أدب الإنسان     adab-insan

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

القطط   

                                                                                   نيقوسيا 20/8/2002

                                                                                                  ( إن الذي لاينتج زرعاً لاينتج إنساناً )

 

     زحف الفجر الصيفي  الحار على الهضبة و أخذت الشمس تفلق الظلام و هي ما زالت خلف الأفق البعيد.. بدأت خطوط العلب البيتية الصدئة تتعمق و راحت رزم أكياس القمامة السوداء المبعثرة  تنشر روائح العفن و التخمير في الأجواء.. غير أن الرجال ما زالوا يغطون في كوابيس النوم..

 

كان ما يزال هناك شبح شجرة كينا عنلاقة ينتصب، و كان ذلك الشبح العملاق متجمداً يابساً يدل على أنه  كان في هذا المكان ذات موسم نبع ماء وواد أخضر و سرب عصافير في العلياء و سرب بط على سطح الماء.. غير أن شبح شجرة الكينا مازال يحمل أغصاناً كثرة جافة بلا أوراق..

 

ظهر بين الأزقة في ذاك الفجر على الهضبة الساخنة شبح آخر لرجل هرم احتاج عصاً تعينه في نقلة قدمه.  خطا خطوات باتجاه شجرة الكينا اليابسة و كأنه كان يريد أن يلتصق بها قبل أن يصبح عوداً يباساً مثلها.. و لكنه رغم بطء الحركة مازال يجهد باتجاه الشجرة العملاقة التي لم يعقه عنها غير عصاه التي تشابكت و كيس أسود نتن حمل بقايا عفن الأسبوع..

 

قال الرجل الهرم وهو يخرج طرف عصاه السفلي المتشقق من نتف الكيس.. قال ضمن جدران لحمه::

(( إن كنت سأموت هنا، فالأجدر أن أموت هناك عند الشجرة اليباس.. فهي مازالت منتصبة رغم الموت، و أنا وحيد مثلها.. و هي وحيدة مثلي.. و هي بلا تراب رطب.. وعظامي هشة مثل ترابها وهي بلا أوراق و رأسي بلا شعر.. و هي عملاقة ترى كل الناس ولكنني منحني على عصا فإذا سقطت السقطة الأخيرة فلتكن عند جذورها)).

 

كاد الرجل الهرم أن يلمس الشجرة عندما سقطت عصاه فتحامل مثقلاً وارتطم بالجذور العملاقة البادية على السطح قبل أن تغور حتى عمق الأعماق.. وهنا جاهد يحبو كرضيع نحو الجذع الهائل..

 

مازال الرجل يتحدث ضمن ضلوعه:

(( مات إخوتي، و مات أهلي عندما جف النبع و الضرع.. و جفت المآقي عندما سقطت الأوراق، و كثرت الأكياس السوداء العفنة في مهب ريح الصبح الدبقة عندما جف المرج و طقطق.))

(( أنا أحتضن الشجرة، بل هي عملاقة تحتضنني.. ولكننا جثتان.. أملنا هو أن نغوص في أعماق الأرض..))

(( لا بد و أن في أعماق الأرض بعض الماء.. ولابد أن الماء مثل الكنوز الدفينة التي لابد وأن يتم البحث عنها.. و رجال هذه القرية ما زالوا يرتحلون في كوابيس النوم..)).

---  -- - --  ---

عن يمينك و عن شمالك تجري القطط تبحث عن جرذ.. تبحث عن فأر مسلوق بالحر.. أو مدفون في جحر.. و الجمر كثير و الفأر قليل في قرية مازال فيها النيام نياماً..

---  -- - --  ---

أحس الرجل الشبح بنبض عميق بعيد لم يميزه أكان من جذعه المتشبث بالحياة أم من جذر ما من الشجرة مازال في قاع الأرض.. و كان هذا النبض نداء للحياة في العمق أو في الأرض فكلاهما سيًان. إنه لا يحب الموت.. لا أحد يحب الموت.. فهو أمر مجهول كالظلمة، لكن الموت في جذع شجرة الكينا العملاقة أمر مختلف.. فهي رمز يدل على أن في هذه البقعة كان نبع ماء و كانت الأرض بلون أخضر..

 

مال الرجل إلى الشجرة يلتصق بها و يتلمس البرودة فيها كما النبع.. مال يضع شفتيه على لحائها اليابس الجاف.. و قد كانت شفتاه جافتان مثلها..

(( ليس لي ولد مثل هذه الشجرة، غاب النبض أو كاد.. مثل هذه الشجرة..)).

ولكن الشمس بدأت تستدير.. و مازالت قرية العلب البيتية الصدئة غائبة في النوم كما السُبات..

---  -- - --  ---

جائت أول حركة في القرية إثر مجيء الصهريج.. جاء الماء في صهريج من قرية أخرى فيها ماء، من قرية تهطل فيها الأمطار.. و تكثر فيها الأشجار، لأن هناك زواج أبدي معلن بين الأمطار و الأشجار..

 

قرية العلب الداكنة و الأكياس الراكنة في الزوايا و الطرقات.. استفاقت  على هدير الصهريج  يحمل بعض الماء بطعم الصفيح.. ولكنه ماء في كل الأحوال..

 

استفاقت الجارة وجارة الجارة، و الطويلة و القصيرة، والنحيلة والمترهلة.. كلهن استفقن و كلهن تسارعن وآنية البلاستيك المسترجع تتطارق كما الريح من الأجواف..

 

وما زال الرجال في سبات..

و إلى أن فرغ الصهريج في قاع الأكواب جلس بعضهم يتلمس بعض الماء فالحلوق كانت جافة حتى اليباس.. وكان الهجير الصيفي مبكراً على الهضبة التي تحمل على ظهرها البيوت الصدئة.. وكان الماء هو رمز الحياة الباقية رغم طعم الصفيح، و رغم رائحة الدخان العابقة المتلبدة بالجدران والأغطية و الأنفاس..

---  -- - --  ---

قدمت المرأة ماء للرجل الراقد على جنب.. فازدرد الرجل الماء حتى النقطة، وأعاد للمرأة كأسه البلاستيكية، و قبض على ساعد امرأته و حاول أن تكون لصاقته على عجل.. لكن المرأة نفرت.. رائحة الحر و عبق الصديد.. و انكفأ الرجل قرفاً منها ومن محاولته، فالمرأة لفافة تبغ ... التصقت بجلدها، كما التصقت بثوبها كما يلتصق ورق سيجارة التبغ بلعاب الرجل التالف من شهور..

 

رفع رجلٌ غلق الدكان و كان ما يزال يحس بحلم يدعوه لرفع الثوب عن الراقصة كما يرفع غلق الدكان.. و بدلاً من أن يرى الغبار يلتصق بالعلب والزجاجات و الصفائح .. كان يتمنى أن يرى زوجاً من السقيان..

قالوا إن له زوجاً من الجان.. تتزين بألوان زاهية من قاع البحر.. حيث تتلوى الأسماك الملونة بين شعاب المرجان..

قالوا إن زوجه تسكن في ركن في دكانه الذي لا يفترق عنه إلا عند النوم.. و إنه كثيراً ما يسري في الليل ليعود إلى الدكان يختلي فيها مع زوجه الجنية و يقضي معها ألذ الأوقات..

لكن الرجل هو الوحيد الذي يعرف أنه ليس في الدكان جان.. إنما يستمع عندما يصعّر خده تيهاً وهو يمر أمام الذين يقضون أوقاتهم في الظل صيفاً وفي الشمس شتاءً.. كالعمدان المنخورة منذ أجيال..

---  -- - --  ---

حمد الله الرجل الهرم الملتصق بشجرة الكينا الحطبية عندما رأى أول رجل يظهر كالقط الجائع خارج جدران العلب الصدئة.. و تمنى لو أن كل الرجال خرجوا من قمقم الزمن الميت ليدقوا رحم الأرض بمعول يبني نبتة أو يبدع نحتاً أو يقلع صخرة.. لكنه ما رأى إلا أنه وُلد يوم وُلدت هذه الشجرة.. و جرى يوم اهتزت أوراقها في الفسحة.. و كبُر يوم تصاعدت إلى عند النجمة، و هرم يوم يبست و توقف النبع عن الثرثرة..

صرخ و لكن ضمن ضلوعه، صرخ و شد على الشجرة كما يشد على جسد امرأة يحبها، صرخ قائلاً: قومي إلى الحياة ثانيةً، انبشي بجذورك جذر الأرض و افتقيهاعن ماء.. احبلي.. احبلي ثمراً..و فيضي.. و اغرقي الأرض بالماء فما زال في حر الهجير رجال نيام، ينتظرون جرعة ماء من صهريج، و لقمة من أنياب هرة..

---  -- - --  ---

جاء وقت العصر ، تدفق بعض الرجال إلى ناحية شجرة الكينا الهرمة.. كثر الرجال.. و كثرت النسوة على أسطح العلب البيتية الصدئة.. خرج الفتى يحمل بيضاً في سلة سرقها من قن جدته، وجاء الفتى الآخر بثوب أخته الصبية، و جاء رجل بصرة أوراق نقدية متعبة جمعتها أمه لخرجتها يوم جنازتها، و رأى شاب أن أجمل هدية يقدمها هي قلم الحبر الوحيد في القرية.. و رأى آخر أن مجموعة كتب قد لا ترضي ولكنها شيئ على أية حال.. جاءت لساحة الشجرة الهرمة مخدة مطرزة، و قنديل جدة، و صورة عنتر، و تنكة زيت، و خروف يثغو.. و قطعة ذهب منسية..

لعنت النسوة متصلبات الجلد من على الأسطحة عُتهُ الرجال.. و ندبن حظهن في الراحة و الجمال و المال و الرجال.. ((شفتي!.. شفتي هذا الكلب أخذ خلخالي ليعطيه للساقطات.. هذه الساقط..))                   ---  -- - --  ---

 

الطبل و الطبلة و الرباب والناي و دزينة سيقان.. و دزينة نهود بارزة رجراجة.. و رجال بعيون جامدة كالعميان..

إيقاع القلوب الذاهلة تضرب كالطبلة و خياشيم تتفتح عن وتر رباب وعن سحبة ناي.. و أقدام حافية تتحرك مع اللحم الشهي كموسيقا السحر مع الجرذان.. و الإنسان ليس بإنسان.. بل هو لحم السمك على ناب الهررة..

 

هنا وضعوا البيض و ثوب الصبية و صرة الأوراق النقدية  وقلم الجد والكتب والمخدة المطرزة والقنديل وصورة عنتر وتنكة الزيت و قطعة الذهب المنسية و الخروف الأبله.. وضعوها جميعاً في عربة.. و التفتوا نحو السقيان و الطبلة..

---  -- - --  ---

قالت امرأة لجارتها على سطح البيوت الصدئة وهن يغادرن المكان:

(( عسى الخير فيما نكره!.. منذ سنة لم تحمل امرأة منا جنيناً في رحمها.. لعل في تلك الساقطات ما يثير شهية رجالنا لنا.. و إذا حصل ذلك فلعل رجالنا يثمرون.. و إذا أثمروا فلعلهم يكونون عوناً أو يجهدون من أجل حفر بئر وإنبات زرع وبناء بيت من أجل الصغار القادمين..))

(( و إذا حصل ذلك بالفعل فإنني سأدعو لتلك الساقطات بالعودة كلما احتجنا إلى أجنة جديدة..))

---  -- - --  ---

عندما أرخى الليل ستائره، و بانت رمادية السماء القاتمة بلا قمر بل ببعض النجوم البعيدة المترامية في الفضاء اللانهائي..

خلا المكان من العراة والبشر وبقيت بضعة أكياس سوداء تتقلب مع ريح ساخنة ضعيفة.. خلا المكان إلا من الرجل الهرم وشجرة الكينا الهرمة..

لم يلحظ أحد الرجال أو الشجرة الملتصقان.. لم يلحظوا حتى وجودهما..

لكن الرجل الهرم راح يحس نبضاً أقوى لم يعرف من أين يأتي أهو من جذر الشجرة البعيد أو من بقايا قلبه المتراخي..!

لم يعرف.. لم يعرف أبداً لأنه أحس بأنه يلتصق بالشجرة حتى النهاية و حتى القاع و حتى الخروج من قمقم الحياة في منتصف الليل.. في منتصف الليل ذاك كانت النسوة ينتظرن رجالهن متمددات كالنعاج.. لكن الرجال لم يعودوا.. بل طافوا في الشعاب المؤدية إلى البلدة أو المتفرعة عنها.. كل لوحده مع صوره و أحلامه و أوهامه و رغباته.. و عندما جمد الرجل والشجرة و أصبحا قطعة من الأرض الجافة.. كانت النسوة مازلن متمددات في غرفهن بالانتظار، وكان الرجال ينسجون من أحلامهم نسوة رائعات الحسن بصدور ناهدة عارية وسيقان بلا حجب، يغرقون فيهن الماء المتبقي في دمائهم بموجات متعة غارقة حتى حافة الموت..

 

طيلة نصف الليلة الذي تبع كانت القطط الشرسة الجائعة تبحث عن بقايا تركها الرجال في تلك الشعاب بدلاً من اللحم الذي لم تعرفه خلال سنوات طويلة ..  ..  ..

---  -- - --  ---

عودة لصفحة الأدب

لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

 index.htm Daisylrosespics.htm Arabic Literature.htm Resalah int.htm Resalah text.htm Short Stories.htm Zein.htmi.htm reciting_literature.dwt Music.htm Chosen World Music.htm Profile.htm reciting_literature-.dwt Applets chosen.htm Resalah Ela Za aer.htm Madkhal Tall Kasas.htm Daisy Land.htm Peoples habits and arts.htm Mariam.htm Kal Abnaau al Tall.htm