|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
"صديقي أحمد الذي أحبه قال: لو أن الجورب يعرض على قفاه، لما اشترى أحدٌ جورباً أبداً".. نيقوسيا 20/7/1998 الجورب والجراب في داخلي رغبة تغلي، تطلب مني أن أشتري ثوباً وحذاءً وقميصاً وجورباً.. وأنا لا أجرؤ على شرائها.. طردني أصحاب السوق.. أغلقوا مخازنهم عندما رأوني،.. صرخوا جميعاً جاء الوباء.. قالوا جاء الوباء عندما جئت أنا وتساءلت فيما إذا كانوا يقصدون أنني الوباء.. لكنني ما كنت أحمل الكثير من الجراثيم، كل الذي كنت أحمله هو رغبة صغيرة متأصلة في داخلي، وهذه الرغبة هي قلب كل الأشياء.. ولم يعمل عقلي على تفسير العلاقة بين قلب الأشياء وبين الوباء.. في المرة الماضية، كنت في السوق، أردت شراء قميص وحذاء وبنطال وجورب، فدخلت مخزن القمصان، وأمسكت بقميص زاه يصرخ في وجهك أن تشتريه، وطلبت بأدب أن أفك زمامه وأراه دون غلاف ملمع، ودون دمغة ملونة، أو ياقة مدعّمة، فقبل البائع على مضض وعلى أمل مؤكد بأن القروش في جيبي ستخرج منها فرحة لتستقر في درجه، سمح لي مبتسماً بنزع الغلاف، ففعلت ذلك راضياً، أصبح القميص أمامي عارياً بلا غطاء يلمع، وبلا شارات ونياشين، فككت الأزرار زراً زراً فأصبح صدره مكشوفاً، ثم سحبت الكُمَّيْن إلى الداخل وقلبت القميص، وصاحب المكان ينظر إلى مشدوهاً، ثم يتدخل مستغرباً ويتساءل عن سبب قلب القميص، فأجيب.. - أنا أشتري القميص داخله وخارجه، وكما يحق لك أن تريني وجهه فإنه يحق لي أن أرى داخله أيضاً.. يكبت الرجل نفسه غيظاً، ويوافق، وهو يرمق زبونة جميلة تدخل المكان من أجل شراء هدية لصاحبها الموعود.. ينتقل إليها ويتركني وشأني.. بعد أن يلف قميصاً حريرياً ملوناً ينطق بحرارة الرغبات الكامنة في دم الفتاة، ويقبض وزن القميص ليرات يعود نحوي ليجدني وقد قلبت القميص كاملاً، وأمسكت بمقص صغير للشوارب وأخذت أقصقص الزيادات القماشية والخيطان، وأجمع النفايات الصغيرة المتراكمة في الداخل، وأبصق على بقعة قذرة، وأعك القماش عند صلابة النشاء فيه.. نظر إلي الرجل باستغراب ثم أمسك القميص وانتزعه من يدي ودفع بي بقوة بحيث أصبحت خارج المعرض التجاري، على الرصيف، وبين الأقدام.. ألملم نفسي المبعثرة، وأنفض الغبار من راحتي.. وأمسح بقايا بصاق الطريق عن ثيابي.. في المحل الآخر، وبينما أقلب البنطال، أنزع النفايات من داخله، وأرفعه بجانب بنطال معروض على الواجهة، فيراه الناس مقروناً بأخيه المزين، في ذلك المحل أتلقى صفعة على وجهي وركلة على قفاي تدخلني في كومة الناس المتحركة كالسيل تحت بقع الشمس النافذة من ثقوب سقف السوق التاريخي.. تلك البقع المحملة بأطنان من ذرات الغبار.. وأصبح وجهي بقعة حمراء بلون الخجل، وبقعة صفراء بلون الوجل، وتحت البقع دم يحس بامتزاج ذرات الغبار البادية في بقع الشمس.. أحببت بقع الشمس.. فهي صريحة، لا تخفي ما بداخلها، فهي تقول لك صراحة ووجاهة، أنها مليئة بذرات الغبار، وهي حزم ضوء لا تستحي فتخفي ما بداخلها في الظلام، تقول: أنا الحقيقة!.. أنا في داخلي غبار كثيف يقرِّح، ويقتل.. فخذوني وانظروني أو تجنبوني فأنتم أحرار.. فيلعن الناس حزمة الشمس، ففيها الغبار الصريح، ولا يلعنون الهواء الرطب الداكن، فهم لا يرون غباره، بل ربما يعلمون أو لا يعلمون أو لا يريدون أن يعلموا أن ذلك الهواء الرطب الداكن ممزوج بالوحل وبيض الديدان وألوان العفن وبقايا دسائس البشر.. الناس تدخل المخازن، تشتري قمصاناً وبناطيلاً وجوارب وأحذية.. وأنا لم أستطع شراء حتى جورب واحد.. فحيثما أذهب، أقلب الجورب، أرى تفاصيله من الداخل، وأسأل الناس رأيهم، يسفّهون رأيي في جورب سيء كهذا، ثم يدخلون المكان ذاته ليشتروا نفس الجورب مزيناً من الخارج.. الناس يطردونني من محالّهم، لا يريدون أن يتركونني وشأني ولا يريدون أن يبيعوني سلعة، فأنا أفضح الحواشي الداخلية، وبالتالي لا أستطيع دفع نقودي الهزيلة، وبالتالي أيضاً أمنع الآخرين من الشراء.. صرخ أول قرمية قابع في أول محل في أول السوق: - جاء الوباء.. رأيت بعض الباعة يتحصنون خلف متاريسهم، وآخرون يصكون الأبواب،.. وبعضهم يقرر أن ما باعه اليوم يكفي ويغلق المحل نهائياً ويختفي بكيس ليراته داخل سيارته ويتجه إلى مكان آخر…
* * * ما زالت ثيابي التي خاطتها أمي معلقة في الخزانة الخشبية العتيقة، وكنت على قِدَمِها، أنظر إليها بإعجاب، وأتمنى لو أن مقاسها يناسبني.. مبدأ الإعجاب كان يرتكز على أن كل قطعة من تلك الألبسة يمكن أن تلبس على الوجهين، فهي جميلة من الخارج والداخل، والداخل والخارج، لونها غامق للشتاء وفاتح للصيف، وكانت أمي قبل أن ترحل تحدث جاراتها بأن نصف عمرها كانت تقضيه في تنظيف الأشياء من داخلها.. عندما جلستُ الظُّهر في مطعم محشو بالذباب لأتناول وجبة من أضلاع الفئران الميتة، تأكدت من أن ملايين الكائنات التي لا نراها تسكن تحت الطماطم التزينية وتنتظر أمعاء حية لتهرش فيها.. صحن الطعام جميل مزين يلتهمه الآخرون بشراهة الذئاب.. ولكنني كنت ذا خبل إذ انفلت من قيد المكان وانسحبت، وجرى خلفي الرجل صائحاً: - أنت لم تدفع!.. فصحت مثله: وأنا لا أدفع لطعام لم يدخل جوف بطني.. طعامك يا أخانا مليء بقيء الذباب… فضل الرجل أن يعود أدراجه قبل أن أتابع حديثي المرتفع كيلا يسمعه الملأ.. مشكلتي أنني أفكر دائماً بالأشياء من داخلها.. هكذا هي بالفعل، ولكي أطمئن، لا بد لي من قلب الأجربة لرؤية دخائلها، وكل ما في هذا الكون جراب.. فالجورب جراب، والقميص جراب، والبنطال جراب والثوب جراب والحذاء جراب والأفعى جراب والشاة جراب والثور جراب والبيت جراب والسيارة جراب والشركة جراب والثمرة جراب.. والإنسان جراب.. قلت لصاحب محل صبور ذات مرة .. لو قلبنا كل ما لديك من بضاعة على قفاها وعرضناها للناس، أفلا تكون أكثر صدقاً.. فأجابني ما بين مستهزيءٍ ومفكر : - وهل هناك من يشتري بضاعة كهذه!.. فأجيبه وعلى وجهي ابتسامة اليقين: - أليست هي نفس البضاعة التي تبيعها الآن!.. أنت كومة من الغش، أنت وكل جيرانك.. فقد الصبور صبره وجرى خلفي بعصا.. * * * قال المثل الشعبي: - "اكسر على أنفك بصلة!.." وأنا قد فعلتها .. كسرت على أنفي بصلة واشتريت من تلك الثياب.. وجلست في مقهى، فرحب بي الحضور منتصبين، وحادثوني ولاطفوني، ومدحوا ثيابي وذوقي وتوقعوا أن أكون رجلاً ذا شأن فتقربوا مني وأطالوا مصافحتهم ليدي المباركة.. وبعد أن دغدغوا مكامن المتع عندي في الجاه والتملك والرغبات الأخرى، استيقظ في داخلي الحيوان الأعور الذي لا يرى الحقائق إلا بعين واحدة، هي عين الحقائق.. فقلبت كل ألبستي على قفاها، وأبقيت على ماركة الثياب ظاهرة للعيان.. انفض الجميع وعلى جباههم شحوب واستهجان، إلا صاحب الماركة العظيمة الذي بدأ يلاطفني، عارضاً علي مبلغاً من المال مقابل أن أبيعه أو أعطيه، أو أخفي، علامة الماركة التي تحمل اسم بضاعته واسمه!… * * * - حَلَّ الوباء!.. - اللهم يا دافع البلاء!.. - البلاء غضب الله على البشر!.. - صلّوا لله ليرد هذا البلاء عنكم!.. حديث الناس، صلواتهم، دعواتهم، نفقاتهم، كانت كلها من أجل دفع البلاء.. والبلاء هو أنا الذي يريد قلب كل الأشياء من ظاهرها إلى باطنها!.. لم تكن هناك طريقة لعقابي، فالقانون لا يعاقب رجلاً ينظر إلى الأمور من داخلها، والشرائع لا تعد بجهنم لرجل يقلب الجورب كي يرى رقعه وخيطانه المدلاة وشكله المفجع!.. وكنت ربما الوحيد من دون الناس الذي يحب ذلك، فالآخرون يتحدثون عن أضرار التدخين بكل الوسائل، ثم يدخنون جهارة أو خفية!.. ويتحدثون عن فسق الليالي وخيانات الأزواج والزوجات وعن الفجيعة في السحاق واللواط، ويمارسون كل العهر في جراب الليل.. ولأنني كنت وحيداً قالوا إني مجنون!.. وقالوا إني وباء!.. ومن قدر المجنون أنه لا يخفي جنونه، فرفعت شعاري قائلاً للناس- وأنا في حالة عري وجوع- - يا ناس: اقلبوا الأمور تروا الحقيقة!.. اقلبوا الجورب كي تروا الوجه البشع للجورب.. ضعوا كل شيء في كل الواجهات مقلوباً، أخرجوا الحشو إلى الخارج!، أخرجوا الحقيقة إلى الخارج.. علقوا أنموذجاً من كل شيء.. وعلى كل بائع سلعة أن ينتصب ساعة كل يوم وأحشاؤه ظاهرة للعيان!.. على الناس أن يعرفوا كيف يفكر البائع، ولايكفي أن يروا ابتسامته!.. ماذا يدور في سيالته العصبية، وكيف يخفق قلبه ويسيل لعابه وتتحفز مفاصله وهو يرى شاة تدخل مكانه بجذب الألوان والروائح والكلمات.. قلت ذات مرة: لو رأيتم ما يجري داخل الشخص من تفاعلات وهو ينتظر الفريسة، لعلمتم أنها نفس الأشياء التي تجري داخل ذئب، مع فارق واحد هو أن الذئب لا يعرف كيف يبتسم!.. على كل شخص، أن يقف مرة واحدة، ساعة واحدة في العمر عارياً مقلوباً كالجراب ليراه الآخرون ويعرفوا دخائله، وعلى كل الآخرين أن يحملوا في أيديهم مناظير ومكبرات، وسماعات، ومتحسسات للروائح، فقدراتهم العادية لا تكفي لكشف خفايا وخبايا ذلك الشخص الذي أراد دوماً أن يخفي مكنوناته ونواياه وخططه الذئبية،.. لو وقف تلك الساعة مجرموا الحروب، لما استطاعوا إبادة الناس وسحق قلوبهم وأطفالهم تحت شعارات الحقوق التاريخية المزيفة،.. ولو وقف تلك الساعة كل الناس لكان الحياء كافياً ليكبت رغبات ابتلاع الآخرين ببساتينهم ووهادهم ومائهم وترابهم.. لو وقف الناس في الساحات يعرضون الكم الهائل من جراثيمهم الساكنة في دمائهم ومخاطهم وبرازهم، لعرفوا أن بذور الموت فيهم منذ ولادتهم!.. * * * منعوني من دخول السوق.. رشوا الديتول في الشوارع والـ ددت في الهواء، وسوروا المكان بالأسلاك الشائكة وكتبوا على الأسوار أن الوباء ممنوع دخوله.. فبقيت هناك على رأس التلة مكوماً تحت ظل شجرة أنتحب أياماً.. ثم قررت أمراً: لبست ثياباً دون أن أقلبها، لمعت قدمي كالحذاء الجديد، سرحت شعري وأخفيت القمل فيه، أضفت نظارة وعطراً وخاتماً وساعة وقلماً، ومشيت مشية الطاووس الزاهي.. تقدمت من باب السور وطرقته بثقة وكبرياء: - افتح يا بني!.. فأنا الذي سأجلب الثروة لسوقكم!.. نلت من ترحاب رجالات السوق وشخوصها اللماعة المكتنزة بألف نوع من الديدان، نلت منهم ترحاباً، وأجلسوني في الصدر.. رحبوا بي مبتسمين كما يبتسمون لخرج ذهب على حمار، أو كما يبتسمون مشدوهين لفخذي راقصة ذات أرداف ككثبان عالج كما وصفها المعري ذات يوم.. ابتسموا وطردوا صغار المشترين، وجلبوا لي أكوام الورود المنقطعة عن مائها وترابها، ودقوا لي إيقاعات وأهازيج الترحيب، وتنازعوا على الجلوس إلى يميني وإلى يساري، وقدموا لي عصير الفاكهة المثلجة، مع أن الفاكهة في طبيعتها لا تُثَلِّج عصيرها، وقدموا لي مشويات الضأن، مع أن الضأن لا تعرف كيف يتم شواء لحومها،.. وقدموا لي انحناءاتهم الرأسية والعنقية واليدوية والساقية، وبين كل ذلك يقبع جوف واسع جاهز لأعطياتي وهباتي ومشاريعي وكلماتي المصنوعة من ذهب.. فرحت كطفل يرى ألعابه البلاستيكية تتحرك، ويرى قطيطته تموء عمياءَ من أجل ثدي ترضعه،.. فرحت فرحاً علمت أن بعده عاصفة تحطم كل شيء.. عاصفة تحمل إعصار المد العاتي.. * * * وقف البائع الذي طردني، وقف بين يدي، يردد أبياتاً من الشعر، ويحلف بالقمر والنجوم كيف كان البعد عني حامضاً، وكيف أن لقائي صار حلواً،.. قلت لهم: - افتحوا الأسوار!.. ركضوا يفتحون الأسوار يصيحون صيحات أبناء آوى.. أبناء آدم.. - اتركوا الأنهار حرة!.. ركضوا يفتحون البوابات للأنهار تسقي.. - اجعلوا النوافذ مشرعةً!.. - تسابقوا في تهشيم الزجاج.. قال أحدهم لآخر: - ولكن متى سننال من هذا الغني مبتغانا، وينال منا مقتله!.. أجاب الآخر: - اصبر قليلاً فعندما يحل الظلام نأخذ كل شيء!.. * * * تابعت أوامري: - املأوا الشوارع نوراً!.. فاصبحت الطرقات مبهورة بقناديل الشمس، - ازرعوا الحقول دون أن تغوطوا فيها.. شاهدت بعضهم تحرك، والآخرون لم يفعلوا.. فتابعت: ..- اسقوا الشجرات دون أن تبولوا عليها، اقطفوا الأثمار واغسلوها، صنِّعوا المعامل ولا تستنشقوا غازاتها،… لم يتحرك الكثيرون.. ..- اقتلوا أحقادكم واستبدلوها بالحب!.. لم يتحرك أحد.. ..- اجعلوا دخائلكم مثل ظواهركم!.. نظروا في وجهي.. ..- اكتبوا وقولوا مثلما تفكرون!.. حدقوا في عيني!.. ..- اقلبوا جواربكم وأجربتكم لتظهروا حقيقتها ولا تخشوا أو تخجلوا من الحق والحقيقة.. فهي طهارتكم!.. .. تجمعوا حولي، بعضهم وضع يديه على عنقي، وبعضهم الآخر انهال علي بالضرب المبرح بعصيٍّ غليظة.. * * * عندما بدأت أتحرك، وآثار الدماء من حولي، وأغصاني مشلولة مبعثرة، عندها أدركت وحيداً، أن مئات بل ربما آلاف السنين قد مرت سريعةً، وأن ما يحيط بي ليس إلا غابة أشجار خضراء تطال الشمس،.. بدأت أعضائي المبعثرة تتجمع والمشلولة تنشط ووجدتني أنهض من جديد لوني بلون تراب الأرض وشجرها، وصوتي من سريان النسمة في الوادي العذري.. تحركت ومشيت باتجاه السوق.. وقفت عند المدخل الذي كان بوابة تحيط بالسوق كله،.. وجدتهم يبتسمون حتى الأكباد، وعلى صدورهم جميعاً تُعَلَّقُ خارطةٌ لكل أعضاء الجسم مع تفاصيل عن ضربات القلب وانفتاحات حويصلات الرئات، وسيالات الأعصاب ومراكز التحريك والتفكير، وكل ما تحتاجه لتعرف من هو هذا الواقف أمامك.. ابتسمت راضياً سعيداً.. نظرت إلى الواجهات، فرأيت القمصان والبناطيل والجوارب كلها معروضة على مقلوبها.. -=-=-=-=-=-
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|