا تعيش طويلاً وموسم إعدامها عند الصباح ..

- هذا ما كتبتَ أنت !   نعم ، وقد قبلناك لأنك قد كتبتَ ما كتبتَ ، وكما أنني أخبرتك ، ولا تنس أبداً  أن خلايانا من نور .. ونحن لا نعيش إلا في النور ..

ويوم أن ننتهي ، تنطفئ الدنيا ..

والدنيا لا تتألق إلا عندما نبعث من جديد ..!

_ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

9- العاصفة

عرفنا أن الحب سلام ، وأن الجنة هي ليست بصراع الرغبات ِ ، ولا الأقوام ..

 فصراع الزيفِ ، مهما كان سلاحُه ، هو صراع الأقزام .. والحب شيء منمنم كأقاح ٍ ، يحول الأقزام َ إلى وعاء ٍ يسع الآفاق ويحول الظلم إلى نور ٍ يسطع كل َّ الأيام ..

أنا أغمضُ عينيّ ، وصرت أتمنى أن لا أفتحهما أبداً ، لكي لا أرى ما نرى من أسقام ..

قررت أن أنسى أن في الدنيا بشرٌ قتّالون مزورون متهورون ، لا ينامونَ يوماً عن ذبح ٍ ونهب  وسواد حطام .. وأن أمضي مع أقحوانتي  حتى آخر ما تبقى  من حبٍّ على وجه الدنيا  ..

تحدثنا في الحب طويلا ً .. وليس لدينا حديثٌ غيره، هو فينا ودوماً نشتاق إليه ..فهو كل الربيع وكل الأنسام .. وهو كل الصحائف والأقلام .. وهو كل الرايات ، وكل الأعلام ..

..           ..         

ظهرت فجأة سحابة كبرى حجبت عنا النور ، وبرؤيتنا في الحب فرحنا لأننا عرفنا بأنها سحابة تجلب الأمطار ، ..

لكن عِلمَنا هذا المقتصر على ألوان الحب لم يسعفنا ، واكتشفنا أن عقل الإنسان الجبار قد اخترع وسيلة أخرى لصنع الدمار .. ..

أخذت رياح ٌ عاتية تدوّي ، وسدت الغيمة السوداء منافذ النور واختنق النهار ..

التصقت أقحوانتي أكثر بي وحاولت أن تسمعني نبضها ، وأن تقرأ لي ما حفظته من أشعار سمعتها من أبيها قبل أن يواجه العاصفة وقبل أن يتحول النور إلى ظلام ٍ وقبل أن يختنق النهار ..

لكن العاصفة العاتية تحولت بلحظات قصيرة إلى دمار ..  هو موج موت ٍ واحد ٍ يحول الورود إلى سواد ٍ وإلى اصفرار ..

تتلوى حبيبتي .. وتئن ذاهلة ً ، وتبكي لأنني لم آخذ كلَّ دروس الحب منها ، تبكي لأن أملها أن يتحول بشرٌ واحدٌ إلى ابن حقيقي للحب لم يتحقق  .. بعد دهور انتظار ..

سقطت حبيبتي .. ثم رأيتها تصعد روحاَ منتزعة ً قبل أن يتحقق للحب انتصار ..

عندها حاولت فتح عينيّ ، فالناس لايفهمون لغة العيون المغلقة ، إذ أن لديهم كل العيون المغلقة مباحة للسلخ والذبح والشواء والانصهار ..

حاولت فتح عينيَّ ..

أسرع البعض منهم يعصبون عيني قبل أن تتفتح ، ويأخذونني إلى حيث لا توجد زهور الأقحوان .. وإلى حيث لايعيش هناك إلا الأغبياء والسجان ..

فصرخت ُ كما يصرخ المصاب بلدغة الثعبان ..

 وتزلزل التاريخ وتزلزلت الجبال وانهارت إلى الوديان ..

من أجل ماذا تقتلون الجميل في الوجود وتزرعون السم في الإنسان ؟!

من أجل ماذا يأتي الجمال إليكم فتحرقونه في مصنع الأفران ؟ من أجل ماذا تضربون سياطكم على الحب حتى يهرب الحب والإيمان ؟!

من أجل السعادة التي تتشدقون بها ؟ ،

أم من أجل أن يأتيَ الطوفان ؟

 وماذا أنتم كاسبون بذبحكم لرقابكم ..

وأنتم الجهلاءُ والأغبياء والعميان !

_ _   _  _ _

 

أيزوّر الإنسانُ تاريخاً من الأمجاد ِ ؟!

أَوَ يدّعي الفضيلة يكتبُها على الجدران ِ ،

ويرسلها النوادي ؟!

منذ أن جئنا وقابيلُ يقتل هابيلَ ،

وهابيلُ أصبحَ يفوق كل تعداد ِ ..

ابحثوا عن جثته في كل زاوية ٍ ..

في الآفاق ِ وفي السهول ِ وفي البوادي ..

((خفف الوطءَ ، ما أظن أديم َ الأرض ِ،

إلا ّ من هذه الأجساد ِ .. ))

 

ايتها الحبيبة المفجوع ُ فيك ِ أنا !

أيتها الذائبة ُفي تراب ِ المدى ..

 أيتها المخلوقة ُ من قطر ِ الندى !

رحلت ِ  وكلّ الروائع ِ ، و كل الخفقات ،

 ومالها من صدى !

وأبقوني أنا ، والوشم منك في عنقى ،

 فأنا بشر ٌ ، رغم ضلالتي ،

 على رأيهم ،

 قد أجد الطريق َ إلى الهدى !

_ _ _ _ _

 

أتحسس وشمي ،

أتحسس المنغرسَ بلحمي ..

أتحسس النورَ الغائب َ ، في جسمي ..

وألعن جسمي الذي يجعلني ..

إنساناً يقصر ُ في الفهم ِ ..

لكنني أتحسس وشمي ..

 وأنا أحيا في الوشم ِ ..

وأنا أعلم كل َّ العلم ِ ..

أنني الغريب ُ ،  في القوم ِ ..

_ _ _ _ _

 

سكتّ طويلا ً مذهولا ً ..

أرى الناسَ سكارى ..

يتقلبون بين نصوص ِ القانون ِ حيارى ..

يضعون القانون ، ويعاقبون من يخرج عنه ، ثم يضعون قانوناً آخر مختلفاً ، ويعاقبون من يخرجون عنه ، ثم يضعون نقيض القانون ، ويعاقبون أيضاً من يخرجُ عنه ..

يضيع القادم بالزائل ، وكل قانون ٍ قادم ٍ هو زائل..

ولذا فهم ُ السكارى الحيارى ..

أما أنا فقد تحولت لمذهول ٍ مقتول ٍ مشلول ٍ مهروق الدم كجواري السلطان .. الممسوكة خائنة ً تدخل في أحشائها بذوراً غير بذور السلطان .. رغم أنه من السلطان اغتنمت خاتماً وسوارا ..

ولأنني مذهول ٌ مقتول مشلول ..

تركوني أسرح كالشاةِ الملعونة ، أمشي على جسر ٍ يؤدي لفناء ِ .. وألعن ساعة أن جئت من بطن بشر ٍ ، بل ألعن ساعة أن وطيء الرجلُ الرحمَ ليبنيني ..

 وليبدأ من صنع قلبي .. إلى أن ينتهي بعيوني ..

. . . . .

 صعقتُ نفسي ،

كما يُصعقُ الأخيارُ ، في زمن الممات ِ ..

حيثُ تداخلتْ أعفانُ الممات ِ في صلب الحياة ِ ..

بكيتُ الحبيبة َ والطهارة والروابي ..

وبكيت نفسي ، والطرائقُ مسدودة ٌ ،

على أفق ِ النجاة ِ ..

صار لحمي عجينة َ الديدان ِ تبكي ،

كأنها ما أتت في الوجود ِ إلا للممات ِ ..

لم يعد هناك خير ٌ،

فالخير ُ ممسوح ُ السّمات ِ ..

مات الأقحوان ُ .. مات قد قتلوه ،

لأنه سهلُ القناة ِ ..

إنها الرياح ُ العاصفاتُ ،

إنها المدمّر في الحياة ِ ..

هذه الدنيا ، لا قوانينَ لها ،

غير قانون ِ الجُناة ِ ..

 

نسيت الأفراح َ بلحظة ٍ ، وأنا مضغة ُ التمساح ِ ،

ولم يبق لي أن أنوح َ ،

إلا على قوانين النباح ِ .. _ _ _

 

(عودة للأعلى)

 

10- مدينة ُ حَمقى

أطلقوني بلا مأوى .. أبحث عن خرائبَ في الخرائب ِ، فالبحث عن غير الخرائب ، في المدائن الخربة ِ، هو الأمر الذي  بلا معنى ..

عندما مددت لساني كالكلب اللاهث ِ ، فأطعموني قشرَ رمان ٍ، وعندما اقشعرّ جسمي من البرد دثروني بجلدِ إنسان ٍ، وعندما علموني أنني شبه حيوان ٍ ،

 علمت أنني في مدينة ِ الحمقى ..

_ _ _ _ _

 

وأنا في مدينة الحمقى تحدثت عن العبثية إن لم يكن الحب هو العنوان .. كلمة تعلمتها من أقحوانتي المجندلة ، ومن وشمها على عنقي .

سألت نفسي عن الجدوى من غير الحب .. من غير أن يكون حب الآخرين لي سلوى ..

سألت نفسي عن الجدوى مما يدخل جسمنا ، ثم نفرغه كمثل من يريد الخلاص من بلوى ..

سألت نفسي عن الجدوى من ثعابينَ تفرغ سمها ، ثم نقول إنها دواء ٌ مشبع ٌ حلوى ..

سألت نفسي عن بناءٍ بطول الشمس نبنيه ، فينهار البناء على من له شكوى ..

سألت نفسي عن كل مافي المدينة ، إن لم يكن ِ الحبُّ صانعُهُ ، إن كانت له جدوى !

الحب الذي تراه مدينة الحمقى ، غيرُ الحب الذي أراه أنا ، فهم يرونني أحمقاً لا أفهم معنى الحياة ، وأنا أراهم ُ الحمقى ..  

                       _­­ _ _ _ _

 

أتحدث مع ذاتي .. طالما أن الحديث مع غير ذاتي هو العبثُ .. وكل أحاديثنا في جُلِّ جلنا هي مع ذاتنا ، ونحن نخشى أن نعلن عما نَكتمُ خوفاً من مدينة الحمقى التي حكمت على أن رؤيتي للحياة هي الكلام المنفي عن الطباع ِ .. وهي لا تنطبق أبداً على طبع الضباع ِ ..

ولكنني سأخرق القاعدة وأتحدث مع ذاتي .. ولمن يرغب أن يرى ذاتي عارية ً ،  أنا الإنسان ، فليأت ليسمع همسي في الطرقات وفي الزواريب وفي الخرائب ، وفي الماضي والآن وفيما يأتي من أزمان .. وليتعلم من كتبي أن شطآن الأمان ليست في قتل الإنسان بل في حب الإنسان ..

 

تعلمت بعض دروس الحب من الأقحوان ..

 فهو لا يأخذ ُ الندى ليصنع منه النفاياتِ ،

 بل يأخذ ُ الندى ليصنع الألوانا ..

 وهو لايميل مع النسمةِ ليكذبَ ،

بل ليصنعَ الألحانا ..

والأقحوانُ لايتوّجُ زهرة ً ،

فكل الزهور ِ تحمل التيجانا ..

 

تعلمت بعضَ دروس الحب من الأقحوان..

فالأقحوان لاينامُ ، لاثنين ِ من الأسباب:

أول الأسباب أنه لايحتاج نوماً لتنظيف السموم المزروعة من عناءٍ أو شقاءٍ او بلاء .. فهو لايعرف السموم أصلا ً ، وليس في بلاده من يزرع تلك السموم ، ليَفنيَ غيرَه ، ويقتنص البقاء .. ولسبب ٍ آخر لاينام الأقحوان ، فنهاره دائم ٌ ، وليس من سبب ليكون نهاره ليس بدائم ِ، فالمحبة هي الشعار الذي ينمو ويترعرع ويكبر في النور .. والشر عندهم غير موجود ٍ ، ولذا فهم لا يحتاجون لغير النور ..

 

تعلمت بعض دروس الحب من الأقحوان ..

..في بلاد الأقحوان يعرفون الرقصَ بحبٍ ، والنغم بحب ، واللون بحب ، والموت بحب .. لايعرفون الكره ولا الضغينة والأحقاد في تلك البلاد ..

وهم أبداً ما سمعوا بالسموم ،

ولا بالحروب تفتك بالعباد ِ وما فوق العباد ِ وما تحت العباد  ِ ..

_  _ _ _ _

كتبوا في مدينة الحمقى بعض الكتب المنسيةِ عن حبٍ هو من صُلب ِ أنانية !

تحدثوا، كأفضل مارأوه من حب ٍ ، عن كيلوباترا وجولييت وليلى ..عن الأنطون وعن الروميو وعن القيْس ِ ، وظنوا أن الحب هناك !  هؤلاء نماذج للحب لِلذاتِ.. وليس لآخر !

فلنسأل عند الحمقى ماذا أراد كل ٌ من آخر ؟  ولنفحص ذاك الحب الأفضل .. سنرى أن الذاتية هي عنوان تلك الرموز لحب الناس . . وسنعلم أنه ليس إلا من أجل سطوةٍ أو من أجل إشباع الرغبات ...

إذا كان الأفضل في مدينة الحمقى هو هذا الحب ، فما هو دون ذلك الحب ؟!

أقول ، إن أردتم أن تسمعوا ، فأنا أتحدث مع ذاتي ، همساً أتحدث مع ذاتي ، وإن كان لديهم من يسمع ، فلينصت جيداً لما سأقول:

أنا الساقط من أرض مدينة الحمقى ، أيقنت أن سكان الأرض مصنوعون من أمرين ، بدون الثالث ، وهما اللوالب والأفواه ..

من يسمعني ، سيصرخ كالملدوغ بعقرب .. ماذا أعني ؟! ماذا أعني ؟ ولديهم رأسٌ وكذلك سيقان .. ولديهم بسمة ٌ وكيانٌ .. ولديهم كلمة ٌ على الآذان ..

ما زلت أصر على أن البشر مصنوعون من فاه ٍ ولولب ..وحسب .. أنا الساقط من دنياهم ، وأنا الموشوم على عنقي ، لا أعرف أن البشر إلا لوالب أو أفواه .. حتى يبرهنوا على أنهم أكثر من ذلك ..

هم لوالب ، واللولب أخطر من كل الكوارث والأشياء ، لأنه بليونة ٍ وبمداورةٍ يخترق أصعب الحواجز عند الآخربن ، وعند الوصول إلى الأهداف يبدأ الفم عمله في الامتصاص ..

كل البشر كذلك ، وكل الابتسامات والكلمات والرؤوس والسيقان لخدمة اللولب والفم !  فلكي يصلوا للمال ، لديهم اللولب ثم الفم .. ولكي يصلو للذة لديهم اللولب ثم الفم .. ولكي يصلوا للسطوة لديهم اللولب ثم الفم ..

 

الفرق بين البشر هو بطول اللولب أو قوته ، وبحجم الفم أو بقوة لسانه وأسنانه .. هناك لوالب تخترق لوالب أخرى .. وهناك أفواه تدخل في الأفواه ..

وهنا العبثية في الإنسان .. لولب يدخل لولباً ، ثم يأتي لولب ليدخل ذات اللولب .. ولاتنتهي اللوالب من الصراعات تحت أغرب المبررات ..

إنها مدينة الحمقى الذين لم يفهموا بعد أن الحياة أنا وأنت وهو .. لم يفهموا أن الحب هو سائل التواصل بينهم مثل الدم بين الخلايا ..   

_ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

11- الطبول

اقتربَ أخيراً ظلامُ الليل في مدينة الحمقى لنهاية أول يوم .. بدأ خوفي يتصاعد وبدأ جنوني يزداد ، فأنا في بلاد الأقحوان أغمضت عينيّ لأرى النور الصادر عن قلوب الآخرين ينعكس في قلبي .. وأنا هنا أفتحُ ما أفتحُ مشدوهاً مما أرى وأحس وأسمع وألمس في رائحة ملأى بالأوبار والغبار والأعفان ..

أرى رجلاً يصفع طفلا ً كحمار .. أرى شاة ً تذبح بالسكين  الصدئة .. أرى سيارة ً كالجبل تدوس تلاميذ َ الغد ، وتحلم بالوصول إلى الشحن سريعاً لنيل جائزة السرعة ..

أرى صعلوكأً يحرق شجرة !  وأرى ثعلباً يحلب بقرة !

 أرى ثعباناً يأكل ما للطفل ِ ، وكأسُ الماء يُغسلُ بالبولِ ِ ..

 وأرى المعلبات ِ للبيع ِ والأكل ِ والهضم ِ ،

 وتاريخُها  من عهد عاد ِ ..

تلون البرتقال بلون ٍ آخرَ ،

 وراح كالعوانس ، يرقص في النوادي ..

 وصار التفاح هجيناً .. بلون الشحوب ِ ، أو بلون رماد ِ ..

وسُقِيَتْ نبتاتُ الخيار ِ بسمادٍِ ،

يأتي من أستِ العباد ِ ..

_ _ _ _ _

 

في تلك الليلة ِ سمعتُ قرعَ طبول ٍ  ،

 بدأت كانطلاقة ِ حرباء ِ،

 

 ثم اشتدتْ ، ثم تعالت ، ثم انفجرت ،

إلى أن استفاقت أعضاءُ المومياء ِ ..

خبطتْ كالتاريخ الأعمى ،

وارتطمتْ ، كسقوط الجوزاء ِ..

هاج الموجُ وجُنّ الإعصارُ ، وانبطحت علياء ٌ ،

 وتصاعدت ِ الأرض ُ إلى العلياء ِ ..

 وعمّ خرابٌ مجنون ٌ ..

 وسُدّت ِ الدنيا بقلوب ٍ عمياء ِ  ..

...

 

قالوا إن الحرب فنون ٌ ..

وقلت ُ إن الحرب َ جنون ٌ ..

يفتك فيّ  ، بأبنائي ..

قتلتم أقاحيَ الدنيا ، وجئتم تقتلون الوشم في عنقي ،

بحثتم عن المجون والجنون والدمار في كافة ِ أشيائي ،

لكن الوشم في العنق ِ ، هو الباقي ..

...

 

الطبول تقرعُ ،

 والمهباجُ يقرقعُ ،

 لا صانعَ يصنعُ ..

لا رضيعاً يرضع ُ ..

لا صلاة ً تركعُ ..

ورجلٌ يَصرعُ وآخرُ يُصرعُ ،

 وشخير ُ الشاة ِ المذبوحة ِ يُسمعُ ،

 ونيران شيِّ الأجسادِ ، تحرَق ُ ، تلمعُ ..

والسمومُ في الهواء ِ و الماء ِ،

توضَعُ في الدواءِ ِ وتبُلعُ ..

أضحى الموتُ سيدنا ..

وقلوعُ الفناء ِ تطوفُ وتشرعُ ..

لاشيء محرم ٌ ، لاشيء سيُمنعُ ..

لاشيءَ عنده وقت ٌ لعيونه ِ

فالعيون ُ لا وقتَ  لها ،

 لا تدمعُ ..

ولا أحدٌ يقدر وقفَ الموتِ ،

لم تبقَ يدٌ تغلقُ باب الجحيم ِ

حتى ولا إصبعُ ..

تتدحرجُ القلوبُ في الطرقاتِ ،

ضاقت أماكنها ،

 ومازالت تتجمّعُ ..

...

عندما لاح نهارٌ بعدَ نهار ٍ ، كانت كل البقاع هامدة ..

انتهى القاتل والمقتول ، وانتهت الدنيا ..في يوم ٍ واحد ٍ أصبحت الدنيا يبابا ، وصار كل الوجود خرابا ..

والذين قد انتظروا من الحروب ثواباً ..

وجدوا نفسَ الجوابِ جوابا ..

 ولو أنهم عرفوا ذاك الجوابا ، فلربما اختلفوا حسابا ..

 ولعل آمال الغد المنظور أن مخلوقات الله قد يستعيدوا الرؤية أو يختلفوا حسابا ..

 _ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

القسم الثاني

أرض ُاليباس

(عودة للأعلى)

 

12- تراب الأرض

لف الهدوء كل شيء ، وكما ماتت الأحياء ، سكنت العواصف مع إشراقة شمس اليوم الثالث وركدت الريح ، وغابت الغيوم ، وغارت المياه الآسنة ضمن شقوق الأرض ..

كل ما كان يظهر في هذا الكون هو امتداد سكون لانهائي ..

لا أشجار تنتصب و لا أنهار تجري ولا رياح تتحرك ، لا أصوات ولا طيور ولا مخلوقات من أي نوع  .. كل ما كان هناك هو أرض تدور ببطء ، وشمس  وتراب ورمل في لا نهاية لها من الصحراء التي بلا حدود .. كان كل شيء يقول : إن العالم قد انتهى ..                 ...

 

مضى الكثير من الزمان وازدادت شقوق الأرض اتساعاً ، وازدادت صخور الأرض انكماشاً ، وتعاظمت روائح العفن من مصادر مجهولة ..

اقتربت الأرض من الشمس وازدادت حرارتها ، فازداد الصمت صمتاً واليباس يباسا..

نسيتِ الأرضُ أيام هبتِ النسمة ُ في بلاد الأقحوان ..

لم يعد في الشهور كانون ٌ وآذار ٌ ونيسان ..

لم يعد هناك طيورٌ ونبات ٌ ، ولا حيوان ..

لم يعد وجود ٌ يستطيع فيه أن يتواجد الإنسان ..

 

اليوم الثالث للميلاد مواتٌ في قلب الموتِ ،

جفت الأقلام ، رُفِعتْ الصحائفُ ..

وكأن الذي كان .. ما كان ..

 

في اليوم ِ الثالث للميلاد ، كانت الأرض مخسوفة ً!

وقد أبيدت ِ الأرض ومن عليها ..

بالذنوبِ وبالحروبِ أبيدتِ الأرض ومن عليها ،

 ومن داخلها كانت أسباب الفناء ..

كان الليل طويلا ً غاصتِ الأشياء لأسّها وإلى أدنى القاع ..

ماتت الأفراحُ وماتت الأوجاع ُ .. ولم يبق في الدنيا صراعٌ ولا قلاع ٌ ولا هجوم ٌ أو دفاع ..  لا كلام ٌ ، لا سماعٌ .. لا شبقٌ أو جماع .. لاشيءَ يأمرُ .. ولا أحدٌ يُطاع ..

كله غاب في تراب الأرض .. غابت المياه ، غابت الدماء .. غابت الجثث ، غاب ورق الشجر ِ ، وغاب ظل القمر ِ ..

غابت الأناشيد والترتيلات .. غابت البطون والملذات ، غابت الأموال والديون ، غابت الأوراق والكتابات .. وغابت الزهور والنفايات ..

وساد صمت القبور ..

استطال الصمت وغطى الجهات.. وبدا الوجود بلا حياة ..

واستطاع تراب  الأرض ابتلاع التناقض كله ، استطاع ابتلاع الحياة ، وابتلاع الممات ..

وبقي صامتاً ترابُ الأرض  يفكر ، وهو يوشك أن يتقيأ مابداخله ، يفكر في سنن الموت ، وفي سنن الحياة ..    

_ _ _ _ _ _ _ 

(عودة للأعلى)

 

13- تحت التراب

لا تستطيع جثة ٌ أن تقتل جثة ً أخرى ، لكنها تستطيع أن تتحلل وتمتزج فيها وبغيرها ، و بذا لا يبقى لأي منها إسم !

إن الأرض لتعيد تكوين الخلائط ، وإن الخلائط الأولى تصبح خلائط جديدة ، وإن كل الأشياء تتعادل في النتيجة ، وتصبح الدنيا ، فيما لو عادت الحياة إليها ، دنيا أخرى برؤى جديدة ..

كل شيء تحت الأرض قابل لمعادلة أخرى ، وهي معادلة التساوي .. لا أحد يحمل السلاح ليقتل ، ولا أحد ينخ ّ ليُقتل ..

لا أحد يعيش في قصور ٍ وآخر في قبور .. لا أحد يأتيه الطبيب ليساعده على الشفاء ، وآخر ليأخذ منه أسباب الحياة ..

لا أحد يموت من العوز وآخر يموت من البطنة ..

تحت التراب كله واحد ..

.....

تحت التراب ، ما عدت ُ ، كمثل غيري ، أعرف من أنا ، ربما أصبحتُ وجثة َ الملك واحداً ، وربما أصبحت وجثة العاهرة واحداً ، وربما صرت والشجرة والماء ، وديدان الأرض ، وشوك الجبل ، واحداً .. ربما صرت مع جاهل أو قميء أو قرد شيئاً واحداً ..

لم تعد الأرض ملكاً لأحد .. لم يعد التراب تحت وطأة الجرافات أو الأقدام .. فقد أصبح كل شيء سويّاً متساوياً متداخلاً متحداً .. وزال قانون الفواصل ..

ولأنني لم أكن أعرف من أنا ، ولأن لاشيء يحس بالسعادة أو الألم ، ولأنه لا جوع ولا مرض ولا فقر ولا ظلم ، بل هناك انتهاء هاديء مطلق ، فربما كنت ُ أنا وغيري في تلك العدمية المريحة ..

-----

إنه وقتُ السَّواء ِ ..

لا بلاء ٌ ، ولا أحد ٌ ،

يخشى وقوع َ البلاء ِ ..

لا تخشى العدالة ُ أن يموتَ لها رضيع ٌ ،

ولا تخاف ُ من سفك ِ الدماء ِ  ..

لاأحد ٌ يقول ها أنا ذا ،

ولا أحد ٌ يخجل من طينه ،

ولا أحد ٌ يطير ُ إلى السماء ِ ..

كأنما الكواكب ُ صُرّة ٌ ،

تثاءبت في آخر يومها ،

وارتاحت من الدّاء ِ ..

-----

تحت التراب كلهم عميان ٌ ، كلهم بلا قلوب أو أعصاب أو غرائز ، وكلهم قد خرقوا قانون الفواصل ، وأصبحوا في رحلة الخلط والعدمية ..

وبهذا فقد انتهت مشاكل العالم ..

لا حروب ولا دما .. لا بلع  ولا إخراج .. لا بناء ولا هدم .. ولا صدور ولا نحورا ، لا دعارة  لا فجورا.. لا بيوت ولا خمورا ، لا قصورَ ولا جحورا ، لا شياه َ ولا نمورا .. لا رياحَ ولا بحورا ..

وبهذا قد انتهت مشاكل العالم ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

14-الريح

عاد ترابُ الأرض للتوازن بعد أن استحلبَ كل الجثث والرزايا المطمورة فيه وامتصها وصارت هي وكل ما عداها مكوّن أديم ِ الأرض المولودة ..

الحركة المستمرة هي من سنن الكون ، ومن سنن الكون رفض تلك السنن ..

الأحياء يرفضون الموت .. لايريد الأحياء أن يموتوا ، لأنهم دائماً ضد مالا يعلمون .. هم دائماً ضد المجهول ..

وكذلك فإن الأموات يرفضون الحياة .. لأنهم ضد الذي يعلمون .. ، وهم خبروا سنن الحياة ولذا فهم يرفضونها ..

أنا الآن أرض ٌ وفناءٌ ، وبقاءُ ..

لاتهزني ريحٌ ،

ولا يتعسني شقاء ُ ..

لايقتلني قتلٌ ،

ولا يسعفني شفاءُ..

لاتهمني كلُّ المدائن ِ ،

فليس بها رجاء ُ ..

لا حياة َ أراها بقوانينها ،

حيث تزأر النمور ،

وتخشاها الظباء ُ ..

أنا ساكن ٌ في كل ِّ شيءٍ ،

لايعرفه الرياء ُ ..

وفي كلِّ شيء ٍ

لا يمارسُه ُ البغاءُ ..

 

لم تتوقف الأرض عن الدوران .. الشمس واهجة ٌ ، في بلادٍ قاحلة ٍ كانت بلاد الأقحوان والريحان والبنات والصبيان .. لم تتوقف الأرض عن الدوران .. ولأن الشمس واهجة أغضبت الريح ، والريح لاترغب في روائح العفن والصدأ ، فراحت الريح تصنع نسمة ، ومن النسمة تصنع ريحاً ومن الريح تصنع ثيراناً بلهاً تصنع عواصف هوجاء .. عواصف تجتاح الأرض ، بلا عوائق ، فكل شيء ٍ هو مفتوحٌ ، وقد تسطحت الأرض ُ وغابت الشواطىء والخلجان ..

تعصف الريح ، تعصف هوجاء تبحث عن مصير ، وحول الأرض المسطحة لا توجد جبال أو وديان . أصبحت الأرض كطابة حجر ٍ صدئة ، والريح لا تأكل فيها إلا بقايا الغبار العالق بعد حروب الموت والانتحار ..

استمر عصف الريح إلى الآفاق  وكأن لانهاية لها ، فهي تبحث عن شيء غير موجود .. لكنها تابعت البحث ، ولم تملَّ ولم تتعب .. فهي والشمس في مداورة ٍ ولعب ِ حوار ....

.....

ونحن المقتولون والمنفيون والذوّابون المجبولون بأديم الأرض ، لا فرق لدينا في ريح ٍ أو إعصار ، أو في ليل ٍ أو نهار ،  أو في جنون ٍ أو استهتار ..

نحن كل الأشياء ، ونحن لاشيء على الإطلاق ، لا يهمنا أن نبحث عن غير ما نحن فيه ، ولا فرق لدينا بين السم وبين الترياق . ليس للمكان حساب ، وليس لأي شيء ٍ هناك حساب .. نحن ليس عندنا أبواب نفتحها أو نغلقها .. وليس لدينا أيّ سؤال ٍ وأي جواب ..

أرادت الريح الهوجاء فتَّ مقابرنا ، وكنّا نهتمّ لو كنا عند الأحياء ، ولكننا ، ونحن كما نحن ، بعثرتنا الريح ُ أم جمعتنا ، لا فرقَ لدينا ، رأتنا الشمس أم سمعتنا ، لا فرقَ لدينا ، فنحن بلا آباء ٍ وبلا أبناء ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

15-الحوار

قالت الأرضُ:

توقفت الحياة عندي ، فأنا مكمن الأسرار ، وأنا امتصصت في داخلي كل ويلات الحروب ، وكل سفالات البشر ، وكل الجميل وكل الموبقات ، دفنت الصغار والكبار والأشجار والأحجار والعطور والسموم والعواطف والآلام والتنهدات .. وشربتهم ، وهضمتهم ، وماتألمت وما بكيت وما نظمت الأشعار .. صمتّ حتى أبعد صمت ، وقلت إن الموت لايجلب إلا الموت .. أما الحب فقد نسيناه منذ أن صرعَ البشرُ بشراً ، ومنذ أن استبدل الإنسانُ قلبَهُ حجرا ..

توقفت الحياة عندي ..

 

قالت الشمسُ:

من داخلي ، ومن حممي ينبعثُ الوجودُ ، فالأرضُ من غيري صقيع ، ومن غيري ظلام .. أراهم كلهم تحت سيطرتي ، أقذف الكلَّ بما أريدُ ، ولا أحد قادر ٌ على قذفي ، أنا الذي أعطي ، فقط أعطي ، غير محتاجة ٍ لأحد ٍ ليعطيني ..

توقفت الحياة عندي ..

 

قالت الريحُ:

أنا بضعفي أتحرك ، وَهُم موتى ، أنا أستطيع أن أنقل وأزمجر وأدمر وأعبث وأنقل الحياة إن رغبوا بها وأستطيع نقل الموت إن رغبوا به .. لاتستطيع الشمس أن تفعل شيئاً بغير واسطتي ، كما لا تستطيع الأرض أن تكون أرضاً بغير وجودي .. أنا السائل في الشريان ، لو أحبوا أن يضخّ ذلك الشريان ..

 

غضبت الأرض وغضبت الشمس وغضبت الريح ..

حرقت الشمسُ أجنحة الريح ، فهاجت الريح محطمة كلَّ مايصادفها في الأرض ، وأخذت تكشط فيها ، وتحولت الريح لأعاصير من زمن المستحاثات المنقرضة ، لكن الأرضَ كانت يبابا .. وكل الأعاصير مرت ، وكأنها مرت سرابا ..

مازالت الشمس تفعل ، ومازالت الريح تفعل .. ومازالت الأرض يباساً ومواتا ..

إلا أن الريح ما هدأت ، لأن الشمس ما رضخت ، والشمس ما هدأت لأن الريح ما رضخت .. والأرض يكثر سوادها ، وتكثر شقوقها ، ويزداد انكماشها..

لكن الشمس جبارة ٌ، والريح لعبتها ، فما انفكت تتابع ضغطها ، إلى أن اقتنعت الريح أن لا مناص من البحث عن الخلاص ، ففكرت ، ولم يهديها أي تفكير ..

قررت أن تهرب أو أن تقتل نفسها أو أن تختبيء أو تجن ذاك الجنون العاتي ..فاجتاحت الأرض ومحقتها ، واجتاحت البحار فقلبتها .. واكتشفت أن لعبة البحار أذكاها وأقربها للوقاية ..

قال البحر للريح:

خذ مني بعضاً مني ، وضعه على رأسك تقهر عين الشمس ..

فعلت الريحُ ، وسرقت سطح البحر سحاباً ، وغطت به وجه الأرض  وارتاحت بعض الراحة وهي تحمل فيها وفوقها بعض رذاذ البحر ، الذي مالبث أن انفضّ إلى غمامات سوداء مثقلة من نسغ البحر..

قالت الريح:

أعملُ اتفاقاً مع ماء البحر ضد الشمس وأثبت أنني مازلت الرهان الرابح في الوجود ..

وقالت الشمس:

أخفف من غلوائي ، ثم أقويه ، فلا فائدة من الشدة ، ولا فائدة في ارتخاء ..

 

أنصتت الأرض وهي تسمع الحوار يزداد أوارا ..

ثم أحست بالندى ..

ثم أحست بالرذاذ ِ .. من أثداء الغيم ِ ..

يزداد مدراراً .. ويزداد ُ إمطارا ..

وكأن ثدي الأم عادَ يدر ّ إدرارا ..

 

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

16-الجنون

أضحى الليلُ معجوناً بسواد ِ ..

تجري الريحُ عاصفة ً ..

تحفر ُ في الصّخر ِ ، وتعمل ُ في وادي ..

لا تعرفُ الريحُ لها طريقاً ،

فهي تضربُ بكلَِّ الترداد ِ ..

غير َ أن جنونَ الشمس يخترق الريح َ،

ويشق ُّ سوادَ الغيم ِ ، وسوادَ الأكباد ِ ..

في لحظة ٍ تعصفُ الريحُ مُغرِقة ً،

وفي لحظة ِ تحترق ُ كل ُّ الأطواد ِ ..

إنها حرب ُ الأعاصير ِ قائمة ٌ..

في كلِّ الفضاء ِ وفي كل ِّ الأبعاد ِ ..

أهي حربُ قتل ٍ أم دمار ٍ ؟ ..

أم هي من أجل قلب أرض ٍ صادي ؟! ..

 

وقفتِ الأرضُ مذهولة ً ،

تفكرُ في وقفِ الدوران ِ ..

فالذي يجري هنا ،

 له أكثرُ من جاني ..

عمياءُ البصيرة ِ ،

 جمعتْ كلَّ العميان ِ ..

بعرضها وبطولها ،

 ذابتْ جثثُ الإنسان ِ ..

فصارتِ الحدائقُ منسيّة ً،

في غابر ِ أزمان ِ ..

واقتنعت أن سُباتها هو المصيرُ ،

وليس للمصير ِ مصيرٌ ثاني ..

وتأكدتْ أنها رغمَ جروحِها ،

ستصمدُ في وجه ِ العدوان ِ ..

لايهمّ إن كسّرتْ ريحٌ جوانحَها ،

لايهم إن حفرتِ السيولُ بقيعان ِ ..

لايهم إن صعقتِ الشمسُ رابية ً،

وإن أخرجت مستحاثة َ ثعبان ِ ..

لا يهم إن جُنَّ الجنون ُ،

وغابت كل ُّ الألوان ِ ..

...

لكنّ لذة ً ما ، كانت تدغدغها ..

عندما انتشت بأمطار الريح ِ ،

تخرق ُ سِترَها بثواني ..

...

 

استمرت ِ الشمسُ لاهبة ً ..

تضربُ جسمَ الريح ِ ، حيثما تلاقيها ..

تعبثُ فيها ، تعذبُها ، وتشقيها ..

وعندما تطالُ الأرضَ ..

تدمّرُها وتفنيها ..

لكن الريح َ أضحت معاندة ً ..

 فأصلُ وجودِها ، هو حملُ السحابِ ،

والخبط ُ حيث ُ يرضيها ..

والأرضُ تحت نار ِ الشمس ِ لاهبة ٌ ،

ونارُ الشمس ِ تُلظيها ..

والأرض ُ تحت أعاصير الريحِِ واجفة ٌ ،

تخشى انفلاتَ مَخفيها ..

..

غير أن مياه َ الريح ِ،

تدخلُ جوفها ، تعاشرُها ،

وتستقرُّ حيث ُ الأسرارُ،

ثم تنتشي في خلاياها ..

من أجل ِ الجنين ِ الذي فيها ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

 

17-الانتشاء

لكل شيء عوامل موته فيه ، وكذلك عوامل حياته فيه .. والمهم هو ما هي فرصة الموت وما هي فرصة الحياة !

أخذت المياه تتسرب رويداً رويداً في شقوق الأرض العطشى ، ثم تتلبس في كل حبة تراب تحتضنها وتبحث عن بواقي الحياة التي فيها.

ارتاحت شقوق الأرض وتلاقت شفاهها واحتضنت بعضها بعضاً وتمددت وانتشت .

هدأت الريح بعد أن وقعت معاهدة مع الشمس والأرض ، على أن تثور وقت ما يجب الثوران ، وأن تعمل بما ترى الأكثرية من الثلاثة الأفضل في بدء دور ٍ جديدٍ من المصالحة ..

جرت الريحُ نسمة ً .. وتلألأت الشمس ُ فيضاً جميلا ً من نور ، وأخذت الأرض تبتلع رضابها وتمتص رحيقها حتى عمق الأعماق .

...

شهد اليوم الرابع هدوء ما بعد العاصفة ، وارتياح النجاة ، غير أن الأرض شربت كل الماء الذي ما أرواها وهي الثكلى بالإنسان والحيوان والنبات وكل ما هو حيّ يترعرع .. وهي الخليط من كل الطيوب ِ والأعفان ..

بدأت رائحة العفن تتحول إلى رائحة المطر الممزوج بالتراب ، وانتهت الشقوق وغابت المياه في بطن الأرض وبدأت الابتسامة على وجه الشمس من جديد ..

 أما الريح التي أضحت نسمة ً أضحتْ زائرة مُرَحّبٌ بها أينما حلت .. إذ راحت تبتسم وتقبل جبين الأرض وراحتها ، وراحت تبتسم للشمس وتغني محيية إياها ..

قالت الشمسُ في نفسها:

لقد حققت انتصاري ، وهاهي الريح تقبّل ذيلي ..

وقالت الريحُ في نفسها:

لقد حققت انتصاري ، وهاهي الشمس ُ تبتسم ُ لي ..

وقالت الأرضُ في نفسها:

لقد حققت انتصاري ، وهاهي الشمس والريح تعملان لرغبتي ، وتبتسمان لي ..

 

الكلُّ منتصر ٌ ، حيثُ الكلُّ ينتصِر ُ ..

وعند َ الهزيمة ِ ، فالكلُّ منكسِر ُ ..

تحتاجُ الشمسُ لصنع ِ الحياة ِ رفيقها ،

وليس َ الحبيبُ ، بغير ِ الحبِّ يُعتبر ُ ..

ولكي تقومَ الحياة ُ في الريح ِ،

لابدّ من شواظِ الشمس ِ يَنتثِر ُ ..

ولكي ينسى التراب ُ كُربَته ُ ،

فحربُ الشمس ِ والريح ِ تختصَر ُ ..

ولكي ينسى الوجودُ غيبته ُ ،

فالشمسُ والريحُ والأرض ُ ،

وموجُ الحب ِّ ينهمر ُ ..

 

بدأت بذور الحياة تنتشي ضمن حبات التراب .. وحبات التراب تلك هي التي ترضعها وتحضنها وتطعمها وتسقيها ، وتغرس ُ في خلاياها هواء الحياة ِ الذي فيها ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

 

18- لذة الانتشاء

ماتحدثتُ دهوراً ..

ماتحدثتُ منذ أن تحوّلتْ أرضي قبورا ..

للوجود ِ تحت َ التراب ِ لذة ٌ أخرى ..

فلا أمتعَ من أن تجعلَ التراب َ سريرا ..

ولا ألذ ّ من أن تكون أطرشاً وضريرا..

الأرض ُ أمي ، والترابُ أبي ،

فلا أروع َ من أن أكون ،

 عندهما صغيرا ..

لم تدخل ِ الريحُ مقبرتي ،

ولم تنخرْني صريرا ..

بل أرسلتْ ماءَ السحاب ِ ،

يدغدغني حبورا ..

ويجعلني في قلب مملكتي أميرا ..

 

ماتحدثتُ دهوراً .. ولابكيتُ كثيرا ..

داري هي الأرضُ ،

وليس غيرُ أرضي ، أعاشِرُها سميرا ..

الأرض ُ أمي والتراب ُ أبي ،

فلا أروعَ من أن أكونَ ،

 عندهما صغيرا ..

.....

أنا ، لاأعرف ُ من أنا ..

دخلتُ الأرضَ ضحية َ حرب ٍ ، وجهنم صنعها أولئك قتلة الإنسان ، وقتلة الأحياء ِ ، مدمروا كلِّ الخليقة والمخلوقات ، قالِبوا الأجداث ِ من حشو ِ القبور ، وماسحو الجمال ِ من وجه الدنيا ، ومزوّرو الأرقام والعشريات ..

وأنا لا أعرفُ من أنا ..

دخلتُ الأرضَ جثة َ إنسان ٍ ، ودخلتْ معي أشلاءُ الأقحوان والريحان ، دخلتْ معي شجرة ٌ وبقرة ٌ وسمومُ الفئران ..دخلت معي بسمة جاري ، دخلت عاهرات الدنيا معي ، وكان معي أيضاً طعم شفاه ِ امرأة ٍ سبحت معي ليلة ميلاد ٍ في عسل ٍ مسروق ٍ من شفة ٍ عليا ، وفي إثم ٍ مخنوق ٍ من شفة ٍ سفلى ..

دخلتُ أرض َ الأم ِّ ولم أحزنْ ، بل كنتُ سعيداً ، في العودة للحضن الأبقى والأحنى والأوفى، وأنا ما عدتُ أعرف من أنا .. ذبتُ وغيري بتراب ِ الأرض ِ ولم نعلم من نحن ..

ربما أصبحتُ وشجرة ً..

ربما ذبتُ وجيفة َ بقرة  ْ..

ربما اتحدتُ وقنبلة ً خطرة  ْ ..

قد أكون طيوراً ،

قد أكون نسمة ً عطرة  ْ ..

قد أكون حماراً ،

وقد أكون بين أسنانه ِ الجزرة  ْ ..

أنا لا أعرف ُ من أنا ،

ولا أعرف من هو ..

وهو لايعرف ُ من هو .. ولا يعرف من أنا ..

نحن نعرف أننا من بعضنا ..

لايهمّ إن كنا من زهرة ٍ عطرة  ْ،

أم كنا من عظمة ٍ نَخِره  ْ..

المهم والأهم أننا من بعضنا ..

أنا من ريح ٍ وشمس ٍ وتراب ِ..

أنا من تاريخ ِ العجز ِ أو ِ الشباب ِ ..

أنا من كل شيء ٍ ، والكل ُّ مني ..

لكنني أتمنى !..

لايهم إن لم أجيء أصلا ً ..

وإن جئت فإنني أعلم أنني من كل ِّ شيء ٍ والكل ّ مني .. لكنني أتمنى !..

ربما أنا حبة ُ تراب ٍ ، ربما أنا سفينة ٌ غارقة ٌ، ربما أنا حبة ياقوت منفية .. لكنني أتمنى !..

ربما أنا فأر ٌ وربما أنا قط ٌّ مجدوع ُ الذيل ، وربما أنا حبة ُ قمح ٍ صغرى حبلى بحياة ٍ مثلى ، لكنني أتمنى !..

 

أتمنى ..

 أتمنى أن يكونَ وشمُ الأقحوان ِ في عنقي ،

وأن أكونَ واحداً في بلاد ِ الأقحوان ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

 

19- البرعم

جَلبة ُ بذور ِ الأرض ِ حراك ٌ ..

كثير ٌ ما  يتحركُ ، من كل صوب ٍ ، من كل ِّ الأنحاء ِ .. وصوصة ٌ هنا ، ووشوشة ٌ أخرى ،  وحفيف شعاب ٍ ، وكثيرُ هفوف ٍ ، وشمشمة ُ أنوف ٍ ، وحكاكُ خدود ٍ ، وإسراءُ دموع ٍ ، وتفتّحُ أجفان ٍ ، وتنقير الجيرة بالألحان الخافتة ، وخروج ُ براعم من بين الأكفان ..

عرس ٌ في التربة مبني ٌّ من صمت ٍ وحراك ِ .. مبنيّ من موات ِ الأرض ، ومن نسغ الماء ِومن غرس ِ الأشواك ِ.. عرس ٌ هو في الصمت يزغرد ُ ، لا أحدَ يسمعُه ، رغم أن مداه ُ إلى الأفلاك ِ ..

 

أنا لا أعلم إن كان مافوق الأرض يعجبني ، فخوفي من قرع ِ الطبول ِ مازالَ يجعلني قديدا .. ولعلّ لذة القتل مازالت عند مدينة الحمقى ، ولم تتعلمْ مدينة ُ الحمقى أن ترى خلقاً سعيدا ..

أنا لا أعلم إن كان عندي شكلُ البشر ِ ، أو طولُ الشجر ِ ، أو ضوءُ القمر ِ .. أو هشاشة الكدر ِ ، أو نعومة ُ المطر ِ ،..

لكنني كنت أعلم أنني ، أغامر ُ من جديد ٍٍ في أن يخرج َ برعمي إلى العالم الذي لم يثبتْ بعد ُ ولاؤُه لنفسه !

 

دعوتُ الصحب َ لصحبة ٍ ، أمسح ُ فيها عن نفسي خوفاً مصعوقاً بغلاف الرغبة  والرعب ..

قالوا مرة ً إن حماراً كحمار الدنيا وقع في الحفرة لما كان يتباهى ، لكنه رفض َ أن يعود ثانية ً ليسقط في ذات الحفرة .. ونحن كما نحن ُ علينا أن نسلك سكة من لا يبحث ُ عن مهلك ..

دعوتُ الصحب لصحبة ٍ ، أسأل فيها من يتعلق ُ بحبال الرغبة ِ ، ومن لا يتعلق بحبال الرغبة ، عن خطر حروب ٍ أخرى تترقبنا .. لا نريد أن نكون أبقاراً وشياهاً تقضِم في العشب ِ وتذبَحُ .. لا نريد أن نكون كتاباً تكتب صفحاته بدهور ٍ ثم تداس ُ وتمسح ُ .. لا نريد أن نكونَ آية حقٍّ ، تصاغ ُ وتسفح ُ ..

تعانقنا تحت التربة نندى بدموع الخوف والتحذير من الخوف ، فنحن ضعافٌ ، ولسنا من طينة رب الحرب من المريخ .. نحن من أرض العشب وأرض التربة وأرض لآلئ ربيع ٍ أخضر . نحن الحبُّ الأكبرُ في الجسم ِ الأصغر ..

نحن لا نختلف كثيراً .. نقول ونحكي ، لكننا لا نختلف كثيراً ، فالطريق ، ونهارنا دوماً مصباح ، واضحة جداً .. قلنا ، ونقول ، إن الخطأ الأول مرفوضُ التبرير ومقبول التكرير .. بشرط أن يكون الأول هناك في الزاوية المنسية منسياً ، ويبات هناك دون لعبة إيقاظ ، ودون أن يصيبَ الأرضَ دوارٌ ، ودون أن يحترق الحب ُّ ، وتموت الأشجار ..

 

برعمُ حب ٍ أنا ، مثلُ غيري من الأرض أم الجميع ..

 

أنا برعمُ قلب ٍ يريد النبض َ بأرض ٍ وسماءٍِ باقية ٍ في كتاب الخالدين ..

 لا أريد ُ إلا أن أكونَ النورَ ،

في عيون ِ الرّاجفين ..

 والعودة َ من غيابِِ الراحلين ..

والراحة َ في ضلوع ِ المتعبين ..

والطمأنينة َ في قلوب ِ الذاهلين ..

والسعادة َ في سجود ِ السّاجدين ..

 

لا أعرفُ من أنا ،

 إلا أنني مصدرُ الرضاء ِ ،

في دماءِ الجائعين ..

لا أعرف ُ من أنا ،

 إلا أنني قلب ُ الوفاء ِ ،

 في صلاة ِ الصّائمين ..

لا أعرفُ من أنا ،

إلا أنني خلا صة ُ بلسم ٍ،

في جراح ِ النازفين ..

 إلا أنني برعمُ الحب ِّ ،

في صدور ِ الخائفين ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

20- الإنتشار

لم أكن برعماً في جذور ِ الأقحوان .. فتلكَ تلكَ أمنيتي ، وكنت أخشى أن أنتشيَ بُرعمَ عوسج ٍ أو ذئب ٍ بشكل ِ إنسان ..

لكن ، رغم أنني بشر ٌ فعزائي أنني شكلُ إنسان ٍ ما عاش َ في بلاد الضبع ِ ، ولا في بلاد ِ الصولجان  ،

 فوشمه في جلده ، وحتى عظمِه ِ ، مرسوم ٌ في وجهه ،  وعلى نحره ِ ، وفي عينه وعلى ظهره ِ ، وداخِل َ قلبه ِ .. أنه إنسان ٌ من بلاد الأقحوان ..

. . .

رأسي تحتَ الترابِ مبرعم ٌ ككتاب ِ حُبْ ..

 مازال َ في السرٍّ ،  طيَّ ِ قلب ٍ وضوء َ دربْ ..

وغيري ، من الخلائق كلهم ،

 يسري متوجساً من قلب ِ أرض ٍِ

ومن جوفِ جُبْ ..

والسؤال الذي يطرق قلبَنا ..

هل الناس ُ طلاب ُ حرب ٍ ،

أم  طلاب ُ حُب ..؟!

. . .

 عندما رأينا أن نخرجَ ثانية ً لدنيا الأفعال ِ والأوصال ِ ، على أمل ِ أن تكون لدينا بعضُ آمال ٍ للمنال .. عندما خرجنا وظننا أننا قررنا أو رأينا .. كانت هناك اختلاجاتُ دموع ٍِ وابتسامات .. كانت آفاقُ الرؤية أكبر من عيوننا ، وجبال الشموس أثقل من أوزاننا ، وطقوسُ المعابد أكبر من  إدراكنا ،  ومياه البحار ِ أعمق من أطوالنا ، وبطون الثعابين أكبر من حجمنا .. ووهيج النار ألسع من بدرنا ، وأسرى الرغبات أقوى من حبنا ..

لكنني تجاهلتُ ما رأيتُ ، فما رأيتُ هو الخوف من أن تصبح أمي ثكلى .. وهاهي الدنيا من غير ِ كره ٍ ، هي أرضٌ باللذائذ حُبلى ..

أخذتُ ابتسامة ً من أحدٍ مثلي ، زيّنتُ شفتي ، وأطلقتُ الزينة .. كتبتُ على خدي أني بشرٌ .. بالحبِّ يقينه ْ! ..

وشيءٌ كالمسمار ِ ينقر خدي ، ويحرك أمنية ً عندي ..

فنظرتُ في المدى الذي يجدي ، علني أجد من يكتبُ شيئاً على زندي ، كالوشم الذي يقول ُ بأنني لم أعد وحدي ..

لغرابة الأمر لم أجد أحدا ، وكل نداءاتي صارت صدى وضاعت في المدى .. فلم يكتبْ أحدٌ على زندي .. وكأنني لستُ موجوداً بلا قيد ِ.. فالقيد قد يعود ُ ، وأنا لا أخشى إلا أن أهرب َ من قيد ٍ إلى قيدِ ..

وعدتُ أقول ُ: ما أراهُ هو الخوف ُ، ليس قيوداً ، فها همُ الآخرون يجرون هادئين َ وعلى وجوهِهُمُ ابتسامة ُ الرّغدِ ..

لكن هناك شيئاً ضائعاً لستُ أفهمه ، أنا ليس عندي قيد ٌ ، وما زلتُ أحس ُّ بالقيد ِ ،  أهو خوفي ..؟  من أن أمنيتي بالحبِّ أكبر من سعة الدنيا ، وأكبر من تحمّل ِ الفرد ِ ؟ ..

ثم نظرت ُ في وجهي .. ثم نظرتُ في زندي .. ثم نظرتُ في قلبي وفي عظمي وفي جلدي .. فأحسست بان وشمي الذي هو مني هو البديلُ للقيد ِ ..

رفعت ُ رأسيَ في العلياء .. ونسيتُ المخاوفَ كلها ، وانطلقتُ مخلوقاً سعيدا ..

 وكنت كالطير ِ خارجَ أسْرِهِ ، يخترق ُ المخاوفَ والحدودا، وقد نسي َ القيودا ، أصبحتُ طيراً ملوِّناً لسواده ، وصار الجمالُُ فريدا ..

وشمي هو من أنا فقد أصبحت إنساناً جديدا ..

 

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

القسم الثالث

الترحال

(عودة للأعلى)

 

21-البداية

 

الهواءُ غذائي ، وشربة ُ ماء ..

والطريقُ طويلة ٌ كبعد ِ سماء ..

سأرحل ُ الآنَ ، فإنني ، من أجل الحبيبة ِ ومن أجل نفسي ، هي الدواءُ ، وأنا الدواءْ ..

سأرحل ُ باحثاً في كلِّ أرض ٍ ،

 فمِن غير حبيبتي ، أسقط ُ من خُواءْ ..

 وأبكي بدمعي كليل ِ شتاءْ ..

إن كان البرعمُ مازال ينتشي عندي ،

 ولم ألقَ حبيبتي ،

فالموتُ والانتشاءُ  سواءْ..

 

جعلت ُ الأشجارَ غطائي ، ولحاءَها جلدي ، وسرتُ أبحث عن بلاد الأقحوان .. ليس لي في هذه الدنيا مكان ٌ ، إن لم أجد بلادَ الأقحوان ..

رتلتُ صلاتي ، وصلاتي من حفيف الأشجار ، ومن ضوء نهار ٍ ، ومن طنين نحلة ِ عسل ٍ لا تعرف معنى قرع طبول ٍ هوجاء .. .. صَلاتي هي من أسِّ قلبي ، وأسُّ قلبي من صِلة ِ السماء ..

رفاقي في الرحلة أعضائي ، رأسي ، قلبي ، ولساني ، وساقي وجلدي وبناني ..

وكذلك كان معي الهواءُ والماءُ والشجر ُ، والنورُ واللحنُ ، وكذلك الخوفُ والخطر ُ ..

قال من حولي إني أبله ٌ أبحث عن سِرْبِ سراب ، ابحث عن أحلام ٍ من صنع الأحلام .. أبكي على شأن ٍ صار من صنع الوهم ِ ومن تفسير ِ الأوهام .. فأنا الأقحوانة عندي هي الحقيقة والأوهام وهي الواقع والأحلام ، وهي المسبب لوجودي في دنيا القابضين على عنق ِ الأيام ..

 

شجرة فيء ٍ كبرى منحتني غصناً .

 قالت لي: خذه صغيراً لي، في رحلتك الأبدية. استخدمْهُ كمصباح ِ الأعمى ، كسياج ِ الردع ِ ، كرفيق الدربِ ..

 وكلما تريد أن تلقاني وتفيء َ تحت ظلالي ، تلمّسْه بشعاع ِ عينيك ثم ضعه احتضانا ..

 ستجده ُ خير َ رفيق ٍ ، في الوقت ِ الصّعبِ ..

هطلت دموع المحبة ِ مدرارا ، فالشجرة منحتني إبناً ، لأن الحب لديها لكل الآخرين هو مثلُ حبِّ الإبن ِ .. قد دمعَ الغصنُ قليلاً ، وقد دمعتْ أم ، لكن الحبَّ كان أكبرَ من كل ِّ الدمعات فالتأم الجرح ُ سريعاً ، وابتسمنا الكلُّ ،  فقد وجدنا أنه بالحب ِّ لا يوجَدُ هَمْ ..

في اليوم الخامس للميلاد سألت ساقيَّ ، فقالا : نعم ٌ نعم ُ .. وسألت جلدي ، فأجابني جلدي وعظمي وشعري ووشمي والفمُ: بأنهم في رحلتي كالعصا في يدي ، بأمري ، حتى ينتهي ألمٌُ ، وحتى يصدقُ القلم ُ ..

قالوا: اذهبْ ، ارحلْ ، وتجوّلْ .. واسعَ أن تكون َ جميلا ً في أرض ِ الأجمل .. واسعَ أن تكون طويلا ً في أرض ِالأطول .. وتعلم أن تكون كفيفاً في بلدِ الأحول .. .. وتعللْ بالكذب ِ ، عندما غيرُكَ يتعلل .. وَصْوِصْ كالجرذ ِ عند الدخول ِ لجحر ِ الفئران .. وتعلمْ موجَ الماءِ عند رؤيتِك َ الحيتان ، واكتب قصائد شعر ٍ والصقها صدر َ السلطان ، واصغر كالنمل لتدخل عشّ النمل ِ، وتسرقَ حباتِ القمح ِ من الصيصان ..

.. لم أسمع ما قالوا ، فما قالوا لا يسمعه سوى إنسان ليس لديه الوشم كمثلي .. وأنا لستُ بذاك َ الإنسان ..

وشمي في وجهي ، ووشمي في قلبي ، يشهدُ أني إنسان ٌ مطرودٌ من بيتِ الإنسان ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

   

 

 

22-أولى الخطوات

خطواتي الأولى ، أعطت أملاً أن هناك عوالم أخرى في هذا العالم .. وأعطت خوفاً مما ليس بمعقولٍ ، وأعطت مشاعر حزن ٍ ، لهذا المخلوق أنا ، الذي يرسل نفسه ومن معه للمجهول ..

لكن العالم لم ينتهِ ، فقد لحقني من آمن بي مخلوقاً يبحث عن عدل ٍ وعن خير ٍ وعن ترياق .. كلب ٌ ضعيف ٌ مثلي ، وطيرٌ أخضرُ يبحثُ عن أمان ..

وهكذا أصبحنا رفقة َ درب ٍ مثلى ، أنا وغصن الشجرة وكلبي وطيري الأخضر .. نحن الوحيدون في هذه الدنيا الذين أحسسنا لغة الحب وقلناها ، فأغمضنا عينينا لنراهها ، وتركنا المخلوقات الأخرى تتنفس في هواها ..

عصايَ ، وقد هجرتْ بالحبِّ رضاعَتها من أم الأغصانِ لأجلي .. غصنُ الشجرةِ بطولي ، عندي كالمفتاح ِ ، به أشق طريقيَ وأتحسسُ الخطرَ وأحمي عائلتي ، (وأنا والكلبُ والطيرُ الأخضرُ عائلتي) ، وأكتبُ به خطوط الألوان على درب الآلام ، وأصلُ به إلى لأعلى وإلى الأسفل ِ ، وأنقر به رأس النائم ِ ، وأجلد به ظهر الجلاد ..

كلبي ، وقد هجر بالحبِّ جَمْع َ الكلاب لأجلي ، يُطربني بنباحهِ ، فهو لايَطربُ في موسيقى ، بل يطرب في الصدق ِ ، وفي الوثبِ ، وفي الصبر ِ .. كلبي لايعضُّ إلا وهو يدفعُ عني ، ولا يحتاجُ لأخذِ أوامره مني .. كلبي لا يأكلُ لحماً ، ولا تثيرهُ رائحة الشواء ، فهو بصوم ٍ دائمٍ وغذاؤه بسمة ٌ مني ، وماء ..  كلبي لايعرف الرياءَ ، فكل ما هو مكتوبٌ عليه هو الوفاء ..

طيري ، وقد أحبَّ الوشمَ على العنقِ وعلى الوجهِ وفي قلبي ، فاختار أن يكون رفيقي .. هو أخضرُ كالشجر ِ الأخضر، كجذع ِ الأقحوان ، يغرد لي ، يتحسسني ، يحب رائحتي ، يسكنُ كتفي ، يفلي شعري ، ينقرني إن أخطأتُ ، ويرقص لي إن عبستُ ، وكذلك يحلق في الأجواء لينذرني إن كانت هناك شياطين ٌ ترتدي حُلّة َ إنسان ..

. . .

فوقَ الأرض ِ وفي النور ِ ، انطلقنا نبحثُ عن حبيبة ٍِ ،

حيث ُ الجنانُ من غير زيف ٍ في بلاد ِ الأقحوان ..

انطلقنا ، أنا وعائلتي ، كرشّةِ ماء ٍ من سماء ..

عمَلَ الخيرُ منادياً ، ونحنُ نستجيبُ إلى النداء ..

كقفز عصافير ِ الحناء ِ من غير ِ  بغاءِ ..

كتزاوج ِ نسمةِ حُبٍّ ، في أرض ِ خُواء ..

نحن أربعة ٌ ، غير أن النور َ يمزجنا ،

 فنصيرُ ظلاً واحداً أبدياً ،  لايسعُه الفراق ُ ولا الشقاقُ ،

 ولا يسيرُ إلى فناء ..

. . .

عند الخطواتِ الأولى سمعنا التراتيلَ من قلوب ٍ تزغردُ في الفضاء:

أنتم في الطريق ِ إلى بلادِ الأقحوان ..

فلترحلوا إلى بلادِ الأقحوان ..

فإذا وصلتموا إلى تلك َ الجنان ِ فأعلمونا ،

 كي نسافر نحن أيضاً ، إلى بلاد ِ الأقحوان ..

لكن إن لم تُعلمونا ،

 سنعرفُ أنكم قد بقيتم في الطريق ِ إلى بلاد ِ الأقحوان ..

قلوبُنا معكم .. آمالنا ، لكن أن نسعى ، فذلك مستحيلٌ ، ونحنُ عرجانٌ ، ومكفوفون في مرقد العميان ..

فلترحلوا إلى أرض ِ الأمان ..

ولا نظنُّ بأنكم واصلونَ إلى حيثُ الأمان ..

. . .

طيري على كتفي الأيسر ِ ، وغصني على كتفي الثاني يستند إلى يدي ، والكلبُ أمامي يستدلُّ ويدلل لي ..

طيري يحلقُ ثم يعود إلى كتفي يوشوش ُ في أذني أني في الطريق ِ إلى بلادِ النّاعمين ..

 _ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

23- الناعمون

أقدامي تقبّل وجه الأرض بخفةِ حبٍ وبقوةِ إصرار.. الوشمُ على عنقي ، والطير على كتفي والغصن في يدي يلوح مستطلعاً رائحة الهواء ، والكلب أمامي يجري ، متلفتاً من أفق ٍ بعيد ٍ حتى عيني ..

الشجرُ على الطرفين ، والأفق فسيحٌ ، والنسمة مشتاقة ، والورد بياض ٌ ، والنورُ يملأ جوفي والآفاق ..

هذا جزءٌ من حبي ، هذا ظلٌّ للحبِّ ، هذا هو بسمة حبٍّ يهوى الإطلاقا .. هذا شيءٌ من حبٍّ ينطلق صغيراً ويصبحُ عملاقا ..

نحن في الطريق إلى بلاد الناعمين ، فربما الناعمون هم الأقاحي ، فالأقاحي ناعمة ٌ كجلدِ الجنين ..

مشت عائلتي .. الكلبُ أمامي والطير على كتفي وعصاي تلوحُ للأفق ِ ، وساقاي تمتطيان النسمة َ، والنسمة ُ تتقلبُ في ألق ٍ من النور الذي هو منبعُ الألق ِ .. فنحنُ في الطريق ِ إلى بلاد الناعمين ..

حوّمَ طيري الأخضرُ ، ثم عاد مبتسماً فرحاً :

الجو جميلٌ والشجر بأوراق ٍ خضر ٍ ومياه النبع ِ كترياق ..

أرسلت كلبي ليرى ، فأنا لا أهوى الأخطاء ..

عاد الكلبُ وقالَ : أشم رائحة ً ما أحببتها !

وكان الكل لديه استغراب ..

هل يمكن للجمال أن يخفي أمراً يعكس اللون ويجعله ممقوتاً ؟! ..

 لنتابع صحبي ، لنتابع ، فقد تكون الحقائق على قرب ٍ أوضح !  لابد وأن اسم بلاد الناعمين يدلّ على أن الجمال حقيقة  ..

تابعنا نقبل الأرض بأقدام ٍ حُفي ٍ ،  ونمشي ، ثم نمشي .. إلى أن بدأت الرؤية تفصيلاً ، وبدأت وجوه الناعمين ناعمةٌ ، وجلودهم على شكلٍ آدمي ، تبتسم ُ وتضحك ، لكنها بنعومة ٍ كما هو ملمسُ الأفعى والثعابين..

الأرض جميلة ٌ والأنسام عليلة والألوان رائعة ، لكنها أبداً ليست بأرض الأقحوان ، فأرض الأقحوان ليس فيها قناع ٌ ، وليس فيها أقنعة ٌ تجمّل ُ وجه َ الضباع ..

قلت لعائلتي: دعونا ننسحب بالهدوء المرتجى ، فليست هذه الأرض مبتغانا  ! ..

خرجنا عن الاتجاه لأرض الناعمين ، ولحسن حظ عائلتي أننا خرجنا قبل أن تُزال الأقنعة ُ وتخرج الذئاب من الجلود الناعمة للظباء ، فكلبي وحده والخير فيه لا يقدر دخول حرب بين خيرٍ صغير ٍ وشر كبير ..

وعلمنا أنه ليس َ كل ما يلمع نوراً ، وليس كل النواعم آتية من بلاد الأقحوان ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

24- المتحدثون

دخلتْ في قدمي أولُّ شوكة ، فالخروج عن أرض الحب لا يغرسُ إلا شوكاً ، ولا يحصد إلا الأشواك ، وقلتُ غير ممعتض ٍ إن الأشواك الصغرى لا تمنع عني السير الأقوى نحو بلاد الأقحوان ..

تباهى كلبي لنباهته ، وضحك طيري على سذاجته ، ورغبت عصاي في طول ٍ آخر كي تمد لساناً وتفقأ عين الثعبان الذي يرتدي حلة إنسان ..

وأنا نسيت الشوكة في قدمي ، فالأفكار العظمى لا تدميها شوكة ٌ ملفوفة ٌ بقناع .. وأنا في جبلة طيني اعتدتُ على الأوجاع ..

قلتُ وعائلتي إن الدرسَ الأول هو: إن اللبَّ هو الغالي وليس الأصباغ .. وأن الحب هو مما هو مخلوق ٌ بحقيقته ِ، وليس من أيدي الصنّاع ..

. . .

مررنا على بيوت الضفادع تنط ُّ ، تنقُّ ، تتناوبُ في النّقِّ، وتتصل على الأسماع .. وشككنا أننا في الأرض ِ المثلى التي تتجه نحو الربيع ، فنحنُ لسنا في نيسان ، ولسنا في الأرض التي لم يفسدها إنسان ..

نقيقُ الضفادع ِ لا أفهمهُ ،

يمسك قلبي ويدور في الخفقان ..

 يتحدثون عن اللحم ِ وثغاء ِ الخرفان ..

يتحدثون عن القهوة ِ في الفنجان ..

يتحدثون عن لحم الصبيّة ، وعن الصبيان ..

يتحدثون عن أوراق ٍ ليست من عرق ِ الريحان ..

يتحدثون عن الرقص وعن جسد الفتيان ..

يتحدثون عن ذي شأن ٍ وبلا شان ..

يتحدثون عن الولاء ِ ، عن العصيان ..

تنقّّ الضفادع ُ ، وتظلُّ تنقُّ ،

من أول ِ إنسان ٍ ولآخر ِ إنسان ..

. . .

نظرتُ ورفاقَ الرحلة ِ في عيون ٍ مأخوذة ..

نشهق بالغربة ، ونتأوه ُ من نقٍّ ، وننكمشُ في زوايانا ، متسائلين عن الذي يجري .. نقيقٌ إثرَ نقيق ٍ ، ونقيقٌ آخرُ في الطريق ِ ..لا أحدَ يفهمُ عن ماذا يتحدثون ..

 سوى أنهم من اللهجات التي يطربون لها ، كاذبون..

 يشعلون النار ضراما ، ثم يتمنونَ برداً وسلاما ..

 يكتبون على الجدران أنهم للنعيم سيرحلون ..

 وأنهم يعرفونَ الواجباتِ  وللآخرين سيعملون ..

 والنقيقُ يعلونا ، و في النقيق يؤرجَحون ..

. . .

نظرتُ ورفاقَ الرحلة بالعيون ِ المهزوزة ِ ،

وبكينا ، كما لم تبك الأم الثكلى ، وقلنا إن الحديثَ شواء ، وإن الأرضَ سماء .. وإنك من فرط نقيق ِ الضفدع ِ تظن نفسك في جوزاء ..

اهتزت قدمي تريدُ رحيلا ،

 ولاحتْ عصايَ قوية ً..

وصار َ نباحُ كلبي جميلا ..

وغرّدَ طيري طويلاً ..

لكنّ نسيمُ صدري ..

 أضحى ثقيلا ..

الكلامُ جميل ٌ ، عندما يعيشُ الحقيقة َ ، يبقى جميلا ..

الكلامُ مخيفٌ ، عندما يبقى كلاماً لا يصيرُ أصيلا ..

. . .

تركنا الضفادعَ تنقُّ على هواها ، وانتظرنا أن نسيرَ إلى بلادٍ ما تنطقُ عن هوى ، ولا تخادعُ في رؤاها ..

. . .

لقد عرفنا أن النقيق لايبني بيتاً ، و لايصنعُ حَبّاً أو حُبّا ..

شوكة ٌ أخرى دخلت قدمي ، ولم تخشَ قدمي أن تقعدها الشوكة الثانية عن القفز ِ والجريان ِ إلى بلاد ِ الأقحوان ..

_ _ _ _ _ _ _  

(عودة للأعلى)

 

 

25- المتأرجحون

جريتُ وعائلتي ،

لا نلتفُّ إلى خلف ٍ أو إلى ظهر ِ ،

 لايهمنا لونُ الضفادع ِ الفُجْر ِ ،

 دَعَوْنا إلى الوصول ِ إلى البيض ِ والخضر ِ ،

 فنحن ماوجدنا بطول ِ الطريق ِ وعرضه ِ ،

إلا مصرع َ الطير ِ ..

لا الشوك ُ يؤلمني ، ولا السيف يقطعني ،

إلا أن يُخنقَ منبعُ الخير ِ ..

. . .

قررَ طيري أن يحلقَ عالياً ،

وأن يشاهد من بعيد ٍ

منبتَ الزهر ِ ..

فجاءني وهو صارخُ الفرح ِ ..

رفرفَ بالجناحين ِ وضمني ،

فقد رأى غابة ً من الخُضر ِ ..

وقال لي: سأصْدُق ُ مرة ً ،

وإنني كالغير ِ في البِرِّ ..

فغابة الشجر ِ التي رأيتُ صَدوقة ٌ ،

لا يمكن أن تتوه َ في شر ِّ ..

. . .

مشينا مسرعينَ ، وقلبُنا وثاب الخطى على موقد ِ الجمر ِ ..

عيوننا معلقة ٌ بالغابة ِ ، مصنع ِ الزهر ِ ..

. . . .

دخلنا غابة ً أخذت من الألوان ِ زينتها ، ومن الأنسام ِ خفتها ، جعلتْ من طيري سعيداً ،

 فطار إلى قمة النهر ِ ،

 ثم عاد َ متمتماً ،

 وكأنني غيري ..

كما طارَ ، طارتْ سعادتُهُ ..

فاستلقى على صدري ..

تقلص الجنحانُ منه ،

 يريد دخول قلبي لشدة ِ برده ِ ،

يريد ُ أن يشعرني ،

أن مصيرَهُ باتَ في أمري ..

. . .

ماذا جرى بقلبكَ ، أنتَ يا طيري ؟!

ماذا دهاك َ من شرِّ ؟!..

وَضعَ طيري منقارَهُ ، وغاب في أذني ..

علينا الرحيلُ ، فالأشجار ُ عارية ٌ ، وما تراه هنا من السنن ِ ، لايكادُ يكونُ إلا شكلَ خابية ٍ ، داخِلها ليس أعسالاً ،  بل من العفن ِ ..

. . .

نظرتُ ، وكلبي كان يَرْقبُني ،

والعصا تمتدُّ واجفة ً ،

إلى حيثُ تسوقها عيني ..

رأيتُ القرود َ تحجبُ نورَ الضياء ِ ،

 تتأرجحُ من غصن ٍ صارَ لحاؤه ُ مزقاً ،

 إلى غصن ٍ باتَ في البَيْن ِ ..

إن القرود َ وإن سَمِعْتَ زعيقها ،

تؤرجِحُ ذيلها ،

من غصن ٍ إلى غصن ِ ..

. . .

هي تأخذ ُ من غصنِها ثمراً ، ثم أثمارا ،

ثم تقتلُ غصنَها ، وتهجر ُ الدارا ..

وتطيرُ لغصن ٍ آخرَ ، تمتطيه ِ ،

ثم تعيدُ الدَّوْرَ أدوارا ..

ماتزالُ تقولُ للناس إنها سعيدةٌ بفعلتها ،

فما الدنيا إلا لعبة ُ نهب ٍ ..

 جئنا لها  مغتصَبين َ زوّارا ..

. . .

 

القرود ُ لم تكنْ تحصى ،

ووجوه  القرود ِ حُجِبَتْ بقناع ِ ..

ارتفعتْ عصاي َ لتقتلَ واحداً ،

فمنعتُها ،

واكتفيتُ أن ترفعَ لقناع ِ ..

وصار دمعي يطرق ُ بسماعي ،

ويشدني لأهرب َ بشراعي ..

فقد هربَ وعيي واختنق َ الواعي ،

عندما رايتُ تحتَ القناع ِ ملامحَ إنسان ٍ ،

لم يسمعْ ببلادِ الأقحوان ِ ،

وظنّ أنه ُ مجنيٌّ عليه ِ ،

 وليس هو الجاني ..

. . .

كتبت بالعصا إني غبي ..

ورأيت شوكة ً اخرى تدخلُ في قدمي ..

كلبي يدور حولي يهمهمُ ويشمشمُ ، وعصاي تلوح ُ مغتاظة ً ، وطيري الأخضرُ يمد جناحيه ِ عناقا ..

 ويزدادُ التصاقا ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

26- القاتلون

امتدتْ رأسُ العصا كجذر ِ الجزر ِ، وصار الطنينُ في أذني يخبرني بأن الوقت قد صار رحيلا ، فهذه الغابة ، لولا القرود ،  منظرها جميلاً..  لكنها بالتأكيد لن ترى من أشجارها إلا حطباً قليلا ..

ومشينا والشوكُ ما زال في قدمي ،

 لكنني قويُّ الشكيمة ، فإيماني بأنني صدقٌ ،

 يزيل الآلامَ من قدمي ..

طيري خائف ٌ ، فاحتضنت في جوارحي مخاوفه ،

 وقلت له إن السعادة تأتي من الألم ِ ..

 ونحن في الطريق إلى جنان الخلد قاطبة ً ،

 لابدّ من سقم ِ ..

 فلترحْ نفسك أيها الحبيبُ ،

 ولا تضفْ ألماً إلى ألمي  ..!

 ضَمّني في ابتسام ٍ ،

 وابتسمتُ من عمقي ،

 كعبق ِ الزهر ِ مبتسم ِ ..

كلبي يحوم حولي وقد جنّ جنونه ،

 غير مصدق ٍ لضياع العدل ِ في الذمم ِ ..

 فأشرتُ له بعصاي َ ، أن النهاية َ ليستْ في موطيء الأقدامِ، بل في قمّة ِ القمم ِ ..

ثم سرنا ، كما تسيرُ القوافل في البراري .. يحدونا أملٌ أن طريقنا للحبيبة في أرض الأقحوان لن تقطعه الضواري ..

أضحت الأرضُ انبساطا ، وكما ترى الأفق البعيد هناك ، ترى الآفاق ارتفاقا ..

 ومسيرنا باتجاه منابع ِالنور ِ ..

 أضحى اشتياقا ..

الأربعة نحن ، نمشي بخطوةٍ متحدة !  وكأننا جسد ٌ لا يتمزقُ ، وليس له إلا ظلٌ واحدٌ لا يتفرقُ ..

...

ضاق الطريق قليلاً ، ثم ضاق الطريق كثيراً ، ثم صرنا نتصيد أرضاً تتسعُ لأقدامِ .. تحتَ الأقدام رأينا جثثاً ، أكثر من كوابيسِ الأحلامِ .. ولم نعرف ما يجري ، فجَريْنا ، وجرينا كما يجري الأبرياءُ من الإعدام ِ ..

دخلت شوكة ُ ألم ٍ في قدمي ، ولم يعد ممكناً نسيان ُ الألم ِ ، وصرنا كالرهبان القافزين في حدائق الشيطان..

ونحن نجري ، ليس خوفاً من الموت ِ ، بل خوفاً من الشر ..

قال كلبي: انظروا حولي .. الذئاب ُ كثيرة ٌ .. وليس لجانبي واحدٌ غيري ..

قال طيري: إن الذئاب طليقة ٌ ، من بذرة ِ الأرض ِ حتى مدفنِ القبر ِ ..

وقالت عصاي: القتلة أكثر بشدة ٍ من المقتولين ، ولذا فهم جوعى لرقصة الموت من بدايتة ، وحتى نهاية ِ الدهر ِ ..

. . .

لا نريد أن تزول الحياة قبل الوصول إلى الحبيبة في بلاد الأقحوان ..وقبل الوصول للحب ، وقبل بلوغ الأمان..

فهرعنا نضم أنفسنا وننسى المآسي ، ونجري مبتعدين ، وإذ بالذئاب تأتينا من كل صوب ٍ تشدّ وثاقنا  ، وتلقينا إلى طريق المقاصل ، نأخذ دورنا ، فنحن الأبقار أو الأغنام  أو الدواجن تجوز للذبح ِ ..

شموا روائحنا فلم تعجبهم ، فاشترطوا علينا أن نُطلقَ في السراح ِ بشرطهم ، وهو أن لا نبوح بالسر أن القاتلين من الذئاب وأن المقتولين من الأغنام .. وأنه على مر الأيام صارت الذئاب ، كما صارت الخرفان ، فروعاً من فروع ِ إنسان ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

27- الجائعون

خرجنا من غابةِ قتلى ،

 إلى صحراءَ ، أوسع َ  من خيال ِ ..

كلُّ ما فيها بعيدٌ ،

 يُرسَم ُ بالرمال ِ ..

جفتْ مياهٌ ، جفّ الهواءُ ،

هربَ الجميعُ من التلال ِ ..

لم يبقَ فوقَ الأرض ِ جسرٌ ،

للتواصل ِ والوصال ِ ..

ولن تبقى في العروق ِ قطيرة ٌ ،

وبقاؤها ضربُ المُحال ِ ..

وكأن الشمسَِ قرّتْ في شوائظها ،

أن تجف ّ الدموعُ ..

ممنوعٌ على أحدٍ يشربُ دمعَه ُ ..

فكلُّ العيون ِ إلى زوال ِ ..

. . .

كيف التففنا حولَ أنفسِنا ..

في وضع ِ من يُقاتِلُ في القتال ِ ..

لم نكن ندري أن أرضَ الرمال ِ ،

 فيما إذا كانت ، هي أرضُ الموت ِ ،

 أم التي ستفصلنا ،

 عن أرض ِ الجَمال ِ ؟!ِ ..

. . .

مالذي سيرسمُ وجهنا ،

وغصني  يَنِخُّ من الأعالي ..

ينوءُ بسطو ِ وهج ٍ  ،

 ويسقط ُ بابتذال ِ ..

وكلبي يلهثُ ،

 متقرِّحاً فمُه ُ ..

يشعرُ بالزوال ِ ..

كأنَّ الموتَ صاحبُهُ ،

ونهارُهُ في العصر ِ وفي الزوال ِ..

وطيري ينقرُ جِنجَهُ .. قبيلَ أن ينقرَ قلبَهُ ..

باحثاً عن حبّةٍ ،

في كيس ِ الغلال ِ ..

فلعلَّ قطرة َ الماء ِ توجد ُ،

في كيس ِ الغلال ِ ..

. . .

صرنا لانرى شبحاً ،

فأشباحُنا في طول ٍِ طِوال ِ ..

الدماءُ في العروق ِ توقفت ْ،

وباتَ النبضُ يَرحَلُ بالتتالي ..

وبوقتها .. حصل َ المُحالُ ..

فأخذنا نحملقُ في المُحال ِ

ففي أرض ِ الرمال ِ ،

 لا أجملَ من أن ترى رسمَ الجِمال ِ ..

. . .

هرعتْ تلك الجمالُ لقربنا ،

وسعتْ لترضعَنا من كتل ٍ ثقال ِ ..

فامتصصنا ما امتصصنا ،

وكان لعابُنا لزجاً ،

ككتلة ِ صمغ ٍ في ابتلال ِ ..

وفي كلِّ مصة ِ صِمغ ٍ ،

يتحرك ُ السّاقُ إلى انتقال ِ ..

حتى صارتِ الرمالُ تغيبُ ..

ونأملُ في ارتحال ِ ..

. . .

قالت الجمال ُ مودّعة ً لنا ،

إلى أرض ِ الأقحوان ِ نرسلكم ،

فلعلكم تذكرونَ إيانا ،

فمصيرنا أن نعطشَ وأن نجوعَ هنا ،

فما نحن أكثرُ من جِمال ٍ ،

ولتعلموا أننا بشرٌ ،

وواحدنا قبل َ أن يكونَ حيواناً ،

كان َ إنسانا ..        

 _ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

 

28- الخائفون

 مشينا نبكي من تركنا خلفنا، فالجياعُ مثلنا يُطعِمونَ ،  وغيرهم لايُطعِمُ ..

مشينا ، والشوك في قدمي يهزني ألماً ، لكنه نحو المصير ِ ما نتأمل ُ .. أحبّكَ يا طيريَ المصدوم في ألم ٍ ، أحبك ِ يا عصا ، أحبك أيها الكلبُ الوفيّ ،  ولكنني أحب حبيبتي  ،

 أكثرَ مما تعلمونَ وأعلم ُ..

ولأرض حبيبتي أجتاحُ آفاقاً ليس لها حدودٌ،

أبتلعُ المصائبَ ، لا أتبرّم ُ ..

  لم يبقَ في جسدي لحاءٌ ، ولا في وجهي فم ُ ..

 كلُّ مخزوني قلوبٌ .. يملؤها دَمُ ..

. . .

حيثما نمشي كنا نتعلمُ : إن الحياةَ َ حقيقة ٌ لاتُفهم ُ ..

 

بعد بلاد جوعى الرمال ِ تنبسط ُ الحقولُ ، ثم تكثر الجحورُ فيها ، ولا شيئ هناك يدورُ غيرُ الصمتِ ، فيطيرُ طيري موزعاً اخضرارَ جناحيه ،

 عله يجد في الآفاق ِ مايتبسّم ُ ..

 لكن طيري يرتدُّ إلى كتفيّ منبهراً ،

 فالأرضُ التي يشاهدها ، لا تتكلم ُ ..

لم يعرفْ ماذا يدور بها ،

 وهي عن الإفصاح ِ ستحجم ُ ..

لكن الجحورَ كثيرة ٌ ، ممتدة ٌ ،

 ولم تنطقْ ، كما يُتوسّمُ ..

فراح كلبي يشمشم ُ وينظرُ في الجحور ِ، ويَكْتم ُ ..

ثم يعود نحوي ليقولَ لي:

إن الأرانبَ في الجحور ، خبيئة َ الخوفِ  تبتعد ُُ ..

انفاسها بسرعة قلبها .. وفي الجحور ِ تنفردُ ..

كأنما نحن نحمل مدفعاً ،

 وكل أرنب ٍ في الجحر ِ منكمشٌُُ ، مُتجَمِّدُ ..

...

أيها الكلب الوفيّ هاتني بواحدهم  ،

 فأنا أريد أن أعلم السرَّ:  لماذا أرنبُ الجحر مرتعدُ ..

جاءني والأرنب من ذيله:

لماذا ينقبض القلب في هلع ٍ ؟  لماذا أنت مرتعد ُ ؟

فأجابني وعيونه ترقص في المدى:

ذات يوم ٍ كنا كبارا ، فجاء من يشقُّ شفاهنا ، ويأكل لحمنا ، لأننا لا نملك الأنيابَ ولا السموم ولا الدروع ولا أحدَ يسدُّ عنا الغوائل .. فنحن اللحوم لهم ، ونحن كذلك الفرو .. ويطعمون ماتبقى للقطط .. ليس لنا إلا الجحور نختفي فيها .. أنا خائفٌ  ، بل أنا الخوف ، فارحم وأجّل طعامك للغدِ ، فأنا أرغب في أن أموت غداً ، فلعل لي فرصة أخرى في الغد ِ  ..

فسألته: ومتى كنتم كبارا ؟

فأجابني الأرنبُ المعلقُ ذيلُه ِ:

كنا كباراً يوم أن كنتَ أنت صغيرًا ، يوم أن كنتَ أنت في بلاد الأقحوان ، كنتُ أنا ماكنتم تسمونه في النطق ِ إنسانا ، فجاءني آخرُ أقوى ، وراحَ يسلبُنا كل الذي لدينا ، ورحنا من الخوف نرتعدُ حتى صغر الشعر فينا إلى وبر ٍ ، وحتى صار حجمنا كما تراه يدخل في الجحور ِ، ليدرأ شرَّ الإنسان فلا يستطيع الدخول إلينا أو يرانا ..

 

ارتعدتُ كمثل ذاك الأرنب ِ .. وخفت أن أنكمش كمثله ِ، فأدخل جحرَه ُ .. وأقضي هناك قبل أن أجد الحبيبة ..

أطلقْ سراح َ الأرنب ِ ،

 واذكر له ، إني ، إن وصلت بلادَ الأقحوان ..

 فسأبحث من أجله عن دار ِ الأمان ..

انحنت عصاي وضَمّت الكتفا .. وشاب لون طيري الأخضرَ اصفرارُ .. وأنزل كلبي ذيله ملامساً تراب الأرض ..

ومشينا ، والجحورُ تهتزّ تحت ساقينا .. وكأننا زلزال ٌ ، يحرك في القبض الرهيب جحوراً وِطْءَ نعلينا ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

 

29-البائعون

أسفلَ جبل ٍ ، أسفلَ تلةٍ ، أسفل شجرة .. أسفل َ ، وأسفلَ مافي الطريق إلى بلاد الأقحوان ِ وقفتْ جمهرة ُ أناسٍ تبيع وتبتاع ُ ، وكان علينا أن نخرق تلك الناس لنجتاز طريقاً يتبقى لأرض الأقحوان ..

فرح الطير الأخضر بوجود الناس ، بوجود السوقِ ووجود الحركة ، فراح يعلو ثم يهبط ثم يعلو ، يفرح للألوان ، وللصخب الخارج من أفواه البشر ، وللصراخ ِ وللكتمان .. وجاء يسألني لماذا لا نبقى في السوق نرفرف في فرح ِ الإنسان ؟!

سألت طيريَ الأخضر:

هل مللت السيرَ إلى بلادِ الأقحوان ، ورأيت فيما رأيت بديلاً لأرض ِ الأقحوان ؟!

كان مختجلاً طيري الأخضر ، فلم يرقبْ عيني ، ولم يُدخل منقارَه أذني .. وقال متمتماً:

لم أرَهُ بديلا ً ، لكنني أخافُ الطريقَ إلى بلاد الأقحوان ، فقد كفى الذي رأيناه من مداهنة ٍ وقتلٍ ، وهذا هو خائف ٌ ، وذاك جوعان ..والشوك ، حتى الآن أدمانا ..

إذن ، فلتذهب أيها الطيرُ برفقة كلبنا ، ولتشاهدْ عن قرب ٍ إنساناً في السوق ِ يطلقُ عاليَ صوتِه ِ ، ويحلفُ في الصِّدق ِ حلفانا  ..

بقيتُ وفرع الشجرة في يدي ..، ومشيتُ أشاهدُ بيعَهم ، فلم أشهد أشياءَ بحجمها وبوزنها ، بل رأيت البيعَ ألوانا ..

هذا يبيعُ أوراقاٌ عليها من الأحرف ما عليها ، وذاك يبيع وعوداً في الخلود ِ ، وذاك يبيعُ خابية ً مزورة ً من عهد ٍ بعيد ِ ،

وهذا يبيعُ أساورَه الحديد من عهد الجدود ِ .. وذاك يبيعك شاته فارغة َ اللحم ِ والشحم مدفونة ً بجليد ِ .. والآخرُ يعطيك مرهمَه المقوّيَ من فرز ِ القرودِ ..

ذاك يبيعك سطوة ً مربوطة ً بنشيدِ ..

وذاك يريكَ أحلامَك من بعيد ِ ..

وذاك يصمد ابنته على فخذٍ سعيدِ ..

ذاك يخلعُ ثوبَ الجميلة حتى اللبِّ ،يكشفُ المفاتنَ كلها .. ويبيعك الرؤية ، اما اللمس فسعره أعلى .. وأما الخَرْقُ فسعره روحك ، وعليك لتحيا ، أن تخلق من جديد ِ ..

رأيتُ البائعَ من طين ِ بيعته ِ ، فبائع الورق منبسطاً كوريقاته ِ وبائع اللحم بلون القديد ِ ، وبائع الأساور مثقوب ٌ في وسطه ِ مثل الغرابيل ِ ،  وبائعُ المرأةِ مثلُ مَحْضَنِها ، ووجهُه مثل مهجع ِ الجنين ِ ، وطريق ِ الوليد ِ ..

لاتميزُ شخصاً عن السلعة ِِ ، فكل ما يبقى لديك هو الشعور بأنك اشتريتَ ،

 وأنت في الحقيقة ما اشتريتَ غيرَ أحلامِكَ ..

باعوني في السوق ِ كلاماً ، فاشتريتُ كما اشترى الذين كانوا نياما .. ثم سكتُّ وابتسمتُ لهم ، ورددتُ السلاما ..

. . .

عاد كلبي يشدني مستعجلاً ، وعاد طيري يشد في شعري..

هيا بنا .. قال أصحابي: هيا بنا .. قبل أن يبيعونا ، ويسجنون انطلاقتنا في أقفاصهم .. فكل شيء عندهم هو للمبيع ِ ، جلد الكلاب لهم سلعة  وعظامهم ، ريش الطيور لهم سلعة  وزَرْقهم ودماؤهم .. عصا الشجرة ، وكلية إنسان ٍ ودم إنسان وبسمة إنسان ونبضة إنسان .. كله للبيع .. هيا بنا .. قبل أن يبيعونا ..

نظرتُ في طيري ..فقال: أنا تعيسٌ إذ أرى أنني ماعرفت الحقيقة حتى أراها ، ودائماً ظني يخيب بمحتواها ..

سألت طيري : ماذا رايتَ ياولدي ؟!

أجابني طيري: رأيتُ جميلة ً تبيعُ جلدَ إبنتها ،

 وتدفع لمن سوفَ يرضيها ..

رأيتُ من يقتلُ الرجلَ لأجل شهوته ِ ، وشَيِّ كِبْدَتِهِ،

ليطعمها لإمرأةٍ ،  ثم يغوصُ بلحمِه فيها ..

. . .

فررنا من سوق ِ البائعين لانريد أن نعرف النفايات التي تبقى بعد بيعتهم .. فررنا قبل أن تصيرَ النفاياتُ فوق رؤوسنا.. ونُخنق في النفايات ِ ..

فررنا بعيداً عن السوق ِ .. سوق ِ الإنسان ..

 باحثين مجدداً عن بلاد ِ الأقحوان ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)


رأيتُ جميلة ً تبيعُ جلدَ إبنتها ،

 وتدفع لمن سوفَ يرضيها ..

 

 

30-الراكضون

كلما ابتعدنا في الأفق زادت مخاوفنا وزاد عدد الشوك الذي فينا ..

 كان طيري يجثو على صدري ، يحملق في الوشم ِ ، يحاولُ أن يضيفَ محبة ً لذلك الوشم ِ .. أدخل منقاره في عمقه فأحس بأن وشمي هو في أعمق العمق ِ ، ولونه من جنة ِ الخلد ِ ..

قال لي كلبي ،  وكلبي هو القريب للسّر ِّ ..:

أنا قد رأيت الوشمَ عندك ، وأنا أردت رفقتك ليكون أيضاً الوشمُ في عنقي .. رأيت الأقحوانَ في حلمي يغطي الأرضَ ويجعلها جناناً ، فلماذا لا تكون الجنان ُ في قلبي وفي جفني وفي حلقي وفي عنقي ؟!

قالت عصاي ، ومازال لحاؤُها يتخضّرُ :

إن حطموني أو كسروني في الطريق ِ ، وإن وصلتُ أو ماوصلتُ إلى بلاد الأقحوان ، فاذكروني ،  ووصيتي أن تزرعوني ،  وأن تدخلوني أرضَ الأقحوان ِ من كل أطرافي وحتى عيوني ..

 أدخلوني حتى غيابِ الضوء ِ .. وهناك ادفنوني ..

...

أحسست بنور القلوب يزرعني حنيناً  ..

لكن الأمر ماطال كثيراً ، فقد لمحت شيئاً ما يطير من خلفي ثم أمامي ..

ثار كلبي ، ثم انتشى ، وراح َ يقفز في كل اتجاه ، فما أن يرى مايثير رؤيته هنا ، حتى يرى مايثير رؤيته هناك ، من أمامه ، من جنبه ، من تحته ، من فوقه .. ومن كل اتجاه ..

أجسامٌ تتحرك في كل اتجاه ٍ ، ونحن لا ندري أيّ اتجاه .. إنها كتلٌ مقذوفة ٌ ، ليس لها ملامح ، إلا أنها ككتل الإنسان تجري بلا سبب ٍ عندما ينتشر الدخان ..

يطرق بعضهم فينا ، ولا يتلفتُ أحدٌ إلينا ، كأنما نحن في بعد ٍ آخر في الوجود ِ فلا يرونا ..

 أمرهم يحيرنا ، ويبعث السؤالَ لدينا ..

 ماهذا الذي يجري ؟

 وإلى أي الأماكن ِ قد أتينا ؟!

طار طيري يحدقُ ، وقلبُ كلبي يطرق ُ ..

ومن كل اتجاهٍ جاء الذهول إلينا ..

ما هذا الذي يجري ؟!

ومن أي فصيل ٍ من المخلوقات تلك التي تجري ؟!

إنها ليستْ من الطير ِ ..

ليست من الشرِّ أو من الخير ِ ..

ساعدوني أن أفهمَ مالذي يجري ..

فأنا لا أستطيعُ الرحيل َ ، ولبّي حائرُ الأمر  ِ ..

قال الكلب الوفيُّ:

سأنبشُ حفرة ً ، كما يُحفرُ القبرُ ..

وأنبحُ حتى يسقطوا في ذلك القبر ِ ..

...

راح كلبي في النباحِ طويلاً ولم يسقطوا في ذلك القبر ِ ، ولما اشتد لهاثه ، وأُعيي واحتار في الأمر ِ ..،  رأينا بعضَ الراكضين يركضون للقبر ِ ..

يسقطون في تسارعهم ،  كالسّاقط ِ في حفرة ِ النمر ِ ..

وعندما جئتُ أسألهم ، كانوا كلهم ككتلة ِ الصخر ِ ..

روائحهم كروائح ِ الموتى بلا كفن ٍ ، وأطوالهمُ تتقازمُ ،

من شبرين ِ للشِّبْر ِ ..

...

سألت نفسي كثيراً عن ذلك السر ِّ ..

 سألت كلبي ويمامتي والوشمَ في نحري :

ما الذي يجري ؟ ما الذي يجري ؟

 

قعدنا نفكر فيما يمكن أن يكون ، ثم نمعنُ النظرا ..

لا يمكن أن تكون أرضاً أو سماءً ، ولا ماءً ولا شجرا ..

لكنها يمكن أن تكون إنساناً مرّ أو خطرا ..

...

سمعت ُ صوتأ من جوف القبور يقرأ التلاحينا .. يرتلُ كصوت إنسان ٍ .. نعم ، صوتُ إنسان ٍ يقرأ الذي فينا:

نحن نجري ولا ندري ،

بأننا نجري لآخر العمر ِ ..

أيامُنا كثيرة ُ الجور ِ , خبيئة ُ العهر ِ

قلوبُنا مليئة ٌ بالصبّار ِ .. والصبر ِ ..

على مدى الدهر ِ

يقول واحد منا متى اقتناص  القلب من غيري ؟!

كلنا عبيد الغرائز ِ .. ناسينَ رؤيةَ َ الطهر ِ

كالبُلَهاءِ نجري ، كالعميان ِ نجري ..

لعمري ما الذي يجري ؟ ..

ما الذي يجري ؟!

_ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

31-المقبورون

لم نكد نخرجُ من بلاد ِ الراكضين حتى أخذنا نسمع همهمات خشنة تأتينا من كل الاتجاهات ، ثم تتوضحُ تلك الأصوات الجماعية العميقة .. حيث ترتجف الأرض كحرفين مع استطالة حرف الميم إلى أبعد ماتحتمله الأنفاس العميقة المتواصلة ...

أ ُوو مْ مْ مْ ..  أ ُوو مْ مْ مْ .. 

ومع ارتجاف واهتزاز الحلوق ترتجف الأرض ، ونرتجف نحن معها ..

أ ُوو مْ مْ مْ .. 

التفت عصاي تسألني ، وصار الطير ينقرني ، وراح كلبي يشمشمني ..

من الذي سوف يخبرنا ، من الذي سوف يعلمنا .. اذهب بُنيّ إلى الأعالي .. توضأ في رذاذ الماء ثم أخبرنا ..  واذهب أنت وشم تراب الأرض ِ ثم أعلمنا .. وتحسسي أنتِ الذي حولي ..

عاد طيري ليخبرني بأنه لم يلاحظ فروقاً فالأرض سواء في المشارق  والروابي وفي السهول ِ وفي السهوب ِ ..

ربما هناك انتباجٌ وتورمٌ  تراه ُ من هنا أو من هناك، لكنك مازلت تسمع ُ من هنا وكذلك من هناك : أ ُوو مْ مْ مْ .. 

عاد كلبي ليخبرني أن الأرضَ امتداد ٌ كامتداد ِ عين ِ الشمس ِ إلى أقصى مدى ، لكن تراتيل الحروف  أ ُوو مْ مْ مْ .. مازالت تترددُ في الصدى .. وهناك تورمٌ بحجم ِ رأسك منتشر ٌ من غير تعداد ِ ..

بحجم رأسي .. وحجم رأسي هو حجم رأس ِ إنسان ِ ..

من الذي  يذكُرُ حجمَ رأسي ، هنا ، ومن الذي سيذكرني بعد نِسْياني ؟!

ملت برأسي قرب التورم ِ والتصقت به ..

أ ُوو مْ مْ مْ .. 

من قاع ِ الأرض ِ ، من قاع ِ الصخر ِ تسمعٌُ في المغارةِ أصواتاً مرافقة ً..

أ ُوو مْ مْ مْ .. 

مغارة من عهد آدم فيها المقبورون من الأحياء ، كما من الموتى .. مغارة ٌ باتساع الأرض وباتساع ِ أعمار الوجود .. كلها ظلام ٌ عائم ٌ سرمديٌّ ليس فيه إلا جلبة ٌ وضياعٌ .. وقلوبٌ الأرانب ِ وأشكال ُ الحمير ِ بلا قناع ِ ..

أ ُوو مْ مْ مْ ..

...

هل ترون ، عائلتي ، ما رأيتُ وما أرى ؟!

 اهتزت عصاي ، وراح كلبي يعض الترابَ ، يذوقه ، وراح طيري يحوم ، يرقبُ أبعادَ القباب ، ثم يعلمني أن المسافة بين كل ورم ٍ وتاليه ِ ، هو بطول إنسان ِ ..

شمّ كلبي ، ثم ( تشمشم َ ) ثم تبرّمَ ، ثم تألم َ .. ثم تورّمَ ..

وجاءني متورّماً وكشّر عن شدقه ِ ، فصارَ وجه َ الدبِّ  ثم من التكشيرة َ ابتسمَ ، كأنما ابتسامته جاءت من عالم ٍ سفليٍّ .. كماهو على الإنسان ِ ، بعد شقاء ِ العمر والعجز ، أن يتبسّمَا ..

ظلّ منقبضاً متورماً ، إلى أن استفاق َ من غيبته ِ ، واستعادَ لشكلهِ قبلَ أن يتكلمَا ..

أقنان الأرض ِ هم .. أ ُوو مْ مْ مْ .. 

العاملون تحت ظلم ِ الآخرين من لحظة إيقاع ِ السوائل في بطون ِ أَماتِهم .. وإلى لحظة السقوط لحضن الأرض ِ مجددا ..

أ ُوو مْ مْ مْ .. 

هم المقبورون والمنتهكونَ دوماً في الظلمةِ ..

ولايعرفونَ معنى اللقمةِ النظيفةِ ..

 

إنهم أولئك الذين ولدوا من الإنسان ، ولم يعرفوا أن الناس في الحقّ كبعضِهم ، و لم يحلموا أبداً  بأرض ِ الأقحوان ..

أ ُوو مْ مْ مْ ..  

_ _ _ _ _ _ _

 (عودة للأعلى)

 

32- المشدوهون

تعلقتْ أشواكٌ جديدة في جلدة ِ القدم ِ ، وازدادت الأورامُ في ورمي ..

 وسألتُ نفسي: هل نحنُ في الطريق ِ للعدم ِ ؟!

ابحثوا لنا عن ظل رابية ٍ .. ابحثوا لنا عن النور في شجر ٍ ،  إفرحي عصايَ ، وابتسمي ..

 فرغم المأساة في قدمي والشوك الذي ينازعني ومصائب الناس ِ في قلبي ، فإنه لم تنته ِ الأشياءُ في ألمي ..

 فما زالتْ روحُنا ضدّ الشر ِّ ، مواصلة ً للبحث ِ عن قِيَم ِ ..

أريد أن أستريح َ ،أحبتي ، من بعض ِ العناء ِ من رؤية ألأقنعة ِ والآلام .. أريد أن أرى الأشياءَ من غير ِ أقنعة ٍ ،

أريدُ أن أعيش َ في القمم ِ ..

أحبُّ أن أرى في عيونِكم مدداً من الصبر ِ ،

 ومن أفضل ِ الشِّيَم ِ ..

 فنحنُ حتى الآن في الطريقِ إلى الأقحوان ِ لم نلتق ِ ،  إلا بالذئاب ِ والغنم ِ ..

 

ساعدوني في الوشم ِ ، الذي أرتجيه من عنقي ..

 كونوا معي في السّيرِ نحو مصدر ِ الألق ِ ..

فأشواكي التي غاصت إلى قلبي ..

 تحوِّلُ الأحاسيسَ عندي إلى مِزَق ِ ..

وكلُّ ما رأيناهُ من ظلم ٍ ،   لم يُكتبْ على وَرَق ِ ..

. . .

مشينا بخطوة ٍ وبأختها ..

سادرينَ في ألم ٍ وفي أَرَق ِ ..

لا نصدّقُ أن الذي يجري هو نفسُهُ ،

مايعملهُ الإنسانُ خلفَ عامِِيَة ٍ ،

 فيُدخلُ النفسَ في نفق  ِ ..

 كأنما يبلعُ نفسَه ُ ، كأشرس ِ العلق ِ ..

... ...

أمامنا .. هناكَ ، جذوعُ أشجار ٍ بلا جذور ٍ مصطفة ٌ ، كنبال ِ الصيد ِ في الخِرَق ِ ..

 كأنها تطفو على مَرَق ِ ..

وليسَ لأشجار ٍ أن تخونَ خائنة ً .. كما يمارسُ الإنسانُ في الليل .. في الفجر ِ والغسَق ِ ..

أشارت العصا نحو ناحية ٍ ، وتوجّهتْ إلى الفلَق ِ ..

وراح َ طيري يحوم ُ  ، وكلبي يجولُ ، يلملمون ما استطاعوا من الأشجار ِ من ورق ِ ..

. . .

  يعملون ضريحاً لبقائِنا ولجمعنا ، فنحن لوكنا في بلاد الأقحوان ِ لما غاصَ الشوكُ فينا ولما ارتجفنا ولما بكينا ، ولما احتجنا لتوقف ِ العذابات ِ في جنبينا ..

على الضريح ِ رقدنا ، ننظرُ في السماء ِ ،  ولا نرى سواها ، فقد راحتْ بلادُ العهر ِ  وارتحلتْ رؤاها ..

فرحنا نسألُ ثم نسألُ ثم نسألُ.. لماذا رأينا ما رأينا ؟!

 وهل ماهو اكبرُ في الطريق ِ إلينا ؟!

. . .

أجلسُ الآنَ وأحبتي جنبي ،

 نتكوّمُ في الضريح ِ ،  أنا أعدُّ ضربات ِ قلوبهم ،

 وهم يرقصونَ على ضربات ِ قلبي ..

نحن لم نرتكبْ خطايانا ، وليسَ لدينا الشعورُ بالذنب ِ ..

عصايَ سعيدة ٌ أنها مصنوعة ٌ من الشجر ِ ..

وكلبي سعيد ٌ أنه ليسَ من فصيلة ِ الإنسان ِ،

بل من فصيلة ِ الكلب ِ ..

وطائري الأخضرُ يصدحُ أنه يطيرُ مرتفعاً ..

 بعيداً عن أناس ٍ جُرْب ٍ ..

 لاتترجمُ فهمَها إلا بمدفع ِ الحرب ِ ..

. . .

منذ بدء الرحلة ِ ما غفونا ، فنحنُ في بلاد ِ الأقحوان  نومنا لايأتي إلينا ، لأننا لانكون قد تعبنا أو حَفوْنا .. ونحن في بلاد الأقحوان لانكون قد رأينا الغروبَ أو شقينا أوعرينا أو كبَوْنا ..

 ولكننا في بلد الإنسان ِ هنا ، نريد أن نغفوَ ، لأننا هنا قد شقينا وقد حفوْنا وقد كبوْنا ..

. .  .

 أصبحت بساطاً ، والعصا في الجنب ِ طولي ..

طيري الأخضرُ على صدري يلتصق في وشمي ..

كلبي منبطحٌ ورأسُهُ على كتفي ..

جذوع ُ الأشجار تمتد من قبل ِ رأسي من الأفق ، إلى بُعدِ أصابع ِ الأقدام ِ في الأفق ِ ..

أصبحنا الجميعُ متحدين َ في الوجود ِ وفي المصير ِ والعِلم ِ .. .. نسينا الناسَ في الجرم ِ ، ونسينا الترياقَ للسمِّ ..  ونسينا عوالمنا .. ورحنا نبتغي حلماً يوصلنا إلى الحلم ِ .. فحلمنا ألا توقفنا المصائبُ كلها عن الرحيل من بلاد ِ إنساننا العاصي ..  والوصول ِ إلى بلاد ٍ يتبدلُ الإنسانُ فيها إلى نبات ِ الأقحوان ..

غفونا متحدين كفروع الأشجار ِ أصلها واحدٌ مضمومٌ ، غذاؤنا واحدٌ .. وغذاؤنا هو حلمنا ..

وحلمنا ، هو أن نموتَ هنا .. وأن نعيشَ في أراضيِ الأقحوان ..

_ _ _ _ _ _ _  

(عودة للأعلى)

نحن لم نرتكبْ خطايانا ، وليسَ لدينا الشعورُ بالذنب ِ ..

 

 

القسم الرابع

أرضُ الأقحوان ..

(عودة للأعلى)

 

 

33- النائمون

غفونا ، ورحنا متحدينَ ، نبحثُ عن حقائق الكون ِ ،  ويرتخي جفني:

إن ما يجري في الحياةِ جنونُُ طفولة ٍ ،

وقد آن الأوانُ كي نصيرَ شبابا ..

أنا وعائلتي الصغيرة ، عصاي وكلبي وطيري الأخضر ، مازلنا في الوجودِ ، رغم مِشرطهِ ، يطاردنا سؤالٌ  .. ونطاردهُ جوابا ..

كتبنا أننا كتلة ُ الخير تتدحرجُ ، وهي في التدحرج ِ لا تصيرُ كبيرة ً .. بل تعرّتْ .. تركتْ إهاباً .. شلحتْ ثيابا ..

والكل يريدُ عفافها .. يهوى اغتصابا ..

من النّاعمينَ إلى القافزينَ إلى المتأرجحين إلى القاتلينَ إلى ذئاب ِ القلوب ِ.. تريدُ عفافنا .. تهوى اغتصابا ..

. . .

السماء والهواءُ وأجفانُ كلبي ترتعشُ .. وطيري يسبق دقات ِ قلبي .. وعصاي جزء مني .. ننام ونغفو ، لكن الأهم هو باق ِ وليس ينام ُ .. إنهُ الوشم في عنقي ، على صدري ، وقد دخل الجوفَ والحلقَ والدم َ والحركة والأجهزة َ وتحول إلى أقحوان ٍ في جسدِ الإنسان .. كنت وأنا أغفو أعتقد بأني تويجاتُ زهر ٍ ربما صفراء أو حمراء أو خضراء أو زررقاء أوكلَّ الألوان ِ في بلد ِ الأمان .. أطيرُ في سقف ِ الجنان ..

. . .

في النوم ِ كنت أرى ، وكان رفاقي نياما ..

ارتفعتُ فوق رأسي ، أراني وصحبي على جذوع ِ أشجار ٍ ، كتلة ً تتحركُ في هوينا .. كلنا نتحرك وكأننا على صدر السفينة ، في انسجام ِ..

تهب من البرودِ نسمتهُ .. ونسبحُ إلى دنيا ظلام ِ ..

في هدوء ٍ ، في التحام ٍ ، في سلام ِ ..

أحس بنفسي تسْكتُ الأشواكُ في قدمي .. لا تريد أكلَ إحساسي ..  صحيحٌ أنها أتت من جنون ِ الناس ِ ،  لكنها بدأت ترى أنها تؤذي بأوامر ِ الناس ِ،  وليسَ من ِِ اهتمام ..

نمشي الهوينا ، يلفنا صمتٌ .. صمتٌ وهمسٌ أتى من جذوع ِ أشجار ٍِ تلامسُ ماءَها ، وهي راضية ٌ رغم أنها من غير جذر ٍِ ، طالما أنها خليطة ُ الماء ِ .. طالما أنها ترى السماءََ وليسَ بها قرود ٌ ..

 وهي قادرةٌ في همسها أن تتحدثَ للسماء ِ ..

تركتُ كثيراً من العذابات ِ خلفي ..

 وخلفتُ آلامي ورائي ..

 على أمل ٍ أن لاتكونَ الآمالُ فينا لا ترتجى ..

 أو رحلتْ إلى أرض ِ الفناء ِ ..

أراكم ، أحبائي ، وأنتم على صدري نيام ٌ ..

أراكم بكل ما في قلبي من صفاء ِ ..

أراكم وأريدكم أن ترحلوا معي من أرض ِ الشقاء ِ ..

أراكم ، وعيونكم في الليل ِ مغلقة ٌ ، من فرطِ العناء ِ ..

غير أن قلوبَكم بقلبي مربوطة ٌ،

 نبضُها من نبض ِ الضّياء ِ ..

لا أريدُ ان أعيشَ وحيداً ..

 فبقاؤكم الوحيدُ الذي يعني بقائي ..

. . .

الليل غيرُ موجود ٍ في بلادِ الأقحوان .. ونحنُ في الليل ، فنحن لسنا في بلادِ الأقحوان !..

إنما ، ربما نحنُ في الطريق ِ ، آمل أننا في الطريق ِ ، إلى بلاد ِ الأقحوان ..

. . .

نحنُ نيامٌ ، وأنا أرى في نومي أكثر مما أرى بأنظاري .. فالطريقُ أمامي هنا مفتوحة ٌ ، وليست مقيدة ً بأجفاني ..

لستُ مقيداً بوزني أو ظنوني ، ولابالرغبات ِ أو ِ الجنون ِ .. لستُ سجيناً في أي أمر ٍ .. ولهذا أنا أرى بدون ِ قيد ٍ أو شجون ِ .. أسافر في الأزمان أخطوها كما أرضى ، وأنا ضمنَ عائلتي التي أحبُّ ، أرى الحقيقة َ من غير ِ العيون ِ  ..

. . .

استمرَّ الليلُ يسري .. واستطالَ ،  لا نرى فيهِ شرّاً كثيرا .. ربما نحن لا ندري أننا بعيدونَ ، فالليل دوماً للنكاح ِ وللسّفاح ِ ، وللصوص ِ ، ولمن يريدُ أن يصيرَ أميراً ،  وكذلك لمن يريدُ ان يصيرَ أسيرا .. لمن يبتغي أن  يطولَ في يده ِ ، ويجعلَ خصمَهُ خصماً صغيرا ..

رأيتُ الليلَ ليلَ غانية ٍ .. مصيرُهُ كمصيرها ، مقرّحٌ ومجرّحٌ .. وغطاؤهُ عطورٌ مضمّخة ٌ ، وفي آخر ِ الليل ِ ملقيّة ٌ كممسحة النفايات ِ ..

وأنا وصحبي في مركب ِ الليل ِ قد سرنا نياماً ، نأملُ ان لايكون الليلُ فينا هو آخر التطواف ِ ، فهذا ليسَ هو المبتغى .. لكنه إن كان لابد من الليل للوصول ِ إلى بلاد ِ الأقحوان فنحن في الطريق ِ إلى الأمان .. حتى لولم نكن ِ الآن في دار الأمان ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

34- الرؤية في الظلام

أفيقوا أيها الصّحبُ ، استفيقوا ..

 تحيطنا أخطارُ ..

الليلُ صدرُ تأرجح ٍ ، والليلُ غدرٌ وغدّارُ ..

يعطيكَ في البداية نسمة ً ، ويشجيكَ مزمارُ ..

تراهُ مجنوناً بحبّكَ ، ولحبّهِ أنت مختارُ ..

تظنُّ الصدقَ غايتهُ ..

فيأخذ من الدهر ِ خِلسته ُ ،

ويطعنُ ظهرَكَ .. ويقصُّ الطولَ نشّارُ ..  

 وأنت في حبّهِ ،

 مازلتَ تحتارُ ..

. . .

أفيقوا أيها الصّحبُ ، استفيقوا ..

البحرُ صدرُ تأرجح ٍ  ، والبحرُ غدرٌ وغدّارُ..

يهاديكَ في البداية ِ حَضْنة ًَ ، وتطريكَ أوتارُ ..

تراهُ صديقاً لقلبِكَ ، ولصدقِهِ أنتَ مسبارُ ..

مازلتَ تعشقُ بحركَ ، حتى يغافلكَ بلحظة ٍ ،

ويأتيكَ دوّارُ..

أفيقوا أيها الصّحبُ ، استفيقوا ..

فانا بحاجةِ صدقِكم وعيونكم وأنوفكم ..

ظلامي دامسٌ .. والرعبُ يملؤني ..

لكن العزم َ إلى بلاد ِ الأقحوان ِ يأتيني .. وإصرارُ ..

 

تلمّظ َ الكلبُ يلحسني ،

وطيري يُدخِلُ في الوشم ِ مِنقارُ ..

وعصايَ كالشجر ِ القديم ِ ، لا يُخيفُ إعصارُ ..

 

لو بقيتُ في عالم ِ النوم ِ فلربما ما أيقظتكم ، فأنا في النومِ غيرُ مقيّدٍ ، لكنني وأنا متيقظ ٌ ، والليل حولي والبحرُ حولي، أحتاجكم كي تضيفوا عيوناً للعيون ِ وأنوفاً للأنوف ِ ورؤى تُضافُ إلى الرؤى ..

نحنُ وحيدون َ على طوْفِ أشجار ٍ عندَ أبعادِ الليل البهيم وعند أبعادِ المحيطِ وعند أبعاد ِ السماء ِ ..

لسنا نحتاجُ رغيفاً ، ولسنا بحاجة ٍ لغذاء ِ..

لسنا بحاجة ٍ لطبيب ٍ، ولا بحاجة ٍلدواء ِ  ..

نحنُ بحاجة ٍ لمن يفهمُ قصدَنا ،

نحنُ بحاجة ٍ لمن يقرأ سرنا ،

نحنُ بحاجة ٍ لغِناء ِ ..

فدنيا الأقحوان ِ نرجو قصدنا  ،

ودنيا الإنسان ِ .. بحاجةٍ لرثاء ِ ..

 

قال الكلبُ:

لا أستطيعُ البحثَ في الطرقات ِ فلست مهيأً للسير ِ في البحر ِ ..

وقالَ الطيرُ:

لا أستطيعُ الطيرانَ في الظلمةِ ، فأنا مُعَدٌ للطيران في بلادِ الأقحوان حيثُ لا ليل ولا ظلام ..

أما عصايَ فقد بكت ثم قالت:

أستطيعُ السباحة في البحار ِ ، لكنني بحاجة ٍ لليد ِ التي توجهني ، وأحتاجُ لمن يرى عنّي .. وإلا فالذهاب يعني أنني لن أعود أبداً إلى حضن ِ أمي .. ولن تستطيعوا تنفيذَ وصيتي وزرعي في بلادِ الأقحوان ..

أجبتهم:

دعونا كما نحنُ ، لاصقونَ بالجذوع ِ ، نتأرجح في البحرِ، ونسكنُ في الليل ِ .. وننتظرُ الضياءَ ، فلعل لنا نصيبٌ في أن تستمرّ رحلتنا ، ونصلَ إلى بلد ِ الأمان في أراضي الأقحوان ..

سأل كلبي فجأة ً:

هل من المؤكد وجود تلك البلاد التي ترفلُ بالأمان ؟!

أجبتهُ متأكداً:

نعم ! ..هناك حبيبتي .. قد كنتُ هناكَ ورأيتُ حبيبتي وتعلمتُ منها دروسَ الحبِّ .. غداً عندما يأتي الضياءُ مجدداً ، شاهد ملياَ الوشمَ عندي ..

 سترى في الوشم رسمَ حبيبتي ..  

           _ _ _ _ _ _ _

  (عودة للأعلى)

قاربٌ ضَلَّ طريقه ..

 

35- أرضُ الأقحوان ..

مرّتْ دهورٌ والليلُ يرسلنا ، في عُبابِ الموج ِ يُلقينا ..

حيتانٌ بحجم الموتِ تدفعنا.. رياحٌ من هنا لهناكَ ترمينا ..

ليس لدينا قلوعٌ توجِّهنا وترشدنا ..

 الموتُ يتركنا ويأتينا..

ليسَ لدينا سوى رحمة تريدُ بقاءَنا .. فتبقينا ..

جذوعُ الأشجار ِ تحضننا ، تواسينا وتحمينا ..

رذاذ ُ الماء ِ فوقَ رؤوسنا يدغدغنا ويسقينا ..

. . .

نحن متأرجحون متكومون خائفون أن لانبلغَ غايتنا ، وليس من موت ٍ سيأتينا .. في كل الأحوال ِ يأتينا ..

أحلامي قبل أن تدقّ الطبول  وتشبع ثم ترتوي الأرض من دماء وجثث بني الإنسان كانت في أن أبقى وحبيبتي ، أتعلم الحب منها ، وأصغر في الجسم وأكبر في الحب في نهار بلا ليل ولا ظلام.. كانت أحلامي أن أعيشَ وإياها في ربيع الأقحوان .. حيث لانفايات لبني إنسان .. ولا شراً يستطير في أيِّ كيان ..

تلك كانت أحلامي وقد قتلوها كما أبادوا الأقحوان ، وبقتلها فنيَ الوجودُ وكأنه ماكان .. إلى أن صار اتفاق الريح والشمس والأرض .. فعادت الآمال في أن ينبت من جديدٍ نباتُ الأقحوان .. ولعلّ الإنسان يعي أن قتلَ الآخرين هو قتلُ الذات ِ ، وأن حبَّ الآخرين هو حبُّ الذاتِ في بلاد الزهور والريحان ..

لكنّ مارأيناهُ حتى الآن يزرع الأرض صلباناً لصلب كل نبات الأقحوان ..

لكنه لم ينقطع أملي .. فأنا ، وأنا في أعالي الموج ِ أشمُّ، وشمَّ كلبي معي ، أشم رائحة ً تقولُ إن أرض الورودِ الموعودةِ تظهر فجأة ً ، عندما يموت الليلُ ونخترقُ العُبابَ و ينقشعُ الضباب..

زادَ الموجُ هجمتهُ .. زاد الليلُ سوادَهُ ..

 زادت الريحُ انصبابا ...

 ندهْتُ كلبي .. ندهتُ طيري .. ندهتُ العصا..

فما سمعتُ جوابا ..

وعلى الجذوع ِ لصقتُ نفسي ..وأنبتُّ أظافري ،

وبها رحتُ أنقشُ في اللحاء ِ كتابا ..

سِفرُ الوجودِ إن لم أكتبْهُ أنا ، فمن سيكتبُهُ ،

قبلَ أن يعودَ الوجودُ يبابا ..؟!

أقفلوا أيها الناسُ ليلَ الطلاسم ِ في القلوب ِ ..

قبلَ أن تجعلوا النهارَ خرابا ..

ولتجعلوا أرضَ  الأقاحي عينَكم ،

قبلَ  أن تصيرَ العيونُ ذبابا ..

ولتزرعوا الأرضَ يانعة ً ،

قبلَ أن يصيرَ الأجاجُ لعابا ..

وكما تقولُ حبيبتي ..

اجعلوا من الحبِّ مبدأكم .. اصنعوا منهُ الشّرابا ..

دعوهُ يسكنُ قلبَكم ، وينسابُ انسيابا ..

كلما طعنتم في السنين ِ فليصبحْ مُهابا ..

لاتقولوا بلسانِكم ، وقلوبُكم تبتعدُ اغترابا ..

أحبيبتي !

 أينَ أنتِ حبيبتي .. والموجُ يضطربُ اضطرابا ؟!..

لقد ذبحوا الحبَّ الذي تؤمنينَ بهِ ،

وأغرقوني لأنني آمنتُ فيك ِ ،

وآمنتُ أن حبّكِ لن يكونَ ذهابا ..

بل هو احتلالٌ لكلِّ القلوب ِ ،

حَسُنَ الحبُّ للقلوبِ مآبا ..

أحبيبتي .. وأنتِ بعيدة ٌ ..

لا تجعليني كتلة َ شوق ٍ ..

لا تضعي في قلبي حرابا ..

أنا في خضم الموتِ أحتاجُ حبّكِ الذي أرجعَني شبابا ..

. . .

هنا نحنُ غبنا ، كلنا غبنا ، وجاء الغيبُ يفصلنا بعد توحدٍ، ونحنُ في الانفصال لاوجود لنا .. كأشجارٍ بدون جذر ٍ ..وكجسم ٍ بدون ِ رأس ٍ ..فقتلنا أسهلُ بكسر المفصل ِ ، ولا يحتاجُ لأكثر من ضربةِ معول ِ ..

زارنا الموتُ مرات ٍ وتردد في أخذنا ، فنحن لم نألمْ بما يكفي ، ولا يجوزُ أن تكونَ حياتنا هي أن نرى .. بل علينا أن نرى الدرسَ الأكبرَ في الحياة ِ الذي ما خبرناهُ وما رأيناهُ ..

وهكذا وجدت جسمي على الشاطيء مهجوراً .. عارياً كمثل كل المخلوقات يوم الولادة .. نظرتُ حولي بعيداً ، ورحتُ أنُط ُّ جديدا .. لأبحت عن رفاقي كلبي وعصايَ وطيري ..

فربما أنا في بلادِ الأقحوان .. النورُ يملأ كل شيءٍ .. ولكنني من غير أحبتي ورفاق الرحلة فانا لن أشعر بالأمان ولن أسرح في الجنان حتى لو كنت في بلادِ الأقحوان ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

36- رفاق الرحلة

أظن أني في بلاد الأقحوان ، فهاهي الشمسُ لم تغب ِ ..

وها أنا ذا تخلصتُ من خوفي ومن تعبي ..

 وها هو الهدوء الذي يلفّ الكونَ من حِقب ِ ..

لكنني ، وأنا وحيدٌ ، لا أحبّ أن أكون وحيدا.. مثل آدم َ ، وقد أتى إلى الجنة ِ ملَّ أن يكونَ سعيداً ، طالما أنه عدَّ أنفاسَهُ ، وظلّ يعدّها عدّاً مديدا .. فكانت مطالبه لخالقه ، أن يكون في الجنان سعيداً ، دون أن يكونَ وحيدا ..

 

أين طيري الأخضر ؟! .. لا أظنه إلا وقد زاد اخضرارا ..  أين كلبي الوفيّ ، والذي بنباحه ِ أزدادُ انتصارا ؟! .. أين عصاي التي أمها الشجر ، والتي رغم انفصالها عن أمّها بقيت مخضرة ً ، ولم تقض ِ اصفرارا ؟!..

آملُ أنهم عندي في بلاد الأقحوان .. هل همُ تركوني .. أم أنهم لم يلحقوني ؟!  

 أم أنهم مازالوا تائهينَ في بحر ِ المُجون ِ ..

نظرتُ إلى الجنان ِ .. هاهناك على بعد ٍ أمامي ..

ولفتُّ عظامي أسأل البحرَ وموجَهُ الطامي ..

لكن مخاوفي عادت إليّ ، ترسمُ على شفتي ابتسامي ..

ومشاعري تدقُّ في صدري ، تنبؤني بروح ِ التسامي ..

ثم جلستُ في حضن شجيرة ٍ بين فرعيها ، وأنا أضم فرعيها ، وهي تضمني .. وابتسامة الفرح تمسح كل جوارحي ، وبلحظةٍ أخرى تضم جوارحي ابتسامة الألم ِ ..

انتظرتُ طويلاً ونسيتُ أني في بلاد الأقحوان ..

 

قبّلي ماشئتِ قلبي قبلي ..

أريد صحبي .. أين هم ؟!

وقلبي في أجيج ِ المِرجل ِ ..

لكن قلبي كان يقول لي ، وعن ثقة ٍ ، بأن الجنانَ وأقحوانتي، وأنا وأصحابي في سلام ِ ..

في حضين الشجيرة ِ بين فرعيها ، غفوتُ في حضن أمي وعلى يديها ..

ونسيتُ دنيا حفيتُ وقطعتها ، وذكرتُ دنيايَ التي رحلتُ إليها ..

 أنا أطير بروحي أبحثُ عن رفاقي ..

 

كثيرٌ من الزهور أمامي ، كبُعدِ الرؤى في الخيال ِ ،

كأحاسيس ِ اشتياقي ..

هناكَ أشجارٌ إلى عندِ السماء ِ غزيرة ٌ ،

 تتجمّعُ في عُرس ِ التلاقي ..

ولاتعرفُ معنى الفراق ِ ..

وعصايَ هناك تحقق حلمَها ،

 فتعودُ خضراءَ بلونِها وبلبّها ،

وتمتد جذورُها إلى عمق ِ ارض ٍ ..

وتنطلقُ البراعمُ في انبثاق ِ ..

فأراها سعيدة ً ، وظليلة ً ..

وترقصُ في انطلاق ِ ..

والعصا عادت كما كانت ،

غصناً يفرّعُ غصنَه ُ ..

ويفرحُ بالتلاقي ..

فتركتها لمصيرها ِ وأنا سعيد ٌ ..

كأفراح ِ قلبي ، عندَ انعتاقي ..

 

هناكَ أشجارٌ إلى عندِ السماء ِ غزيرة ٌ ،

وأنا أطير بروحي أبحثُ عن رفاقي ..

عصايَ توالدتْ وتعاظمتْ ورأيتُ عبابَها ..

ذهبتُ إليها واقتربتُ  ..  رأيت جذوعها وفروعها ولقاءَ رؤوسها بعين الشمس ضاحكة ً .. ولمست مزيجها بالنور والأنسام ِ ..

أذنتها أن أكتبَ على جذعها عبارة ذكرى..

فتمايلت كعاشقةٍ .. وقالت إنها أحبتني رفيق رحلتها .. وهي ترغب أن تزيد حبها مرة ً أخرى.. فهي الآن في بلاد الأقحوان ِ لاتعرف غير الحبّ ولا ترى سواه ..

كتبتُ:

 .    ..   .   ...    ... .. .

وكتابتي ما كانت لمخلوق ٍ أن يراها .. فهي طرقاتُ قلب ٍ ومشاعرُ لا تستطيع كتابة ُ البشر أن تصوغها أو أن تصوغ معناها ..

لكنها بقيتْ محفورة ً عندها ودائماً تحسها وتقرأها .. تغنيها وتنشدها .. وتهواها ..

. . . . .

مددتُ أنظاري ، ألملمُ الشوق عن وريقات صغيرتي التي كانت عصا ، وكانت أخضر قبل ذلك ثم صارت كذلك بعده ، وتبعت أنظاري لقرص الشمس ِ ، وإذ  بي أفرحُ من جديدٍ كالذي يولدُ من جديد ..

رأيت طيراً أخضر في أعالي الفروع .. إنه طيري .. ثم جاءت طيورٌ مثله تعدادها في الدوام ِ على ازدياد ِ ،

 فما عرفتُ من هو الأخضر الذي هو طيري ..

وإذا كان طيري الأخضر ابنٌ لي ..

فكل هاتيك الطيورُ أولادي ..

سمعت الطيور تغرد عالياً ..

تحوم فوقي .. في اقتراب ٍ وابتعاد ِ ..

ثم تحط ُّ حولي ، تسوّرني .. تغرّدُ لي ..

وتوقظ ُ كلَّ أوصال ِ الوداد ِ ..

أحس بأن جلدي تحوّلَ ريشاً أخضراً ،

ولاحدودَ للريش ِ الأخضر ِ في امتدادِ ..

قلت لهم:

أنا سعيدٌ أن أراك طيري وأنتَ .. وكلكم ..

أنا سعيدٌ أن أراكم تسكنون َ أبعادي ..

أغني لكم من القلب ِ أغنية ً ، لم أغنها إلا لأولادي:

. .  . .    .   .  .  .  ...

لم يسمع ِ الخفقات ِ من قلبي سوى طيري .. وأغنيتي بقيت عندهم تسعدهم وتطبع عندهم أن أحلى الأغاني هو ما لم تقله شفاه ٌ .. وما لم ترتجفْ له الآذان .. بل هي ما تدق أو تهتز له القلوب .. وما له عواطف الحب الجميل ِ تزدانُ ..

 

كتبتُ قصيدتي على لحاء الأشجار .. ولطيري غنّيتُ أغنيتي ..

ثم نظرتُ في الطريق البعيدة نحو الجنان في بلاد الأقحوان .. وامتدت قدمي لتخطو ، ثم تسمّرت ..

أنا أطير بروحي أبحثُ عن رفاقي ..

 كثيرٌ من الزهور أمامي ، كبُعدِ الرؤى في الخيال ِ ،

كأحاسيس ِ اشتياقي ..

من أمامي ومن خلفي ومن كل جوانبي تأتيني همهمات كلبي الصغير ، نبضة ُ درب ِ الطريق ، منذ أن اختار أن يكون معي.. منذ ان كانت لحظات التلاقي..

تلفتُّ في كل اتجاه ٍ فرأيت كلبي ، وكأنه منعكسٌ في مرايا، كلما عددتَ أفراده تضاعف التعدادُ ،

إلى مالاينتهي من التعدادِ .. وقد صارت الدنيا وفاءً من غيرِ حدودٍ ومن غيرِ ابتعاد ِ

.. هجت كالأطفال ِ من فرحي ..

 أريدُ أن أوقظَ أولادي وأحفادي وأجدادي ..

 لأقول لهم إني في أرض ِ الأقحوان ِ لاتأتي الأشجارُ ولا الطيورُ ولا المخلوقات جميعُها ،

 إلا لإسعادي ..

جاء الكل يحضنني ، وروائحها من مقطوفات ِ جنتها، مأخوذة من زهور المحبة في الحقول ِ وفي البوادي ..

فهمهمتُ كمثلها .. لغة ٌ لهمُ يسعدون بها .. وأنا تعلمت في وشمي ، أن الطريق إلى الأقحوان ِ والأرض ِ .. طريقي إلى أمي ..

 

الأشجار من فوقي .. الطيور تحوم عند سمائي .. الكلابُ من خلفي وحولي وقدامي ..

فصنعتُ من الحبِّ أعلامي ، وفي الوشم عندي ، غرستُ أعلامي ..

في حضين الشجيرة ِ بين فرعيها ، غفوتُ في حضن أمي وعلى يديها ..

ونسيتُ دنيا حفيتُ وقطعتها ، وذكرتُ دنيايَ التي رحلتُ إليها ..

 أنا أطير بروحي أبحثُ عن رفاقي .. وقد وجدتُ رفاقي الذين يسكنون ضمن قلبي وأحداقي ..

 

تركت كل الذين تمنيت الحياة جوارهم .. من أجل أقحوانتي التي صار وشمها يصرخُ  فيني .. يناديني .. فالمصير عندها هو المكتوبُ على جبيني ..

وهو السطور المسطّرةُ في صحائف ِ الوجود ِ والكون ِ والتكوين ِ .. وهو الذي يعشقُ كل فنون ِ تلحيني .. وهو الذي هدر الصعابَ وأبقى على وشمي لصيقَ جسمي ولصيق نفسي ولصيق عيني ..

وشم حبيبتي هو المصنوع من الحبِّ والخير ِ والذي من أجل ذاكَ في الوجود ِ يبقيني ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

37- على الطريق

كان جزءٌ من قلبي ندائي.. تركتهُ فرحاً ورائي ..

 وكان كل ماحولي يودّعني ويهزجُ بالثناء ِ ..

مشيتُ وأفراحي تسابقني ،

 وتتركُ خلفها عهد الشقاء ِ ..

تمسَحُ اللونَ القديمَ على جبيني ،

 وتحمّلني أثوابَ وردٍ ،  من أجل ِ ارتدائي ..

بلادُ الأقحوان ِ مديدة ٌ وجميلة ٌ ،

مطرّزة ٌ بحروف ِ الوفاء ِ ..

هذه أرضٌ الحبُّ فيها حياة ٌ ،

والحياة ُ فيها تجدرُ بالبقاء ِ ..

مشيتُ كالطيور ِ معانقاً ضوءَ السّماء ِ ..

أرى الأرضَ سعيدة ً بنور ِ الضّياء ِ ..

الندى يبلبلُ ريقها ،

فلا تحتاجُ إلى شتاء ِ ..

أرضُ الأقاحي لا تحتاجُ لزمهرير ٍ ،

ولا إلى ريح ِ الفناء ِ ..

أرضُ الأقاحي تبادلُ نسغها ،

بديلَ البيع ِ وللشّراء ِ ..

أرضُ الأقاحي لاتخبّيء وجهها ،

ولا تعرفُ بيتَ الخِباء ِ ..

تنطلقُ جوارحي في كلِّ صوب ٍ ،

فأنا ابن أرضي .. ابن السماء ِ ..

 ابن أبناء ِ الضياء ِ ..

. . .

في الطريق ِ إلى أقحوانتي وعروسي في بلاد الأقحوان أخذتُ أبني في القلب ِ قصائدي ، كي أتعلم الغناء في أرض ِ الغناءِ والحبِّ .. وقصائدي ليست بالكلام المنطوق أو المكتوب ، بل في رمشةِ عيني ورجفةِ قلبي ، قصائد الحب لاتقالُ هنا ، بل تكون بتبادل النسغ ِ من عرق ِ أقحوان ٍ إلى الحياة ِ في عرقي وفي نبضي ..

على يميني رأيتهُ صرحاً يُقبْقِبُ في الأعالي ، ورأيتهُ صرحاً من أجل ِ كلِّ جميل ٍ يعملُ للجمال ِ .. فهرعتُ أزورُهُ ، رغم أني في الشّوق ِ العارم ِ للحبيبة ِ والوصال ِ ..

رأيتُهُ صرحَ الروائع ِ ،

 يتخطى ما تكرّسَ في الخيال ِ ..

دخلتهُ مستبشراً ، وابتسامتي أعرضُ من جبال ِ ..

وإذا بالجبال ِ تجثو على شفتي ، وتربطها طيَّ الحبال ِ ..

فهناك قد رايتُ أناساً من عهد آدم َ  يركعونَ صغاراً ، ورؤوسهم أكبرُ من تلال ِ ..

دموعهم في محاجرهم لاتغيبُ و تسقط ُ ..

تثلجتْ محاجرهم لا في احتراق ٍ ولا في ابتلال ِ ..

كُتِبتْ على جبهاتهم أنهم أصحابُ فكرة ٍ ورؤى ،

من يوم ِ أن ولدوا ، وإلى حدّ الممات ِ ..

كتبوا كثيراً .. صَدَقوا كثيراً ..

وتحدثوا في الكثير ِ من السّمات ِ ..

وقالوا إن قانونَ الحياة ِ لظالم ٌ ،

ودهورُ الظلم ِ تضحكُ للجناة ِ ..

وهم هنا ، من كلِّ جوانب ِ الدنيا ،

ومن يوم خلق ِ الوجود ِ يلتقونَ هنا ،

 ليتحدثوا ، وليكتبوا كلّ الكتابات ِ ..

ثم لتلقى كلماتهم في النفايات ِ ..

ثم ليكبرَ رأسُهم ، ويَصغُرَ رزقهم ..

ويوضعوا محجورين ،

 في حجْر ِ الإصابات ِ ..

نعم !

فقد أخلوا بقانون ِ الغاب ِ ..

     أو قوانين ِ الحياة ِ ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

38- تحتَ الطريق

ما نطقتُ بحرف ِ شفة ٍ   .. مشيتُ نحو حبيبتي ، ورأسي يرغبُ أن يستميلَ نحو الأرض ِ يسألها .. لكن الأرضَ كانت كمثل ِ أبناء الصرح ِ صامتة ً وقد توقف بعض الندى بين جنبيها ..

النور في بلاد الأقحوان لا يغيبُ والنهارُ لاينتهي .. وأنا سعيدٌ أن أكونَ في بلاد الأقحوان .. فعند عالم الأشجار والطيور والكلاب ليست هناك صروحٌ ورؤوس كبيرة وأجسام هزيلة  .. ولذا فهم في بلاد الأقحوان .. أما أنا فراح الشك يأكلني فيما إذا كنتُ على الطريق ِ الصحيح ِ إلى بلاد ِ الأقحوان ..

 

مشيتُ نحو حبيبتي وبكيتُ وسال دمعي .. وأنا أعرف أن دمعي يوقظ ُ الهاجعَ في بلادِ الأقحوان .. من أجل الدموع يغفرون الذنوبَ في بلاد الأقحوان .. ولكن دمعي حيثُ أنا الآن لم يوقظْ أحداً في هذا المكان .. فأنا إذن لم أطأ حتى الآن أرض َ الأقحوان ..

استمال رأسي ليسأل الأرضَ فأحس بها حزينة ً كحزن الليالي ، مفتوحة الفاه بزينة ٍ ولا تستطيع غلقَ فاها ..

فدخلتُ جوفَ الأرض ِ أستطلعُ حزنها .. فوجدتها                                                                                      وريحُ الخلِّ عاصفة ٌ ، سوداءَ  كيوم الموتِ تقتلُ في جناها ..

وجدتها وقرقعة ُ السكارى تذبحُ في حناها .. ماذا يفعلون هنا ؟!

هنا كل الناس تقذف من أسافلها وتبلعُ ريقها وتمصُّ شفاها ..  هنا يستمتعون بالنيل ِ مِن مَن هو غيرهم ، ويأخذون َ دموعَها برضاها ..

 تحت اسم اللذائذِ يفرطون عقودَ الرمان ثم يهرقون رحيقها ويسحقون بذورها ويلعقون شفاها ..

 ثم يكذبون تباهياً وأكبرُهم هو أكبرُ من تباهى ..

تذكرتُ أني في الطريق على السراط ِ رأيت حلقي ينشطر انفلاقاً للظلم الذي رآه تماهى .. وها أنا ذا في بلاد الأقحوان أنشطر من ذعر ٍ لقلع ِ العيون ِ وهدر ِ دماها  ..

عندما رأوني لست سعيداً لفعلتهم قالوا اطردوه فهو من أولئك ذوي الصروح هارباً بجنونه ورأسُه أضحى كبيراً كالتلال .. قد يسد لنا شقوق الأرض تخفينا .. ويُدخِلُ نور الشمس فينا فلا تعود لذائذنا في الظلام ولا نراها ..

هرعتُ أخرج من ظلام الدفن قبل أن يطبقوا على عنقي وتختفي بلاد الأقحوان في شقٍّ وينتهي ألقي .. فتركتهم .. وأسرعتُ الخطى ، أنفاسي تسابق خطوتي ، وعيوني تجري للورود تعانق لونَها وأريجَها وتفرحُ ، وبالنور تزدادُ انشداها .. لا أريدُ أن أرى جنبي ، ولا أريدُ أن أرى تحتي .. أريد أن أجري متسارعاً، وعروقُ الأقحوان يأخذني شذاها ..

أنا لا أريد من الوجودِ غير عالم ِ أقحوان ٍ ، ومن عالم الأقحوان ِ لا أريدُ سواها ..

 أسرعتُ أنهبُ الأرضَ والظلالُ ورائي ،

وآكلُ من الطريق ِ أقصاها ..

هي  في وشمي وفي نبضي ..

 لايُبقي على النبض ِ إلاّها ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

 

39- اللقاء

الأرضُ منهوبة ٌ تحتَ أقدامي ..

رفعتُ أعلامي على وشمي ..

 ورحتُ أطيرُ لمقصدي  السّامي ..

أبلبلُ بالعيون ِ بريقها ..

وأرقصُ في ضوئها الهامي  ..

أزرعُ الترابَ محبتي ،

وأنسى عالمي الدّامي ..

أنسى أنني غربالٌ ،

مثقّّوبٌ دربُ أحلامي ..

فأسرعُ ثم أسرعُ في الخطى ،

فلعلّ حبيبتي تحاضنني ..

 قبلَ إعدامي ..

ولعلني أعيشُ في حضنِها متورداً ،

حتى لو كان القصيرُ أيّامي ..

ذابَ رفاقي ضمنَ الأحبّة ِ ،

 وهم في بحر الأحبة ِ ،

يأسفون لفرط ِ آلامي ..

لكنني منذ أن تعلمتُ من الحبيبةِ حُبَّها ،

ومنذ أن دقتِ الطبولُ وسادَ الحديدُ ،

ثم امتزجتُ في ترابِ الأرض ِ ،

ما كانت الأحلامُ عندي من فرط ِ أوهامي ..

وما تخليت قط ّ عن ورد ِ أحلامي ..

 

بحارُ الورودِ ، ليسَ لها حدودُ ..

ليستْ لها أساورٌ تقيّدها ،

 وليسَ بها جنودُ ..

تكتبُ سرَّها علناً ،

ولونها أبداً، جديدُ ..

إن أطلقتْ حباً للأحبّةِ ،

فحبّها أبداً مديدُ ..

وما تعطيه ، تعطيه ِ ،

والمقابلُ لا يعودُ ..

 

أنا أجري في بحر ِ الورود ِ ،

أبحثُ عن حبيبي..

أهنا؟  أهناكَ؟

 أهناكَ في مقبرةِ الذنوبِ ؟!

أهناكَ ، حيثُ لا وصول إلى العيوب ِ ؟ ..

أهناكَ ، حيثُ الأمانُ يسكنُ في الدّروب ِ ؟

أفي عيني أم أنهُ في الصدر ِ سكناها ،

تلك حبيبتي ، تسكنُ في وَجيبي ..

 

يفتُّ في قلبي أن يكون هناكَ صرحٌ في بلاد الأقحوان تحرسُه قيودٌ للعقولِ وللقلوب ِ ..

يفتُّ في قلبي أن أرى تحتَ الثرى ، ليست مقابرَ للورى ، بل مقابرَ للجمال ِ وللطيوب ِ ..

لكنني أقبِلُ بالإشراقة ِ المثلى ، وأنسى المثالبَ كلها ، لأنني سأقفلُ رحلتي في ضميم ِِ حبيبي ..

 

حسبتُ ما كان خلفي كلهُ ألم ٌ ..

وأنهُ غابَ الذين قد ظلموا ..

فشعرتُ بالأمان ِ في بلادِ الأقحوان ِ

وأن كل سكان ِ الأقحوان ِ قد سَلِموا ..

هنا لاوجودَ للطبول ِ تقرعُ رعبنا ،

لا وجود للقنابل تصنعُ موتنا ،

فنحنُ في بلادِ الأقحوان ،

 ِ ليسَ لدينا غيرُ الوشم ِ،

 وغيرُ حبِّنا عَلم ُ ..

 

عرقٌ أخضرٌ ، وملمسٌ ناعمٌ ، ووردٌ مزهِرُ ،

وعطرٌ سارحٌ ، وشهدٌ سابحٌ ، ودمعٌ يُمطِرُ ،

هو ذاك حبيبتي .. هوالذي سيجعلني أمرحُ في طيوبيِ وأخرجُ من ذنوبي ..

إنهُ في بلادِ الأقحوان ِ ،

حيثُ شمسُ الحبّ في قلبِِ الحبيبِ ستقمرُ ..

وأنا مهما طالَ الشقاءُِ على الحبيب سأعثرُ ..

ولقاؤنا سيكونُ عرساً ، للنعيم ِ سيثمرُ ..

هناك على البعد ألمح ُ الحبيبة َ،

 على الأرائك تخطرُ ..

هي من بعيدٍ ، رأيتها كما تركتُ ، صباها ،

لكنها مزيّنة ٌ أكثر َ من سواها ..

وتعلو عمّا عداها ..

وهي تنهي عن الكلام ِ وتأمرُ ..

يقفون حين ترفعُ عينها ،

ويسجدونَ حينَ تزمجرُ ..

 

شكلها شكل حبيبتي .. لونها لونُ حبيبتي ..

إنها كما تركتُ حبيبتي .. إنها في أرضِ حبيبتي ..

لابد ، وبعد كلّ الطريق ِ ، إلا وأن تكونَ حبيبتي ! ..

 

اقتربت منها معتقداً أن حضنها لي ، فتساءلتْ:

 لماذا مثلي يحضرُ ؟

فسألتها عن معنى الحبِّ في بلاد ِ الأقحوان !

سألتني ألا تدركُ أن هذه الأرض هي أرضُ الواقف ِ في هذا المكان !

فسألتها إن كانت تذكرُ حبيبها الإنسان الذي على صدرهِ وبقلبه ِ وشمُ الأقحوان !

سألتني إن كنتُ غريباً ولا أفهمُ معنى الغروب ِ في هذا الزمان !

فسألتها عن الطبولِ التي تحولتْ إلى مدافع في يدِ الإنسان !

سألتني عن شكلي الذي هو على رسم إنسان !

فسألتها عن شكلها برسم ِ الأقحوان !

زجرتني ثم أمرتني أن أقتربَ حتى تراني ..

حدقتْ بمفاصلي ثم تضاحكت ، فقلدها  الآخرون ،

 ثم تمايلت من جديد ٍ :

أأنت إنسانٌ بقلبِ الأقحوان ؟ أأنت مزيجٌ من تراب ٍ من خليط جثة الإنسان وقلب الأقحوان ؟! لقد كان هذا في أحلامك أيها الإنسان مثل أولئك الذين أشدنا لهم صرحاً وسوّرناهُ ، لنحمي لنا قانوناً نحنُ صنعناه للعميان .. ألم ترَ أولئك َ الذين حفرنا جحرهم في الأرض لكي يكونوا في أمان من سكان الصرح لكي يستمتعوا باللذة التي منحناهم إياها ..

إنك إنسانٌ بقلب الأقحوان .. ليسَ لك في هذه ِ الدنيا مكان ..

لم أصدق ماسمعت فقلت لها :

 ولكنك أقحوانة ٌ ، فكيف أفهمُ تفسيرُ الكلام ؟؟

أجابتني وهي تفتحُ صدرها : عليك َ أن تقرأ على آمالك كلَّ السلام ..

 انظر إلى صدري  لتفهمَ أنه عندما امتزجتَ تحتَ التراب ِ بأقحوانة ٍ من أجل دخول ِ أرض ِ الأقحوان ، فأنا  قد امتزجتُ تحت التراب بإنسان ٍ من أجل ِ الدخول ِ إلى أرض ِ إنسان ..

انظر إلى صدري إنه في العمق وشم إنسان ٍ وقلبي قلبُ إنسان ..

ولتعلم أنك أقحوانة ٌ ليسَ لها مكانٌ في بلاد الأقحوان حتى لو كان شكلنا زائف ٌ على شكل ِ الأقحوان ..

ثم أتبعتْ:

لآخر ِ مرة ٍ سألقي عليكَ نصائحي ، لأنك كنت ذات يوم ٍ حبيبي .. أقولُ لك إنك في بلاد رفاقِ دربكَ ، الأشجارُ والكلابُ والأطيارُ ، يسكن الأقحوان في كل الدروب ِ وعلى الزواريب والشطآن والخلجان ..

 لايهمك أن تراه طالما هو في كل القلوب ِ مزروع ٌ .. مزروع ٌ إلى أن أصبحَ الأقحوانُ هو الحبُّ والإيمان ..

ارحلْ فوراً من هنا .. وإلا فعليكَ أن تعودَ مجدداً إنساناً بشكل ِ الأقحوان ..  _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

القسم الخامس

الارتداد ..

(عودة للأعلى)

 

40- الانكفاء

لستُ أنا ، لو أردتُ ، من يحدد المصيرا ..

انكفأتُ مذهولاً أبحث ُ عن رفاق ِ دربي .. عصاي التي صارت غابة أشجار ، وطيري الذي صار أسرابا ، وكلبي الذي صار قطعانا  .. كلها تشم هواءها وتشرب ماءها وتمرحُ بابتسام ٍ أبدي .. لاترى ظلاماً ولا ظلماً ، بل ترى من الأنوارِ أنواراً ومن الألوان ألوانا ..

لاصقيعَ ولا حريق َ ، لا غروبَ يأفلُ في الليل ِ إذعانا ..

أسرعتُ كمن يهربُ من جحيم النار  إلى بلدٍ سعيدِ .. فالأقحوانُ ما عاد أقحواناً بل صار إنسانا .. يعزف لحنه على أوتار اللوالب ِ ، يبتغيها لكي يحركَ بعد اللوالب ِ فاها .. ماعاد يهمني أن أعيشَ وأن اموتَ .. فالآمال التي أنتشت بعد رضيع ِ الأرض ِ ما عشقتُ سواها ..  لكن الحقيقة أنني كنتُ مخدوعاً .. والمحبةَ التي حلمتُ بها ما استطعتُ رؤاها ..

أسرعت ُ ، وإذ بقلبي ينتشي متجدداً ، وأنا قد صرتُ موحداً  بتراب الأرض بطيور السماء ، بشجر الغابة ، بالكلاب بالقطط ، بالبجع بالأسماك بالورود بكل ما هو غير ُ إنسان ِ ..

رافقتني سيولُ الأحبة في طريق مآبي ..

 تعيدني لشبابي ،

من الحبّ يصنعون ثيابي ..

 يكتبون كتابي ..

 وأنا بينهم أعلن عن خروجي من عالم الإنسان .. إلى عالم ِ الحقيقة ِ والصواب ِ ..

نحن خارج الإنسان ، إن ضحكنا أو بكينا ، إن ركضنا أو جرينا ، إن هزجنا أو شدونا ، إن رقصنا أو فرحنا .. إن لبسنا أو عرينا .. ومهما عملنا أو صنعنا ، لا يوجدُ من يفتشُ خلفنا أو يعددُ عيبنا ، أو يختارنا صيداً أو يعدُّ لنا فخاخاً ويرسلُ كلّ النفاق ِ إلينا ..

الأقحوانُ ليس في الثياب ِ ولا في الإهاب ِ بل في الصدور ِ وفي القلوب ِ ، ليسَ في الكلمات ِ بل في الإيمان بأن الحياةَ والسعادة َ للجميع ِ ، لا تجارة ٌ  تفرّقُ شملنا ، لا واحد أبداً للشراء ِ ولا آخر للمبيع ِ..

إنها الحياة ُ هنا ، لا يوجد مشرقٌ ، لا يوجد  مغربٌ ، لا موت في الحرائق ِ ، ولا تجمّد َ في الصقيع ِ ..  فكلهُ في كنف ِ الربيع ِ ..

 

حضنتُ الأرضَ لفرط ِ سعادتي ، فجاء الكلبُ يحضنني .. ثم جاء الطيرُ يشدو لي ويلملم الشقاء من جفني..

 ثم مال الغصنُ متلألئاً بضوء الشمس يحنو على كتفي ، على عنقي ، على مفارق ِ الشعر ِ يزيل السهد من عيني ..

كانت نسمة ٌ ترافقنا تدغدغُ الحبَّ في كبدي وفي كلبي وفي طيري وفي الغصن ِ ..

علمت بوقتها أنني قد صرتُ في بلاد الأقحوان .. ولا شيء كان يؤرقنى .. أبداً لاشيء كان يؤرقني غير الوصية التي ودعنا بها الآخرون يوم الرحيل ِ وقالوا:

((أنتم في الطريق ِ إلى بلادِ الأقحوان ..

فلترحلوا إلى بلادِ الأقحوان ..

فإذا وصلتموا إلى تلك َ الجنان ِ فأعلمونا ،

 كي نسافر نحن أيضاً ، إلى بلاد ِ الأقحوان ..

لكن إن لم تُعِلمونا ،

 سنعرفُ أنكم قد بقيتم في الطريق ِ إلى بلاد ِ الأقحوان ..

قلوبُنا معكم .. آمالنا ، لكن أن نسعى ، فذلك مستحيلٌ ، ونحنُ عرجانٌ ، ومكفوفون في مرقد العميان ..

فلترحلوا إلى أرض ِ الأمان ..

ولا نظنُّ بأنكم واصلونَ إلى حيثُ الأمان .. ))

 

بكيتُ وسألت نفسي وكلبي وطيري وغصني فيما إذا كان الطريقُ إلى هنا ، إلى بلاد الأقحوان ، صالحة لتقبّل ِ العميان ِ والعرجان والطرشان للوصول ِ إلى أرض ِ الجنان ..

فأجابوني كلهم وبصوت ٍ واحد ٍ :

ألم تعرف بأن الإنسان قد بنى سوراً وسدّ الطريق من بلاد ِ الطرشان ِ والعرجان ِ والعميان ِ إلى بلاد ِ الأقحوان !؟..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 

41- الطوفان

لم نحتسبْ لوجودِنا ثمناً ..

 وقد كنا في بلادِ الناس ِ ،

 ندفعُ عمرنا أثمانا ..

ألا ليتنا مارأينا عوالمَهم ،

ولا وضعوا حجارتهم في الصّدر ِِ أطنانا !

ولا بقينا نردد قولهم: إن العارَ أن تموتَ مُهانا ..

في مانراه هنا ، والسرُّ في سعادتنا ،

 أننا لانريد لنفسنا ولغيرنا أن يكونَ مهانا ..

إلا أنهم في مدينةِ الحمقى يراودهم أنه ،

 باستباحة ِ الآخرينَ يستعيدُ جِنانا ..

ما أجملَ الموتَ في أحضان ِ الآخرينَ ،

إذا صارَ الكلُّ خِلانا ..

 

يومُنا شهرٌ .. وشهرُنا دهرُ ..

نسينا أنه في دنياهُمُ ، يوجدُ القهرُ ..

عيونهم مزوّرة ٌ .. سلاحُهم عهرُ ..

لكلِّ شيء ٍ عندهم ، له مهرُ ..

وإن لم ينجحِ المهرُ ، فعندهم كُفرٌ  وعندهم غدرُ ..

نسيناهم .. ونسينا شأنهم ..

فهنا يرفلُ الطّهرُ، ويجلسُ الظهرُ، ويفرحُ الزهرُ..

عشقنا ، لعبنا ، سرحنا ، فرحنا ، سمعنا ، رقصنا ،

وما همّنا من أمرهم أمرُ ..

 

لكننا..

 لكننا بكينا إذ سمعنا طبولهم تدقُّ مجدداً في سابع يومهم .. ثم يستفحلُ القرعُ ..

هاجتِ الأرضُ عندهمُ وماجتْ، وراحَ ينثني الجذعُ..

فبأيّ آلاء ٍ يكذبونَ ويخدعونَ ويقتلونَ ،

فينتهي الجذع ُ والفرع ُ ..

تدبُّ القيامة ُ من جديد ٍ ، وينتهي الضّرع ُ ..

ليس لديهم للقتل ِ قانونٌ ولا شرع ُ ..

دمروا الملاجىء كلها ، وصارَ رجالهم صُلع ُ ..

شعراتهم بحلوقهم .. وعيونُهم صُرع ُ ..

حتى أبادوا كلّ ماوجدوا ،

 ولم يبقَ منهمُ الجمع ُ ..

وانتهت عوالمهم ..

تفتحُ الأرضُ شقوقها .. وينتهي البلع ُ ..

بكينا ، ثم بكينا ، ليسَ من أجل ِ أناسهم ، بل من أجل العميان والعرجان والطرشان .. ومن أجل الذين في الحِجْر رؤوسهم الكبيرة .. في هامش ِ الإنسان ..

ولكننا قد بكينا أكثر لأنهم حمقى لم يميزوا الفرقَ بين الإنسان وبين الأقحوان ..

 

مكثوا في التراب مجدداً.. في عالم ٍ هو نفي الحياة ..

وكما كان في المرة الأولى كانت هذه المرة في دنياهم  وليسَ في عوالمنا ..

((لا أشجار تنتصب و لا أنهار تجري ولا رياح تتحرك ، لا أصوات ولا طيور ولا مخلوقات من أي نوع  .. كل ما كان هناك هو أرض تدور ببطء ، وشمس  وتراب ورمل في لا نهاية لها من الصحراء التي بلا حدود .. كان كل شيء يقول : إن عالمهم قد انتهى .. ))

عالمهم قد انتهى .. وعالمنا حيٌّ ينبضُ ..

 

عادت الريحُ تصارعُ الشمسَ وتعبثُ بالبحار ِ ..

عاد اختلاطُ الدمار ِ بالانكسار ِ ..

عادَ الفناءُ لكلِّ شبر ٍ ولكلِّ جاري ..

عادتِ الريحُ تبحثُ عن مصير ٍ لجنونها ..

وعادتِ الأرضُ تخلطُ كل شيءٍ وتجرف نفسها وتلعقُ جرحها وتمسحُ ظلها وتكنسُ فيأها..

تنجرف البحارُ إلى الأعالي غاضبة ً من جنون الإنسان ، ثم تنخَبط ُ على التلال ، وعلى الجبال ِ ..

. . .

ويبدأ الطوفان ..

_ _ _ _ _ _ _

(عودة للأعلى)

 الحياة ُسفينة ٌ مفقودة ..

 

 

42- تراتيل

 

= 1 =

هي الدنيا ، أولها عويلٌ ،

 وآخرُها عويلُ ..

ومكامنُ الفجّار ِ ملعبُها طويلُ ..

تحتارُ في مصيركَ ،

إلى أيّ الجهات ِ تميلُ ..

لاتعرفُ ماهو الفخ ُّ ،

ومتى يأتيكَ البديلُ ..

لو أخذتَ من حياتِكَ كلَّ شيءٍ ،

فما نصيبُكَ إلا القليلُ ..

هذه الدنيا دارُ فانية ٍ ،

ولو وصلتَ إلى العلا ،

فربحُكَ ربحٌ هزيلُ  ..

 

لو راعيتَ آلامَ الآخرين َ ،

فكلّ

 الوجودِ جميلُ ..

. . .


 

= 2 =

جنونُ الناس ِ يأكلُ ناسَهُ ،

وطريقُ الأنا ، لهمُ دليلُ ..

يأتونَ إليكَ مبتسمين َ،

يكتمونَ أغراضَهم ألا ّ تراها ،

ولولبُهم في دماكَ يسيلُ ..

بخبثِهم وجمالِهم ،

تظنُّ أنكَ للجمال ِ تميلُ ..

لستَ تدري إن كانتْ مثالِبُهم أو محاسِنُهم ،

أيهما أصيلُ ..

كم لعنتَ غباءَكَ كلَّ يوم ٍ ،

ظننتَ أنكَ في ضلوعِكَ نايَهم  ،

فيأتيكَ الصّليلُ ..

ليسَ من الناس ِ يأتي حبُّهم ،

ولايأتي الهديلُ ..

 

لكنك إن آمنتَ بالخير ِ فيكَ ،

فكلّ الوجودِ جميلُ ..

. . .


 

= 3 =

ارقدْ تحتَ ظلِّ شجيرةٍ ،

فيأتيكَ النّفَسُ العليلُ ..

أدخِلْ جوارحَكَ السّنا ،

فيأتيكَ الرضاءُ ظليلُ ..

إنسَ للناس ِ عيوبَهم ،

فمن عيوبهم لايأتيكَ ،

سوى ذبولُ ..

وإن جادلتهم خسرتَ الحياة َ ،

ورافقتكَ فلولُ ..

ولم تكسبْ غيرَ أن يرافقكَ،

الجنونُ أو الذهولُ ..

تأمّلْ كثيراً في ظلِّ رابية ٍ ،

اجلسْ بعيداً عن غرائزهم ،

تحدثْ بصدق ٍ وفي النور ِ

فكلّ الوجودِ جميلُ ..

*****

*

(عودة للأعلى)

كلُّ واحدٍ منا يطيرُ إلى الظلام ِ ، وأحلامُهُ معلقة ٌ بطيفِ الأمان ..

 

النصوص والتنضيد والغلاف والصوتيات وتهيئة الرسوم  والإخراج:

 زهير الشلبي       15-4-2009 نيقوسيا

(عودة للأعلى)

 

أرضُ الأُقحوان

Daisy Land

زهير الشلبي

نيقوسيا 15 نيسان 2009

(عودة للأعلى)