|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
"لدينا، ومن أرضنا ،
ما يعيدنا إلى الشباب ثانيةً"
|
|
أسطورة (حجر منصور) |
" دُرْ دُرْ يا حجراً منصوراً
كلهنّ تزوجن،
وما زلت أنا بورا.."
أهزوجة كانت ترددها عذارى التل بعد أن يقطعن الجرف الجبلي مجتازين المنحدر الصعب ما بين وادي البلدة والمنبسط فوق التلال عبر الطريق الملتف واصلاً حتى النهر الهادئ في حضن الجبل الأعلى قرب منطقة الغرب.
يزداد الصوت وضوحاً كلما تبايَنَّ بأغطيتهن البيض وكأنهن غيمات صغيرات تتأرجح نحو السماء، وعندما يصلن إلى حجر ضخم صلد رخامي غريب عما حوله من الأرض، يدرن حوله، يتلمسنه بأيد خشنة شقية حيث يتحسسن من خلاله برودة قاع التراب..
* * *
(صفيةُ) امرأة تجاوزت الآن التسعين عاماً، فقدت جل بصرها وسمعها.. فقدت بريق جلدها وثبات عصبها وقدرتها على التوازن، غير أنها مازالت تحتفظ بكبريائها وبصورها الذهنية وبحركات لسانها الناطقة المعبرة عن أدق نبضات الماضي. (صفية) الآن جدّة لجدة.. أحفادها شابت شعورهم، وأحفاد أحفادها يبحثون عن مستقبل.. أحفاد أحفادها صاروا قبيلة، وعندما يلتقون يكونون مهرجاناً أو بؤرة صراع لأطماع ونزاعات أبناء العمومة. (صفية) الآن قرمية يابسة بلا أوراق ولا أزهار، غير أن جذورها، مثل (حجر منصور)، تصل إلى رحم الأرض.
* * *
قالت لي المرأة العجوز من الحارة، وهي في سن جدتي، إنها تريد أن تسأل جدة الجدات (صفية) عن أمر ما زال يشغل بالها خمسين عاماً.. كانت في السابق تخشى وتخجل أن تسأل، ولكنها وقد تجاوزت الآن سن الشكوك الاجتماعية أصبح بإمكانها أن تتحدث مع أي شاب أو شابة بمعرفة أو من غير معرفة دون أن تتلقى التوبيخ أو تُوصم بصفات العار..
ألحت المرأة العجوز فلم يكن لدي من مفر، وما كان الأمر يهمني.. الوجوه التي تعمقت فيها خارطات الزمن والقهر والشقاء لم تعد تهمني فأنا فتيٌّ أبحث عن وجوه نضرة تتدفق تحت أدمتها الدماء بغزارة حتى لو كانت مصنوعة من هرمونات الخضار واللحوم وكريمات الزرنيخ المغذية. ألحت المرأة العجوز، فأجبتها من غير اكتراث إن قرمية الزيتون (صفية) مازالت تحلم بالمستقبل في حوش أرض الغرب عند (الحجر المنصور)..
وما إن سمعت المرأة كلماتي التي تشبه تدحرج حجارة التل المائل باتجاه الوادي حتى انتفضت وكأن في داخلها مس واستشعرت قوى خفية جبارة تعيد إلى عضلاتها قوة الشباب واندفاعات اللهفة، وتحثها إلى العودة لمرآتها تمشط شعرها وتنتف حاجبيها وتقرص أعلى خديها وتعيد لف غطاء رأسها وتهرع مسرعةً باتجاه جدة الجدة (صفية) عند (الحجر المنصور)..
تركتها وسرت أتفقد الصبايا يخرجن من بوابات البيوت وأنا ابحث عن وجه عله يصادفني مدوراً ملفوفاً بالأقمشة البيضاء قد يدخل قلبي فأسأل عن اسم أبيها..
ذهبت العجوز.. غير أن سؤالها عن (صفية) لم يذهب!..
* * *
أحسست بأمعائي تنقبض، ذهبت إلى دورة المياه، وأمعائي ما زالت تنقبض، دوار خفيف يلفني..
أخذت كتاباً يتحدث عن سقوط الحضارات ونشوئها، ورحت أعد نفسي للسير في مسافةٍ هامة تتجاوز بضعة آلاف من الأمتار في قلب البلدة إلى التلال المشرفة على أشجار الغرب لأتبع العجوز وهي تركب عظام ساقيها وتؤرجحهما نقلاً على الطريق الملتف المائل نحو صومعة جدة الجدة (صفية) قرب (الحجر المنصور)..
الرغبة التي في داخلي لمعرفة سر العجوز الباحثة عن اللقاء بجدة العجائز دفعتني للسير خلفها عن بعد مستغلاً ضعف سمعها ونظرها الجزئي لأراقب كل حركاتها ولفتاتها.
اندفاع المرأة كان أكثر من قدرة امرأة في سنها، واهتمامها بشد القماط الأبيض على رأسها يشبه اهتمام صبية في العشرين، وحركة يدها اليسرى أحياناً وهي تنفتح من إبطها يدل على أنها تتصرف وكأنها تقبض على طرف حبل تشد به فتاة ثقيلة تتباطأ في اللحاق بها..
وتابعتُ السير خلفها. وكلما ابتعدنا عن البلدة، كلما ازدادت نبضات قلبي..
لكن قلبي كان فرحاً، فالطبيعة كانت رائعة وكأنها كانت على حدود الجنة!..
* * *
اجتازت المرأة العجوز جُسيراً على نهير ضحل الماء، وأنا أتتبع الخطوات، وكأن التي أمامي بنت فتية خرجت للتو من بيت دمشقي فيه شجرة برتقال وليمون، وراحت تصعد الطرقات والدروب الضيقة باتجاه جبل قاسيون..
وكان الصعود صعباً..
وكان الذي أمامي شبحٌ ملائكي يتناقص عمره الزمني، فتبدو العجوز عن بعد امرأة تناقصت من الستين إلى الخمسين إلى الأربعين.. إلى العشرين، بل ربما إلى سن البلوغ.. فرحت أرى فيها مثل رؤيا الأحلام والأطياف تبحث عن مقر ضمن أجساد لا تعرفها.. الزمن يعود إلى الوراء.. الزمن يعود إلى حيث كانت (صفية) فتاة ما زالت تبحث عن بروز في صدرها.
الزمن يعود إلى حيث كان النهر غزيراً والشجر منتصباً نحو الشمس والرمال لماعةً ذهبية و(حجر منصور) ما زال فتياً فيه نبضٌ من إيقاعٍ خاص..
وتتقارب العجوزان، المرأتان، وربما الفتيتان.. الجدة، وجدة الجدة، تبحثان عن فروق زمنية تركتاها في البلدة على الطرف الشرقي من الوادي حيث تهدر سيارات صنعت في عوالم أخرى، وأجهزة كمبيوتر تبحث عن عوالم أخرى..
تقارب الشبحان الباديان علامتين في شحوب الشمس، تحادثا وتقاربا ثم تحركا وتتابعا نحو (الحجر المنصور)..
تسللتُ كفأر الحقل والجبل، وأحسستُ بنفسي أنكمشُ وأتقازم حتى أصبح شيئاً لا يهم الآخرين، ولم يبق لدي سوى عين وأذن وساق تنتقل.
* * *
(حجر منصور) حكاية قديمة، كتلة مكعبة صلدة لا يذكر أهل البلدة إلا أنه كان هناك في المنحدر الجبلي على طريق أرض الغرب طبيعته غريبة عن البيئة التي هو فيها، فالأرض هناك رسوبية حديثة كلسية هشة، وهو كتلة صامدة وكأنه جبل قد انضغط في صخرة..
قالوا إنه نيزك، وقالوا إنه حجر ضخم تم نقله من أماكن بعيدة لغرض ما وفي منتصف الطريق تخلوا عنه فأصابت البلدة لعنة..
قالوا إنه منذ مئات السنين وعندما قرروا في البلدة أن يبنوا مسجداً اقتلعوه من مكانه وأحضروه إلى ساحة البلدة ولكنهم في اليوم التالي وجدوه وقد عاد إلى مكانه الأصلي حيث مازال حتى الآن.. هم أعادوا نقله، وهو أعاد نفسه إلى مكانه..
لا يعرف أحد من أين جاء اسمه (منصوراً)، وعلى من انتصر!.. أتكون قد حدثت معركة بجواره مثلاً وتم النصر عنده؟!.. قال المهندسون إنه حجر بناء ضخم تشهد عليه أضلاعه المضلعة، لم ينجز نقله بالكامل إلى مواقع البناء.. وقالت عجائز البلدة إنه رَصْدٌ يخفي كنزاً أخذه آل فلان وآل فلان.. وقالت امرأة إن زواياه تشير إلى اتجاهات هامة، إلى آثار عين الصاحب وإلى وادي الدريج، وإلى غير ذلك مما يهدي عابري السبيل.. وقالوا، وقالوا.. لكن الحجر مازال هناك، والعجوز الأولى مازالت تلحق بجدة العجائز الأخرى من أجل أن تصل إلى ذلك الحجر..
أنا خلفهما أفتح عينيّ حتى الحاجبين وحتى فتحتي الأنف، ويتضخم صيواني أذنيَّ حتى قمة رأسي وأسفل عنقي..
* * *
(صفية) بعظامها المحدودبة تضم زاوية (الحجر المنصور)، والعجوز الصغرى تمشي بخطوات واجمة، ثم متأنية، ثم متسارعة، ثم سريعة، ثم بسرعة السهم حول الحجر وحول صفية..
تدور العجوز بسرعة السهم، وصفية تتحامل على نفسها لتبسط عظامها المقوسة، تنفرد قليلاً فيزداد طولها وتتحرك ساقاها وتبدأ خطواتها البطيئة المتثاقلة ثم لم تلبث أن ازدادت نشاطاً وهي تدور محاولة اللحاق بالأخرى..
وكانتا ترددان:
دُرْ، دُرْ يا حجراً منصورا،
كلهن تزوجن،
وما زلت أنا بورا..
مازلت أرى وأستمع.. دهر طويلٌ وأنا أرى وأستمع..
كلاهما يأكلن الزمن، والحجر الضخم يشاركهما في أكل الزمن، هما تدوران كعقارب الساعة المتحررة من عقالها. تدوران وتدوران حتى أحسّتا بنبض رحم الأرض ينبعث من خلال الحجر ويمسهما ويعيد دفق الحياة فيهما، فتعود العروق إلى مرونتها والدماء إلى نقائها، والجلود إلى نعومتها والعيون إلى بريقها والشفاه إلى رطوبتها والرغبات إلى أجيجها..
مازلت أرى وأستمع!..
الأرض تدور!، والله إنها تدور!.. والشمس تدور، والمجرات تدور، وكل في فلك يسبحون..
(صفية) تدور.. حفيدتها العجوز تدور..
تنبعث الحياة فيهما ومنهما، تدوران وتأخذان من دفقات رحم الأرض عبر (الحجر المنصور).. تأخذان الحياة الجديدة..
(صفية) تعض على لباب الحياة فتتمثل الحياة في كل الخلايا، والمرأة تنطلق كالسهم في بعد جديد يجعلها كالنمرة الفتية التي تبحث عن خليل..
تظهران تدوران إلى أن أحس بالأرض تدور وبالكون يدور.. وأنا قابع مكاني..
هما تدوران، وتنطلقان وأنا واقف قابع مكاني كفأر الحقل..
هما امرأتان نشأتا من رحم الأرض ونشأ في جوفيهما رحمان يلدان من أجل الأرض..
وأنا فأر حقل قابع عند حجر أرى كيف تدوران حول (الحجر المنصور)..
أحسست بأن العالم ينطلق مثلهما..
عجوز الشرق وعجوز الغرب تتحولان إلى قوتين فتيتين.. وأنا أنحسر مُقَطّعاً عشرات القطع عند حجر صغير مثل فأر الجبل..
رأيتهما في كامل قوتيهما تنطلقان نحوي تبحثان عني لتضعا قدميهما على أم رأسي..
أنحسر في حجري..
أخذتا فانوس علاء الدين .. دارتا حول الحجر واستمدتا منه القوة.. دارتا حول جدودي ورفات تاريخي ونبض الحياة في أرضي..
أخذتا منه القوة.. وانطلقتا نحوي لتدوسا على عروق الدم في عنقي..
أنفلت منهما ورحت أدور حول (حجر المنصور) وأنا أغني..
دُرْ دُرْ يا حجراً منصوراً..
كلهن تجددن،
ومازلت أنا بورا..
أطل علي من السماء نور ملأ الكون..
تطاولت حتى الجوزاء..
غاصت قدمايَ حتى رحم الأرض..
أصبح لوني أخضراً..
نبت في الأخضر زهر..
وخرج من الزهر تفاح بلون الخلود..
جرى النهر صافياً وغزيراً..
ملأت السماءَ طيورٌ تداعب أشعة الشمس وتُماوج بؤر الضوء..
قفز قلبي فرحاً فرحاً وأنا أرى البلدة شرقها ومغربها يلتصقان..
غنى (حجر منصور) وملأ غناؤه السماء..
عندها فقط،
وبدل أن تدوس العجوزان على عنقي..
رأيتهما تقبّلاني وترغبان في أن يكون في رحميهما أولاداً مني…
-=-=-=-=-=-
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|