|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
"عالمنا، نحن البشر، وحده الذي يرى
أن ليرة ذهبية أثمن من برتقالة!.."
نيقوسيا 21/7/1998
الليرة الذهبية
من بيتي الصغير ذي الحديقة المحدودة المعرشة حوله، من هذا البيت أرقب العالم، بيتي على تلة متواضعة هي امتداد للجبل السامق المغروس بالحرش كشعر الرأس، وأمامي يمتد السهل الذي يحفه زبد البحر وأمواجه وامتداداته الزرقاء بلا نهاية.. وعند لقاء السماء بالماء يمتد الأفق أحدباً يحيط بي وببيتي وبالجبل..
من ذاك الأفق تشرق الشمس وإليه تغيب، منه تأتي الطائرات والطيور وإليه تغادر النسمات وأرواح الأجداد والراحلون الجدد..
بيتي ثلاثة أقسام واحد للعيش وآخر للنوم والأخير للأسرار.. وأسراري قسمان:
القسم الأول حاجاتي الجسدية، فهناك أغوط وأغتسل وأشهد الدنيا عارياً،
والقسم الثاني أبوح للدنيا بكل أسراري وأحاسيسي وأشعاري، وأنتف الدرر والنفايات من لباب أفكاري..
في كتاب أصفر قديم كتبه أو تركه جد أجدادي قرأت أنه جاء في الكتب المقدسة أن آدم عصى ربه بغواية أتت من إبليس بطرق شيطانية مكيدة لأن الله أمر المخلوقات النورانية وزعيمها إبليس أن يسجدوا لآدم فسجدوا طاعة لله إلا إبليس أبى واستكبر..
لم يسجد إبليس لأنه رأى أنه مخلوق من نار السموم وآدم مخلوق من طين..
نحن مخلوقات من طين، أبونا آدم من طين، وقد أمر ربنا الملائكة أن تسجد لجدنا ففعلت.. وأمرُ ربنا مطاع.. ومع ذلك فقد وقع جدنا في الغواية وعصى آدم ربه فهوى.. وبقي هو وحواؤه وبنيه في الأرض يعملون، ويعرقون، وينتفون في شعور بعضهم حتى آبار الدم.
وأنا في بيتي على التلة محاطاً بامتدادات الجبل حتى قبة السماء، وامتدادات البحر حتى الآفاق الحدباء التي تأتي بالمجهول وتغيب في المجهول.. أنا في البيت وبجانبه يتساقط نهر يعبر نهود الصخور منساباً مرة ومتلاطماً مرة أخرى، باتجاه فاه المحيط القادر على ابتلاع كل شيء حتى أفكاري وأسراري.
وحدي في بيتي، في غرفة الأسرار وقفت مع ذاتي من غير حجاب بيني وبين السماء والجبل والبحر والنهر، أطرح النهايات البعيدة لنبضات وومضات الفكر.. وفكرت في أولئك الذين يسافرون من غير أجساد، ويرحلون من غير طائرات أو دواب، ويغيبون في عمق المكان أو الزمان، ويخرجون عن مهمات الجسد الأولى في البلع والانزلاق والامتصاص والإخراج، وكذلك في النمو والقذف في الأرحام، وكذلك في البعثرة في قضايا الآخرين..
فكرت في أولئك النساك، والجالسين في الصوامع، والغائبين عن الرغبات، كما فكرت في جدتي وفي أمي اللتين كانتا تقدحان زناد التحذير يوماً: لا تذهب، فهناك مصيبة، أو تبتسمان ابتسامة واعدة تقول: اذهب على بركة الله فاليوم كله بركة..
فكرت في أمي التي انتفضت ذات ساعة، وهاجت، اصفر خداها وارتعشت جفونها ونزف الدم من عينيها وهي تقول لي: الآن، أبوك قد غادرنا إلى عالم آخر.. ولم يمض اليوم حتى وجدت أبي محمولاً في نعش..
قالوا إن شيخاً تحدث مع آخر في مكان آخر على طريقة الهواتف الخلوية المحمولة، قبل أن يخترعوها بزمن طويل.. وقال حديث إذاعي مكرر كل أسبوع أن ظواهر مدهشة تحدث كل يوم تخلط ما بين الأمكنة والأزمنة والأنفس، فالإنسان الحاضر قد يكون امتداداً لإنسان سابق أو لأي شيء آخر وبذرة القديم موجودة في عصب الجديد خافية مختفية، وهي ستمتد إلى جيل آخر في زمن آخر ومكان آخر ونفس أخرى.. والكل لا يدري عن الكل، فهناك عوالم أخرى.. وقد سمعت العلامة الشهير، ذا الصيت والاحترام، يتحدث أحاديث لا حصر لها ذات علاقة بالعلم وبالإيمان، عن أعاجيب موجودة في أصغر الأشياء وأعظمها..
تحدث عن حكاية الأبعاد، وقد طلب في بدايتها من الصغار أن يرحلوا إلى النوم فهم لن يفهموا منها شيئاً.. قال العلامة الشهير في سياق حديثه: نحن خُلِقْنا ضمن أبعاد ثلاثة هي الطول والعرض والعمق أو الارتفاع، ضمن هذه الأبعاد نحن بلا حركة، ولكن من أجل الحركة والنمو والولادة والموت جُعلنا ضمن البعد الرابع وهو الزمن.
وأنا هنا لن أفكر كثيراً بما قال، بل أخلص إلى ما خلص إليه من أن المعادلات الرياضية، وهي قمة منطق العقل، تكون ذات مجهول واحد، أو مجهولين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو إلى أي عدد من المجاهيل، وتكون ذات قوى مختلفة، بمعنى أن هناك معادلات ذات أبعاد أكثر من أربعة.. وقد وجدوا أن العلماء يرون أن هناك أبعاداً لا نعرفها، وأن أكثر العقول الحاسوبية تطوراً وعملقة وجد أن هناك معادلات لا يمكن حلها إلا إذا افترضنا وجود أبعاد أخرى قد تصل إلى ستة عشر بعداً..
نحن في أبعاد ثلاثة، ونحس بالبعد الرابع، فكيف لنا أن نحس بالموجودات الكائنة في الأبعاد الأخرى،.. ومن هنا رأى أن وجود المخلوقات النورانية التي لا ندركها ولا نحس بها ليس أمراً عجباً..
قبعت في منزلي الصغير، وفي حجرة أسراري أشهد انبثاق الكون الجديد في اليوم الجديد وأخذت أفكر..
النسمة تمسح جسدي إلى أن يرتعش، والأفكار تغزو رأسي إلى أن ينتصب الشعر، والأحاسيس تغزو قلبي إلى أن يوائم ضرباته مع ضربات مويجات النهر الساقط إلى فتحات الانبثاق الممتزجة والمرتمية في لج مياه البحر التي لا تستقر على حال من الأبد وإلى الأبد..
كان الناس مازالوا نياماً، وكأن روح الآخرين تطل من خلالك فتدعوك للنوم مثلهم.. الآخرون يحركون فيك أشياء لا تفكر بها ولا تحس بها إحساساً مباشراً..
السمكة بين السمكات تمرح، والعصفور لا يعيش وحده، والنحلة تموت من غير خلية، وعندما يخلد الكون للنوم يخلد الآخرون للنوم، رغم وجود الخارجين عن القانون..
وأنا، عدت إلى النوم..
كنت في خدر أشبه بالسبات قبل الموت، وفي هذه المرحلة تنطلق الأفكار السجينة في الخلايا، وتخرج طاقات كانت خبيئة السنوات الطويلة، ليس في حياة شخص ما وحسب، بل خبيئة منذ آدم في سلسلة بشرية تمتد آلاف السنين..
كنت في خدر كالسبات،
تجمعت كل أعاصير التاريخ، وقراءات المجد والذل، والضحكات والعويل.. تجمعت كلها في عصب راقد في غرفة الأسرار المطلة عارية بكل محتوياتها بما فيها أنا، على كل عراء الكون، فامتزجت النجمات بالحفيف بالهدير بالنفس الداخل الخارج، وامتزج كل شيء بكل شيء، فسمعت نفسي تقول لنفسي:
- لو أردت فهناك في قمة الجبل يختفي كهف تحشوه ليرات قارون الذهبية، والطريق إليه يمر عبر ضلوع صدر الجبل حيث يعبر الهواء شفافاً ويخرج مليئاً بنفايات البشر.
- ولكنني لا أرغب بليرات قارون!..
- إن أنت من هؤلاء البشر، فلاشك أنك ترغب فيها.. سيقبلون إليك كالأغنام وفي يدك الحشيش، أو كالهررة وفي حضنك ألوان السمك، أو كالذئاب وأنت جيفةّ!.. اذهب وعد بليرات قارون!.. اذهب وعد بليرات قارون.. اذهب وعد بليرات قارون..
* * *
وجدت نفسي أتمطى بين الأحراش، وأخلص أجفاني من مبعثرات الشوك، وأثبت أقدامي المنزلقة بين شعاب الصخر المخاطي، وأتكور فوق عشب أتدحرج منه إلى شاطئ النهر باتجاه معاكس لقوة جذب الأرض، فأجهد وأعلق أصابعي في نواتىء الصخر. أصعد وأصعد إلى أن يتحول جلدي إلى منخل وأصابعي إلى لفيفات في نبات متسلق، وأنفاسي إلى نشاز في طبول الطبيعة..
وأتحول إلى هشيم يتحرك بأذرع وانية نحو قصبات الجبل المضمخة بماء طحلبي، ثم أدخل بين الأضلاع وأتبين كل الألوان قاتمة فأبحث عن ضوء داخل نفسي.. وأطلب من ذاتي أن تضيء لذاتي..
وأدخل في عالم غير هذا العالم، وزمن غير هذا الزمن، فأصبح غير محتاج لأرجلي ومخالبي وأنفاسي، وأصبح قادراً على البلع إلى ما لانهاية.. والبصاق إلى ما لانهاية..
وأصبح إحدى بؤر ذلك العالم..
بين أضلاع ذلك الجبل أتحرك وأنزلق بليونة فأنا أحد تلك الأضلاع السائبة المتحركة، وأنا جزء من هناك حيث يختصر الدهر في لحظة، وتصبح اللحظة أبد الدهر.. وحيث يتحدث الجميع عن غباء الإنسان في ملء بطنه أكثر مما يحتاج!..
وجدت هناك ليرات قارون…
كانت ليرات بوزن الجبل، تتراكم فوق بعضها، وتهمس متحدثة فرحة تزقزق، وتقول إنها في سعادة طالما مرت آلاف السنين تحك بعضها بعضاً دون أن تطالها يد إنسان ملوثة بآلاف الأمراض الممتدة من الطاعون وحتى اختراعهم الجديد الذي يسمونه نقص المناعة (الإيدز)..
لم تعرف تلك الليرات أمراض الزهري فهي لا تتناكح، ولا الكوليرا فهي لا تشرب ماء ملوثاً، ولا البلهارسيا فهي لا تسبح في ماء فيه ديدان.. ولا آلاف الأمراض الأخرى التي يتناقلها البشر من واحد إلى واحد ومن جيل إلى جيل بواسطة أوراق عجيبة تسمى أوراق المال..
قالت لي الليرات: نحن لا نهديك ورقة كتبنا عليها أنها تساوي رقماً ما، ونحملها ما يساويه من أمراض..
ولم ترغب الليرات بالعودة معي..
لكنني اقتنصت منها كل الذي استطعت، وضعتها في جيوبي بينما غابت الليرات الباقية في شقوق الصخور هاربة مولية كما يولي البشر عن صاحب حقٍ ضعيف..
* * *
بدأت طريق الهبوط.. الأشواك منزرعة في جلدي.. وقد غابت الشعيرات من جفنيِّ، وتحولت شفتاي إلى لون الطحلب الأخضر، وأصبحت جلدة رأسي مخططات كمجاري ومنزلقات الديدان، وأضحت يداي عظماً بلا لحم، وتحولت رجلاي إلى ساقين من قصب..
أما داخلي فأصبح بلا غطاء، فكنت أرى القلب يضخ سائلاً أصفراً عبر قنوات مرئية تصل إلى القمة والقاع، وفي داخل رأسي لوالب من حجر..
وأخذت أنزلق باتجاه بيتي..
مزقت الليرات زاوية جيبي فاندلق منها النصف.. فأمسكت بطرفها وأحكمت الإمساك ورحت أنزلق بين حجارة منسية، مكسوة بلبد الطحالب.. لم أخطُ خطوات طويلة قبل ان تدوس قدمي ليرة زلجة اختارت نفسها لهذا العمل، فألقت بي أرضاً، وهربت بضع ليرات أخرى..
كانت بدايات الضوء تترنح وتومض في السماء والأنحاء عندما وجدت أن الليرات الباقية تقفز من جيبي رافضة مرافقتي إلى عالمي..
وعندما كنت أقبض على ليرة واحدة، أشد عليها راحة كفي وأصابعي كانت باقي الليرات تقفز وتهرع مختفية باتجاه الأعلى وأصوات زغاريد وانية تطرق أذني..
الليرات فرحة بعودتها إلى مقر آلاف السنين بعيداً عن آلاف الأمراض البشرية.. وأنا مازال في داخلي بعض الفرح وأنا اقبض على الليرة الوحيدة الباقية بكل قوتي..
* * *
جسدي، في غرفتي السرية العارية، مازال ملقى في نسمة الصبح يدوس أعماق الزمن، يحاول اختطاف ليرات قارون الخبيئة منذ آلاف السنين، وجسدي كذلك مازال بلا شعر ولا جلد يخفق بإيقاع أضلاع الجبل وطحالبه، ومياهه الجوالة في المخابىء العميقة المليئة بعتمة ليل البشر والضوء الوهاج من عالم وزمن آخرين..
ضغطت راحتي وأصابعي على الليرة الذهبية الباقية، وقلت في نفسي، إن هذه الليرة الوحيدة الباقية ستقنع كل الآخرين في أن يقفوا تحت مكاني، ويقدموا لي كل الذي أريد وأفعل فيهم رغبتي كما أشاء..
ليرة واحدة تكفي!..
وكان جفناي مازالا أجردين، وفروة رأسي بلا فرو، وعظامي غير مكسوة.. وكانت يدي تقبض على الليرة القارونية.. أحسست بالليرة تحاول شق أصابعي.. لكن قوتي كانت أكبر من كل محاولاتها..
* * *
خرجت من غرفة أسراري، وأنا أحس باللحم يكسو عظامي، وبالشعر ينبت في جفوني وفروة رأسي، وبعظامي يكسوها لحم وجلد،
عندما خرجت إلى صحن داري ورأيت الجبل بلا نهاية في الشموخ، والبحر بلا نهاية في الامتداد والزرقة..
نظرت إلى شجرة البرتقال الغضة الطرية، ورأيت في قمتها برتقالة مثل ليرة ذهبية تنبثق من قرص الشمس..
عندها فتحت يدي،
وكانت يدي فارغة!..
-=-=-=-=-=-
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|