عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

 "يفقد القاتل في القتل الآلي

رؤية عيني القتيل..

ولذا فهو يتمادى في القتل."

 

الشّــال

 

أنا لا أعرف كيف أغني أو أرقص في المساء. رغبتي بالغناء والرقص تتفجر مع انبثاق النور وسيطرته على الكون منذ بداية الفجر وحتى أفول الشمس.

هذا اليوم كنت أرقص وأغني وشال أمي الأخضر في يدي اليمنى وشال حبيبتي الوردي بيدي اليسرى.. كان سكان القرية التي يقطعها نهر ويخيم عليها شجر يشاركونني فرحي، ويتحلقون معي ومن حولي يهزجون ويفرحون ويحبون الأم والحبيبة كما أفعل.

من أجل ذلك كانت قريتي قطعة من السماء مليئةً بحب السماء. رقصت وغنيت ولم يرهقني لا الرقص ولا الغناء فقد كان في قلبي فرح.. والفرح لا يُتعب بل يجعل الدم يجري والجسم يمتلئ عافيةً والأعصاب تعطي الأوامر وتنقلها وهي مطمئنة إلى أن الأوامر سليمة وتؤدي إلى نتائج مأمونة..

تجاوزت الآفاق في فرحي، وتجاوز الآخرون انفسهم في أفراحهم فالحب بيننا كان مولوداً معنا والرزق كان وفيراً بين سواعدنا وحبة قمحنا تزن وجبة غذاء كاملة..

قريتي غصنٌ ينبض بالحياة، منذ الولادة ، حتى الرحيل..

عُزوتي كل الرجال وكل النساء.. كل مايطاله الظل، في الصباح وفي الأصيل..

عرفتُ أن الله يعطينا الخير، بقد مافي قلوبنا من ود جميل.. نحن في مراحل الجنة الأولى لو أنا نرقص ونغني كما في النهار، كذلك في الليل.

 

*           *              *

وضعت شال أمي الأخضر وشال حبيبتي الوردي على غصن مائل يضم براعمه الورقية والزهرية، عند نهاية يوم ربيعي، وقريتي كلها ربيع، ربما تمتزج ثمار الصيف به، لكنه يبقى ربيعاً، ربما تختلط به نسمات الخريف وأمطار الشتاء وخير السماء، لكنه يبقى ربيعاً..

وضعت الشالين بعطريهما، وعطر شال أمي يحمل الحب القادم إلي بكل الأحضان الدافئة، وعطر شال حبيبتي يحلم الحب بكل تسبيلات العيون وخفقات القلوب والبحث عن طفل ضائع..

وضعت الشالين، الأخضر والوردي، على الغصن، مع نهاية النهار، وأنهيت غنائي ورقصي حزيناً، ذهب كل أبناء قريتي كل إلى غرفته، ودخلت أنا إلى غرفتي.. قلبي أحس بالانعزال والاغتراب وانفرط من أجل أن يجمع شتات نفسه صباح اليوم التالي.

عندما أطبقت الباب خلفي نسيت الحقل والزرع والرقص والغناء والشالين، ثم نسيت اسمي.

لم أجد في الغرفة التي كانت بلا نوافذ ضوءاً للشمس ولا للفجر، ولم أسمع موسيقى الشجر والطيور، ووجدت نفسي لا أغرف الغناء ولا الرقص..

هنا تحولتُ من قلب ورئة وكبد وعصب إلى آلة..

*           *              *

غرفتي المغلقة بلا نوافذ أبعادها بضعة أمتار، جدرانها أجهزة ودارات مغلقة وإضاءتها أزرار مقطعة الإبهار، لوحاتها الكهربائية والالكترونية تتحدث بلغة رقمية، وتشير إلى قياسات عمودية أفقية.. ما كان في تلك اللوحات والشاشات أمطار أو ثمار أو أزهار.. كل ما كان فيها وسائل تتحدث مع الأقمار، وتتجاوز السمع والأبصار.. مصورة لنا الأرض القفر، والخطوط الخضر، مستعدة لتحويلها إلى نار.. لو أمرت أنا..

غرفتي ذات الأبعاد المترية، وأنا قد نسيت شالَي أمي وحبيبتي، ترى أنني أقدر الكائنات على تحرك الكائنات من مكاني.

ذات يوم كان إنسان الحجر، من، من أجل لقمة يقتل بالحجر، ثم إنسان البرونز يقتل بالبرونز من أجل رغيف، ثم إنسان السيف يقتل بالسيف، من أجل رغيف وامرأة، وإنسان البندقية يقتل بالبندقية من أجل رغيف وامرأة ووطن، وإنسان المدفع يقتل بالمدفع من أجل رغيف وامرأة ووطن وأطماع  ..  

أما إنسان الغرفة المغلقة ذات الأزرار النبضية والمطفأة.. يقتل عبر الأقمار بحجوم كالأقمار تمسح الحياة عن وجه التراب حتى الآبار، وحتى جذور الأفكار.

إنسان الغرفة يقتل، ولايدري من أجل أي شيء يقتل..

وأنا في غرفتي نسيت شالَيُ أمي وحبيبتي..

*           *              *

 جهازُ الإنذار زعق وطلب مني أن أضغط على الأزرار.. ضغطتُ دون أن أنظر، وكان ضغطي حيثما أرادت أصابعي، ومثلما أرادت العدادات الضغطات لمم تتعبني فهي هينة لينة، كما هي على جلد ناعم تحته شحم، وهكذا استجرأت الضغطات ورحت أبحث عن أمرٍ ما في لوحةٍ ما يريد ضغطةً ما .. فأصابعي تحب الضغط على الأزرار..

الكرسي تحتي مريحٌ دوّار، وأنا أحب اللغب والدوران، استمتع بصراع الديوك وهياج الثيران وذبح الخرفان.. والأزرار أمامي كعيون الصبية، بجماٍ أخاذ، وأنا أحب الضغط على عيون الفتيان، حتى فقأ عيون الفتيان..

قال جهاز الإنذار أن أطلق صاروخاً، ففعلتُ ونسيتُ أنني فعلتُ، فأطلقت آخرَ لأتأكد أنني أطلقت..

قال جهاز الإنذار أن أحدد خمسة آلاف ميل، فحددت الآلاف الخمسة، والأربعة والستة، خشية الأخطاء.. وأطلقت ثلاثاً..

لا أعرف ماذا يجري، لكنني أطلقت، ضغطت أزرار عيون الصبية، ومسحت الزبد عن شفتي، والرمد عن عيني، والقمل من شعري، ثم عدت وضغطت الأزرار. بقيت شكل إنسان في غرفة كلها لوحات ومفاتيح وأزرار، يضغط  لأن بعضهم في برجٍ وضع بدل العينين الخضراوين أو الزرقاوين أو السوداوين أو الشهلاوين، وضع عينين حمراوين كجمرتين..

بقيتُ هناك أضغط.. صار دمي أزرقاً، وتحولت أصابعي إلى مكابس، وعروقي إلى أسلاك، كما تحول قلبي إلى بطارية نووية..

*           *              *

 كان ليلاً طويلاً طول سواد البشرية.. منذ العصيان الأول، ومنذ القتل الأول، حتى ما قبل الأخير.. نحن نقول دوماً إننا نقتل القتل ما قبل الأخير، لأننا نهدد بالأخير.. القتلة والمقتولون هم مشكلة صغيرة، أما المشكلة الكبرى فهم الذين وراء القتلة ووراء المقتولين، كان ليلاً طويلاً طوال سواد البشرية.

في غرفتي أضغط إيقاعاً على أزرار عيون الصبية، أجعلها رقصاً شيطانياً، وأحب ذلك النوع من الرقص، هم علموني أن أحبه في الليل .. في الغرفة..

جعلوا لذتي أن أجرب إيقاع الأزرار، ثم أسمع المحطات الفضائية تنقل عنهم أن غرفتي نجحت في قلب المنشآت من أساساتها وتغيير اتجاه الريح. فتتركز لذتي في أصابعي وبصماتي التي تعاود الإيقاع من جديد، من أجل أن تجد وكالاتُ الأخبار أنواع الأخبار. وأنا أصبح آلة ضغط.. تصل ضغطاتها الصغيرة إلى مدىً أبعد من تأثير الأساطير والمجرات.

*           *              *

 طال الزمن ومازلتُ أضغط، طالَ حتى ناداني  من داخلي نبعُ مكبوت يبحث عن شيء غير الضغط.. في داخلي شيء ملولٌ سَئِمَ الآلية.. ضمن دمي الأزرق باقٍ يبحث عن كلمةٍ ضائعة في ملايين الصفحات اسمها البشرية..

تحيط بي اللوحات والأزرار، وتعلوني  الغرفة موصدة. أصبحتُ جزءاً من آلية الغرفة أصبحتُ زراً يضغط أزراراً.. لكن النبع المكبوت، والشيء الملول، نادياني وأسلماني لهاجس من القلق الصبياني.. فرأيت عيون الفتيان عيوني.. فتوقفت عن الضغط..

جدران المكان تضيق، وجدران نفسي تتسع، فتصادمنا.. أبحث عن بابٍ والبابُ خفي.. أبحث عن زر لا يقتل، لا يطلق.. فلم أعرفه، قد يكون هناك، لكنني لم أعرفه.. سألت نفسي لماذا لا يضعون زراً لا يقتل؟! وأجبت إنهم ليسوا بحاجة إليه!..

أصبحتُ أسيراً بحدود نفسين نفسي التصقت بالجدران، ثم اشتد الالتصاق.. أصبحت بالوناً ينتفخ ويبحث عن معنى، وأصبحت الغرفة سجناً من صفائح ولوحات وأزرار وأرقام تهصر نفسي وتمنع امتدادها.. وهكذا صار بيننا ضغط الضدين.. 

*           *              *

وَبعْدٌ يا نفسُ؟! وَبَعْدُ ياجدار؟!

وَبعْدٌ يا ليل؟! إلى متى  النهار؟! 

*           *              *

بتلامسي وعنادي، وبالبحث عن مصير غير هذا المصير، بحثت عن كل الأزرار، ضغطت بكل ملامسي ومجساتي وأعضائي وأهدابي، فقأت كل الأزرار.. فدارت الحجرة مخبولة، ثم انفجرت كلها تاركةً حولها الدخان والسم والغبار والعار.

*           *              *

 قمت من بين الأحجار.. رفعت رأسي وسط السواد. كان كل شيء قاتماً.. إلا أنه لم تكن هناك جدران..

ساعات، أيام.. أشهر وسنين.. وبدأ الانقشاع يزيل آثار الانفجار، وبدأت أغصاني تتماسك. انتصبت وأنا أحاول نزع جلدٍ قرديٍّ كان يكسو وجهي إلى أن نجحت، فرأيت أن الليل يلامس النهار، وأن شالَيْ أمي وحبيبتي أخذا يتحركان، ويتألقان مجدداً..

رأيتُ شال أمي يخضرُّ، وشال حبيبتي يتورد..

أمسكت بهما ورحت أجري جري ابنة صغيرة تقفز خطواتها ساقاً وساق قدماً وقدم.. ميلةً إلى اليمين وأخرى إلى اليسار..

عندما خرجت من ساحة الدمار..

كان هناك الآخرون يبحثون عني..

وجدت هناك أمي التي أمسكت بطرف الشال الأخضر،

ووجدت حبيبتي التي أمسكت بطرف الشال الوردي..

انطلقنا في رقصة وأغنية..

وكان الناس معنا ومن حولنا..

وكانت الشمس مشرقة!..

-=-=-=-=-=-

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm