عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

"من هي ليست أمك

الآن …لم تكن أمك، ولن

تكون كذلك أبــداً"

 

نيقوسيا 28/6/1998

 

التفاح الذي يصفق

منذ خمسين عاماً، ضمتني أمي إلى صدرها وقالت:

اسمع يا صغيري، سأحكي لك هذه الحكاية، ولعلك ستجد فيها شيئاً ما يفيدك في قادم الأيام…

في ذاك البيت الجميل الصغير عاشوا هانئين، أخوان وأختهما الصغيرة.. إخوة كالنور عرفهم الناس بأسمائهم قمر وبدر وشمس..

قمر وبدر شابان غضان سامقان كأشجار الغابة، كريمان كجياد الأصول، وأختهما شمس تسكب من نورها في زوايا الدروب المعتمة..

عاشوا في هدوء وعطاء ومحبة فتحدث فيهم الآخرون بسعادة، وتحدث بعض الآخرين بغيظ…

*           *              *

قالت امرأة عجوز بقطعة زائدة من اللحم في وجهها:

- أنت يا بنيتي شمس، تحملين نوراً أبهر من الشمس وألين من النسمة وأكثر عذرية من صخور الجبل تسكنين وأخويك بيتاً جميلاً بوروده ونداه، لكن وا أسفاه!..

اضطربت شمس وهي تحس بأن بيتها ناقص السعادة:

- لماذا هذا الأسف يا خالة!.. بالله عليك قولي فأخواي قمر وبدر لا يتوانيان عن عمل أي شيء يسعدني ويرضيني..

قالت العجوز ولحمتها تتأرجح في وجهها:

- وا أسفاه، لا ينقص دارك حتى تكتمل إلى أقصى مداها سوى "التفاح الذي يصفق، والورد الذي يغني، والخزامى التي ترقص.."

- ومن أين تأتي هذه الأشياء؟ هل يمكن شراؤها ؟..

- لا يا ابنتي!.. إنها أشياء لابد من جلبها من رحلة طويلة عبر بعض المصاعب.. مساءً، عندما يعود أخواك قمر وبدر، لا تحدثيهما بل اقبضي على مفاتيح البسمة في وجهك الجميل هذا.. فإذا ألحوا في الاستفسار فاطلبي أشياءك هذه كي تكتمل سعادة الدار.. ولا ترضي عن ذلك بديلاً.. فأنت شمس ودارك جنة ولا ينقصها سوى شجرة التفاح وماعداها..

- حسناً يا خالة، سأفعل..!..

ضحكت العجوز، ونقرت بعكازها الأرض، ومسدت لحمتها المتدلية في وجهها وغاصت في ضباب وهي تتمتم:

- "بهذا نخلص من الأخوين الفتيين العنيدين الضاربين الجذور في جذور الأرض، فتبقى الشمس لنا وحدنا.. هه..هه..".

*           *              *

عاد قمر وبدر في بُكور المساء، عادا فرحين كالعادة، فهما قد أديا عملاً وكسبا قوتاً، وتبادلا الحب مع الناس، لكنهما، وهما يدخلان الدار، لاحظا أرضاً لم تُنظف، وروائح لم تُعطّر، وطعاماً لم يطبخ.. نظر أحدهما إلى الآخر:

- لعل أختنا شمس مريضة.. حتى الشمس قد تكون مريضة في بعض الوقت!..

وجدا أن الأخت الحلوة الساطعة قد خبت، ولملمت ذيول أشعتها ووضعتها في كيس من الحزن الباهت..

- ماذا هنالك يا شمس!؟..

بقيا ساعات يبحثان عن سر هذا الهم الذي ترك قذارة في الدار وجوعاً في البطن..

ولما باحت برغبتها لهما، بدا الذهول والهم على وجهيهما، لكن رغبة أختها أسكتتهما ثم أرغمتهما.

- أتعلم يابدر السبيل إلى التفاح الذي يصفق والورد الذي يغني والخزامى التي ترقص؟..

- اتعلم ياقمر مخاطر ذلك السبيل؟..

- نعم أعلم ولذا فسأذهب أنا منذ الفجر وتبقى أنت بجانب أختنا ترعاها وتحميها..

- بل سأذهب أنا..

*           *              *

منذ فجر اليوم التالي حمل بدر عصاه على كتفه معلقاً في طرفها زاده، ودع قمراً وشمساً وانطلق..

أضحى وحيداً في طريق يخرج من الغابة ليدخل في صحراء ثم يجتاز جبالاً وودياناً أياماً وشهوراً، إلى أن يصل إلى صومعة رجل عجوز:

- أيها العم العزيز، أنا في طريقي لأجلب لأختي التفاح الذي يصفق والورد الذي يغني والخزامى التي ترقص، فأين الطريق وكيف السبيل..!..

- اتكأ العجوز على عصاه وخرج من باب غاره الحجري، لجلج وفأفأ ثم قال:

- لقد ذهب قبلك آخرون وآخرون، ولم يعد منهم أحد، فهذه الطريق لا عودة منها.. فللوصول للأشياء التي نريدها لابد من اجتياز وادي الغيلان الذي لم يستطع أحد اجتيازه!..

- ولكن لابد من فعل ذلك!.. فأنا لم أقطع كل هذه المسافات لأعود خالي الوفاض، دلني على الطريق والطريقة يا شيخنا، أدخلك الله الجنة!..

ولما وجد الشيخ إصراراً لا حدود له في عيني الفتى قال:

- سر، بارك الله فيك، سر واقطع ذلك الوادي الذي يلي هذا الجبل الماثل أمام عينيك، وهناك ستلاحظ أن كل الفتيان الذين سبقوك قد تحولوا إلى حجارة، حولتهم الغيلان إلى حجارة ولكن لك عندي نصيحة!..

- بالله عليك ياعم، قلها!..

- نصيحتي إليك يا بني أن ترصد المكان عن بعد، وعندما تتبين الغولة الأم تنتظرها حتى تنام، فتتسلل إليها، وتنقض على صدرها العاري، وتأخذ ثديها بين شفتيك وتمتص منه بالقدر الذي تستطيع، وإلى أن تستفيق الغولة وتتبين الأمر تكون قد أصبحت ابناً لها، فتخاف عليك وتحميك وترعاك وتوصلك إلى ماتريد.. أمامك يابني ثلاثة وديان، وفي كل واحد تسكن غولة تكبر أختها السابقة.. فافعل مثلما تفعل، ولينجك الله وتعود بغار النجاح وتفوز ببغيتك!..

*           *              *

تابع الفتى سيره، ترصَّدَ الغولة فوجدها نائمة، فانقض بغتة ونفذ وصية الشيخ، فاستفاقت الغولة الصغرى وقالت: لولا سلامك يسبق كلامك، لكنت أكلتك ونثرت عظامك!.. اذهب بسلام، وها هو أخوك الغول الصغير يحميك من مخاطر الوادي.. وإذا رأيت أختي الوسطى فافعل بها مثلما فعلت بي، فلن يضيرك شيء، وفقك الله يابني…

تابع بدر سيره في الوادي الجديد، وفعل بالغولة الوسطى مثلما فعل بالصغرى فتكرر معه ماحدث، فازداد اغتباطه وتمثلت السعادة أمام عينيه وهو يعود بما تفرح به أخته شمس…

اندفع نحو مبتغاه، اندفع فرحاً مشدوهاً نحو التفاح والورد والخزامى، فلم يجد نفسه إلا وقد اجتاز الغولة الكبرى التي استيقظت فنفخت وحولته إلى حجر بين الحجارة المنتشرة في طول الوادي وعرضه!..

*           *              *

مرت أشهر وسنوات ولم يعد بدر..

حزن قمر حزناً مراً، وبكت شمس، وحاولت منع أخيها من السير في طريق تلك الرحلة التي لا عودة منها.. لكن قمر قرر أن يسير على خطى أخيه..

وفي فجر ما، رحل قمر تاركاً شمس وفي رأسها شيب وتقبع في زاوية الدار البائسة..

وتابع قمر ذات الطريق، فأخذ النصيحة من الشيخ، ونجح في أن يرضع من ثدي الغولة الصغرى، ثم الوسطى ثم الكبرى، فأصبحن يخفن عليه ويدلانه على الطريق..

عندما عاد حاملاً التفاح الذي يصفق والورد الذي يغني والخزامى التي ترقص، جاء إلى أمه الغولة الكبرى وقال:

- لي طلب يا أمي قبل أن أودعك، إن عملته لي فأنت أمي إلى الأبد وسيبقى حبك في قلبي!..

- قل ما تريد يا بني، فأنيابي خبيئة، وصدري مفتوح لك ترضع منه ما تشاء!..

- أرجوك أن تعيدي كل هذه الحجارة إلى وضعها الطبيعي، فأخي بينهم!..

- لك ما تشاء .. انظر هذه الحجارة تتحول إلى بشر، خذ أخاك معك وعلى بركة الله.. 

*           *              *

عاد قمر وبدر،

اهتزت الدار انتعاشاً جديداً..

وبكت شمس من شدة الفرح..

وجاءت الناس تشهد عرس الجمال والحب وتشارك السعادة المنطلقة من دار تبتسم وفي قلبها التفاح الذي يصفق والورد الذي يغني والخزامى التي ترقص…

وبقوا هكذا إلى أن جاء هادم اللذات ومفرق الجماعات…

*           *              *

*           *              *

حفيدي في صدري، يمسح في عينيَّ دمعة..

أَلَمٌ يعتصر أحشائي، واصفرار يعلو وجنتي، ومازال حفيدي يمسح الدمعة ويقبل وجنتي ويضم عنقي..

ثم يطلب مني أن أحكي له حكاية.

ألح حفيدي في طلب الحكاية..

درت حاملاً إياه في صحن الدار، ودار بي صحن الدار عندما بدأت أحدثه قائلاً..:

- كانت هناك أمة طويلة عريضة تحدث بشأنها الكتبة والمؤرخون، أضحت متراخية الأطراف مبعثرة الفكر مثل جسد يسير كل عضو فيه باتجاه مختلف!..

كانت هنا أمة أرادت أن تحضر التفاح الذي يصفق والورد الذي يغني والخزامى التي ترقص من أجل مقامها وجمالها وسعادتها..

ذهبت هذه الأمة إلى الغولة الأم، رضعت من ثدييها حتى ملأ الحليب الجوف والأطراف واندلق فوق التراب، ولكنها بدلاً من أن تعود بمبتغاها، ها هي الآن تتحول إلى حجر..

وذلك رغم أنها مازالت ترضع بنهم من الغولة الأم..

-=-=-=-=-=-

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm