adab-insan         أدب الإنسان 

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

 

 

        السّور   

                              نيقوسيا  1/12/2003

                                                          ( إن السعادة لاتأتي إلا في النور )

-         قال لي ، ورأسه لامعة ولحيته كالثلج:

(( قصة أبويك هي قصة العمر الفائت .. مات أبوك في التسعين وماتت أمك في الخمسين .. والحقيقة أن أبوك مات في العاشرة وأمك ماتت في العشرين .. ))

-         قال لي وجسده النحيل مهتزاً وعيناه غارقتان في الأفق البعيد:

 (( فرح أبوك عندما كان في العاشرة وهو يجول ويصول في القصر يركب الحصان ، ويرتع في البستان ، ويغط في المسبح وينام في الحجرتين ضمن السور بعد الأشجار ..))

-         قال لي وكتفاه مشدودتان ويداه معروقتان :

(( كبر أبوك بعد أبيه وحيداً ، عرف زواريب القصر ورائحة الاصطبل ، وعد شعرات الخيل ، وتلمس لحاء الأشجار ، وغاص في طين الأرض ولامست قدماه الديدان ..))

-         قال لي وعيناه سوداوان كبيرتان غائرتان :

(( أبوك اتخذ من الفرس أماً ، ومن الحصان أباً ، ومن القصر عالماً ، ومن نساء القصر تلصصاً ، ومن الحجرتين سماء للأحلام ..))

-         قال لي وخطوط الزمن الغابر قد ثبتت في الوجه خطوطاً أخرى غاصت تحت الأدمة :

(( مارأى أبوك جدران القصر من الخارج أبداً .. فسيده رسم الدنيا من أقصى القصر لأقصاه ، في الباكر يشم رائحة الاصطبل ويتحسس جلد الخيل ، ثم يعلو غصن الشجرة ليجني بعض الأثمار ، ثم يأتي منضماً لنساء المطبخ ، يستجمع كل الحاجات ، ويقسم لهن أنه الولد المحظي في النهار وفي الليل ..))

-         قال لي ، والبسمة تعلو باستحياء ، فقد تعلم هذا الرجل في دارته على بعد أمتار الأسوار ، أن شيئاً ما هناك مختلف عن ماهو ضمن الأسوار:

(( أبوك يا بني رأى اللذة منزوعة من كأس ، ومستجلبة من جواهر ، ومنسوجة من أوهام .. على لسان الأقوى تنتثر من بين الأسنان .. أبوك كان يظن طيلة القرن الماضي أن رؤية النساء عرايا بديل عن الدخول في الأشياء ..))

-         قال لي ، والبسمة تتضاءل باستمرار:

(( أبوك ، قال لي، من خلف السور ، إنه بطل السباق .. أبوك، قال لي ، من وسط الاصطبل ، إنه يتنسم نسيم الأزهار..  أبوك ، قال لي ، من عند القدر ، إنه يفخر بعسل البرية .. أبوك قال لي ، وهو يلمِع حذاء سيد القصر ، إن تلميع حذاء سيد القصر رمز للحرية ..))

-         قال لي ، وسبابته تخترق الغيم ، وهو يشير إلى الطريق الأبعد والنائي المجهول :

(( يوم أن كبر أبوك ، كنت أنا خارج السور أكبر . كان أبوك سعيداً عندما يمسح بول الرجل وامرأته والزوار من على الرخام فيلمع ، وكان سعيداً عندما يرى شعرات عنق الفرس تتهادى في الريح ، وكان سعيداً عندما يذبح شياه الحظيرة فيسيل الدم في المجاري دون أن يعرف إلى أين تؤدي تلك المجاري .. وكان سعيداً عندما كان يقلي ويشوي ، ويطهو ويكوي .. ويسقي  ويروي .. وأسنانه حليبية اللون ، رغم مرور السنوات ، ورغم نحيل الأطراف ..

(( كان أبوك يرى في القصر البداية والمنتهى ، لأن أسرار القصر كلها لديه ، كان يرى كل الذي يجري .. كانت الزبدة تسح على أصابعه ومن بينها وتندلق هنا وهناك .. وأصابعه أعجز من غصن مجدوع جاف مرمي .. كان كل شيء يتميع حوله ويتحرك ضمن المقلاة .. وهو الشاة التاسعة والتسعين ، يأتي دورها يماً ما ..))

-         قال لي مستعيداً بعض البسمة :

(( أبوك ، وكان يحدثني عن الحرية من خلف السور ، وبعد رؤية أول شيب، قرر أن يطلب أمراً .. من سيد القصر.  طلب أن يستثمر جسد امرأة عافها السلطان .. وهكذا كان .. جاءت أمك مشبعة بشبق مضى ، لتلقى أباك في الحجرتين الماثلتين خلف البستان .. وكلما اشتاقت سرقت بضع ساعات من أبيك لتبيت على فرش السلطان .. ولذا فربما أنت ابن أبيك وربما أنت ابن السلطان .. ))

-         قال لي فاتحاً كفه اليسري ينظر في خطوطها :

(( كان أبوك يرى أنه هو الذي يعاشر زوج السلطان وليس السلطان هو من يعاشر زوجه .. ولذا فقد حقق اختراقاً مذهلاً .. وهو في الحقيقة السلطان بدل السلطان ..))

-         قال لي فاتحاً كفه يقلبها باطناً وظاهراً :

(( كان أبوك يظن السلطان لا يمتلك القصر سوى ساعة .. وهو يمتلك القصر كل الساعات .. لا يرى السلطان من القصر سوى بعض الساحة ، وهو يعرف ويختبر كل الساحات .. والسلطان يعرف بعض السر ، وهو يحتفظ بكل الأسرار .. ولذا فهو سيد القصر وليس السلطان ..))

-         قال لي ، متطاول العنق قدر مايستطيع :

(( كان أبوك في كل يوم يحدثني من خلف السور .. وأنا أعرف صوته عشرات السنوات ، ولكن وجهه لم يطل مرة واحدة .. ولذا فلو أننا التقينا ذات مرة لما عرفنا بعضنا أبداً..

أبوك كان يعرف صوتي ، وكنت أعرف صوته ، وبذا كان الصوت هو الصلة اليتيمة بين عالم ماخلف السور وخارجه.. وظننا أننا أصدقاء .. لكننا في واقع الأمر، كنا من عالمين مختلفين ليس بينهما سوى صوت مجهول يعبر من فوق السور ..))

-         قال لي وتحت لسانه شوكة:

(( ذات يوم غاب أبوك .. ثم غاب يوماً آخر .. ثم وجدت كتلة ملفوفة بقماش فوق قماش فوق قماش تلقى من خلف السور فترتطم بأرض تمرح فيها الشمس ، ورأيت صبياً عمره عشر سنوات .. ملقياً بجانب الكومة .. ومازلت أتساءل .. هل أنت أنت ؟ وهل الكتلة أبوك ، الذي ماعرفت غير الصوت منه ؟!..

هكذا غاب صوت أبيك إن كنت أنت ابنه !..

وقد مضىعلى هذا أيضاً عشر سنوات ..))

                      *     *     *

- قال لي:

(( أنت الآن يا بني فتىً في العشرين .. أراك ، المسك ، أحبك ، وأزور وإياك أباك في القبر على تلال الريح بعد الأمطار وتفتح الأزهار أنشد وإياك أغاني الحقل ، ونغتسل بماء حر ..))

                          *     *     *

قلت له ، وكانت أولى كلماتي .. وكانت حُبلى تلك الكلمات :

(( في يوم ما كان يظن أبي أنه يستعير الخطو على السجادة ، وأنا أمتلك بساط الدنيا الأخضر .. في يوم ما كان يظن أبي أنه يمتلك البستان .. وأنا متأكد بأن بستاني من أقصى الأرض لأقصاها .. وكان يظن أبي أن القوة تخرج من الزريبة ومن الاصطبل ، وأنا أعتقد أن لا قوة تأتي من غير العقل بشرط أن يكون مفتوح القفل ..

وكان أبي يعرف كل شيء في القصر ولا يعرف أي شيء خارجه ، فهو محصور في جحر ، ولا يدري ما يحدث في هذا القصر ..

وكانت أمي كواحدة من الغانيات لا تعرف إلا كيف يأتي السلطان الى الخوان .. فيمد قطعة من جسده ثم يبصق ثم يستريح ثم يترك الباب مشرعاً للريح .. ثم تحمل الغانية وتفقس .. وتفرح أنها في يوم ما في ليلة ما ، في ساعة ما .. خرج الزمن عن رتابته وجاءها السلطان .. ثم تركها في ذات المكان ..

كان أبي ، عندما يغيب السلطان ، وفي الغالب غائب ، يتعرى ، ويلقي بنفسه في بركة السباحة ، ويظن أن السعادة مزيج الماء الراكد ..

ولقد كان لأبي وللسلطان بركة .. وأنا عنديَ البحرُ ..

ولقد كان لأبي وللسلطان مصباحٌ  وأنا عنديَ الفجرُ ..

وكان لأبي آمر ، وللسلطان آمر .. وأنا ليَ الأمرُ ..

وكان في القصر العابق مما يفوح به العطر ..

لكننا أصحابٌ .. أنا والريحُ والفجرُ ..

وإن كان لأبي وللسلطان ما يقوله الخمرُ ..

فلن يقولَ كما يقولُ الطائرُ الحرُّ ..

                       *     *     *

قال لي أبي خارج السور .. وهو أب لم يعرف أمي ..

قبلْتني أباً ، وقبلتك إبناً .. فلتعلم أن الحرية ليست في القصر ولا في السور ، وأن المجد ليس في السوط ولا في الجور .. وأن الحرية تنبع من داخلك ، وأن السعادة لا تأتي إلا  في النور ..

                       *******

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm

adab-insan         أدب الإنسان

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل