البداية    صفحة الآداب    قبل أربعين عاماً

 

جارنا المُقعد قال:

من خُلِقَ علِق ..

                         الصاعدون الى السماء 

 

     الجدار مرتفع يجتاز السحاب ، مبقع بألوان متنافرة يكاد يصبح لوحة من المجهول .

    

     رفعت نظري الى أعلى محدقاً في خط شاقولي يصل الأرض بالسماء باحثاً عن فجوة يمكن أن تثبت فيها قدم أو أن يخترقها خازوق  . وضعت راحتي على الجدار  ، نقرت بضع نقرات أتفحصه . كانت النقرات تغيب في سماكة الجدار التي ليس لها نهاية ، نبشت التراب بأظافري ساعة فجبل غباره العرق الناتج من جسدي المتلبد في المغابن  . . .

      بعينين ضعيفتين التفت برهة لأرى شيخاً يكبرني بخمسين سنة يقعى يرقبني مبتسماً بحرارة  ، يتلمس طرف لحيته  . . .

 هز رأسه قليلاً وشهق و زفر وتمتم:

-        الحكاية من أولها !  . . .

      تابعت نبش الجدار بأظافري  . . . لكني وقد أعييت جلست لحظة أستريح قبالته ، أنقل نظري بين الحفرة وبينه  . . . وعاد يتمتم:

-        الحكاية من أولها  !. . .

         حدقت به وتأملت ثوبه الأزرق الذي يغطي جسمه كله ، وشعره الأبيض وجلده المتغضن ، وهممت باستسفاره  . . . لكن التفاتة أخرى الى ذاتي أسكتتني  . . . فثوبي الأزرق يغطيني أيضاً من عنقي حتى كاحلي .اندفعت أسأله:

-        كم عمر ثوبك؟

-        ثوبي قديم قدم وجودي كله  . . . الحكاية من أولها ! .

     كنت أقفز ضجراً  . . .

-        ما هي الحكاية التي من أولها؟  . . .

-        حكايتك وحكايتي هي نفسها ، أنا في أخرها وأنت في أولها  ! . . .

 

     كانت عيناه تخبوان بالرغم من أنهما- فيما يبدو- قد خبرنا تألقاً طويل الأمد ، فكرت لحظات و سألته :

-        وهل حفرت في الجدار أنت أيضاً؟  . .

      قهقه وأشار اليّ  بسبابته وغرق طويلاً في ضحكته   . . . ثم أشار الى الجدار ونقل إصبعه الى جهات كثيرة  . . .

-        أترى يا بني   . . أترى كل هذه البقع الكثيرة التي لا تحصى؟  . . . كلها قد حفرتها بأظافري خلال سنوات طويلة جداً   . . .

     استغربت ، وجعلت أنظر إليه نظرتي الى معتوه

 -        لا أرى حفراً   . . . أرى لطخات من الألوان الكامدة  . . . ارتخت نبرات صوته ، وكممه حزن عميق ، ذبلت جفونه وعبست أساريره:

-        هنا المصيبة يا بني  ، كلما حفرت حفرة كانوا يأتون ليرمموها  . . . وها أنت ترى كيف أضحى الجدار .

 

     همس لنفسه بضع كلمات لم أفهم حرفاً منها ، ثم عاد يحدق بي ويتابع:

-        هنا تكمن المصيبة يا بني هنا يكمن العقاب . لم يكونوا ليضربوني أو حتى ليبصقوا في وجهي بل كانوا يسدون الثغرات بطين أصلب أمام عيني ، فأبكي بحرقة لأن عملي يذهب  سدى .

     صمت العجوز طويلاً ، وما زلت أرقبه حتى رأيت نفسي مكانه بعد خمسين سنة  أرقد مرتخي الأعضاء  . . . بيد أني ما خنعت ، وقررت أن أثور بطريقة ما ، أن أحفر من جديد  . .

 -        أيها العجوز . قف حارساً  . سأنبش حتى ينبثق الدم قانياً من عروقي  . . .

-        لقد انتهى كل شيء  !. . .

لا  . . . لم ينتهِ  . . . احرس أنت .

     بدأت النبش في الجدار حتى فقدت أصابعي  . . . أضحت أمامي فجوة واسعة  . . . صرخ العجوز:

-        جاءت الشياطين  . . . توقف ! .

      دون أدنى ضجة ، انسل ثلاثة يعيدون التراب الى مكانه يدلكون إياه ويضغطونه . انطلقت لأدفع أحدهم  . . . لكن اثنين منهم أمسكا بي بقبضات فولاذية ، وأوقفاني بصمت  . . . أضافوا بقع جديدة إلى الجدار ثم حملوا عدتهم وعادوا من حيث أتوا . ضحك العجوز ضحكته الساخرة المرة:

-        ألم أقل لك ؟  تألم الآن  . . .

      ألمي كان غريباً عميقاً ففيه سرى قلبي بخفة الى بطني وارتفعت أحشائي الى فمي ، ونزت أصابعي قيحاً ، كانت عيناي جاحظتين مثبتتين في البقعة الرمادية قفزت لأبدا النبش من جديد:          

-        سأمزق الجدار الثقيل  . . .  سآكل التراب كي لا يجدوا تراباً  . . . 

اندفع العجوز خلفي وأمسكني بكتفي وكانت شفتاه ترتعشان لا يدري كيف يخرج الكلمات من بينهما .

-        أي بني!  بودي لو أساعدك ، لو أقصم لك ظهري لتخرج من هذا السجن ، بيد أنك لا تبحث إلا عن العبث!  لقد أفنيت حياتي وستفني حياتك  . . . ولكن لا بأس في همة الرجال أحياناً ، لا بأس ، تنهد  ، بكى ، أحسست بدفء أنفاسه المتصاعدة من صدره ، اتخذ موقف الجد بوجه صارم:

-        يبدو يا بني أن لا طريق إلا صعود الجدار ، فإما أن تنجو ، أو ينالك المصير في الحال وينتهي العذاب  . .  ولكن ليس لديك أداة  . . لو كان لديك قضيب من الفولاذ تدقه وترتقيه ، أو سكين تغرسها تتعالى فوقها  . . . تعال يا بني اقطع ساعدي  . . .

-        أقطع ساعدك ؟ لماذا ؟ 

-        اقطع ساعديّ واجردهما ودق عظميهما في الجدار واصعد  . . . اصعد نحو السماء  . . .

-        لا أستطيع يا أبتِ ! ، فإنما أنت إنسان مثلي ، تعاني ما أعاني  . . .

-        أقول لك اقطعهما  . . .

      لم أجب بل ارتميت على الأرض أمرغ شفتي في التراب وأهذي   . . . وضع يديه على جانبيه وانتصب عملاقاً  تنغرس هامته في قرص الشمس ، ارتفع نظري تدريجياً من قدميه الى رأسه متفحصاً كل ثنية من ثوبه الأزرق الكامد  . . . نطقت شفتاه:

 -        هناك حل واحد إذن  . . لن يتركوك تخرج فحسب ، بل سيخرجونك هم بأنفسهم .

      نهضت مسرعاً وقلبي يرتفع الى موضعه:

-        ما هو ؟  هذا الحل ؟  . . .

-        انطباق الجفنين وتوقف القلب عن الخفقان  . . .

     ارتميت من جديد وعاد قلبي لينزلق بعنف الى مابين أحشائي  . . .

                             

                                    *                    *                     *

 

البداية    صفحة الآداب    قبل أربعين عاماً