|
|
|
|
|
Home of human Literature |
|
القسم الأول: (الخروج من الميلاد) 1- المفاصل 2- ليلة الميلاد 3- وجه آخر 4- نوم الصباح 5- اليوم الأول 6-عالم الأقحوان 7-أرض الزهور 8- دروس الحب 9-العاصفة 10- مدينة حمقى 11- الطبول
12- تراب الأرض 13- تحت التراب 14- الريح 15- الحوار 16- الجنون 17- الانتشاء 18- لذة الانتشاء 19- البرعم 20-الإنتشار
القسم الثالث: ( الترحال ) 21-البداية 22-أولى الخطوات 23- الناعمون 24- المتحدثون 25-المتأرجحون 26- القاتلون 27- الجائعون 28- الخائفون 29 - البائعون 30- الراكضون 31- المقبورون 32- المشدوهون
القسم الرابع: (أرضُ الأقحوان ..) 33- النائمون 34- الرؤية في الظلام 35- أرض الأقحوان 36- رفاق الرحلة 37- على الطريق 38- تحت الطريق 39- اللقاء
القسم الخامس: (الارتداد ..) 40- الانكفاء 41- الطوفان .. 42- تراتيل ..
|
|
كلُّ واحدٍ منا هو طائرٌ وحده في الظلام .. |
|
القسم الأول الخروجُ من الميلاد |
|
1- المفاصل .. إن امتدت حياتنا نحن البشر لدقائق أو لسنوات أو لعقود أو لقرون ، فجلها منسيّ ، ويمر في ذاكرة الزمن أو الأرض أو الناس بلا قيمة ..إنه في الحياة المألوفة للبشر ، ووسطها العالمي في السبعين مثلاً ، لاتكون هناك أهمية حقيقية لأكثر من أشهر ، وربما لأكثرمن أيام ، وفي تلك الأشهر والأيام ، تكون هناك دقائق معدودة ، هي التي تنطح وجودك وعالمك ، وتقلب التاريخ لديك والمعادلات ، وربما تقلب قوانين البشرية وتغير مجرى قناة نهر الحياة ..كثير من العظماء ماتوا صغاراً ، وكثير من الهامشيين انتقلوا إلى القرن الآخر ، وبقي العظماء الصغار خالدين مخلدين ، وانتسي الآخرون قبل أن يجف التراب على قبورهم !كذلك هي مفاصل الحياة ، وكما الأجسام لا تقوم إلا على مفاصل ، حتى لوكانت تلك المفاصل في البداية أو النهاية فقط ، فإن الحياة كلها عبارة عن مجموعة من تلك المفاصل ، والمفصل عندي لايعني الركبة أو الرسغ وما شابه ذلك ، بل يعني أيضاً كل ما هو منفصل ليشكل وحدة تفترق عن غيرها بشكل آخر .. أقول إنه رغم النظريات بالتأكيد على وحدة الكون ، ومن المفترض أن يكون هذا الرأي مقنعاً بالفعل ، فإن وجود المفاصل هو أمر يقابل نظرية الوحدة ويكملها ويتممها .. والتفاعل بين هاتين الرؤيتين هو الذي يخلق من طرف تعاطفاً إنسانياً ، ومن طرف آخر صراعاً إنسانيا ًً ، وماينطبق على الإنسان ينطبق على كل ما هو كائن في هذا الوجود كله .. كانت هذه مقالة كتبتها ذات يوم ، فقال لي أحد الأصدقاء: - لم أفهم ما تريد قوله ! أجبته وقتها ، وأنا بالفعل لا أدري ما أقول: .. هناك صاعقة تأتيك في العمر ، ثوانيها قليلة ، لكنها أهم من العمر كله .. - أيضاً ، لم أفهم ما تعني ! ، هل هناك انفصال أم تواصل ، أم هو المزيج بين الحالين ، وهل هذه الحياة لها قيمة أم بعضها ؟! قلت له وعيني مغمضة أريد أن أنام: لن تفهم ما أعني إلى أن تقرأ سفر الوجود كله ، ذلك السفر الذي كتب وانطلق وحلق وهوى واحترق في سبعة أيام .. - لم يفهم صديقي الكثير ، فآثر أن يتركني لأحلامي .. استدار كمن يسخر مني متمتماً: - سفر الوجود .. سفر الوجود .. هذا الرجل فيه لوثة بالتأكيد ! انقطعت عيناي عن الدنيا ، انقطع الصوت ، غابت الرائحة ، توقف التنفس ، وتريثت ضربات القلب ، وانتقلتُ إلى السراط على حد السيف .. -----
|
|
لم تثلج ليلة عيد الميلاد كالعادة ، بل كانت دافئة دفء الرغبة بالرقصة ، وكان بابا نويل يهم الأطفال فقط ، وكانت التراتيل داخل المعابد هي على ألسنة المنتظرين للأعطيات ، أو على شفة منافق يريد أن يقول إن التاريخ لديه هو الهام .. وكانت نظرة إلى السماء تكفي لأولئك المؤمنين الصادقين القلة ،..
اتركوا الصغار عند الجدة ، وأكثروا من هدايا بابا نويل ، فعيون الأطفال هناك ، وأنا عيني في الرقصة .. عين المؤمنين في السماء ، وعين الأطفال في بابا نويل ، وعين بابا نويل في ورق النقد ، وعين الزعيم في التمثال ، وعين المنشد في البنطال ، وعيني أنا تحترق على الجسد الصارخ رقصاً في الوجه والنحر والورك والصدر ، لا يغلفه سوى شال ..
تعالي يا امرأة نفرك كعبنا ، ونغط الليلة في الوحل ، فنحن لم نذق أبداً طعم الأوحال .. يتحدثون كثيراً أن الألذ في هذا الوجود ، هو أن نعود لطينتنا المجبولين منها ، فنحن لم نخلق من نور بل من صلصال .. تعالي يا امرأة نَصُبُّ الزيت على النار الليلة ، دعينا نطشطش في الدنيا ، في قلب الليلة ، فزيتنا قد تجمد لكثرة الصقيع ، ونسينا أن الزيت الذي فينا يتجمد في الأوصال ! لو بقي الزيت في الأوصال دفيناً ، لكان الصدأ هو ما يأكل فينا أحلى الآمال .. ، وتعلمي يا امرأة ً أن الزيت هو مثل الماء أو مثل الدم ، إن تخثر ، توقف العالم ، وأنا لا أريد أن يتوقف العالم هذه الليلة على الأقل ، فليغل الماء والدم والزيت ، وليتحول عيد الميلاد إلى شََقّ ٍ للمألوف من الأقوال ومن الأفعال ، ومن خدع العين ، ومن زيف يحرمنا حق الرقص ، وحق اللعب على الأنوال .. -------
جعلتني أدمع ، كما يدمع الناجح في مهمته ، وكما يدمع الرضيع في ولادته ، وكما يدمع العاشق في حبيبته ، وكما يدمع التمساح ممارساً لمتعته .. سرنا ، سرنا والعالم مفقود ٌ في الخلف ِ ، ومن بعدنا فليكن إعصار ، ولتندثر سقوف الدار .. في عيد ميلاد هذا الليل أنسى كل الزمن ، مغادره وآتيه ، وأقول إن كل الزمن هو اللحظة ، واللحظة هي كل العالم ، وكل العالم هو أنا والأنثى ، وأنا والأنثى تركنا الكثير ولم يبق سوى قلب وقناة .. قلب هو مركز العمليات ، والقناة أداة التنفيذ ، وما كنت أدري فيما إذا كانت القناة يداً تلمس أو سناً يقضم أو حلقاً يزدرد أو معدة تبتلع ، أو شفة تلملم أفراحاً من أخرى ، أم غير ذلك من أدوات .. جاء الليل يختبيء في الليل ، ويطلب منا أن نتعرى كالشجر ، وأن نهطل كالمطر ، وأن نلمع كالدرر ، وعند الصعود وقبل الهبوط من أحلى الصراخ ، أن نخور كالبقر .. جلسنا ، أنا والأنثى في زاوية ظلماء وكتبنا اختلاساً على الجدار أن هناك اثنان جاءا لهذا المكان يبحثان عن برق في الأضلاع خلف ستار الليل ، فلم يكف ما كتبنا ، فحفرنا بأظافرنا الأخشاب ، وعندما اقتربنا أكثر من قلب الظلمة ، اقتربنا أكثر من تداخل القلب والقنوات ، فطردنا الهواء من بينينا ، واختصرنا بجلد واحد لجلدينا ، وأحسسنا بالقيامة قد تقوم بين جنبينا ، فدمعنا من تحت عينينا ، وبكينا وبكينا ، ونحن لا ندري ، أنا وهي ، أين يدينا وأين عينينا وأين نبضينا ، فتحولنا إلى واحدٍ نحن اثنينا ..
كتبت في إحدى قصائدي: الناس قد علقوا منذ أن خلقوا جاؤوا فرادى .. سيرحلون فرادى .. لكنهم في الحياة التي تواجدوا فيها ، تراشقوا بكل مابأيديهم ، وفي كل الأشياء ما اتفقوا .. كأنهم جاؤوا لحقل ألغام ٍ ، وما اجتمعوا إلا ليفترقوا ..
نسينا أنا وهي هذا الشعر في ليلة عيد الميلاد .. في الركن العاتم في الليل وفي علب الليل ، اقتربنا حتى العدمية ، وتوحدنا كالكيمياء ، وانفصلنا عما هو آخر ، وكان التزاوج ليس كما القفل وكما المفتاح ، وليس كما الغصن وكما التفاح ، بل كان التزاوج بيننا ذوباً لا مكافيء له ، ووحدة مادة تتحول إلى أخرى لاتنفصل لابمشرط ولا بتحليل ولا بمقص .. لن نعيش فرادى ، لن نموت فرادى ، لن نكون أبداً فرادى .. ولن يعرف الآخرون أن أحداً منا اختفى في الآخر ، وتحول الآخر إلى أحدٍ فردٍ آخر ..
رقصنا ليلة عيد الميلاد بقلب واحد ، وبجلد واحد .. ونسينا يوم كنا فرادى ، ونسينا السواد ، ورأينا في البصيرة مساحات الرؤى ، ثم طرنا بلاداً بلادا .. وكأن كل امتداد ٍ لا يكفينا امتدادا .. ------- أنا لا أتحدث عن حب ٍ بل ذوبان .. أنا لا أتحدث عن بلد ٍ بل بلدان .. أنا لا أتحدث عن كون ٍ بل أكوان .. أنا لا أتحدث عن يوم ٍ بل أزمان .. أنا لا أتحدث عن حجر ٍ بل إنسان .. ------
الالتصاق والذوبان والانصهار أمر خارق ٌ، أكثر من خيال ، لكن من المحال أن يبقى الخيال حقيقة ً .. وأن تسير الحقيقة للزوال .. وأن يتحقق في هذه الدنيا محال .. ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ
|
|
3- الوجه الآخر للميلاد يوم أن صرخ الجنين ليتحول إلى مولود ، اخترق المفصل ، ويوم أن توقف عن رضاعته اخترق المفصل ، ويوم أن ابتدأ اللفظة اخترق المفصل ، ويوم أن استقام الهاجع فيه اخترق المفصل .. وهكذا تستمر المفاصل .. حتى لا تنتهي إلى الأزل هاتيك المفاصل .. والمفصل هو دوماً في لحظة ، لكن الأثر يبقى أطول مَدّا ، وهو الذي يعطي التجديد ويعطي الإثارة ولذة الانبهار والقدرة على الانتظار .. اكتب ْ .. اكتب إني جسد من غير غطاء .. اكتب إني وجع من غير دواء ، اكتب إني فصل في مفصل تغيير الأنواء ، وتعلم أن جلدي بعد مفصل لصْق ٍ في ليلة عيد الميلاد لم يقبل أن يغيب طويلاً في الآخر إلا تحت جنون الصرخة ، فما أن تفجرت الأفلاك ، حتى عادت أشواكي لمواضعها واستقر الزلزال .. ليهجع في هدأة عصب ٍ ، وكأن الزلزال قد اندثر تحت مفصل غاب إلى الماضي المنسي .. ولماذا تكتب ؟ فهل يُقرأ ما يُكتب ؟ تذكر ْ .. تذكر ، ولماذا تتذكر ونحن في مفصلنا ، وكل مفاصلنا ننسى ! وإذا كنا ننسى أبداً ، فما السبب في أن نتذكر ، ثم نعود لننسى .. ونتذكر عندما نتلذذ في أن نتذكر ، وننسى عندما اللذة تأتينا من ذكرى أخرى ، مفصلها يذهب للأبعد ، ورغبتها تتحقق .. وننسى أن الزمن مَضاء ، وأن الصيفَ منسيّ في برد ِ الشتاء .. .. نامت المرأة عند الصبح ، ولأن ليلة عيد الميلاد أخذت من قلبي الصرخة ، وأسقطت من جسدي ثورة ورثتها من جسد الأجداد ، .. ولأن ارتكاسات الزلزال تبقى في ذات المكان ، فقد نامت المرأة عند الصبح ، وبقي عندي صدى الوديان ، ورائحة الزبد المغليّ في القيعان ، فقد ثرتُ .. ثرت ُ ، وكنت وحيداً في الثورة .. وكسرت الجرة .. وانكب الماء الراكد في الجرة .. وصارت الأرض مبتلة ً كما هو التراب تحت سحابةٍ حرة ..
سؤال يجرح في الخاصرة أسأله ضمني ، ولا أسأل أشياء كمثل سؤالي في العلن ِ ، وأنت إن صادفتك زجاجة ُ سري مرة ، فانس أنها مني إليك ، وتعلم أن تنتقل إلى مفصل ٍ آخر ، من مفاصل دنيا تركبك كصاحب دابة يركبها وسيبقى راكبها على مَرّ الأيام .. أقول سؤالي في خاصرتي يحاصرني ، فأهمس أنا ، أنا الذي أهمس في أذني : أهو الالتصاق الذي يخلق فينا الرغبة ، أم هو شيء في دخائلنا .. ونحن الذين – فقط نحن _ نحس بالذي فيه ؟! أهو الآخر ، حتى لو أحسسنا بأننا ارتدينا جلده وعباءته ، ليس منا .. وما نحن فيه من ثورة ، هو من الذي فينا ، وليس من انتظارنا من الذي سوف يأتينا .. أملا ً سوف يأتينا ، من الجسد المقابل ، لكن آمالنا والرغبات التي فينا ، هي التي سوف تسقينا .. هي التي ستهز كياننا وترضينا ، ونحن الذين نظن أن الآخر سوف يعطينا ؟! هل نأخذ أم نعطي .. ويبدو أننا نظن أننا نعطي ، وأن الآخر سوف يعطينا ؟! ثورتنا في دخائلنا ، وليس غير الذي فينا سوف يشبعنا ، وليس غير الذي فينا سوف يرضينا ..
أناشيدُ الهوى ، هي خداع ٌ ، ككل أنواع الخداع ِ ، تخرج من مخارجنا ، ولا تحكي دمعاً ولا شرايينا ، فكله كلماتٌ منمقة، قد تحكي مآسينا ، لكنها لاتعرف الصدق الذي نظن أنه ساكن ٌ فينا !!
أنا قلت ُ امرأتي .. تذكروا أنني قلت امرأتي ، ولم أقل إنها المكتوبة في صفحة تعدادي ، وليست المرقونة جنب عيد ميلادي .. أنا قد أوحيت بكذبة ٍ ، ضحكت عليكم ، ضحكت ُ عليكم ، وأنتم تسخرون ، فأنا لست أكثر من حيوان قضى ليلة عيد الميلاد على ، بل في ، جلد امرأة أخرى ، وظن حمقاً أن المفاصل قد تبقى ، .. وهاهي الليلة تأتي ، وكأن ليلة عيد الميلاد ما كانت أصلاً .. ليلة عيد الميلاد مثلجة ٌ ، وتلك لم تكن ِ ، ليلة عيد الميلاد صلاة وتلك لم تكن ِ .. ليلة ُعيد الميلاد محبة ٌ ، وتلك ادعت بأنها كانت ، وهي في الحقيقة ثورة ُ ذات ٍ ، ولم تعط ولم تأخذ بل كانت تلملم من داخلها فطرتها ، وفطورَها ، من ليلة ميلادها ، إلى الكفن ِ .. --------
|
|
4- النوم ُ في الصباح .. أنا ، وأنا دوماً أتحدث عن (أنا) ، تلك السحرية ! أنا أتحدث عن ذاتي ، يوم صنعت قالبين لنفسي: أنا لولب ، وأنا فم باللسان وبالأسنان .. خلق الله كما قالوا ، وأنا أصدّق ما قالوا ، خلقَ الليلَ لباسا ، وخلق النهار معاشا .. وليلة عيد الميلاد ما كانت لباساً ولا كانت معاشا .. والصباح اللاحق ما كان معاشاً أو لباسا .. ليلي هو ليل اللص ، ونهاري هو لون الزيف ، أعبعب وأتنقل بين الحالين وأكتب عن الإنسان عندما ضاع وادعى ثم أنكر ما ادعى .. خفقُ قلبي لا يعرف أنواع النغمة ، خفق قلبي يريد اعتصار الأشياء من الأوصال ، ويبقى كذلك يقول إنه الذي لديه نعمة وفضل ، وهو يستحق تلك النعمة ، ولا أعترف أن خلف قلبي تكمن ابتزازات الأقوال ، وليس دمي إلا مايحصّله اللولبُ عندي من غيري ، ومن قلوب ٍ أخرى صارت تبتغي الترحال لتحولها لسراب ٍ تلك الآمال .. كانت ليلة ميلادي لولب ، يخترق كل الأغلفة ، وتحوّلَ الفم عندي لمِمْصاص .. قضم السن عندي وانغرس الناب ، وتحول اللسان عندي إلى إذاعةٍ تتحدث عن إخلاص .. لكن الأمر فات ، والزمن هو المهماز لتفويت السعادة ، كما هو لتفويت الآهات .. كان صباحاً ، والزمان ليس هو الوقت وحسب ، بل هو أيضاً مكان مثل المكان .. قبل دقيقة كان شيء ما هنا يحتل المكان والزمان ، وأنا جئت الآن لآخذ ذات المكان .. هل اختلف المكان ؟ لا بالطبع لم يختلف المكان ، لكنني في الزمان أصبحت بديلاً لغيري في ذاك المكان .. وأنا أصبحت غير غيري في المكان ، بفرق الزمان ! .. الزمان أيضاَ هو المكان في ذات المكان ..
عندما أبكتني دمعاتي ، لموت ليلة حب ٍ في ليلة عيد الميلاد ، سقطتُ من أعلى الأبراج ، لأهوي كصرة أهواءٍ ماتت تحت نعال النسيان .. .. فجلست على عجزي ، أكتب في قلبي لعبة صيد المفتاح ، لدعوة جسد ٍ مُلتاش ٍ مدّع ٍ ، يبحث عن ظلمة كور ٍ في المنتصف من الأطراف .. كتبتُ ، على ذكرى ، من غير قراطيس ولا أقلام ، أن كل الأشياء مأكولة ٌ ، وتدخل في الأخرى ، كطبع ٍ ومن غير استحياء .. كتبت أن ليلة عيد الميلاد كانت من أجل ساعتها ، وفي ساعتها تلملمت مشاعر كالسيل ، دون أن تلاحقها الأضواء .. وانتهى السيل من ساعتها وعدت إلى جلدي أتحسس نبضاً في داخله ، فوجدت أن لا ضغط فيه ولا رجفة ، وكل الباقي هو ذكرى تهرب في خيلاء .. خيلاء لأننا نفرح أن نكون لوالب نثقب على مهل ٍ كلَّ ما يصادفنا ، نثقب ثم نثقب ثم نثقب ، وعلى وجهنا صبغ حياء .. المرأة تلك نسيتْ من أنا ، وأنا مثلها ، وتذكرت أن الحياة مفاصل ، والمفصل الذاهب لايعود ، إلا كذكرى تموت و وتندثر كما كل الأشياء .. ولكي يكون المفصل ، ذو الحدود المنظورة ، في الإحساس ، طرق على بابي أن أعمّق مفصلي ، بجلب الجدار إليه ، والجدار فصل من أعماق .. كان جدار المفصل عندي هو أن أجعل ليلة عيد الميلاد بلا أصحاب ، فأعزلها ، كما يعزل الناس كلَّ الوحوش ، وما ظنوا أنهم الوحوش ، بدون ناب ٍ ، أو مع أنياب .. ارتخيت على وسادة ريش ورحت أحلم بأن أستعيد لذائذ أعياد الميلاد ، مع صحب ٍ أو بدون الأصحاب ، فأنا ، وليس غير أنا ، في قائمة الأحباب .. كانت أجفاني كالليل ، وكانت شفتاي كعبق ورود ، وكان قلبي كموقد أشعار .. لكن من يبقى هو ذاتي التي تملأ قوائم الأصحاب وقوائم كل الأحباب .. فارتخيت مجدداًَ ، وقلت لريش الوسادة ، أن يعلم أنه لم يعد ريشاً فهو ليس على طير ، بل كان ريشاً في سابقة الأيام ، أما الآن فهو جثة ريش ٍ ، .. مثله مثل ليلة عيد الميلاد .. حيث طارت ذكرى الأجداد .. ولم يبق شيء أرغب فيه سوى إيقاظ المفصل في صبح ٍ يذكر في الميلاد أن ما كان ليس أكثر من لعبة أوغاد ..
وضعت رأسي على مفصل ريش ٍ ، وقلت إنني سأنفصل من ليلة عيد الميلاد .. وأنسى .. ولم يعد الصبح يهم إن كان معاشاً أم لباساً ، أم مسرح أبعاد ، المهم عندي أن أروح إلى العالم الذي لست فيه أنا ، وعندما أستفيق ، إن استفقت ، سيكون هناك يوم آخر وعالم آخر ، وستختلف الأبعاد .. النوم سحر ٌ .. وأنا أبحث عنه لتغيير المفصل .. وبعد عيد الميلاد .. نسيتُ الليلَ ونسيت الحفر على الجدران والحفر على الأخشاب ، ونسيت التداخل في القلب كما الأضلاع .. وضعت أنا في شتى الأصقاع .. التصقتْ وجنتي بمخدتي ، وكبَتُّ عن المفاصل دمعتي ، وذهبت في نوم صبح ٍ وأنا لا أعلم غايتي ، سوى أنني ذائب ٌ من عبث الدنيا ، في حرقتي .. -------
|
|
5- اليوم الأول .. لا أفهم لغة الناس .. وهم أيضاً لا يفهمونَ الكلمات مِني ! بكيتُ وحيداً ، وأخذت أنفاسي وحيداً ، ومارست كل الطقوس وحيداً ، عقصت ُ جلدي ، ومسحت عيني ، وكتبت شعري ، وشلحت ثوبي ، وألقيت أسمالي بعيدا .. كل ذلك لأجتازَ مفاصلي وأصبحَ مخلوقاً جديدا ، لا يهمّ إن حققَ السعادة ، أو لم يكن أبداً سعيدا .. نمتُ صبحاً ، والآخرون صياح ٌ وشكوى ، وكانت في نومي سلوى .. سلوى كامرأة ٍ أم بمعنى السلوى ، لايهم ، لايهم صديقي ، فأنا ِلأكن ، ومن بعدي البلوى ، فأنا لا أفهم معنى التقوى ، وكل ما أفهمه أن نوْمة َ الصبح عندي إثر الميلاد كانت مفصلاً وزعت على نفسي فيه الحلوى ، عندما قمت إنساناً جديداً ، اجتاز الحدودَ ، وكان في انفصاله عن لغة الناس إنساناً عنيداً يفكّ قيودا .. لانستطيع أن نفك كل القيود مهما فككنا قيودا .. هربتُ إلى الحقيقة التي لا تعرف زيفها ، حيث أن كل الزيف جاء من بين أسناننا نحن البشر ، كما سطعَ كخيوط ِ ضوء أسود ، وانبثق ككتلة الحيوان من مصادر الرغبات فينا .. هربتُ من البشر ، وأنا بشرٌ ، ولا أستطيع الفكاك من نفسي ، هربت إلى حيث لم يفسد البشر كل الأشياء .. لجأت إلى جبل مثل ابن نوح ، وإلى شجرة مثل عصفور ، وإلى القاع مثل الديدان ، وإلى الماء كغلاصم أسماك .. حشرتُ قصيدتي ، ضمن الضلوع ، وعلى موجة خفقتي ، وأعدت مرات ومرات لتلك قصيدتي: جعتُ ، عريتُ ، وانقصَّ جناحي .. لم يعدْ عندي سلاحٌ ، فقد سرقوا سلاحي .. لجأتُ إلى الحقلِ أعيشُهُ ، وألامسُ عن قربٍ أقاحي .. أرتجيها لأكون واحداً منها ، لعلّ دواءها يشفي جراحي.. فاستقبلوني بحفاوةٍ ، وتراقصوا رقصَ الملاح ِ ، لكنهم ذكّروني أن الأقاحيَ لاتعيشُ طويلا ً ، وموسم إعدامها .. عند الصباح ِ ..
حشرت قصيدتي ضمن الضلوع ، ورحت أبحث عن أقحوان يرقص لي وينسيني جنحيَ المبتور ِ ودميَ المهدور ِ ، ويزرعني بلسماً على كل القبور ِ .. لقد أعدموا كل الأقحوان في الدنيا ، ولم يبق سوى النائي والمختبيء منه ، فأخذت أنأى أكثر وأبتعد حتى عمق الأعماق مابعد الآفاق ، لعلى أنسى أنني بشر جئت هنا قسراً .. عندما لم أصادف أقحوانة واحدة .. لمعت فكرة في الخلد لدي ، والخَلد لدي ، لايسكن في رأسي بل في كل انتمائي لجسدي ولفكري وللعواطف عندي .. العقل عندي هو ساكن أزلي في كل ذرات كياني ، هو في رأسي كما وجداني ، هو في الحيوان بداخلي وإنساني ، هو في تاريخي وجغرافيتي ومحبتي وعدواني ..
عندما لم أصادف أقحوانة واحدة لمع في الخلد لدي: أهي الأقاحي التي لا تعيش طويلا ً رأتني بشراً فظنت أني جئت لأذبحها ، فتنادت باللغة المجهولة لي أن تختبيء على هيئة شوك ، يتركه الناس لينمو ثم يترعرع ثم يتزاوج وينجب في الأفراح ؟! أهي الأقاحي بدأت تفهم لغة البشر وديانتهم ؟! كبر سؤالي حتى امتد إلى الآفاق ، فجلست أبكي .. سقطت دمعة ! ومن بين جذور ٍ تحت أقدامي امتدت أقحوانة فتية أصابتها الدمعة ، صارخة ً: أأنت من جئت تذبحنا ؟ ألا يكفي ضعفنا وضعف حيلتنا وقصر الأيام التي نعرفها وتعرفنا ؟! ابتسمت وفي عيني دمعة أخرى وفي قلبي دمعة حرّى .. أنا ، أيتها الرائعة ، جئت لأنني ، رغم بشرتي وأصابعي وانتمائي ، جئت أرجوكم أن تقبلوني واحداً منكم ! قالت الأقحوانة الفتية: ولكنك لست مثلنا ولا تشابهنا .. قلت لها : لكن الذي في قلبي يشابهكم ! قالت وهي تختفي: سأبلغ قومي ..
عدت وحيداً من جديد .. وتحولت المشاعر عندي قديدا . . لم أتحرك ، فأنا سعيدٌ تعيسٌ .. متجمد ٌ ، على وشك انهيار ٍ ولا أحتمل المزيدا .. الأقحوان خائف مني ، ولا أحد أراه غير الشوك كالبشر .. تطير المحاجر مني في كل صوب ٍ ، وأنا رأسُ الجبل ِ ، أبتغي إجابات على تساؤلاتي ، في الوجود وفي المصير ، في الذنوب وفي الغفران ، في الزيف وفي الإجابة على كل ما مضى وعلى كل ما سيأتي .. أنا وحيد ٌ قرب السحاب .. أنا الطريق عند الغياب .. أنا الموجُ والبحر والحياة والفناء في قلب العُباب ِ .. أنا الضياع بنفسه ، فلا أنا قادر على الانصياع لقانون البشر ِ ، وبذا أتحول في مشاعري إلى حجر ِ .. ولا أنا مقبول لدى الأقاحي أحاكيها ، وتحت أفئدتي ألاقيها .. لأكون واحداً منها ألاعبها ، أغازلها وأعيشُ رعشة الحياة التي فيها .. قلبي يخفق سيدتي الصغيرة ، قلبي يخفق ، علك أن تعودي ، فأنا في الخلقة بشر ٌ ، وفي أسّي إنسان .. وفي روحي ابن لبستان ٍ هو أرض أقاح ٍ ، وورودٍ .. ورياحين وريحان .. قلبي يخفق ، قلبي يخفق سيدتي ، علك أن تعودي ، فأنا وحدي .. تركت البشر لسوائلهم .. لاتخافي سيدتي .. فأنا نجوتُ لقيطاً من دنيا لا تعرف إلا الذئاب ، وإلا الخرفان .. . . . . . يسائلني جرحي الغائب في كل الأضلاع ، يسائلني خوفي في كل عيوبي ..أين أنا من قذف المجهول ؟! أين سأرسو عندما تقذفني الحياة بكل أوجاعي وأنا على شفاه ضياع ِ ؟! ونزلت من عيني دمعة ! خرجت من تحت الأرض الأقحوانة الفتية قائلة : أمي وأبي ، سيريانِكَ إن كنت تخطب ودي ، وإن كنت ترسل الدمعات من عينيك إلى خدي .. فمهري هو الدمعات ، وإن كنت صادقاً ، فما في دموعك من شعر ٍ ومن حب ٍ ، هو الذي يشفي ، وهو الذي يجدي .. غابت الرقيقة الجميلة ، وخرج من الأرض أقحوانتان قويتان وانتصبتا كالسهم .. قالت الأولى: قبلنا هديتك الأولى .. لأنها عندنا أغلى الهدايا .. فنحن لا نقبل مثلكم أيها البشر الذهب والمال ، فهي تقتلنا تلك الهدايا .. نحن هدايانا من الدمع .. ألم تر أننا كلَّ فجر ٍ تكثر من دموع أمنا هدايانا .. والندى هو مايبقي الحياة فينا .. ويعطي حياتنا لوناً وألحانا .. ؟! ماذا تريد منا ؟.. أنت بشرٌ سفاحٌ، ماذا تريد منا ؟! إن كنت تحبنا كما تدعي ، فاتركنا لشأننا ولديننا ، فقد شبعنا من البشر تقتيلاً وعدوانا .. وبوجل المحبين قلت : ولكنني بالفعل أحبكم ، وأحب أن أعيش بحبكم وبدينكم ..وأريد أن أكون صدوقاً وأن أستزيد إيمانا .. قال الأقحوان: وأين الصدق ُ وأنتم تفعلون غير الكلمات التي في أفواهكم؟ . إن كنت صادقاً حقاً فأخبرني: أنت اعترفت بلسانك هذا أنك قد اشتريت سكيناً وقصصت به أعناقنا ثم وضعتنا في مزهرية مذهبة .. ثم نظرت سعيداً إلينا وأنت تقدمنا هدية لصبية .. فكيف ترى فيما نرى بأنك مثل الآخرين بما جرى .. نحن لا نثق طبعكم أيها البشرُ .. ولو كانت من فاهكم تطلق الدررُ .. سالت مني دمعة ! نحن هذا ما نؤمن ! الدمعة الصادرة عن قلب ٍ في المحبة ِ يسعى ! إن كانت دمعاتك ندم ٌ ، فلتعلم أنه يمكنك أن ترانا .. فتش قلبك في العمق حتى ترانا ، وإن كنت مخلصاً ستجد أنك في دخائلنا ترانا ، وعندما تغيب العدوانية فيك .. فانظر .. انظر الآن على امتداد الأنوار .. والأجواء والأمطار والأخيار .. فلن يطول انتظارك حتى ترانا .. غابت ألأقحوانتان ، وعادت لتبرز أقحوانتي الفتية: هل تراني .. أهرق ِ الدمع حتى تراني ، اجعلني في قلبك حتى تراني .. ولن ترى أحداً مكاني .. قرر الأقحوان أن تكون تحت التجربة .. ولكي تكون منا فمهرنا هو نهر من دموع .. نسقي بها كل من يحتاج للحب ، ونسقي بها كلَّ القلوبِ .. قلوبِ الجميع ! -------
|
|
6- عالم الأقحوان .. أو أحسب نفسي جسداً ، يعرف كيف يأكل ثم يشرب ثم يبلع ثم يترع ُ ، وكأن الدنيا بحث غنائم ، ولذائذ بلع ٍ أو تفريغ ؟!.. عند بلوغي رأس الجبل رأيت أن الحياة هي أن أخرج من طيني .. وأن يكون ديني هو السعي لكل الأخيار ولكل الخير.. فالجمال في الحقيقة ليس في الضخامة ، بل في سحر التكوين ِ ..وليس من الضرورة كي أرى الجمال أن أفتح ، بل ربما من الأجمل ِ أن أغلق عيني .. عند رأس الجبل ، وأنا بين الأشواك ، قالت لي الأقحوانة الفتية أن أغمض عيني لأرى .. فوضعت يديّ على عينيّ ، وصمتّ طويلاً لأسمع عن بعد ٍ أجملَ ترتيل ٍ وأروع تلحين ِ .. ثم لأرى من عين ٍ مغمضة ٍ أن الروعة في دخائلنا ، عندما يستيقظ فينا أفضل خَلق ٍ وأروع ُ تلوين ِ .. جاءت أطياف الورد ، وأجمل النسيم يعبعب فيها ، وأروع موسيقا الفردوس ترافقها .. جاءت من أفق ٍ ، كما جاءت من قلب ٍ بين ضلوعي ، جاءت تهتفُ باسمي .. وتناديني .. فهي في أعراس الحب تلاقيني .. واليوم العرس يعني أن الأبدية تسعى في الحب ، لكي تغمرني وتجمعَ كل الروائع ، وتعطيني .. كنت أعلم أنني في اليوم الآخر والوجه الآخر من دنيا لاتعرف دنيا انغمست في الطين ِ .. بل في دنيا الألوان ، والامتداد ِ والصحو على إحساس الحب والخلود من الأزل إلى الأزل .. لا في دنيا يسير بها الإنسان ُ كمجنون ِ .. ماعدت ُ أرى من تحت الجفن ولا أسمع من صيوان ٍ ولا أحس بجلدي .. فقد نامت كل أحاسيس الحيوان ِعندي .. ففككت قيدي ، وأصبحت أطير على الأثير.. وصارت كل الطيور جندي ..
فتيتي ، أقحوانتي سألتني: أو َ تحبني ؟ فأجبتها : هذا يعتمد عل معنى الحب لديكِ ، فإن كان كبنات الناس ، الحب لديهم شبق ٌ وخلاص من ضغط العصب ، فأنا ليس ذاك هو الذي عندي .. إن الذي عندي ببساطة ٍ هو الذي مات عليه جدي .. يوم أن تفرّغت الدنيا حوله ، فبكى وقال إن الذي يجري خلفه الناس ، لم يعد يجدي .. عادت فتيتي ، أقحوانتي ، تسأل: أوَ تحبني ؟! فأجبتها : إن كان الحب هو لصق شفاه ٍ ، ودخول الزوائد في معابر النواقص ، فلست أنا .. ذاك هو شأن آخر لايعرف معنى الحب إلا خداعاً ، وتعمية َ بصر ٍ ، وأنا قد أغلقتُ عينيّ وصممتُ الآذان وخدرت جلدي فرأيت الدنيا ... كما أنت ترين أيتها الفتية .. عادت الجميلة الفتية تسأل: أو َ تحبني .. ؟ أنت تسمعني ! كيف تسمعني ؟ .. أبلآذان تسمعني ؟ كيف تراني ؟ أبالعيون تراني ؟ قلتُ: لا .. فبادرتني : إذا كنت لاتسمعني بأذنيك ، ولا بعينيك تراني ، ولا تحس بجلدي .. فكيف يمكن أن تحبني بطريقتهم ! .. كما أنت تسمعني ، وكما أنت تراني ، وكما أنت تحس بي .. بنفس ِ الطريقة حبّك سوف يلقاني .. انسَ دائماً أيها الإنسان ، أنك جئت من عوالمك ، وتذكر الآن أنك في عالم ٍ ثاني ..! . . . . . أنا ضخم الجسد بين نبتات الأقحوان .. قدمي كالفيل تدوس على الصغار ، فتموت قبل أن تئن .. فأجلسُ لأدمع من عيني كل الدمع ، وبصدق ٍ ، فيسامحونني مجدداً .. وما أن أقوم لأمشي حتى أدوس كذلك من جديدٍ .. ثم أدمع من جديد على قتل أصحابي وخلاني .. فيسامحونني كما لو أنني ماعدت أقوم من أرضي ، ولا سأفعل فعل إنسان ِ .. تعبوا من قصتي ، أخذوني لمحكمة أنشأوها من أجلي: ما كنت أقصد القيام بفعلتي ! قرروا بدلاَ من أن يشنقوني أو يصيدوني أن ينشئوا مدرستي ليعلمونني الحياة كما ينبغي .. من أجل أن يُسقطوا أحزانَهم وبمنعونني من جلب أحزاني .. . . . . . كانت محكمة ً أولى ، ومدرسة أولى في التاريخ ، إذ أن عندهم قوانين الحب غير قابة للكسر ِ ، والروح عندهم غير قابلة ٍ للأسر ِ.. وكلهم لايتنقلون ، ولا يعرفون كيف يتنقلون ، إلا على جسر المحبة ، وجسر المحبة ساكن دوماً في الرأس والعين والصدر ِ ، في القلب والزند والنحر ِ ، في البحر والليل والبرِّ ، وفي كل روح ٍ أو نسمة ٍ تجري .. قالو لفتاتي أن تعلمني: اجلسْ . ارقد واستلق ِ . وتنشق عطراً لم يأت من ضمن زجاجة ، وتعلم أن الحب دوماً فيك ، وليس فقط عند الحاجة ! اجلس وتنشق نسمة ً نحن نصنعها .. نحن نأتي بهواء لم تلوثه يدُ إنسان ، ونطلق عطور الأرض ، ونتركها تتفاعل عمر الأرض ِ .. إجلس ، وارقد ْ .. واترك النسمة تخترقك .. واترك لحن الحب يجول فيك ، واترك أشعة حب تصطادك برضاك .. اجعلهم غذاءك الذي لاينتج قاذورات .. فنحن هنا لا نعرف أسلوب التصريف لقاذورات .. نحن نأخذ حباً ونعطي حباً .. انس البشرَ الذين إذا أخذوا حُباً أطلقوا نفايات .. نحن الأقحوانُ .. من رفاتنا تنطلق الحياة .. أتيتنا خاطباً وداً .. ونحن لا نرفض الودَّ .. بل دائماً نقبل الحبّ .. نرغب الحب .. فالحب هو الحياة .. وهو الطريق الوحيد إلى النجاة .. أتريد أن تعبّر عن أشياء؟ إن لم تجبني بلسانك ، فهذا أول بدء للرحلة ! فأنا قريباً لن أخاطبك بصوت لسان .. وعندما نمشي الخطوة الأولى ستسمعني من خلال النسمة والريح والموجة والأنغام ..
أما عندما تصبح مثلنا ، وأعلم أنك حقيقة ً صرت منا ، ستصبح قادراً على كتابة حب بغير قلم ، ومضغ الأشياء بلا أسنان ، وسماع الصوت بلا آذان .. وتصبح أنت البصير ، ويصبح أصحاب القلم وأصحاب الأذن وأصحاب العين هم الطرشان وهم العميان ..
_ _ _ _ _ _ _
|
|
على الجبال ِ ، وما بعد الجبال ِ .. على السهول ِ ، على الرمال ِ ، وما بعد الرمال ِ، على امتداد ما يمكنُ أن أراه مدى الخيال ِ.. كانت الزهور تجتاح أحاسيسي وتقاربني الوصالَ ، تحادثني ، تلامسني وتغنج لي وتمنحني الدلالَ ، فأحس بجنتي التي أسعى إليها والتي في امتدادِ متعتها ، كأنها الأمر المحالُ .. لوسبحتُ بحوراً وحققت انتعاشاً وسمحت لنفسي أن أطير بكل أفراحيٍ .. لما كان ذاك الأمر شيئاً مقارنة بما كنته بين خلاني من أقحوان ٍ ومن زهر ٍ ومن سيوف الحبّ في قلبي طِوال ِ .. أفتيتي ! بين طرقات ِ عوالمكم شدّيني.. فجمالكم وروائحكم وعبْق الزهر لديكم ، هو ديني .. لامسي الزهرة في خدي .. ضعي نداها في عيني، ضعي النسغ في قلبي ، أدخلي الموسيقى في جيني .. علميني أن الحبَّ هو الحياة ُ .. والحياة ُهي ما يخفق فيني ..
أيتها الأقحوانة الرائعة: علميني ما يمكن أن أنسى ، فأنا مازلتُ البشرَ المجبول بذئب ٍ ، وداخلي فيه الشوائبُ تطحنني ، تسد عروقي ، تذبحني ، وكذلك تبكيني ..
سكتتْ . ضحكت . بكيت . رمقتني ، وأحستْ بأنيني .. امتدت ، لترضعني نداها ، ولترضع دمعاً من عيني .. - - - - - في اليوم الأول مازلنا نجري كعنادل خضراء ، فهنا العنادلُ خضراء ، في المساكب والجيوب ِ .. نجري ولا نحس بآثار ٍ تنبّهنا لغيبة حب ٍ أو لغياب جمال ٍ أو إلى وقت ِ غروب ِ .. زرنا الأقاحيَ بغير ِ تعداد ٍ ، وسبحنا في بحر الطيوب ِ ، وزرنا العصافيرَ تأتي من شمال ٍ أو جنوب ِ .. وزرنا السحاليَ في زوايا الدروب ِ .. ورأينا الأسماك راقصة ً ، لا تأكل بعضها ، أو تغرق في الذنوب ِ .. هناك لفظ ٌ واحد ٌ أينما حللنا كنت أسمعه .. حبيبي .. - - - - - قالت لي الفتية : ونحن نرى النور يغمر كل العالم أحدثك عن صداقة نشأت بين نمر وصاحبه .. أحب الصاحبُ نمرَه ورعاه منذ ولادته حتى قوي واشتد وصار مرهوباً ، هو ، كما صار صاحبه الذي تفاخر بقوة نمره والبأس فيه ! جمع كل الناس حوله يشاهدونه يدخل رأسه ما بين الأنياب وتبقى الصداقة تجمع النمر بصاحبه لعمر طويل.. والناس مندهشة ، ولدهشتها تدفع مالاً مما ينتج عنه حياة حلوة للصديقين .. في يوم ما نسي الصاحب أن يطعم النمر ضحيته ، وأرسل رأسه بين الأنياب ، فغرس الأنيابَ في رأس صاحبه ، ونسي لغة السنين ، كما نسي لغة الأصحاب .. تأكد الصاحب لحظتها أنه مهما تغيرت الأشياء ، لا تتغير أطباع الأحياء ، وأن النمر يبقى نمراً ، وأن الصاحب يبقى لحماً عندما تتداعى الأضواء .. ... أفتاتي .. أقحوانتي وحياتي !.. أهي قصة نمر نسي المعروف في جنان الأقحوان ؟! ظننتُ أننا نسينا الغدر والخداع ، والذئابَ والضباع ، عندما غادرنا بلاد الإنسان .. ... هنا المشكلة حبيبي ! فالنمر كان ينسى لوقت ٍ طويل ٍ أنه نمرٌ .. طالما ما كان جوعانا ، أما عندما جاعَ .. فقد عاد لطباع الغدر إنسانا .. ... أفتاتي ، روعتي وسعادة ذاتي ! وماذا يأتينا من حديث يكدر صفونا .. هذا هو يومي الأول في ربوع الأقاحي .. هذا يومي الأول في الجنة .. ومع أحلى حورية ، وأنا لا أرغب في أن أسمع قصصاً تكدر صفونا، وصفو ربوع المحبة! ... حبيبي ، يا ابن الإنسان ، أخافُ ، ولخوفي تبرير ، أن يأتي يوم فيه ترفض عالمنا ، وتنحدر مجدداً لطبع ضباع ِ البشرية ، فتسبب تدمير حياتنا ، وأنت الآن تعرفُ الطريق إلينا .. فتصبح البشر العائد للبشر ، كالنمر العائد للنمر .. ... هذا لن يحدث ، لأنني ، كرهت نفسي وذنوبي .. وكرهت كل العيوب ِ .. وبحثت عن ذاتي ، فلم أجد غير الهروب ، إلى عوالمكم ، التي تعرف لفظاً واحداً .. هو لفظ: حبيبي .. ... تساءلت الحبيبة .. أسألك حبيبي ! أسألك فيما إذا لا حظت َ أمراً .. وها أنا ذا معك طويلاً جداً .. ألم تلحظ شيئاً ؟؟ ... فكرتُ ، واحترقت دماغي ، واستعرضت منذ أن أغمضت عيني وانتقلت إلى العالم الثاني .. وسألت نفسي .. ورحت أتمتم .. ولم أصلْ لجوابي .. قالت لي : أنت ما زلت إنسانا .. ما زلت حيواناً ، لم تفعل شيئاً بعد سوى أن تدوس على الأقاحي .. ولو بالفعل ستنجح في الامتحان الذي أردناه وهو يرضينا لقلت لي شيئاً يفيد في الفهم ِ .. قالت لي أنت كاذبٌ فابعد عني ، وعد لعالمك الرخيص .. وافتح عينيك وانسانا .. بكيتُ كالمجنون ِ وسقطت من عيني الدمعاتُ .. فهرعت لعندي تتلقف تلك الدمعات ِ وتمسح ضربات القلب عندي .. - دمعات قلبك عندي نبضُ حياة ٍ ، ودمعاتك نقطة ضعفي .. قل لي ، ألم تلحظ شيئاً ؟ عاود لترانا في قلبك .. ستلاحظ أشياء لم تألفها لتكون غير البشر وغير الإنسان ، صاحب ِ الابتسامة ِ والسكين .. ولكنني سأساعدك حبيبي .. ... ... كنتُ مذهولا ً ، وقلت في نفسي: حظي أسودُ مثل ليلي ..فتذكرت على الفور أنه منذ أن أتينا إلى عالم الأقحوان لم ألحظ لوناً أسود هوكثير في عالمنا نحن البشر ، وغير موجود في عالم جميل هو بالألوان .. قفزت ، وأملي أن أنجح في امتحان: حبيبتي .. أنا أرى كل الألوان حبيبتي ، ولا أرى غير الألوان .. حتى العندليب حبيبتي أخضر ٌ .. وأنا نسيت اسم انعدام الألوان .. قفزت أقحوانتي الجميلة الندية فرحة ً ، وراحت تفرز مطراً من ندى يغسل وجهي بأحلى متعة وجود في هذا الكون .. قالت: هو ذاك .. نحن لا نعرف إلا الحياة في الألوان ، لا نعرف موت الألوان في سوادِكم أيها الإنسان .. منذ الآن سأعلمك دروس الحب .. أنت بحاجة لدروس تحيا فيك ، إلى أن يصغر جسمك مثلنا ، وإلى أن تتغير رائحتك إلينا وإلى أن تستطيع ، بدل أن تدوس علينا ، تستطيع أن تعشقنا ونصبح نحن لديك أهم من نفسك .. تحرك جسدي مهتزاً في عسل الجنة ، وانكمش ما استطاع محاولاً التقزّم في الحجم والعملقة في الحب.. محاولاً ما استطاع .. بحب كل الوجود .. وبحجم اليراع ..
أمسكت بيدي بين وريقاتها: أنا سأعلمك الحب .. وربما تكون أول التلاميذ وآخرهم ! وسؤال آخرُ سوف يسعدني ، هو أول درس ٍ في الحب .. وسأعلم إن كنت قادراً على رؤية الحب وليس على التلفظ ِ به وحسب ! سؤالي الثاني الآن: هل شعرت بطول اليوم ِ ؟! آه حبيبتي .. ليست عندكم منبه أو ساعة ! .. هذا جميل ٌ أن لا تضبطك الساعة ! .. ولكن لماذا الساعة والمنبه والساعة ليس لها انتهاء واليوم ليس له آخِر ، واليوم ليس له تعداد ..؟! تابعت الحبيبة الصغيرة: صوابٌ هو ما تقولُ .. ولكن لماذا وقتنا بلا ساعة ، ويومنا ليس له تعداد ؟! أذهلني السؤال ، لكن كان علي أن أبحث عن إجابة ، فلا يجوز أن أرسب في امتحان ؟! أجبتها: ربما لأنكم لا تحبون الليل ! ارتعشت سعيدة ً: نعم ، هو ذلك ! ولكن لماذا نحن لا نحب الليل ؟! لم أجبْ وترددت ُ.. فتابعت : حبيبي نحن لا نحب الليل .. لأن الشر لا يرتع إلا في الظلام .. فتابعتُ معها: .. والمحبة لا تحيا إلا في النور .. ...
ارتعشت حبيبتي على وجنتي وتندت في دمي وهمست: - شكراً حبيبي !.. _ _ _ _ _
|
|
8- دروسُ الحب تأكدت أن المساحة المهيأة خالية من الأقاحي والزهور لأستلقي عليها ، وبجانبي فتاتي الجميلة الرائعة الصغيرة تتمسح بخدي وشفتي ، وتضطجع على عنقي ، ورويداً رويداً تنغرس فيني وأنا أحس بأنني أتضاءل حجماً وأمتد مشاعراً بحجم الدنيا .. قالت صغيرتي: - كيف تعرّفون الحب أنتم البشر؟ * ما عدت أذكر ..! - يجب أن تتذكر من أجل أن تنسى بالرغبة وليس لمجرد النسيان .. تعلموا أن تحبوا برغبتكم ، لا أن يفرض عليكم ، أو أن تفرضوا على أنفسكم ! * ما عدت أذكر تعريف الحب لأنه لم يكن هناك لدى البشر تعريف واضح له ! على أية حال فإن ذكرتُ بعض ما قالوا فإنهم يرون الحب على أشكال عدة: يرون مثلاً الحب مضاجعة أو الطريق إلى المضاجعة ! يعرفون الحب بأنه الشهوة تتحقق بين اثنين وأكثر ! ويصدقون أن الحب هو ما تقوله العارية أو تمارسه على المسرح .. أو أن الحب هو فعل الرغبة ، وتفريغ الرغبة ، فيقولون ممارسة الحب .. كما يطلقون الحب أيضاً على العلاقات الإنسانية ، وهذا أعتقد أنه أمر جميل .. - حبيبي ! أنا أتكلم عن حب آخر غير الذي تقول .. كل التعريفات التي قلتها هي تعريفات لشبق لذة التناكح للإستمرار ولا تعترف ولا تقترب من الحب برمته ولا بجوانحه القصوى .. أما أنهم يطلقون الحب على العلاقات الإنسانية ، فهذا مجرد إطلاق ليس له استحقاق .. أبداً غير موجود في حياتكم أنتم البشر .. قل لي كم مرة كنت متأكداً من أن الخيانة والغدر والغش أمور غير موجودة ؟! لا أنت ولا غيرك ولا أحد أبداً لم يعان ِ من غدر ٍ أو غش خلال حياته أبداً .. حبيبي أنا أتحدث عن تعريف للحب القائم والموجود فعلاً لا لمجرد أفكار ليس لها جذر في الواقع ! أقول لك وأستثني من هذا رؤية أمّ ٍ في الإعصار ، ويجرفها الإعصار ، والإعصار فيها هو الخوف على انهيار الدار وفيها الصغار .. * أفهم تماماً ما تعنين ، لكنني أبكي أناسي وهم ُ سكارى بحب هو أقرب لنزع القلب من صدر الجنين .. تحت ادعاءات الحب الأمين .. - أتبكي أناساً يدوسون رقابنا وينتزعون منا الحياة .. أتراهم صناع الحياة ، أم من السادرين في الظلم منذ أن وجدوا ؟!.. * للناس حاجاتٌ ، من أجل أن تنبض قلوبهم وتستمر جوارحهم ، ولذا فهم يحتاجون الأرض للزرع ، والحيوانات للركب والأكل ، والهواء للتنفس والوقود والماء لضروراتٍ قصوى .. - حبيبي ، كنت أفهم هذا ، لو أنهم ، علاوة على استغلال كل شيء وزرع الآلام في كل شيء ، بالفعل كنت أفهم هذا ، لو أنهم لا يفعلون نفس الفعلة بأنفسهم ! * حبيبتي .. أنا مستثنى ، فقد جئت إلى الأقاحي أرتجيها لأكون واحداً منها .. لعل دواءها يشفي جراحي .. فبكيت منهم وبكيت على نفسي وقد بكيت عليك ِ .. - لعل وعسى أن لا يخيب الظن فيك .. لأن شكلك إنسان .. فهل سيستطيع الإنسان فيك أن يهجر الظلم والقذارة .. وينتقل إلى أرض الأمان .. وأرض الطهر والحب الكبير الواسع العميق من أقصى المكان إلى أقصى المكان.. * سأتعلم منك حبيبتي أن إغماضة العين في حقيقتها هجر لظلم الناس والرحيل إلى بيت كبير يعيش فيه الأقحوان .. - دروس الحب لا بداية لها تراها ، ولا آخرة ً لها تراها .. فالحب عندنا حبيبي أنك أنت أنا، وأنا أنت ، الحياة تعيشنا والموت يحصدنا ، ورفاتي هو رفاتك وعندما تنطلق حياة جديدة تكون من خلط الرفاتين .. بأمنا الأرض و السماء وأمنا الهواء والماء ، والروح ونبض الحياة .. فهل تستطيع أيها الإنسان أن تفعل وأن تحس وأن تؤمن بذلك ؟! .. * حبيبتي وأنت في حضني ، أنا في حضنك أيضاً ، وأنت في قلبي ، كذلك أنا في قلبك ، وأنت في دمي أنا في نسغك .. - إن كان هذا ما تشعر أو تريد .. فلتعلم أنك تخلقُ من جديد .. وسيكون حجمك صغيراً ولونك أزهى ، وستستبدل دمك بالنسغ الصافي .. وسيصبح عمرك قصيراً مثلنا .. *.. لكنهم ذكروني .. أن الأقاحي لا تعيش طويلاً وموسم إعدامها عند الصباح .. - هذا ما كتبتَ أنت ! نعم ، وقد قبلناك لأنك قد كتبتَ ما كتبتَ ، وكما أنني أخبرتك ، ولا تنس أبداً أن خلايانا من نور .. ونحن لا نعيش إلا في النور .. ويوم أن ننتهي ، تنطفئ الدنيا .. والدنيا لا تتألق إلا عندما نبعث من جديد ..! _ _ _ _ _
|
|
عرفنا أن الحب سلام ، وأن الجنة هي ليست بصراع الرغبات ِ ، ولا الأقوام .. فصراع الزيفِ ، مهما كان سلاحُه ، هو صراع الأقزام .. والحب شيء منمنم كأقاح ٍ ، يحول الأقزام َ إلى وعاء ٍ يسع الآفاق ويحول الظلم إلى نور ٍ يسطع كل َّ الأيام .. أنا أغمضُ عينيّ ، وصرت أتمنى أن لا أفتحهما أبداً ، لكي لا أرى ما نرى من أسقام .. قررت أن أنسى أن في الدنيا بشرٌ قتّالون مزورون متهورون ، لا ينامونَ يوماً عن ذبح ٍ ونهب وسواد حطام .. وأن أمضي مع أقحوانتي حتى آخر ما تبقى من حبٍّ على وجه الدنيا .. تحدثنا في الحب طويلا ً .. وليس لدينا حديثٌ غيره، هو فينا ودوماً نشتاق إليه ..فهو كل الربيع وكل الأنسام .. وهو كل الصحائف والأقلام .. وهو كل الرايات ، وكل الأعلام .. .. .. ظهرت فجأة سحابة كبرى حجبت عنا النور ، وبرؤيتنا في الحب فرحنا لأننا عرفنا بأنها سحابة تجلب الأمطار ، .. لكن عِلمَنا هذا المقتصر على ألوان الحب لم يسعفنا ، واكتشفنا أن عقل الإنسان الجبار قد اخترع وسيلة أخرى لصنع الدمار .. .. أخذت رياح ٌ عاتية تدوّي ، وسدت الغيمة السوداء منافذ النور واختنق النهار .. التصقت أقحوانتي أكثر بي وحاولت أن تسمعني نبضها ، وأن تقرأ لي ما حفظته من أشعار سمعتها من أبيها قبل أن يواجه العاصفة وقبل أن يتحول النور إلى ظلام ٍ وقبل أن يختنق النهار .. لكن العاصفة العاتية تحولت بلحظات قصيرة إلى دمار .. هو موج موت ٍ واحد ٍ يحول الورود إلى سواد ٍ وإلى اصفرار .. تتلوى حبيبتي .. وتئن ذاهلة ً ، وتبكي لأنني لم آخذ كلَّ دروس الحب منها ، تبكي لأن أملها أن يتحول بشرٌ واحدٌ إلى ابن حقيقي للحب لم يتحقق .. بعد دهور انتظار .. سقطت حبيبتي .. ثم رأيتها تصعد روحاَ منتزعة ً قبل أن يتحقق للحب انتصار .. عندها حاولت فتح عينيّ ، فالناس لايفهمون لغة العيون المغلقة ، إذ أن لديهم كل العيون المغلقة مباحة للسلخ والذبح والشواء والانصهار .. حاولت فتح عينيَّ .. أسرع البعض منهم يعصبون عيني قبل أن تتفتح ، ويأخذونني إلى حيث لا توجد زهور الأقحوان .. وإلى حيث لايعيش هناك إلا الأغبياء والسجان .. فصرخت ُ كما يصرخ المصاب بلدغة الثعبان .. وتزلزل التاريخ وتزلزلت الجبال وانهارت إلى الوديان .. من أجل ماذا تقتلون الجميل في الوجود وتزرعون السم في الإنسان ؟! من أجل ماذا يأتي الجمال إليكم فتحرقونه في مصنع الأفران ؟ من أجل ماذا تضربون سياطكم على الحب حتى يهرب الحب والإيمان ؟! من أجل السعادة التي تتشدقون بها ؟ ، أم من أجل أن يأتيَ الطوفان ؟ وماذا أنتم كاسبون بذبحكم لرقابكم .. وأنتم الجهلاءُ والأغبياء والعميان ! _ _ _ _ _
أيزوّر الإنسانُ تاريخاً من الأمجاد ِ ؟! أَوَ يدّعي الفضيلة يكتبُها على الجدران ِ ، ويرسلها النوادي ؟! منذ أن جئنا وقابيلُ يقتل هابيلَ ، وهابيلُ أصبحَ يفوق كل تعداد ِ .. ابحثوا عن جثته في كل زاوية ٍ .. في الآفاق ِ وفي السهول ِ وفي البوادي .. ((خفف الوطءَ ، ما أظن أديم َ الأرض ِ، إلا ّ من هذه الأجساد ِ .. ))
ايتها الحبيبة المفجوع ُ فيك ِ أنا ! أيتها الذائبة ُفي تراب ِ المدى .. أيتها المخلوقة ُ من قطر ِ الندى ! رحلت ِ وكلّ الروائع ِ ، و كل الخفقات ، ومالها من صدى ! وأبقوني أنا ، والوشم منك في عنقى ، فأنا بشر ٌ ، رغم ضلالتي ، على رأيهم ، قد أجد الطريق َ إلى الهدى ! _ _ _ _ _
أتحسس وشمي ، أتحسس المنغرسَ بلحمي .. أتحسس النورَ الغائب َ ، في جسمي .. وألعن جسمي الذي يجعلني .. إنساناً يقصر ُ في الفهم ِ .. لكنني أتحسس وشمي .. وأنا أحيا في الوشم ِ .. وأنا أعلم كل َّ العلم ِ .. أنني الغريب ُ ، في القوم ِ .. _ _ _ _ _
سكتّ طويلا ً مذهولا ً .. أرى الناسَ سكارى .. يتقلبون بين نصوص ِ القانون ِ حيارى .. يضعون القانون ، ويعاقبون من يخرج عنه ، ثم يضعون قانوناً آخر مختلفاً ، ويعاقبون من يخرجون عنه ، ثم يضعون نقيض القانون ، ويعاقبون أيضاً من يخرجُ عنه .. يضيع القادم بالزائل ، وكل قانون ٍ قادم ٍ هو زائل.. ولذا فهم ُ السكارى الحيارى .. أما أنا فقد تحولت لمذهول ٍ مقتول ٍ مشلول ٍ مهروق الدم كجواري السلطان .. الممسوكة خائنة ً تدخل في أحشائها بذوراً غير بذور السلطان .. رغم أنه من السلطان اغتنمت خاتماً وسوارا .. ولأنني مذهول ٌ مقتول مشلول .. تركوني أسرح كالشاةِ الملعونة ، أمشي على جسر ٍ يؤدي لفناء ِ .. وألعن ساعة أن جئت من بطن بشر ٍ ، بل ألعن ساعة أن وطيء الرجلُ الرحمَ ليبنيني .. وليبدأ من صنع قلبي .. إلى أن ينتهي بعيوني .. . . . . . صعقتُ نفسي ، كما يُصعقُ الأخيارُ ، في زمن الممات ِ .. حيثُ تداخلتْ أعفانُ الممات ِ في صلب الحياة ِ .. بكيتُ الحبيبة َ والطهارة والروابي .. وبكيت نفسي ، والطرائقُ مسدودة ٌ ، على أفق ِ النجاة ِ .. صار لحمي عجينة َ الديدان ِ تبكي ، كأنها ما أتت في الوجود ِ إلا للممات ِ .. لم يعد هناك خير ٌ، فالخير ُ ممسوح ُ السّمات ِ .. مات الأقحوان ُ .. مات قد قتلوه ، لأنه سهلُ القناة ِ .. إنها الرياح ُ العاصفاتُ ، إنها المدمّر في الحياة ِ .. هذه الدنيا ، لا قوانينَ لها ، غير قانون ِ الجُناة ِ ..
نسيت الأفراح َ بلحظة ٍ ، وأنا مضغة ُ التمساح ِ ، ولم يبق لي أن أنوح َ ، إلا على قوانين النباح ِ .. _ _ _
|
|
10- مدينة ُ حَمقى أطلقوني بلا مأوى .. أبحث عن خرائبَ في الخرائب ِ، فالبحث عن غير الخرائب ، في المدائن الخربة ِ، هو الأمر الذي بلا معنى .. عندما مددت لساني كالكلب اللاهث ِ ، فأطعموني قشرَ رمان ٍ، وعندما اقشعرّ جسمي من البرد دثروني بجلدِ إنسان ٍ، وعندما علموني أنني شبه حيوان ٍ ، علمت أنني في مدينة ِ الحمقى .. _ _ _ _ _
وأنا في مدينة الحمقى تحدثت عن العبثية إن لم يكن الحب هو العنوان .. كلمة تعلمتها من أقحوانتي المجندلة ، ومن وشمها على عنقي . سألت نفسي عن الجدوى من غير الحب .. من غير أن يكون حب الآخرين لي سلوى .. سألت نفسي عن الجدوى مما يدخل جسمنا ، ثم نفرغه كمثل من يريد الخلاص من بلوى .. سألت نفسي عن الجدوى من ثعابينَ تفرغ سمها ، ثم نقول إنها دواء ٌ مشبع ٌ حلوى .. سألت نفسي عن بناءٍ بطول الشمس نبنيه ، فينهار البناء على من له شكوى .. سألت نفسي عن كل مافي المدينة ، إن لم يكن ِ الحبُّ صانعُهُ ، إن كانت له جدوى ! الحب الذي تراه مدينة الحمقى ، غيرُ الحب الذي أراه أنا ، فهم يرونني أحمقاً لا أفهم معنى الحياة ، وأنا أراهم ُ الحمقى .. _ _ _ _ _
أتحدث مع ذاتي .. طالما أن الحديث مع غير ذاتي هو العبثُ .. وكل أحاديثنا في جُلِّ جلنا هي مع ذاتنا ، ونحن نخشى أن نعلن عما نَكتمُ خوفاً من مدينة الحمقى التي حكمت على أن رؤيتي للحياة هي الكلام المنفي عن الطباع ِ .. وهي لا تنطبق أبداً على طبع الضباع ِ .. ولكنني سأخرق القاعدة وأتحدث مع ذاتي .. ولمن يرغب أن يرى ذاتي عارية ً ، أنا الإنسان ، فليأت ليسمع همسي في الطرقات وفي الزواريب وفي الخرائب ، وفي الماضي والآن وفيما يأتي من أزمان .. وليتعلم من كتبي أن شطآن الأمان ليست في قتل الإنسان بل في حب الإنسان ..
تعلمت بعض دروس الحب من الأقحوان .. فهو لا يأخذ ُ الندى ليصنع منه النفاياتِ ، بل يأخذ ُ الندى ليصنع الألوانا .. وهو لايميل مع النسمةِ ليكذبَ ، بل ليصنعَ الألحانا .. والأقحوانُ لايتوّجُ زهرة ً ، فكل الزهور ِ تحمل التيجانا ..
تعلمت بعضَ دروس الحب من الأقحوان.. فالأقحوان لاينامُ ، لاثنين ِ من الأسباب: أول الأسباب أنه لايحتاج نوماً لتنظيف السموم المزروعة من عناءٍ أو شقاءٍ او بلاء .. فهو لايعرف السموم أصلا ً ، وليس في بلاده من يزرع تلك السموم ، ليَفنيَ غيرَه ، ويقتنص البقاء .. ولسبب ٍ آخر لاينام الأقحوان ، فنهاره دائم ٌ ، وليس من سبب ليكون نهاره ليس بدائم ِ، فالمحبة هي الشعار الذي ينمو ويترعرع ويكبر في النور .. والشر عندهم غير موجود ٍ ، ولذا فهم لا يحتاجون لغير النور ..
تعلمت بعض دروس الحب من الأقحوان .. ..في بلاد الأقحوان يعرفون الرقصَ بحبٍ ، والنغم بحب ، واللون بحب ، والموت بحب .. لايعرفون الكره ولا الضغينة والأحقاد في تلك البلاد .. وهم أبداً ما سمعوا بالسموم ، ولا بالحروب تفتك بالعباد ِ وما فوق العباد ِ وما تحت العباد ِ .. _ _ _ _ _ كتبوا في مدينة الحمقى بعض الكتب المنسيةِ عن حبٍ هو من صُلب ِ أنانية ! تحدثوا، كأفضل مارأوه من حب ٍ ، عن كيلوباترا وجولييت وليلى ..عن الأنطون وعن الروميو وعن القيْس ِ ، وظنوا أن الحب هناك ! هؤلاء نماذج للحب لِلذاتِ.. وليس لآخر ! فلنسأل عند الحمقى ماذا أراد كل ٌ من آخر ؟ ولنفحص ذاك الحب الأفضل .. سنرى أن الذاتية هي عنوان تلك الرموز لحب الناس . . وسنعلم أنه ليس إلا من أجل سطوةٍ أو من أجل إشباع الرغبات ... إذا كان الأفضل في مدينة الحمقى هو هذا الحب ، فما هو دون ذلك الحب ؟! أقول ، إن أردتم أن تسمعوا ، فأنا أتحدث مع ذاتي ، همساً أتحدث مع ذاتي ، وإن كان لديهم من يسمع ، فلينصت جيداً لما سأقول: أنا الساقط من أرض مدينة الحمقى ، أيقنت أن سكان الأرض مصنوعون من أمرين ، بدون الثالث ، وهما اللوالب والأفواه .. من يسمعني ، سيصرخ كالملدوغ بعقرب .. ماذا أعني ؟! ماذا أعني ؟ ولديهم رأسٌ وكذلك سيقان .. ولديهم بسمة ٌ وكيانٌ .. ولديهم كلمة ٌ على الآذان .. ما زلت أصر على أن البشر مصنوعون من فاه ٍ ولولب ..وحسب .. أنا الساقط من دنياهم ، وأنا الموشوم على عنقي ، لا أعرف أن البشر إلا لوالب أو أفواه .. حتى يبرهنوا على أنهم أكثر من ذلك .. هم لوالب ، واللولب أخطر من كل الكوارث والأشياء ، لأنه بليونة ٍ وبمداورةٍ يخترق أصعب الحواجز عند الآخربن ، وعند الوصول إلى الأهداف يبدأ الفم عمله في الامتصاص .. كل البشر كذلك ، وكل الابتسامات والكلمات والرؤوس والسيقان لخدمة اللولب والفم ! فلكي يصلوا للمال ، لديهم اللولب ثم الفم .. ولكي يصلو للذة لديهم اللولب ثم الفم .. ولكي يصلوا للسطوة لديهم اللولب ثم الفم ..
الفرق بين البشر هو بطول اللولب أو قوته ، وبحجم الفم أو بقوة لسانه وأسنانه .. هناك لوالب تخترق لوالب أخرى .. وهناك أفواه تدخل في الأفواه .. وهنا العبثية في الإنسان .. لولب يدخل لولباً ، ثم يأتي لولب ليدخل ذات اللولب .. ولاتنتهي اللوالب من الصراعات تحت أغرب المبررات .. إنها مدينة الحمقى الذين لم يفهموا بعد أن الحياة أنا وأنت وهو .. لم يفهموا أن الحب هو سائل التواصل بينهم مثل الدم بين الخلايا .. _ _ _ _ _
|
|
11- الطبول اقتربَ أخيراً ظلامُ الليل في مدينة الحمقى لنهاية أول يوم .. بدأ خوفي يتصاعد وبدأ جنوني يزداد ، فأنا في بلاد الأقحوان أغمضت عينيّ لأرى النور الصادر عن قلوب الآخرين ينعكس في قلبي .. وأنا هنا أفتحُ ما أفتحُ مشدوهاً مما أرى وأحس وأسمع وألمس في رائحة ملأى بالأوبار والغبار والأعفان .. أرى رجلاً يصفع طفلا ً كحمار .. أرى شاة ً تذبح بالسكين الصدئة .. أرى سيارة ً كالجبل تدوس تلاميذ َ الغد ، وتحلم بالوصول إلى الشحن سريعاً لنيل جائزة السرعة .. أرى صعلوكأً يحرق شجرة ! وأرى ثعلباً يحلب بقرة ! أرى ثعباناً يأكل ما للطفل ِ ، وكأسُ الماء يُغسلُ بالبولِ ِ .. وأرى المعلبات ِ للبيع ِ والأكل ِ والهضم ِ ، وتاريخُها من عهد عاد ِ .. تلون البرتقال بلون ٍ آخرَ ، وراح كالعوانس ، يرقص في النوادي .. وصار التفاح هجيناً .. بلون الشحوب ِ ، أو بلون رماد ِ .. وسُقِيَتْ نبتاتُ الخيار ِ بسمادٍِ ، يأتي من أستِ العباد ِ .. _ _ _ _ _
في تلك الليلة ِ سمعتُ قرعَ طبول ٍ ، بدأت كانطلاقة ِ حرباء ِ،
ثم اشتدتْ ، ثم تعالت ، ثم انفجرت ، إلى أن استفاقت أعضاءُ المومياء ِ .. خبطتْ كالتاريخ الأعمى ، وارتطمتْ ، كسقوط الجوزاء ِ.. هاج الموجُ وجُنّ الإعصارُ ، وانبطحت علياء ٌ ، وتصاعدت ِ الأرض ُ إلى العلياء ِ .. وعمّ خرابٌ مجنون ٌ .. وسُدّت ِ الدنيا بقلوب ٍ عمياء ِ .. ...
قالوا إن الحرب فنون ٌ .. وقلت ُ إن الحرب َ جنون ٌ .. يفتك فيّ ، بأبنائي .. قتلتم أقاحيَ الدنيا ، وجئتم تقتلون الوشم في عنقي ، بحثتم عن المجون والجنون والدمار في كافة ِ أشيائي ، لكن الوشم في العنق ِ ، هو الباقي .. ...
الطبول تقرعُ ، والمهباجُ يقرقعُ ، لا صانعَ يصنعُ .. لا رضيعاً يرضع ُ .. لا صلاة ً تركعُ .. ورجلٌ يَصرعُ وآخرُ يُصرعُ ، وشخير ُ الشاة ِ المذبوحة ِ يُسمعُ ، ونيران شيِّ الأجسادِ ، تحرَق ُ ، تلمعُ .. والسمومُ في الهواء ِ و الماء ِ، توضَعُ في الدواءِ ِ وتبُلعُ .. أضحى الموتُ سيدنا .. وقلوعُ الفناء ِ تطوفُ وتشرعُ .. لاشيء محرم ٌ ، لاشيء سيُمنعُ .. لاشيءَ عنده وقت ٌ لعيونه ِ فالعيون ُ لا وقتَ لها ، لا تدمعُ .. ولا أحدٌ يقدر وقفَ الموتِ ، لم تبقَ يدٌ تغلقُ باب الجحيم ِ حتى ولا إصبعُ .. تتدحرجُ القلوبُ في الطرقاتِ ، ضاقت أماكنها ، ومازالت تتجمّعُ .. ... عندما لاح نهارٌ بعدَ نهار ٍ ، كانت كل البقاع هامدة .. انتهى القاتل والمقتول ، وانتهت الدنيا ..في يوم ٍ واحد ٍ أصبحت الدنيا يبابا ، وصار كل الوجود خرابا .. والذين قد انتظروا من الحروب ثواباً .. وجدوا نفسَ الجوابِ جوابا .. ولو أنهم عرفوا ذاك الجوابا ، فلربما اختلفوا حسابا .. ولعل آمال الغد المنظور أن مخلوقات الله قد يستعيدوا الرؤية أو يختلفوا حسابا ..
_ _ _ _
|
|
القسم الثاني أرض ُاليباس |
|
12- تراب الأرض لف الهدوء كل شيء ، وكما ماتت الأحياء ، سكنت العواصف مع إشراقة شمس اليوم الثالث وركدت الريح ، وغابت الغيوم ، وغارت المياه الآسنة ضمن شقوق الأرض .. كل ما كان يظهر في هذا الكون هو امتداد سكون لانهائي .. لا أشجار تنتصب و لا أنهار تجري ولا رياح تتحرك ، لا أصوات ولا طيور ولا مخلوقات من أي نوع .. كل ما كان هناك هو أرض تدور ببطء ، وشمس وتراب ورمل في لا نهاية لها من الصحراء التي بلا حدود .. كان كل شيء يقول : إن العالم قد انتهى .. ...
مضى الكثير من الزمان وازدادت شقوق الأرض اتساعاً ، وازدادت صخور الأرض انكماشاً ، وتعاظمت روائح العفن من مصادر مجهولة .. اقتربت الأرض من الشمس وازدادت حرارتها ، فازداد الصمت صمتاً واليباس يباسا.. نسيتِ الأرضُ أيام هبتِ النسمة ُ في بلاد الأقحوان .. لم يعد في الشهور كانون ٌ وآذار ٌ ونيسان .. لم يعد هناك طيورٌ ونبات ٌ ، ولا حيوان .. لم يعد وجود ٌ يستطيع فيه أن يتواجد الإنسان ..
اليوم الثالث للميلاد مواتٌ في قلب الموتِ ، جفت الأقلام ، رُفِعتْ الصحائفُ .. وكأن الذي كان .. ما كان ..
في اليوم ِ الثالث للميلاد ، كانت الأرض مخسوفة ً! وقد أبيدت ِ الأرض ومن عليها .. بالذنوبِ وبالحروبِ أبيدتِ الأرض ومن عليها ، ومن داخلها كانت أسباب الفناء .. كان الليل طويلا ً غاصتِ الأشياء لأسّها وإلى أدنى القاع .. ماتت الأفراحُ وماتت الأوجاع ُ .. ولم يبق في الدنيا صراعٌ ولا قلاع ٌ ولا هجوم ٌ أو دفاع .. لا كلام ٌ ، لا سماعٌ .. لا شبقٌ أو جماع .. لاشيءَ يأمرُ .. ولا أحدٌ يُطاع .. كله غاب في تراب الأرض .. غابت المياه ، غابت الدماء .. غابت الجثث ، غاب ورق الشجر ِ ، وغاب ظل القمر ِ .. غابت الأناشيد والترتيلات .. غابت البطون والملذات ، غابت الأموال والديون ، غابت الأوراق والكتابات .. وغابت الزهور والنفايات .. وساد صمت القبور .. استطال الصمت وغطى الجهات.. وبدا الوجود بلا حياة .. واستطاع تراب الأرض ابتلاع التناقض كله ، استطاع ابتلاع الحياة ، وابتلاع الممات .. وبقي صامتاً ترابُ الأرض يفكر ، وهو يوشك أن يتقيأ مابداخله ، يفكر في سنن الموت ، وفي سنن الحياة .. _ _ _ _ _ _ _
|
|
13- تحت التراب لا تستطيع جثة ٌ أن تقتل جثة ً أخرى ، لكنها تستطيع أن تتحلل وتمتزج فيها وبغيرها ، و بذا لا يبقى لأي منها إسم ! إن الأرض لتعيد تكوين الخلائط ، وإن الخلائط الأولى تصبح خلائط جديدة ، وإن كل الأشياء تتعادل في النتيجة ، وتصبح الدنيا ، فيما لو عادت الحياة إليها ، دنيا أخ |