|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
"تاريخ الإنسان يكتبه ذِئْبُهُ"
نيقوسيا 9/8/1998
الصيف
لم تشهد المنطقة صيفاً بهذا الامتداد الحراري منذ عقودٍ طويلة.. ذهب الناس إلى قمم الجبال، كما ذهبوا إلى بطون الأبحر، غير أن حر الصيف بقي عنيداً شرساً متواصلاً محموماً… فبان من داخل الإنسان قلبه اللاهث العابث قطعةً من حجر، ومن رأسه دماغ رمادي ملوثٌ تداخلت فيه الخلايا، فأصبح أعضاؤه، - أعضاء الإنسان- تتحرك في كل اتجاه ونما لها مخالب في كل الزوايا. جحظت الأعين واتسعت الأفواه واستطالت الأسنان فأصبحت أنياباً بلون الرصاص وقوة الفولاذ وامتداد الإبر.. امتدت الرؤوس الملونة ذكرية وأنثوية من أجهزة مكعبة ترسل ألواناً مزيفة للحياة تأتي بها من أقاصي الأرض. راحت تلك الرؤوس تذيع نشرات الأخبار مبتسمة، عن غاصب يهشم العظام، ومصلح يفتت أعضاء الأمم، وآمر يأمر بإبادة العرق الآخر وحرق الطين والشجر وبقر البطن وهتك العرض وحرق الذكر.. كما يأمر بالإعلان مفتخراً أن هذا هو النصر المنتظر…
من تلك الأجهزة الملونة تطل رؤوس مطلية بخلاصات الورود ومساحيق الجلود وكريمات الخدود، تطل مبتسمةً مزهوة تعلن من حجرِها ناقلة عن وكالاتها أن الفيضان في الصين شرّد نصف مليون، وأن الهوتو والتوتسي ذبحوا نصف مليون من الأغنام في أيام، وأن في العالم نصف مليار لاجيء، ونصف مليار آخر مهددين بالموت جوعاً.. ونصف مليار آخر مهددين بالموت في حادث سيارة أو انفجار طائرة، أو هبوط سقف منجم، أو في عارٍ مغلف بالإيدز أو الزهري أو السرطان أو في اختلاجات قلب رفض الاستمرار في دنيا قذرة…
ومازالت سيقان أحلى فتيات الزرنيخ تتمايل على ممر عرض الأزياء ترفع الموديل سنتيماً إثر سنتيم و(تكرنش) الموديل وتلحق الزاوية بالزاوية حتى بان شعر الوسط كما هو الحال في الرأس، وأكدوا لنا أن الموديلات ملونة بلون صدف البحر وزهور الشجر، دافئة مثل دم الحيض، رائحتها كهذا الصيف، وألحقوا تلك الموديلات التي تقاصرت عن ورقة توت أمنا حواء وأبينا آدم، ألحقوها بموسيقا مات تشايكوفسكي قبل أن يسمعها وكيلا يسمعها،
تلك الموديلات قالوا إنها، وبكل هذا الجمال والعهر، رخيصة الثمن، لاتساوي أكثر من بضعة مئات من الدولارات الأميركية التي لم تزيف…
عادت المذيعة (المحمرة المبودرة المكحلة) المنمقة بابتسامتها الجميلة المبعثرة، لتصلح خطأ في الأرقام:
- والآن سيداتي سادتي، لكل من يهوى الجمال والموديل الجديد قررت دار الأزياء أن ثمن أي تصميم لن يتجاوز مائتي دولار فقط.
استدارت المذيعة هنيهة باتجاه مُخرِجٍ يوجهها، وقالت إنها لا ترغب في تكدير المشاهدين بعد هذه الجولة الجميلة، ولكن عليها أن تذيع خبراً آخر رغم عدم أهميته.
- آسفة سيداتي سادتي،
الخبر يقول...!
تابعت مبتسمة:
الخبر يقول أن خطاً طويلاً من آلاف الأطفال الأفارقة الذين أصبحوا بلا مأوى ولا أهل، يباع الواحد منهم بمائة دولار للطفل الواحد…
ابتسمت المذيعة الجميلة، وأحبت أن تكون خفيفة الظل فعلقت في ذيل الخبر..
- (يا بلاش.)!…
* * *
الناس في بلادي الواسعة يحبون الله، يذهبون إلى الجوامع والكنائس ويصلون.. يقفون تحت القباب ويرتلون، ويكتبون على الجدران آيات مقدسة، وتمتلئ المساجد بالزخارف المليئة بالحب، وتمتلئ المعابد برسوم القديسين…
وينادي المؤذن: الله أكبر، فيردد البشر من قلوبهم الله أكبر.. وتحس الأعضاء بندى يجتاحها فهم قريبون من خالقهم…
وتتوافد أرتال محبي المسيح إلى الكنائس تحت وقع الأجراس، وهم يبتسمون ابتسامات خارجة على قانون الغاب…
في تلك الأوقات تخلد المذيعة الملونة إلى النوم…
وقف الخطيب يقرأ ورقته المكتوبة بصوت يأتي من قاع نفسه، وكله كتلةُ واحدة من الصدق، ليقول عبر مكعب الألوان، وليسمع العالم:
اللهم أعز الإسلام والمسلمين
آمين
وأهلك أعداء الدين..
آمين
ويخشع العالم.
وأخشع أنا، وأحس أن الله يراني، فأبكي وأطلب منه في سري، اللهم اغفر لي ذنوبي، ويسر لي أمري، يا رب العالمين..
أبيت ليلتها في سعادة، نظري يمتد حتى نجوم الليل، وروحي تتطلع إلى رحمة واسعة تأتي من عند الله وتملأ كل شيء، وكل حي، وكل ثانية تخفق في عمر الزمن..
أبيت ليلتها في سعادة، وقد أصبح دمعي غزيراً.. لا أرى يومها وجه المذيعة الملونة، ولا أستمع إلى نشرات أخبار، ولا أقرأ جريدة، ولا أتحدث مع بائعٍ جَوَّال يبيع البندورة (المخمجة) طيلة النهار ويكون ربحه أن يزيل ماتبقى من تلك البندورة من على سطح عربته القديمة…
لم أر أزياء يومها، ولم أسمع موسيقا الديسكو، ولم أذهب إلى مطعم (السلاخ) لأرى أرداف الغانية تحتجز العيون مثل طابة القدم في كأس العام…
يومها، ليلتها، بت وحيداً، وجهي باتجاه السماء، وعيناي في المدى، قلبي يتوافق مع خفق النجمة، ونَفَسي يجري جري النسمة، وروحي تعلو، تضخ غددي كل مفرزاتها في دمي.. وشفتاي تهمسان:
- يارب!..
* * *
هذا الصيف بحرارته العنيدة الممتدة ملأ المكعب الملون ابتسامةً على وجه المذيعة المبقع، كما ملأ الآذان والعيون دَبَقاً من الأخبار.
المسنون يموتون من الحر، الأطفال يموتون من الجوع وأفواههم المزبدة تسكنها الذبابات. العصابات تذبح بعضها بعضاً لسنوات طويلة من أجل خير الأرض التي تنبت المخدرات.. والبضاعة المهربة تحوي كريمات بالزرنيخ، ومعلبات مرت صلاحيتها الأولى فكتبت عليها صلاحيات جديدة، وسجائر تعفنت، وصناعات انكليزية من موزمبيق، وأحمر شفاه أميركي من دم الأطفال في أرض المقدسات وأدوية من بقايا الصحون والبطون والمجون.. وعرق العرايا تحت سقف الأرض، حيث يدفع اللصوص رزم العملات الصعبة، يدسونها بين نهدي امرأة أبوها ألف رجل وزوجها ألف ألف رجل…
تستمر المذيعة المبقعة في نقل نشرة الأخبار:
- أدى انفجار قنبلة إلى قتل مائة من المارة، وأدى تسمم الماء في بلاد الطاووس إلى شفاء الكثيرين من عذابات الحياة.. وأدى انهيار في بلاد الثلج إلى دفن كومة من المغامرين، وأدى هجوم من بشر على بشر إلى تغير لون الطرقات،
أخذت المذيعة أنفاساً جديدة وتابعت مبتسمةً في خبر مكرر ملّته الناس واعتادت عليه ولم يعد يعني لها شيئاً، فما يجري هو في كوكب آخر:
- تابع المعتدون القصف والهجوم، فرد عليهم أصحاب الأرض وردوهم على أعقابهم..
النشرة الجوية: تتابع درجات الحرارة ارتفاعها، وقد بلغت درجة الحرارة ما فاق كل الدرجات السابقة، كما أن مركز الأرصاد الجوية في جزر المرجان حذر كل السكان من مطر وريح ومد، حيث تؤدي تلك الظواهر إلى خلط اليابسة بالبحر بأجسام السمك والبشر!…
* * *
أنا ممزق!..
أحب الله، ,وأفعل غير ما يريد!..
بعضهم يحب الله وينساه.. وبعضهم يدعي بحب الله وهو يلوك لحم الناس..
بعضهم لا يحب الله، ولكنه يحب السباحة في دماء الآخرين..
بعضهم لا يعرف الله ولا يريد أن يعرفه، وربما يقول فليفعل الله ما يريد!.. وأنا سأفعل ما أريد…
أنا ممزق..
والله يقول إنه ماظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون…
أنا ممزق..
المرأة الملونة في صندوق السحر ليست ممزقة فهي تعلم أن عليها أن تنام بعد السهر والرقص في الساحة والفراش، ثم تصحو مثقلةً بالزبد الوجهي الممزوج بلعاب الذكورة، لتنعش جلدها في ماء معطر، ولتجد لذائذ الفطور والعطور.. ثم لتلبس ماشابه الورد والشجر وفلقة القمر، وتذهب من جديد إلى صندوق الألوان تنقل لنا منه أخبار كمين الإنسان للإنسان، وانزلاق البيوت والجدران، وغرق الشطآن، وأنهار الدم وأسراب الخفافيش تأتي وتروح من كل مكان وإلى كل مكان..
وأنا ممزق..
أنا ممزق..
قالت المذيعة الملونة وهي تبتسم:
حدث في بلاد العرب، كما قالت وكالات أنباء الغرب والشرق، أن هجم أناسُ مخفيةُ معالم وجوههم لسبب لا يعرفونه، على أناسٍ مثلهم لا يعرفونهم، في ليل لا يعرفون تاريخه، وعلى طرق لم يدوسوها من قبل، وبين أشجار لا يعرفون رائحتها، وقرب بئر ماء لم يذوقوه.. هجم هؤلاء الناس فقتلوا الشاب بقطع عنقه وطعن قلبه، والعجوز بقصم رأسها، والصبيّة بشقها نصفين، وقتلوا الطفل بقطعه قطعتين وعلقوا نصفه العلوي من جلدة عنقه بكَلاّب السلخ في السقف.. تدلت أحشاؤه وتساقط منها الدم والبراز..
وبينما كانت المذيعة المغطاة بالأحمر والأخضر والأبيض تذيع الخبر وتبتسم، كنت أرى من خلال شاشة الصندوق الملون نصف الطفل معلقاً وباقي الأسرة ممزقة غارقة في حجرة من الطين العتيق اليابس العطش لكل شيء إلا ماهو مرمي فوقه!..
أنا ممزق حتى آخر الخلايا..
أنا أحب الله…
أنا هو ذلك الرجل، أنا هو تلك الأسرة التي هي في بلادي الواسعة المترامية الممزقة من المحيط إلى الخليج…
أنا هو الذي فاجأه أناسٌ ملثمون لا يعرفونه ولا يعرفهم وليس لديه لهم قضية وليس لديهم له قضية…
أنا كل عاهرات الدنيا… وعاهرات الدنيا لا يُذبحون، بل يأكلون من أحلى الصحون…
أنا كل مجرمي الكون من قابيل وحتى انفجار كل المخزون النووي.. والمجرمون لا يُشَقّوُن ولا يُعلّقون، بل يتيهون ابتسامةً على قمم العالم..
فلماذا فاجأني الملثمون، الذين لا أعرفهم ولا يعرفونني، وليس لدينا ثأر، وليس لدينا مطمع؟!…
هل ذبحوا كل الشرائع والديانات والضمائر لأنه ليس لدينا معرفة، أم لأننا هدف تمرين؟.. وإذا كنا هدف تمرين.. فهل اكتفوا بالتمرين؟!…
لماذا؟؟..
تبتسم المذيعة:
والآن سيداتي سادتي، ننقل لكم وقع الحفل الغنائي الساهر حتى الصباح، حيث سيغني كل من…
وتبدأ المذيعة الملونة تعد الأسماء.. وتستمر في العد.. أسماء وأسماء وأسماء.. وإلى أن ينتهي التعداد يكون الصباح قد لاح، فأقفل الصندوق المكعب، وأستلقي…
- الله، ما أجمل أن يكون لدينا في هذا الوطن الكبير، من المحيط إلى المحيط، كل هذا النبوغ الفني.. عندنا ملايين المطربين، وملايين الراقصات، ولاننسى أن كل مطرب لديه فم وأنف وعينان ويدان، وكل راقصة لديها نهدان وفخذان وعينان وشفتان وردفان.. الله، ما أغنانا!…
ولكن كيف تدور الأمور، ولدينا، نحن في وطن التاريخ والأمجاد، كل هؤلاء المبدعين والمبدعات؟ كيف تشق الرجال بالبلطات، وتحطم رؤوس العجائز بالسواطير، وتشق النساء بالسكاكين وتعلق أنصاف الأطفال في الأسقف، لأسباب لم يعرفها الفاعلون، ولا المفعول بهم.. لأغراض لم يعرف أحد مغزاها..؟.
* * *
نمت مذعوراً في حجرة معزولة خائفاً لاجئاً إلى ربي.. فأنا أحب الله وأخشاه، والله لايظلم.. وأنا أخاف الظلم.. والله لايظلم.. نمت مكوراً كالجنين في بطن أمه، وكالمبرود في ليل صيفٍ حار مثل هذا الصيف..
لا أدري كيف انفلت صندوق الألوان، بصوت يملأ المكان، وانبثق صوت المذيعة الباسمة:
- .. كما يُخشى من انتشار الأوبئة بسبب الجرذان التي تنهش في الجثث التي لم تجد أحداً يجمعها حتى في قبور جماعية!…
قفزت كالمجنون، حطمت الجهاز المكعب الملون، كي أصل إلى تلك المذيعة التي في داخله فأخنقها، فلست أول من يخنق أحداً.. فما وجدت سوى أسلاك وزجاجات وصفائح يخرج منها دخان مقرح للأنوف…
عدت إلى حجيرتي، وكورت نفسي، ونظرت إلى أعلى حيث حَجَبَ السقفُ رؤية السماء.. ولكنني رويداً رويداً استطعت اختراق السقف وعيناي مغمضتان.. وعندما كنت أغط في نوم أقرب إلى السبات، طلبت من الله الذي أحبه أن يعطيني منحة رؤية قلوب البشر ضمن حجرات الصدور…
عندها أحسست بالنور يعم العالم، وأنني أصبحت قادراً على رؤية ماتحت الجلد والعظم.. عندها أمسكت بي رهبةٌ تفوق كل جرائم الناس، ومحبةٌ تفوق محبة كل الأمهات.. عندها حملت نفسي وسريت بين الناس، حيث لايراني أحد، وأخذت أرقب البشر الذين يتحركون..
زرت الأرض من أقصاها، دخلت كل الدوائر والبنوك والمعامل، رأيت مضاجع الملوك ومخادع الحريم وأماكن الرقيق، شهدت بؤر الموت، وإيقاعات انعدام الأشياء.. رأيت كل البشر ودخلت كل رؤوسهم وصدورهم…
فكان في كل الرؤوس أدمغة ثعالب…
وكان في كل الصدور قلوب ذئاب…
-=-=-=-=-=-
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|