|
جارنا المُقعد قال: من خُلِقَ علِق .. الصاعدون الى السماء
الجدار مرتفع يجتاز السحاب ، مبقع بألوان متنافرة يكاد يصبح لوحة من المجهول .
رفعت نظري الى أعلى محدقاً في خط شاقولي يصل الأرض بالسماء باحثاً عن فجوة يمكن أن تثبت فيها قدم أو أن يخترقها خازوق . وضعت راحتي على الجدار ، نقرت بضع نقرات أتفحصه . كانت النقرات تغيب في سماكة الجدار التي ليس لها نهاية ، نبشت التراب بأظافري ساعة فجبل غباره العرق الناتج من جسدي المتلبد في المغابن . . . بعينين ضعيفتين التفت برهة لأرى شيخاً يكبرني بخمسين سنة يقعى يرقبني مبتسماً بحرارة ، يتلمس طرف لحيته . . . هز رأسه قليلاً وشهق و زفر وتمتم: - الحكاية من أولها ! . . . تابعت نبش الجدار بأظافري . . . لكني وقد أعييت جلست لحظة أستريح قبالته ، أنقل نظري بين الحفرة وبينه . . . وعاد يتمتم: - الحكاية من أولها !. . . حدقت به وتأملت ثوبه الأزرق الذي يغطي جسمه كله ، وشعره الأبيض وجلده المتغضن ، وهممت باستسفاره . . . لكن التفاتة أخرى الى ذاتي أسكتتني . . . فثوبي الأزرق يغطيني أيضاً من عنقي حتى كاحلي .اندفعت أسأله: - كم عمر ثوبك؟ - ثوبي قديم قدم وجودي كله . . . الحكاية من أولها ! . كنت أقفز ضجراً . . . - ما هي الحكاية التي من أولها؟ . . . - حكايتك وحكايتي هي نفسها ، أنا في أخرها وأنت في أولها ! . . .
كانت عيناه تخبوان بالرغم من أنهما- فيما يبدو- قد خبرنا تألقاً طويل الأمد ، فكرت لحظات و سألته : - وهل حفرت في الجدار أنت أيضاً؟ . . قهقه وأشار اليّ بسبابته وغرق طويلاً في ضحكته . . . ثم أشار الى الجدار ونقل إصبعه الى جهات كثيرة . . . - أترى يا بني . . أترى كل هذه البقع الكثيرة التي لا تحصى؟ . . . كلها قد حفرتها بأظافري خلال سنوات طويلة جداً . . . استغربت ، وجعلت أنظر إليه نظرتي الى معتوه - لا أرى حفراً . . . أرى لطخات من الألوان الكامدة . . . ارتخت نبرات صوته ، وكممه حزن عميق ، ذبلت جفونه وعبست أساريره: - هنا المصيبة يا بني ، كلما حفرت حفرة كانوا يأتون ليرمموها . . . وها أنت ترى كيف أضحى الجدار .
همس لنفسه بضع كلمات لم أفهم حرفاً منها ، ثم عاد يحدق بي ويتابع: - هنا تكمن المصيبة يا بني هنا يكمن العقاب . لم يكونوا ليضربوني أو حتى ليبصقوا في وجهي بل كانوا يسدون الثغرات بطين أصلب أمام عيني ، فأبكي بحرقة لأن عملي يذهب سدى . صمت العجوز طويلاً ، وما زلت أرقبه حتى رأيت نفسي مكانه بعد خمسين سنة أرقد مرتخي الأعضاء . . . بيد أني ما خنعت ، وقررت أن أثور بطريقة ما ، أن أحفر من جديد . . - أيها العجوز . قف حارساً . سأنبش حتى ينبثق الدم قانياً من عروقي . . . - لقد انتهى كل شيء !. . . لا . . . لم ينتهِ . . . احرس أنت . بدأت النبش في الجدار حتى فقدت أصابعي . . . أضحت أمامي فجوة واسعة . . . صرخ العجوز: - جاءت الشياطين . . . توقف ! . دون أدنى ضجة ، انسل ثلاثة يعيدون التراب الى مكانه يدلكون إياه ويضغطونه . انطلقت لأدفع أحدهم . . . لكن اثنين منهم أمسكا بي بقبضات فولاذية ، وأوقفاني بصمت . . . أضافوا بقع جديدة إلى الجدار ثم حملوا عدتهم وعادوا من حيث أتوا . ضحك العجوز ضحكته الساخرة المرة: - ألم أقل لك ؟ تألم الآن . . . ألمي كان غريباً عميقاً ففيه سرى قلبي بخفة الى بطني وارتفعت أحشائي الى فمي ، ونزت أصابعي قيحاً ، كانت عيناي جاحظتين مثبتتين في البقعة الرمادية قفزت لأبدا النبش من جديد: - سأمزق الجدار الثقيل . . . سآكل التراب كي لا يجدوا تراباً . . . اندفع العجوز خلفي وأمسكني بكتفي وكانت شفتاه ترتعشان لا يدري كيف يخرج الكلمات من بينهما . - أي بني! بودي لو أساعدك ، لو أقصم لك ظهري لتخرج من هذا السجن ، بيد أنك لا تبحث إلا عن العبث! لقد أفنيت حياتي وستفني حياتك . . . ولكن لا بأس في همة الرجال أحياناً ، لا بأس ، تنهد ، بكى ، أحسست بدفء أنفاسه المتصاعدة من صدره ، اتخذ موقف الجد بوجه صارم: - يبدو يا بني أن لا طريق إلا صعود الجدار ، فإما أن تنجو ، أو ينالك المصير في الحال وينتهي العذاب . . ولكن ليس لديك أداة . . لو كان لديك قضيب من الفولاذ تدقه وترتقيه ، أو سكين تغرسها تتعالى فوقها . . . تعال يا بني اقطع ساعدي . . . - أقطع ساعدك ؟ لماذا ؟ - اقطع ساعديّ واجردهما ودق عظميهما في الجدار واصعد . . . اصعد نحو السماء . . . - لا أستطيع يا أبتِ ! ، فإنما أنت إنسان مثلي ، تعاني ما أعاني . . . - أقول لك اقطعهما . . . لم أجب بل ارتميت على الأرض أمرغ شفتي في التراب وأهذي . . . وضع يديه على جانبيه وانتصب عملاقاً تنغرس هامته في قرص الشمس ، ارتفع نظري تدريجياً من قدميه الى رأسه متفحصاً كل ثنية من ثوبه الأزرق الكامد . . . نطقت شفتاه: - هناك حل واحد إذن . . لن يتركوك تخرج فحسب ، بل سيخرجونك هم بأنفسهم . نهضت مسرعاً وقلبي يرتفع الى موضعه: - ما هو ؟ هذا الحل ؟ . . . - انطباق الجفنين وتوقف القلب عن الخفقان . . . ارتميت من جديد وعاد قلبي لينزلق بعنف الى مابين أحشائي . . .
* * *
|