|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
" لقد تحول مرض الانفصام إلى وباء
كلنا متلذذون بالانغماس فيه"
|
|
الســاطور |
نيقوسيا 24/11/1996
حيّنا صغيرٌ قليل الحركة، لايبعد كثيراً عن وسط المدينة الذي يعج بأعداد لاتحصى من البشر..
أبو العسل رجل ممتلئ الكرش يقف خلف دف الخشب السميك يعلق الشياه المذبوحة ويشق بساطوره الخروف فيفصل الضلع عن الكتف عن الفخذ بضربة واحدة، تعيد إلى مسامعك ضربة قدّوم جارنا في عيدان الحور السميكة عندما يشلخ الخشب منتهياً في قرمية المشمش القديم.
أطعم كل الحي لحماً طازجاً، وكان يتفاخر بأن اللحم يصل المساكن ساخناً، بل ربما مازال ينبض.. وكان كل من يشتري من عنده يلحظ في عينيه وشاربيه وحركة أذنيه غرابة، مثل غرابة ضفدع أخضر ينط فوق إسفلت اسود حار..
- تفضل يا جارنا العزيز.. أفضل لحم طازج لأم أحمد.. بالهناء والشفاء.. أجمل خروف ذبحته الآن..
كان اللحم حاراً لدرجة أنني تخيلته مازال حياً وأن الدابة مازالت تثغو..
- إذا سمحت، أعطني قطعة جيدة من الذبيحة السابقة.
- لا ياجار! عندي أنا من البارحة؟! معاذ الله..
خذ أجمل قطعة..
كانت قطعة اللحم منبسطة على سطح الخشب الجوزي السميك، حمراء، كلها حمراء.. لفها بورق جريدة.
- اتركها علينا أيها الجار العزيز..
عندما فتحت ورق الجريدة أمام زوجتي بانت لي قطعة اللحم من وجهها السميك كلها بيضاء.. اصطدمت عيناي بعيني زوجتي بينما كنت أتحسس مخبأ الليرات الفارغ في جيبي..
* * *
رغبتي كانت قوية، وقد استيقظت اليوم باكراً مع أذان الصبح الأول، فأغسل وجهي، وإذ بي أتابع الوضوء وألبس ثيابي وأذهب إلى الجامع.. انسقت برغبة خفية، لعل لها صلة بأيام الطفولة عندما كان مدرسنا يحثنا على الصلاة في مواعيدها، بخاصة صلاة الصبح التي تجدد النشاط وتبارك النهار.. أو لعل لها صلة بخوفي من المجهول.
ذهبت إلى الجامع وبعض السعادة تسري في مفاصلي فقد قمت بمبادرة منعشة اليوم. وقفت مع غيري خلف الإمام وهو يتلو الآيات ثم ينحني للركوع:
- الله أكبر..
ويردد المصلون خلفه:
- الله أكبر..
وأتبين بين المكبرين صوتاً نشازاً غريباً..
ثم يكبر الإمام للسجود، فأتبين الصوت النشاز بجلاء قابضاً مخرشاً في إيقاعات الساطور فأشم لحم الذبيحة خارجاً ساخناً من دمه، وأشعر برغبة لتحسس جيبي الخاوية..
* * *
في الفترة التي يخف فيه ضغط العمل على أبي العسل مسح شاربيه بقفا إبهامه وأجاب الرجل ذو النظارتين:
- أهلاً وسهلاً، اجلس..، لا، ادخل واجلس بجانبي على هذا الكرسي وحدثني.
دخل الرجل ذو الثلاثين عاماً محركاً نظارتيه مولفاً شعرات رأسه المتباعدة، وحاملاً مجلةً ملونةً تحت إبطه الأيسر. انحنى ثم وجه قاعدته باتجاه الكرسي حيث أجلسها عليه.
- أبا العسل.. وحظك عسل..
- قل يا أستاذ غسان!.
أعاد الأستاذ غسان ترتيب قاعدته على الكرسي، ووضع ساقاً على ساق، حرك نظارتيه، فتح المجلة وراح يقرأ..
كان أبو العسل يصغي وفمه مفتوح وعيناه متصاغرتان حتى تلاقي الأهداب القصيرة. وما أن انتهى الأستاذ غسان حتى نظر في وجه أبي العسل مبتسماً ابتسامة النجاح، لكن أبا العسل بقي فاغر الفم:
- ها.؟!.
- يا أبا العسل، يا أبا العسل! أنت ذكي وتلقطها على الطاير.
- ها.؟!.
- يا أبا العسل، افتح عينيك وأذنيك.. إنهم يشجعون الأعمال السياحية وقد كثر السياح في بلادنا، وهم يدفعون بسخاء..
وتابع الأستاذ غسان مع نظرة من تحت نظارتيه:
- المال هذه الأيام في الصدور والنحور لا في القدور..
- ها.؟!.
أراد أبو العسل أن يستوعب الأمور أفضل، لكن زبونة فاجأتهما:
- أعطني أوقية لحم مفرومة.. وحياتك، بقليل من الدهن.
- ياأستاذ غسان، أنتظرك عندي مساءً بعد صلاة العشاء.. لك عندي ماتحب.
التفت إلى المرأة ، نظر إلى عنقها وصدرها. تابع:
- حاضر، حاضر، مع يوم سعيد لك ولنا إنشاء الله.. قلت أوقية لحمة؟.. حمراء دون دهن..!.
وضع اللحم الأحمر بورقة بيضاء بلون النحر مقببة بشكل الصدر..
استدارت، مشت، فرك عينه.. ولأول مرة تراءى له أن مرتفعين يتحركان مع إيقاع الخطوات من تحت الثوب الأسود.
* * *
كأس شاي يتلو آخر والأستاذ غسان يحرك نظارتيه ويتحدث همساً إلى أبي العسل، وأبو العسل يصغي، يفتح فاهاً ويقرب جفناً ويضغط صيواناً ويمسح شارباً.
- قطعة الأرض التي عندك فوق المرتفع تطل على واد كالجنة.. أرض واسعة على طريق سياحي، سيأتيك السياح والمصطافون.. ابدأ فوراً، فالقروش ليست في القدور..
- يا أستاذ غسان.. قد لا يكفي ما لدي..
- لا أهمية لذلك، فالمهندس يستطيع أن يرفع قيمة الكلفة النظرية وتأخذ قرضاً بناء عليه، بل ربما لا تدفع قرشاً واحداً..
- ها.؟!.
مضت لحظة .. وراحت يد الأستاذ غسان تقرب كتل اللحم من اسنان مصفرة، كما راحت يد أبي العسل (تكبتل) رز الكبسة ثم (تزلطها) ملحقة إياها ببلعة من المرق..
وكان أبو العسل يرى من خلال جفنين متلامسين حورية تخرج من طبق الدسم فيتعاظم صدرها ثم ترقص وتتهادى وتعود لتغرق في طبق الدسم فيمد أبو العسل يده لتغوص في الطبق حتى المعصم..
- ها.؟!.
* * *
يوم أن وُلد أبو العسل لفّتْ أُمُّهُ مخارجه بخرقة غسلتها في مياه الساقية ثم عادت وغسلتها مرات.. ثم تسلّخت جلدته، بحيث لم تترك مجالاً لنمو شعر الرجل الطبيعي.. ربما كان مايقلقه أن يرى الناس ذلك بطريقة ما.. بفتق عن طريق الصدفة، أو ربما بمناظير كتلك التي تحدثوا عنها تخترق الحجب السّاترة. كان ذلك يقلقه قلقاً مختلفاً، ظهر في انقعار وجلافة صوته.. أو ربما ظهر في التمسيد المستمر على شعرات شاربيه، أو في ثيابه الواسعة السميكة التي يلبسها على ثلاثة طوق. كان يشعر براحة في حالة واحدة عندما يجلس إلى طاولته في زاوية أو في ركن مراقبته العلوي حيث لايجلس خلفه أحد..
إنه سعيد فالمال يأتي من نبع.. يتدفق من جيوب أصحاب العقال وأصحاب العيال..
* * *
صرخ الأستاذ غسان في وجه عشرة عمال حاثاً إياهم على الإسراع في ضبط الصالة فالناس ستفد إلى هذا الصرح السياحي خلال ساعات واليوم هو الخميس، والليلة حافلة، وبرنامج فني ممتلئ، وصالة مزدحمة، وأحلى بنات البدو والحضر والعرب والإفرنج والغرب سيشعشعن..
ثم مرَّ الأستاذ غسان إلى المطبخ حيث تفقد سير العمل فيه، وتأكد من أن نصيبه سيرسل إلى داره في الموعد المحدد، وتابع طريقه متفقداً البار والاستقبال وغرفة تبديل النساء، ثم صعد الدرج إلى الحجرة العليا حيث يدخن أبو العسل الغليون ويطل من فوق يرى ويتابع كل الذي يجري.. ينتظر حصيلة اليوم، فقد صرف الكثير، وإن لم يبذل الباذلون فإن من شأن ذلك أن يدخل الحزن في قلبه.
جعل من أرضه واحةً سياحيةً ومرتعاً.. صرف واقترض وترك أسرته في الحي القديم، حيث تحول ابنه إلى ساطور جديد.. فقد رفضت زوجه كما رفض ابنه مرافقته كي لايريا الصبايا يتعرين والرجال تشرب الأنخاب وتغوص في اللحم الحي.. واعتبرا أن الأستاذ غسان بأسنانه النخرة إبليسٌ بعينه..
جلس أبو العسل محمي القفا وأشار إلى الأستاذ غسان أن يقترب منه:
- انتبه اليوم، ضع العيون في كل مكان - في المطبخ كي لاتُسرق المؤونة، وفي البار كي تدخل كل الحسابات في الصندوق، وفي الصالة، -أهم الأماكن هي الصالة- الخير ليس فقط في ثمن الطعام..
- انتبه ، أريد من الضيوف أن يدفعوا كل مافي جيوبهم، وهذا لا يأتي إلا بالحماس.. لاتنتظر مبادرة الناس في النقوط.. أرسل واحداً أو اثنين من جماعتنا.. زودهما بليرات كثيرة ليلقياها تحت أقدام الفنانين والفنانات.. وبذا يبلغ الحماس أشده فيدفعون.. لا أقبل الأرقام اليوم إلا بالملايين.. انتبه..
* * *
امتلأت الصالة بالزوار، والأستاذ غسان يتنقل حاثّاً موجهاً.. وأبو العسل في حجرته يراقب.. الساعة العاشرة.. العاشرة والنصف.. الحادية عشرة.. أكل الرجال، شبعوا ثم زاد لغطهم، وتوجهت أنظارهم نحو المرتفع الصغير في الوسط..
غنّى المطرب الوحيد، فصفق له اثنان من الحضور..
جاءت مطربة أخرى، صفقوا عند دخولها، ولم يصفقوا عند خروجها.. تلتها أُخرى وأُخرى وفتر الحماس، ولم ترتمِ الأموال على المرتفع الخشبي..
أشار أبو العسل من صومعته إلى الأستاذ غسان أن يبادر، فأرسل هذا رجله الذي ألقى بمجموعة وافرة من الأوراق النقدية الكبيرة على رأس الراقصة التي تساقطت كأوراق خريفية تداس بالأقدام..
غير أن الحماس لم يبلغ أشده ولم يخرج الناس مافي جيوبهم..
وعندما بلغت الساعة الواحدة وأبو العسل في ضيق بالغ أمر الأستاذ غسان أن تظهر المطربة سوسن ترافقها الراقصة ليالي..
خرجتا، غنت سوسن ورقصت ليالي.. ولم يبادر أيضاً أحد.
أبو العسل قرر في نفسه أمراً.. نزل من صومعته وذهب مباشرة إلى حجرة النساء.. وعندما دخلت المطربة استعداداً للأغنية التالية وجدت أبا العسل ينتظر خلف الباب وبيده ثوب لها يكشف الصدر حتى الحلمتين..
وعندما دخلت الراقصة وجدت أبا العسل خلف الباب وبيده لها ثوب رقص يكشف مسافات تحت السرة..
- البسا..ها..!..
* * *
دوى التصفيق.. طرب السكارى وغير السكارى، وبقي أبو العسل يراقب ويترقب قرب المسرح.. يرى الحماس يشتد وتنهال الأوراق النقدية.. تشتد المنافسة ويعلو التطييب:
- ماصار.. ماصار..
ويسود الهرج والمرج وتعلو الأصوات المختلطة بمزيج من العطر والعرق والطعام والكحول والأنفاس وتتساقط الآلاف أوراقاً صفراء وقد عصفت بها الرياح..
يركض الأستاذ غسان يلتقط ويلتقط وتتسارع أنفاسه فتتساقط بعض الأوراق من يديه، فيركض أبو العسل إلى وسط الساحة يجمع ماتشتت، ينثني ، ينحني، يتبعثر داخل ثيابه، فينشق بنطاله ويبسم اللون الأبيض النافر من الشق، ويصهل الرجال بينما يجمع أبو العسل مايجمع، والناس في تهافت أحمر، وأموال تغطي الشعر والصدر والوسط والقدم، وتندى أوراق الخريف بحزن أصفر..
الساعة الثانية بعد منتصف الليل.. الثالثة.. الرابعة..
وأكوام الأوراق المالية على طاولة أبي العسل.. والأستاذ غسان يدس فرحاً بعضاً منها في جيبه وينصرف:
- غداً ، غداً إنشاء الله يا أبا العسل..
- إنشاء الله غداً ، شكراً أستاذ غسان.
- لا شكر على واجب!.
* * *
بقي أبو العسل وحيداً مع سطح طاولة مليئة بالأوراق المالية.. يمتع نظره سعيداً يغني:
- فوق السّرّة ، تحت السرةْ، أمرٌ لا يفرقُ بالمرةْ
نجحنا وملأنا الجرّةْ،
فوق السرة، تحت السرةْ، أمرٌ لايفرق بالمرةْ
....
ارتاح ، تنفس بعمق… … وغفا…
فجأةً، صحا على صوت مؤذن الصبح ينادي:
- حيّ على الصلاة..
قفز واقفاً:
- الله أكبر! نويت أن أصلي..
انتصب أبو العسل يصلي، وقد نسي أن يتجه نحو القبلة كما نسي أن يتوضأ…
![]()
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|