|
نيقوسيا 25/12/2009 صفاء .. لعلني لم أخطئ في رسالتي إليك .. ولعلني أعرف المعرفة الصحيحة عنك من خلال كتاباتك التي صادفتني وأنا أتابع ما كتب الآخرون عني .. أثار فيّ الكثير من الجدل صورة يدك تصافح يداً لجسد أضحى مسرحاً لمبضع جراح وموطناً لتاريخ توقف .. ومسح من داخلي دموع القمر وجه يتألق نصفه ليبقي السر الأبدي مكتوماً في نصفه الآخر .. أعود لذاكرتي ، وليس إلى صفحاتك التي كتبتِها ، لأرى ما تبقى من صفحاتك منحوتاً في داخلي ، فيثير فيّ الشجن إيداعك أبيك بين يدي الله على هذه الصورة والنقلة النفسية الآسرة .. يبقى في داخلي الوثبة الصارخة المحتجة على قناع الطفلة ، ويبقى أيضاً لون الورد ولون الشباب القادم من هواء عُمان .. الفتاة في عمر ٍ أصغر من بناتي تكتب مذكراتها وتخلع رداء الزيف لتقول اسمها في الحقيقة ولونها في الواقع ولتتحدث في عوالم البصيرة وما وراء السطور وزيف الرؤى ولتحمل ياسمينة أو وردة بيضاء حمراء تقدمها إلى العالم وهي مازالت تقرأ عن عروق الدم ونبض القلب وأنابيب الجسد وخلايا العظام .. صفاء دخلت روح البشر كما تحاول أن تدخل أجسادهم لتصبح طبيبة تعلم ، وليس كغيرها ، أن الجسد وعاء والأثمن منه ما هو ساكن فيه .. دخلت وعرفت شيئاً منك وعنك من خلال ما صادفت: صفاء الدغيشي وهل أنا إلا مساءات ماطرة وبحر تغرق فيه الشمس وقلب .. وموت .. وجنون .. وبقاء منذُ قررتُ أن أكونَ سعيدة .. أصبح الفرح ثرثاراً يضحكني ولا أملُه يتكرر بتعابير عدة من ما يرتبطُ بي.. لأصبح متفردة به وأمارس لُعبة السماء في المدى استيقظُ وفي مُقلتيّ تفاصيل سر عنوانه مُعلن على انعكاس جنوني وعبارة تتقدم كل شيء في هاتفي من رواية للنسيان لزهير الشلبي : "الآخرون مرآتك. والمرآةُ لا تبتسم إلا إذا ابتسمتَ أنت." فأبتسم بأصابعي وأٌعلن الجمال فمنذُ أن أن بدأت إجازتي وأنا مريضة بالحرف أتنقل بهوسي وأكتب.. بعض النصوص مصادرة مني للعيون .. أراك ياصفاء غداً وقد أصبحت طبيبة ولحق بك صغارك يشدون الثوب الأبيض وابتسامتك تكفي كدواء ومنبع عطاء .. أراك كذلك وأرى أيضاً أوراق كتاباتك وحاسوبك تحاصرك في غرفتك الصغيرة الخاصة التي لاترحل عنك ولا ترحلين عنها رغم وجود الواسع والثري في حياتك .. فالثروة في داخلك المشبعة بالإنسانية هي الأغلى والأقوى والأبقى .. اكتبي يا صفاء .. اكتبي ، حتى وأنت ترين الجثث الباهتة ، وحتى وأنت ترين الورود النضرة .. وكذلك وحتى وأنت ترين زيف العالم وغدره .. فخلودك وبقاؤك هو فيما تكتبين ، وليس فيما تجمعين .. أحييك صغيرتي .. وأنا أتمنى لو أجد من أحمله الأمانة وأنا قد تجاوزت الخامسة والستين .. ودخلت الحياة من كل أبوابها ، كتلميذ وكمعلم ، كإنسان وكمحارب ، ككاتب وكقارئ وكصحفي ، كدبلوماسي وكرجل أعمال .. عملت في الحقل وأحببت رائحة المطر ، عاشرت البشر وسبرت طباعهم وندمت لأنني بكيت على صدورهم .. رغم أنني ما ندمت أبداً وأنا أبكي على جذع الشجر .. تقولين عزيزتي:
هكذا تقول صفاء .. وليس المهم ما قالت عني صفاء ، فقد قال كثيرون أكثر مما قالت ، بل المهم أكثر هو أن صفاء مشروع أديبة عملاقة خالدة .. في يوم ما .. في الكثير من أمكنة العالم ستقول الأم لصغارها والأب لشبابه .. إن هذه الإنسانة ، صفاء ، قد غاصت كثيراً في سبر جسد الإنسان وروحه وآفاقه وعذاباته إلى آفاق لم يسبقها أحد إليها .. أنا .. زهير الشلبي .. صاحب (رسالة للنسيان) وملحمة الإنسان في بحثه عن السعادة والمصير في (أرض الأقحوان) .. أنا صاحب آلاف الصفحات التي كتبوا عنها واقتبسوا منها ، وأنا لم أمتهن الأدب بل عشقته لأكثر من خمسين عاماً ، وكان متعة الحياة الوحيدة التي أجد فيها نفسي .. أنا يا صفاء أدعوك لكي تدخلي موقعي : وتتجولي فيه .. لأن فيه الكثير مما كتبت قبل أربعين عاماً وفيه ما أكتب الآن .. فيه بعض الموسيقى التي أحبها والتي أستطيع أن أتصور أنك ستجدين فيها روحاً مختلفة .. فيه بعض المشاهد الصوتية بصوتي وخاصة من (رسالة للنسيان) أو (أرض الأقحوان) وكذلك تحت عنوان (الإنسانيات ) في حكايا تحت المنديل .. يمكنك أن تجدي فيضاً من الأعمال ، ولكنني لا أكتمك أن هناك ما لم أتعمد نشره في السيناريوهات المطلوبة مني ، وكذلك فيما أسميه أنا قصص التابو .. بإمكانك صفاء أن تبحثي عن الرواية التي قرأتها أنت وكتبت منها وعنها لتري أن الكثيرين قد اعتبروها واحدة من قمم الأدب الإنساني ، وحتى على مدى التاريخ .. وهذه هي سعادتي .. أدعوك يا صفاء العمانية .. يا عربية الجذور ، غير أن جذورك الإنسانية تبقى الأسمى والأقوى .. وقد أحسست بها من خلال القليل الذي قرأت لك .. وأنت تتحدثين عن رحيل أبيك .. أحسست بأن بعضاً من روحي يسافر إلى عمان .. بوركت يا ابنتي .. وعليك مني سلام ..
زهير الشلبي نيقوسيا - قبرص
نيقوسيا 25
يا سفير الإنسانية / صديقي إذاً زهير الشلبي أقول لك بكل ما نبت في صدر اللحظة من شعور أنا الآن أبكي .. بجنون وأصابعي في فمي .. أبكي دهشة والأمطار من حولي تضج بكل شيء وأنا لي مطري لِمَ لمَ ْ أصادف أحداً يكتب عني من قبل مثل هذه النعمة وأنا أما بنعمة ربك فحدث يا سيدي .. الفردوس هي أقصى شيء في مدى السقف عندي وهي أقرب ما يلتمس من حبل وريد الجنون فيّ وهي من قربها لا أراها ورواية رسالة النسيان أكثر من فردسني وراويها .. راوي الملحمة الإنسانية العالمية راويها يحكي عني ! عني يحكي كيف لا أُجن ؟!!
يا سيدي .. أستاذي زهير الشلبي دعني أوجه إهداء روح خاصة لك .. الروح التي جاورت أرواحي وأنا أقرأ رسالة النسيان دعني أخبرك عن يوميات الرواية معي .. عن الظلمة وهاتفي يزرر نفسه بأصابعي كلما انتهيتُ من دهر إلى نظرة إلى صخرة إلى بحيرة وذكرى عن قلبيكما معاً عن سقوف الكلام عن الدمع عن ذكاء الروح واللغة عن الضوء يؤذي أختي النائمة قربي وأنا أختبئ تحت الفراش لأكمل عن إدماني وأنا أجاوزُ بشغفي لنبض يستمر بالفصول الزمنية عن خوفي من انتهاء الرواية فلا يعود هناك جمال مزيد أقرأه عن زحام كل ما أذكره الآن .. فلا يدع لي مجالاً لأختصر أي شيء أنا يا سيدي الفاضل .. زهير الشلبي أفتحُ لعيناي الآن أكثر أن لا تستُر نفسها بالكلام ولا عن روحي أن تشتاق كل يومٍ أن تصحو على مرض الحرف ولا عن كلمتي لصديقاتي في مشوار الرواية في يدي (أجمل ما قرأت) ولا عن التشبثِ بكلماتك ووصولك الجليل هُنا بكل ما فتنتني وراودت أفكاري عن نفسها به
كم لي من الأماني الآن يا إنسان الرسالة أن أبدو أمامك في قبرص الآن أن أرى عيون الرسالات حولك أن أمد لك يداي من اليسرى أجد اسمك على رسالة النسيان .. ومن اليمنى أعطيك أول إصداراتي القادمة
والدي زهير هذه الرسالة إنسان .. ولا أحد يستطيع أن يختصر إنسان الحقيقة الأجمل لا حقيقة في الذات ولا ظلها بل في التقاء الأرض والسماء بحس مباشر والإحساس الأجمل أنني ما قررتُ أن أكون سعيدة إلا بعد روايتك وما جاءت سعادتي إلا كون الإنسان الذي كان يستلقي على الصخرة ويمد في رسغه غصناً .. ويبدي نجوماً في عينيه جاءني كمفاجئة فردوسية ودي الكبير ابنتك |