عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

 "كلهم غنوا للحب..

ولما أحببتُ حكموا عليّ بالسقوط.."

 

الطابق السابع

نيقوسيا 26/5/1997

استيقظت سلمى، تمطّت، تقلبت في السرير يمنة ويسرة، ثم تحاملت متثاقلة، ودبت ركبتيها على أرض الغرفة في الطابق السابع ثم ضغطت عظام ظهرها ورفعت جسمها المكتنز وداست سجاداً عجمياً أحمر وسرت إلى الحمام البخاري والرخامي..

كانت سلمى تحس بالبله وتدرك أنها لا تعرف كيف تجري أمور الحياة حولها.. فشقة أهلها هذه واسعة تشمل طابقاً كاملاً يطل من كل الجهات، فتشرف على كافة الشوارع المحيطة بالبناء ذي الطوابق العشر والشقق الأربعين، إلا أن أباها أراد طابقاً كاملاً ليزهو بذلك ويتباهى بأربعمائة متر كاملة. أبوها يستضيف الناس، وكلهم يتحدثون بأنوفهم ويلوكون الطعام خلف شفاه مقفلة ويبتسمون بثقل وتحمر وتنتفخ (مناخيرهم) وهم يرسمون موسم تزواج القطط بالكلمات.

أمها تستضيف نساء البناء والأبنية المجاورة والبعيدة و(تشنشل) محلزنات الذهب في اليدين والأذنين والعنق وعلى الثوب وفي الرأس، ثم تمسح بقايا الكريم المتزلج على العنق المربرب.. ثم تتحدث عن ابنتها سلمى بطة المدينة التي تدرس الكمبيوتر، وقبل أن تتم دراستها استطاعت برمجة رجل على الشّاشة، جميل كالفتاة، قويّ كالنمر، حاذق كالثعلب، ذكي مثل سلمى..

ضغطت سلمى على جهاز التحكم عن بعد فتحركت خطوط على شاشة (التلفزيون) وانبثقت الألوان، واندلق صوت يملأ الغرفة، وبرز مطرب بين الأشجار الباسقة يدفق البخر ويغني مستجدياً:

 - زيديني موتاً ياسيدتي..

شبعت سلمى، والمطربون يدغدغون تلافيف خلاياها، وتتعاظم الموجات الآتية من قارّاتٍ بعيدة.. .. رجل وسيم يتابع فتاة مليحة في خطوات إيقاعية عند شاطئ مهجور.. والفتاة تنتزع بقايا القماش المبتل متجهة إلى عميق البحر، يتبعها الرجل فترتفع حرارة البحر.. تضغط سلمى على جهاز تحكم آخر فينبثق هواء المكيف البارد.. موجة أخرى تتحدث العربية، وأنثى فحلة تتحدث عن نشاطاتها الفنية من خلال زوجها المنتج العظيم في أفلام التسلية وإيقاظ الخلايا الهاجعة.. قالت الأنثى الفحلة إنها تمثل وتغني وترقص وترسم وتقود الأوركسترا والسيارة، وتركب المركب والسّحاب والفراش.. وقد جاءها أمير يطلبها من زوجها لقاء تعويض قاروني، فابتسمت هي ورفض هو..

ضغطت سلمى من جديد على جهاز التحكم، فرأت مسرحاً لم يُلوّن بعد، والناس سكارى مثل طفلين معاً، الله الله.. الله الله.. وبقي الناس يشهدون السيدة تمزق المنديل حتى غاص النصل إلى قلب الأمة.. سلمى هنا لم تنتظر، قلبت الشّاشة إلى ألوان زاهية كضوء الشمس المنعكس على الغبار المتبقي من غبار اليوم الذي سبق، والمخترق للنّافذة في أولى اختراقاته في الطابق السابع.. ألوان مثل زرقة السماء واخضرار أوراق الغابة واحمرار تيجان الورود.. لكنها لم تلبث أن انقلبت كصوت الطلقة النّارية إلى فتيات يتمايلين وشاب يغّني متعجرفاً .. (يجسجس) زنود الحلوات مبتسماً، يملك الماضي والحاضر ومستقبل النفوس.. يمسك فتاة متطايرة مع النسمة ويوحي بقبلة تغوص حتى الزبد البشري، ثم يناجيها مع الإيقاع وتتابع المناظر مثل طلقات الرشاش في ليالي أعراس القرية:

 - يانور العين.. يانور العين.

وتصفق الأمة من أقصاها إلى أقصاها..

وتنتعش سلمى في الطّابق السابع فيتمايل جسمها المربرب، و(ترنرن) حلازين الذهب.. وتقرر أن تتريث في غسل وجهها، فالماء الصباحي يوقظ لُبد العضل الغارق في الخدر اللذيذ.. تراجعت وجلست على الكرسي القريب من تلفزيون البوص الأربعين وباحث الأقمار الجوّال وضغطت على زر التحكم.. مناظر جميلة في غابات لاحدود لها، وجداول رقراقة ، وطيور وذباب وأفاعي،.. نبات يصطاد الذباب وأفاع تبتلع الجرذان، وأسماك جدولية تقفز وتطير حتى الموت، وطيور تنقر في الخشب.. ثم رجال يصطادون رجالاً، يسقطون حتى العفن الأزرق.. ضغطت سريعاً على جهاز التحكم.. محطة منمشة من مكان ما.. ووشّة تضاف إلى غبار ودخان اليوم السابق.. ولكن الذي ظهر لم يكن أكثر من سيقان كثيرة، ولم يكن من الواضح فيما إذا كانت سيقان رجال أم نساء، سيقان بشر أم حيوانات، سيقان مخلوقات من هذا الكوكب أم من غيره.. ركّزت سلمى عينيها حتى الدمع، وأسفت إذ لم يسعفها أمر في جهاز التحكم لتنقية الصورة والصوت..

واتّحدت سلمى مع جهاز التحكّم:

هذه المحطة لا تتحدث إلا عن أخبار المصيبة، وتلك لاتُظهر إلا القط والفأر من رسوم يتصارعان، يتجاذبان، ينتصران وينهزمان، وتلك لا تحمل إلا ألف منقلب نظريّ في كل دقيقة، تنقلّب معها غدد الغثيان.. وأخرى، وأخرى..

ثم تبحث سلمى عن ليل مازال متأخّراً.. آخر الأزياء الصيفية، قطعة من جلد النمر يغطي قطعة من جلد البشر. شراشب أفريقية تتماوج في محاولة لإخفاء القبب والوهاد الجسدية، وظل قماش لمّاع من حرير الصين ملتصق في المرتفعات والمنخفضات، ويطلب الاتصال بالأرقام اللاحقة للطلب والحجز قبل النفاذ.. يضرب قلب سلمى جزعاً ضمن طيّات اللحم والشحم والعظم، وتمارس الإصبع الضغط على جهاز التحكم، وتتابع الأجفان الارتعاش، وتحكّ اليد الأخرى الصدر والخصر..

تتحرّك القنوات،..

عندما تكبر العيال تسخر من أبيها المنحرف، ورجال الأمن يبحثون عن مجرم عبر شاهد لا يعرف شيئاً، والتلامذة المشاغبون يخلعون ثياب مدرّستهم..

تتحرّك القنوات،..

الشغّال يحرك مصير الأمة، والخادمة تملك الحيّ وأبناءه، والراقصة تجتاز طّبالها إلى طّبال آخر،.. والمريض بالإحسان يتحول من لون أصفر إلى لون أحمر..

تتحرك القنوات،..

وألف مليون ينتظرون (جاكسون) مخلوقاً ضاع بين العروق والأجناس يعرف كيف يماوج وسطه ويثني خصره ويديه ويفتح ساقيه كمن لامثيل له، وألف مليون ينتظرونه فاتحاً عظيماً يقود الحركة الفنية في العالم - فيديو كليب- فيديو كليب، حتى المطربة الأصيلة الصبيّة مشدودة الوجه ابنة الستّين عاماً استأجرت معجبي جاكسون (ليتقرقعوا) في الخلفية، وتصدح الأبواق وتوقع العصي الإيقاع الهمجي، فتغني مطربتنا، بوجه جديد وإيقاع جديد وردفين جديدين.. تفرك سلمى عينيها، تفرك ساعديها.. تفرك شعرها وعنقها،..

…- زيديني موتاً ياسيدتي..

تفرك سلمى راحتيها وعقبيها .. تخف صلابة الحركة لكنّها تتمادى..

…- زيديني موتاً ياسيدتي..

سلمى ترى الشاشة من خلال الأهداب، وتحسّ بأنفاسها تتجزأ مابين الفم والأنف وكأن تردد الهواء في الصدر أصبح فحيحاً..ودّت لو أن وشماً ما يكتب على جلدها كلّ صفحات ألف ليلة وليلة بقلم مدبب الرأس.. ودّت لو أن سفر تاريخ كلّ ماسمعت عنه، وسعة نبضات الكمبيوتر تغوص في خلايا دمها.. ودّت لو أن الشقة الواسعة تتحول إلى قبر صغير تنحشر فيه مع آخر حتى المزج، تفرك سلمى راحتيها، تفرك ساقيها وتضغط على جهاز التحكم فتتوقف الأجهزة ويخيم الصمت النسبي والضوء النسبي والغبار النسبي..

وتنحصر سلمى في فراشها منكمشة، ترى نفسها في قبر مظلم صغير محشورة فيه مع جسم دبق له محاجم تمتص كل بقعة صغيرة من جسدها ، أو له نملات حمراوات صغيرات تنغرس في كل ذرّة وبلا حدود

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm