|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
"ارتجافات الأيدي لا تهم المهم هو خفقان القلوب"" نيقوسيا 6/10/1998 |
القمة |
في طريقي إلى المنزل بُعيد الظهر، كنت أمشي وأطلق ساعديَّ على راحتيهما يتحركان في الهواء، وكانت خطوات وئيدة، وكان نظري يتجه إلى أبعد مسافة في الطريق باتجاه منزل، وكان يحلو لي المسير والجو خريفي وبعض أوراق الشجر تنتثر على الحافتين..
أحببت المسير دائماً في طرقات البلدة أشاهد ما بُنِيَ منها مجرداً وما هي الإنجازات الواسعة التي تمت مؤخراً.
بلدتي كان قريةً صغيرة منذ سنوات ليست بالبعيدة، ولكنها بشقاء أهلها وكدحهم وأسفارهم ومحبتهم لوطنهم وبلدتهم أصبحت أنموذجاً لأجمل المدن وأحلاها وأغلاها وأحبها إلى قلوب أبنائها..
كنت في ذلك اليوم أسير وأطلق لجسدي راحته بالكامل، أتنسم الهواء الطري وأرى أطفال المدرسة يخرجون منها وهم يتناغمون ويتدافعون ويصيحون ويلعبون وقد ملأت وجوههم بشاشة ونضارة أعمارهم.. في ذاك الطريق كانت هناك بضع شجيرات تمتد على طرفيه، وحينما اقتربت من مفرق منزلي، كان هناك مازال يسير إلى جانبي فتى، ربما في الثانية عشرة من عمره، يلبس زي المدرسة، ويمسك بمحفظته تحت ابطه، ويتابع السير باتجاه بيته..
في لحظة ما شاهدت ذلك الطفل الفتى يحدق بيدي اليسرى، وبساعدي عند المرفق، وعلى وجهه ابتسامة سخرية واستغراب، قلت في نفسي إن آثار الإصابة في يدي قد جعلت من يدي تتحرك بشكل عشوائي أو مثير للابتسام وكأنني مهرج في سيرك، أو أنني أتقصد أن أحركها بشكل مضحك.
تابع الفتى الصغير تركيز ناظريه بساعدي ثم انفلتت منه ضحكة قزمة وكأنه أمام بهلوان تحوم حوله الأطفال، ثم لم يلبث أن حث خطاه نحو بيته.
إن يدي اليسرى، بالإصابة التي مزقتها قبل خمسة وعشرين عاماً، جعلت منها شكلاً غير منتظم، وشكلاً ربما يستثير بعض المشاعر، ولكلٍ حسب عمره، لكن هذه الإصابة هي مصدر فخري واعتزازي ومحبتي للأرض التي عشت منها وعليها ومن أجلها،
وصلت بيتي واحتسيت كأساً من الشاي ورحت أفكر.. وكانت زوجتي تتساءل عن أسباب هذا السرح الفكري الذي أنا فيه، فقلت لها: لا عليكِ، لا شيء يهم، فما هي إلا ابتسامة طفل!..
عندما عدت إلى غرفتي الصغيرة، تمددت على السرير ونظرت في السقف والنافذة حيث أخذت أطير من مكاني إلى مكان آخر قبل ربع قرن،.. ومضت ساعة، وقررت في نفسي أمراً.. نمت فرحاً بهذا القرار.. وعند الصباح ذهبت إلى المدرسة التي يدرس فيها ذلك الفتى..
ذهبت إلى مديرها فاستقبلني بترحاب كبير، فما أنا إلا مدير ومدرس سابق فيها، مضت سنوات قبل أن أعود لزيارتها ثانية في هذا اليوم.. استقبلني استقبال التلميذ لأستاذه، فما هو ومعظم مدرسيه إلا تلاميذ سابقون عندي، استقبلني بل استقبلوني جميعاً بترحيب المشتاق الذي يحترم ويجل من سبقوه، رغم التساؤل في أعماقهم عن سر هذه الزيارة.. انتظرت إلى أن ذهب المدرسون إلى صفوفهم، وأخذت أتابع حديثي مع مدير المدرسة:
- يا صاحبي، بالأمس كنت أسير في ذاك الطريق حيث مرّ بجانبي فتى من مدرستكم وابتسم حينما رأى يدي تلوح في الهواء على غير عادة الأيدي الأخرى، وأنت تعرف قصة هذه اليد، ولي رغبة أتمنى لو أمكن تحقيقها.
لم نطل حديثنا فقد رحب المدير بطلبي، الذي لم يكن سوى أن أدخل الصف الذي يدرس فيه ذلك التلميذ، فيقتطع لي من وقت الدراسة حصةً أروي فيها قصة يدي..
* * *
كنتُ أستعيد غابر الأيام من حياتي، حينما كنت معلماً ومدرساً في عددٍ من المدارس في منطقتي وكانت سعادتي أكبر من كل سعادة، وأنا أتلمس الوجوه والأنظار تتلقف الكلمات الآتية من بين شفتي.. وأكثر ما كان يسعدني أن أرى مدير المدرسة ومعلم الصف، كلاهما يجلسان في المقعد الأخير وهما ينصتان لي، مثلما كانا ينصتان قبل سنوات طويلة، كل ما في الأمر أن وجهيهما لم يعودا وجهي طفلين كما عهدتهما في تلك الأيام. أمضيت ساعة أتحدث وكان قلبي يخفق سعادة وكأنه ولد من جديد..
* * *
أيها الفتية!
بالأمس مر قربي أحد زملائكم، رأى يدي هذه كما ترونها تتحرك بشكل عشوائي، فضحك وابتسم وأنا أعذره في ذلك لأنه لا يعرف قصة هذه اليد، لكن مديركم ومعلمكم يعرفان هذه القصة!، واعذروني إذا أعدتها على مسامعكم، فهذه يدي هي رمز حياتي!..
.. قبل ربع قرن يا أبنائي، كنا مجموعة من الشباب الذين يلبسون لباس الشرف، لباس الدفاع عن الوطن.. كلكم تعرفون هذا اللباس، وكلكم ستلبسونه. في ذلك اليوم قبعنا في حُفرٍ تطل على ساحة واسعة من الأرض الممتدة التي كانت في قلوبنا فهي أرضنا وأرض أجدادنا.. لكنها في ذلك الوقت كانت في يد عدوٍ آخر جاء من أقاصي الدنيا ليأخذ ما ليس له حق به، ويسكن أرضاً ليست هي أرضه، ويقتل أصحاب الحق والأرض، كنا منتشرين في تلك الخنادق، وكانت أحلامنا وآمالنا ونبضات قلوبنا تتطلع إلى رأس ذلك الجبل.. إلى القمة، حيث وضع العدو شباكه وآلته العسكرية ومتاريسه وسمومه وجنوده وعتاده وكل أحقاد الأرض.
كنا نتطلع وفي قلبنا إحساسٌ بالقهر ورغبة بالتضحية، وثقة بالحق والأرض وبالسلاح وبالقيادة وبالنصر الآتي..
كانت قلوبنا تخفق باستمرار نبضاتٍ كثيرة لتجعل الجسم والفكر مهيئان ليوم آتٍ كنا نحسه قريباً جداً، قرب أنفاسنا لنا.. كنا نعلم أن خلفنا وطن وشعب وأمة وضعونا في المقدمة لنؤدي واجباً هو في الأصل واجب مقدس نحمي به أسرنا وأولادنا وبيوتنا ومقدساتنا وتاريخنا وأمتنا.. أما أنا فكان في قلبي أمل يجتاز كل الآمال لأنني أتيت من قرية مازالت تنتظرني وهي قرب قمة ذلك الجبل، ذلك الجبل المجبولة رائحته في دمي، وذكرياته تفيء على رأسي وعلى قلبي.. فيه نظمت قصيدتي الأولى، وفيه أحببت المحبة الأولى، وفيه زرعت شجرتي الأولى، وفيه عشت سنواتي الأولى.. كانت آمالي هي أن أكون الأول في زرع علم بلادي فوق تلك القمة!.. لا يهمني بعدها ماذا يحدث لي، فوطني كفيل بي وبأسرتي وبأولادي!..
كنا في ذلك الخندق نتبادل الابتسامات والكلمات والنكات الصغيرة، كما كنا نتذاكر أيضاً دروسنا ومحبتنا لأرضنا، ودور الغاصب في هذه الأرض وفي هذا الزمن.
كنا نستمع إلى مذياع محطتنا نتابعها، ونستمع كذلك إلى أغاني الوطن، وأغاني العشق والمحبة.. وكنا نعلم أن بلدنا وأمتنا كلها بانتظارنا، وانتظار مجموعتنا بالذات لتقول:
- ها هو وطننا ذا قادر على استعادة الحق، هاهو وطننا ذا قادر على إعادة العلم إلى مكانه!..
في لحظة ما، مرَّ قائدنا مبتسماً ابتسامة واعدة، فأحسسنا وأحسست أن شيئاً ما سيحدث قريباً، وأن هذا الشيء هو البشرى بعينها.
قلت لزميلي:
- أيها الرفيق العزيز، أنت تركت خلفك كل الدنيا، وأنا كذلك تركت خلفي كل الدنيا، ونحن ذاهبان إلى حيث القرار، حيث القرار الجازم، وهذا القرار في كل أحواله هو قرار فخرٍ واعتزاز. إن كان القرار سيؤدي بنا إلى نهاية الحياة، أو قرار له ما بعده في هذه الحياة، ففي الأحوال كلها هو قرار العزيمة والنصر إن شاء الله.
أظن أننا مقبلون وبأقل من طرفة عين لنغوص في أعماق هذا القرار ونؤدي ما يجب أن نؤدي تجاه الله والأمة والأسرة والنفس!..
لم أتمم كلماتي حتى قاطعني زميلي قائلاً:
- إن القائد عائد مرة أخرى!..
* * *
لم تمض لحظات حتى بدأنا نزحف. زحفنا على أرض مليئة بالحجارة والشوك، غير أن الحجارة والشوك كانت أحن علينا من صدور أمهاتنا فهي قطع من أرضنا عرفت أننا أبناؤها الذين عادوا إليها، فتحولت الحجارة إلى لُبَدٍ طريةٍ، وتحولت الأشواك إلى وسائد رقيقة، وتحول الهواء إلى غاز الحياة الصافي، وصارت النسمة تمسح العرق المتصبب من جباهنا. كانت الشجيرات تحنو وتظلل. كانت تخبئنا بينما تكسونا الأرض لونها، وخفقات قلوبنا تنبض حتى قاع التراب والصخور والمياه الجوفية، كانت الأرض تميد وكأنها تهدهد أطفالها لكي تريحهم فأصبح تراب الأرض جزءاً من جلدنا وأصبح جلدنا جزءاً من أديم الأرض.
وتابعنا.. تابعنا ونحن أبناء هذه الأرض.. تابعنا نحو القمة، دون أن يلحظ أولئك الغرباء عن الأرض زحفنا، فهم غرباء عنها ونحن أبناؤها.
كان الجو مليئاً بهدير الطائرات وبشظايا اللهب الصادر عن الصواريخ المتقابلة فكانوا مشغولين عنا بالرد وبأحلامهم السوداء، وكنا نحن مشغولين بالوصول إلى القمة!..
كانت لحظةً نسينا فيها أجسادنا وبقينا خِفافاً ننطلق من زاوية لأخرى ونهد البناء على رؤوس الغرباء.. وكان بعضنا يسقط جسداً ويبقى روحاً، فنحن أحياء في الحالين..
وما زلنا نتابع الجهد الذي أمضينا العمر بانتظاره واللحظات التي كرّسنا وطنُنا إيانا من أجلها.. وكانت ساعات هي بامتداد التاريخ، هي بامتداد رجالات تاريخ العروبة.. هي المقدسات التي عاشت معنا آلاف السنين.. هي الكرامة التي ذُبِحَتْ قبل سنوات.. وهي الكرامة التي تنتظرنا..
|
· |
· |
· |
أيها الفتية، كانت تلك الساعات هي ساعات الزحمة!.. ساعات القيامة!.. من أجل ماضٍ ومستقبل من أجل الأب والابن، من أجل المجد الذي كنا فيه وضاع للحظة ونحن نعيده الآن..
في تلك اللحظة رأيت القمة أمامي تناديني، فذهبت إليها أحتضنها، وحملت في يدي علمي، علم بلادي، علم أمي وأبي، علم وطني، علم أمتي، علم مجدي…
جعلت رمحه يخترق أعلى القمة متسامياً نحو السماء يرفرف بألوانه الثلاثة ونجمتيه ويقول ها قد عادت القمة إلى قلوب أبناء وطني..
في تلك اللحظة جاءتني طلقة اخترقت عضدي ما أحسست بها إلا بعد تلك المعركة.. وها أنا ذا بينكم يا أبنائي.. فإن كانت يدي تهتز على غير عادتها تروح وتجيء، ومفاصلها متراقصة ذلك لأنها يا أبنائي فرحة بمجدها وانتصارها!..
* * *
لم تمض لحظة، حتى خرج الطفل الفتى الذي ضحك البارحة ساخراً من مقعده وهرع إلى يدي يقبلها، فاحتضنته إلى صدري.. وكانت أذنه على ارتفاع قلبي فسمع وجيبه لحظات ثم قال فرحاً:
- لقد سمعته يا أستاذ، لقد سمعته يا أستاذ!..
نظرنا إليه جميعاً:
- وماذا سمعت أيها الفتى؟..
- لقد سمعت قلب الأستاذ الكبير يقول:
" الأبطال لا يموتون.. الأبطال لا يموتون.. الأبطال لا يموتون.."
ودوت في الصف عاصفةٌ من التصفيق!
تقدم مدير المدرسة قائلاً: اليوم يا أبنائي هو السادس من تشرين الأول ..
فتابعت الأيدي حماسها، وكأن تصفيقها مازال مستمراً إلى الأبد..
-=-=-=-=-=-
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|