عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

  "نحن مثل دون كيشوت، نسجنا

شياطيننا من أعماق مخاوفنا"

نيقوسيا 1/2/1998

 عودة دون كيشوت

تمتد مملكتي من الجبل إلى الجبل.. نهرٌ غزيرٌ ممتلئ ٌ صافٍ تحف به طحالب، وترتفع أشجار من كل الأنواع، وتعج به أسماك من كل الألوان والأحجام…

يغور النهر مرات في زوايا الأرض صانعاً بركاً راكدةً للسباحة والاستمتاع وزراعة الأعشاب المائية في السبخات، وبذر بيوضٍ لمخلوقاتٍ مائية وبرية جديدة…

بالابتعاد عن النهر ترتفع الحواف رويداً رويداً عابقة بالشجيرات والأشجار، منبسطة أحياناً لتترك سهوباً نزرع فيها الخضار والورود، ونترك فيها المواشي تسعى على قوائمها فرحةً بالعشب والزريبة والثغاء والخوار وحباتِ المطر…

وبارتفاعات منبسطات الأرض على الجانبين تتسلق صخور صلدة جميلة تنحو نحو الأزرق كلما اقتربت من قمة نائية لكنها مازالت تلج بين الأشجار تتكتل متقازمة، غير أنها ذات حياةٍ قليلة التبدل، أمام رايات الأشجار المتسامقة نحو زرقة السماء وابيضاض غيمها..

*           *              *

سكن مملكتي رجالٌ من أشعة الشمس فكانوا خيراً ودفئاً وأخضر في لون الشجر وأبيض في خير الضروع، وسكن مملكتي نسوة من ضوء القمر تقوست ظهورهن وتكورت ضلوعهن فاحتضنت الرضيع الغض وقلب الرجل الخفاق المتعب.. فضربت على وتر النسمة على سطح النهر في يوم الربيع بلا إناث البعوض.. غنت قلوب النسوة لكور النحل وعش العصافير وبيوت النمل، واحتضنت جذور العشب ومآبر الزهر، وهدهدت لأجفان الرجال المسهدة…

فقبّل رجال مملكتي نساءها في كل الخلايا.. فابتسمت النسوة وترقرقت بين جفونها دمعات الفرح، وأنتجت بويضات جديدة فيها انطلاقات لأجنة جديدة تزرع مملكتي حَبْواً جديداً وإيقاعاً حياتياً يُوَلِّف نغمه مع أنغام النهر والشجر والسماء…

*           *              *

من مكاني قرب النهر.. لِصْقَ النهر، وَجَبَ قلبي مستشعراً جريان الدم في عروقه ومساربه، فرحاً بدغدغة نغم الانسجام بما حولي وبمن حولي.. نظرتُ.. نظرتُ حتى قمة الجبل وقمة الجبل.. امتداد بعيدٌ قريب.. على اليسار واليسار واليمين واليمين.. أيهما في الميمنة وأيهما في الميسرة؟.. لو نظرت أمامي لكان على يميني جبل بعيد وعلى يساري آخر، ولو استدرت مجدداً ونظرت أمامي من جديد لأضحى ما على يساري إلى يميني وما علي يميني إلى يساري…

فأيهما هو أيهما؟…

على أحد الجبلين، ثم على الثاني سقط ندفٌ قطني مثلج.. واستمر.. إلى أن تلونت الأرض والصخور والأشجار الباسقة بلون أبيض متشبهة بلون الغيوم المتهادية المتعانقة0 في فضاء السماء، فأصبحت ومملكتي الأزرق والأخضر والأحمر في سور مرتفع أبيض بلا حدود…

وساد صمتٌ كالموتِ…

ثم لم تستمر الحكاية إذ فاجأتها الذئاب بالعواء البعيد…

جاعت الذئاب فقصدت بعض البيوت في القرى البعيدة، اقتنصت دجاجاتها وطيورها وشياهها ومزارعيها..

خرجت الكلاب العقورة من شقوق في جوف الأرض فنهشت في بعضها وأذهلت سكون الشجر وبالت على سطح النهر…

ولم تلبث الشمس أن سطعت مستعجلةً وقتها فأسرعت الثلوج في ذوبانها فتدفقت أنهراً طينية من كل الأنحاء، اتحدت، كونت سيولاً جارفة اقتلعت الأشجار والبيوت في طريقها وهدرت عاتيةً تبتلع الحياة مكبلةً إياها باتجاه النهر الرقراق فيصبح بلون التراب وورق الشجر الأصفر والدم الملوث…

ويمتلئ النهر بمزق الحياة المبعثرة تجري باتجاه ما غير محدد، إلى أن أبكي وألعن الشياطين التي التهمت مملكتي.. وأصرخ فتصبح عيوني سهاماً باتجاه قمة الجبل وما خلفه وتتوالد لي أذرع من الفولاذ تحمل سيوفاً طويلة كالأشجار مدببة كالدبابيس سريعة كالحلم…

الشياطين تسكن في شعابٍ خلف الجبال، وجود مملكتي نقيض وجودها، وجودي باتجاه يعاكس اتجاه وجودها.. هي تسكن بعيداً وتفسد ما صنعناه وما سعدنا به .. تقلب لنا ظهر المجن حيث تحن القلوب وتخلص النوايا وتنقلب النسوة إلى أمهات..

عندما تنقلب أرضنا رحماً يحتوينا بكل الدفء، فإن الزبد يغلي بين أنياب الشياطين، تقعى، تتوثب تنقض وتنهش وتحتوي كل شيء ثم تتعفن…

لذا فقد قررتُ أن أحمل أرهف السيوف وأعظمها، وأمتطي أكثر الجياد إقداماً ، وأضع في عنقي أبعد التعويذات أثراً، وأنظر إلى فعل الشياطين حولي متملياً، فآخذ منه حقداً ودفعاً.. ثم أندفع.. فلعل الشياطين تسكن خلف قمة الجبل…

*           *              *

تغوص قوائم حصاني الأبيض المنقط بالأسود في ثلجٍ وطين، وأنا أحثه بحب، كما أحث نفسي بوجلٍ، لتخطي كل المخاطر، وتجاوز الطين ومحتوياته من بقايا البيوت والأشجار.. للصعود.. والاتجاه نحو القمة.. تزداد برودة الهواء شيئاً فشيئاً، لكنني أثابر وحصاني المقدام تتحرك مفاصله بقوة وإصرار، فأحس بها تحت عجزي، تكسبني ثقةً وعناداً.. سيفي معي طويل يلمع، وتميمتي في عنقي تشع تعويذاتٍ تغذي عصبي.. نتحرك نحو الأربعة، حصاني وسيفي وتميمتي وأنا، نتحرك معاً.. ونتحد جسداً واحداً وقراراً واحداً باتجاه مخبأ الشياطين…

ثم نصبح نحن الأربعة كتلة واحدة، تسير بتحدٍ واحد وثقة واحدة وجسد واحد…

لابد أن الشياطين تقبع هناك ولابد من حربها في مخبئها!..

فلننطلق…

نحن كتلة واحدة من القرار الحازم.. إبادة شياطين الخراب.

*           *              *

غابت الشمس ومازلنا نخترق العسير، من صد إلى صد، ومن صلدٍ إلى صلدٍ، ومن غوصٍ إلى غوص.. من ذئب إلى ذئب.. ومن دقيقةٍ إلى أخرى…

ومضى النهار.. هربت مياه الثلوج إلى القاع.. اجتزنا الكثير وما بقي أكثر.. ولكننا ثابرنا، ثابرنا حتى الإعياء، أنا وحصاني وسيفي وتميمتي.. ثابرنا حتى حال تَغْييب الفكر.. حيث صرنا آلة لا ترى إلا هدفاً واحداً، الوصول إلى مسكن الشياطين وقتلها أو قطع أياديها الحرشفية المسننة…

أنا لا أبكي، رغم تهطال الدمع، أنا لا أتألم رغم انغماس الشوك في أدمة الجلد.. وحصاني لا تبلى حوافره التي تجر خلفها أثقالاً من نتف الأشياء اللفّافة.. سيفي قطعة من يدي، وتميمتي قطعة من صدري.. وكلنا لا نئن ولا نشقى.. فرؤيانا لا تتعدى البحث عن نصر على الشياطين…

غاب النهار.. ولم يبق سوى بضع قليل من أنوار في أسفل الوادي تدل على بقايا حياةٍ مكنونة بانتظار انبلاج الصبح.. ومازلنا في طريق القمة..

غبنا وغاب الزمن وساد الليل..

وحينما كنا نجتاز القمة، كان الليل يجتاز سواده، فأصبحنا وإياه نبحث عن نور ينبلج ويلج عمقنا الأسود فيفصح عن غامض ويتحدث عن أملٍ آتٍ…

أصبحنا في شعاب الجبل العليا، ندخلها ونخرجها، ونخرج منها ثم ندخل غيرها، فتبدو كأجساد عملاقة من حولنا.. وحينما تولد نور ضعيف من عتمة السواد رأينا أشباحاً ترتمي على الأرض ثم تسابقنا، وهناك في فسحة من الأرض بدت أمامنا أم الشياطين الكبرى ترتفع بأجنحة متعددة هائلة ترتكز في نقطة تئن وتدور وتبتئس، فيغور بؤسها في أعماقنا ويحتسي من دمنا ويمغنط عيوننا…

فأجري، أنا وحصاني وتميمتي وسيفي، سيفي الذي يبتر في الشياطين الصغيرة التي تجري أمامي وشكلها كرجل يمتطي حيواناً ويحمل غصن خشب متيبس، تجري أمامي فأضربها، وتظل تجري.. وأنا أعدو، نحن نعدو كتلة واحدة التهمها الحماس من أجل مصير المملكة…

ولمّا وجدت أن الشياطين الصغيرة تجري أمامي سوداء كالحة، رغم ضربي لها، ورغم تصديها بإتقان وإصرار بالطريقة التي أضربها بها.. تابعت بإصرار أكبر نحو الكتل الهائلة التي أمامي أضربها، أضرب أجنحتها، فتتلقى ضرباتي بعناد، وتدير أجنحتها المعلقة فوق كتل جامدة مخططة هائلة…

أضرب في الشيطان الصغير أمامي، وهو يصد، وأضرب في أذرع الشيطان الكبير الدائري المتفرع.. وهو يحتمل كل شيء… وبعد ضرب مستمر، ومازال شعاع النور البسيط يصارع الظلام، أحسست بأنني نجحت في قصم ذراع واحدة من أذرع الشيطان العملاق الدوّار الأسود بأذرعه الأنينية…

عندما عرفت أنني خلعت ذراعاً من خمسين.. ساحت من عيني دمعة.. وفرحت إلى حد السبات.. وارتميت على الأرض في خدر عميق، ورحت منهكاً في غياب طويل.. لم أحسس فيه إلا بحصاني ينفث اللهب من خياشيمه في وجهي، وتميمتي تغور في صدري، وسيفي يلتحم مقبضه بسليمات أصابعي.. غبت مرتجفاً وجسدي ينكمش ليبقي الحياة داخله..

 

*           *              *

 

مملكتي خراب، والطريق منها وإليها خراب، والسمكات موتٌ بلا غياب، وجعاب الناس فيها تراب.

مملكة ليس فيها ما يؤكل، لا يعيش فيها ذباب.

أكان السعد فيها سراب؟!..

فمتى يعود الذبابُ، متى تعود الذئابُ، متى تعود الكلاب من الضباب؟…

قصتي وحصاني وتميمتي وسيفي،

هل كُتِبَتْ في كتاب؟..

أين الجواب؟..

أنا في غيابٍ، أنا في ذهابٍ، وأرضي في مصاب؟..

أنا في غياب..

السيف الرهيف قطعة من يدي..

والتميمة تغوص في الجسدِ..

والحصان المقدام لاهثٌ من التعبِ،

وأنا أضيع في زحمة الأحداث والكتب..

وأغيب حتى قاع عظمي..

والشياطين حولي تحوم..

كانت وما زالت، وتبقى إلى الأبدِ..

*           *              *

لم أستفق إلا والليل أرخى سدوله من جديد، فشدّدْت القبض على مقبض سيفي، وتحسست تميمتي، وامتطيت جوادي، وركضت باتجاه الشيطان الأكبر.. كان الشيطان الصغير بدابته وخشبته يجري خلفي هذه المرة، ولما كان همي شيطان القاعدة الصلبة والأذرع الخمسين فقد اندفعت نحوه وأخذت أضرب في أذرعه العنيدة  المتحركة الدوارة بثبات..

كان الشيطان الصغير خلفي يتحرك ويطاردني عندما أتحرك وأتنقل، ويقف عندما أقف، وكلما امتد الزمن تقاصر إلى أن أصبح تحت قدمي تماماً ثم أخذ يمتد أمامي..

ومازلت أضرب في الأذرع والأذرع لا تقف بل تتابع حركتها ودورانها وتحديها..

 وعندما قصمت ذراعاً آخر، ارتميت من فرحي الجديد، فشمني حصاني، وانكمش في يدي سيفي، وغاصت تميمتي في صدري أكثر .. وغبت فرحاً..

ومازال الغيم في السماء متلبداً يكتم الضوء، ومازال قلبي يسعد ويرتخي وينام عندما أبلغ من الشيطان الأكبر إصابة، فأسعد بأنني مشيت خطوة أخرى…

ومرت الأيام…

أصبحت رجلاً حصاناً، ذراعه بطول السيف، وفي قلبه تعويذاتٌ، يقصم في كل ليلة ذراعاً للشيطان،..

وفي ليلة من الليالي بقي الشيطان كتلة بدون أذرع، فقررت العودة إلى مملكتي…

عدت وأرجلي قوائم حصان، وذراعي رهيف، وقلبي تميمة تمنع الشر، عدت إلى مملكتي…

وفي رأس الجبل، في مقتبل الصبح، رأيت الأنوار ملألأة، واسعة ممتدة صافية.. فانفتح صدري للهواء ينسحب داخلاً منعشاً لكل الخلايا المشتاقة، وامتدت راحتي طويلة، وتحركت ساقاي بلذة طاغية…

أنا أحب مملكتي…

أسرعت في دروب جميلة، وبين الصخور الصلبة الزرقاء الراقدة بثبات وهدوء، وبين الأشجار المتعالية في الفضاء الرحب، وعلى عشب هينٍ لينٍ.. وعندما سريت نازلاً، هابطاً متهادياً، وسحر السعادة يملأني.. أحسست من جديد بمفاصل حصاني وبخياشيمه تنفث هواء الزفير فينفك عني حياة أخرى، وأحسست بسيفي يصبح قطعة من المعدن البارد في يدي، وأحسست بالتميمة تلتصق على صدري وتتمتم كلماتها بينها وبين نفسها…

فأحس بأن الحياة عادت من جديد… وأن السمكات يلعبن في النهر وأن الصبية تخوض في المياه الضحلة الصافية، وأن الثمر يتجمع أكواماً على الأغصان، وأن السهوب أضحت سهولاً ممتدة مليئة بالخضار والفواكه والورود والمواشي تسعى في حبور والطيور تجمع القش والحب وتبني الأعشاش في أحضان الشجر والجدران..

فرحت، إذ وجدت الناس فرحة، وسعدت إذ دخلت بيتي، وتجمع الناس حولي..

قلت لهم: لقد قصمت أذرع الشيطان الكبيرة.. ولم يعد هناك شر..

فقالوا لي: لقد بنينا سدوداً لنمنع السيول..

فقلت: إن الشيطان قد مات..!

فأجابوني: الشيطان هو الرؤية الخطأ.. وعندما رأينا صواباً زال الشيطان..

فأجبتهم: ولكنني قطعت أذرع الشيطان بسيفي هذا، وأخمدته بتميمتي هذه، وساعدني في ذلك كله حصاني المقدام!..

فأجابوني: الشيطان ليس إلا كسلنا وتكاسلنا وهَمْنَا وتوهمّنَا.

أجبتهم: الشيطان شيء آخر ويمكن قتله..

 أجابوني: الشيطان جزء منا وفينا.. دائم فينا.. وكما أن فينا ملائكة فإن فينا شياطين..

قلت لهم بإصرار:

فلنذهب معاً لتروا كيف قطّعت أذرع الشيطان..

هزوا رؤوسهم ولحقوا بي..

*           *              *

 .. .. وعلى المنبسط خلف قمم الجبال الناتئة، وجدنا أذرعاً مهشمة لطاحونة هواء عملاقة قديمة…

 -=-=-=-=-=-

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm