ألف باء جدتي
(الكرّاجة)
جدتي بُنيّة ٌ مرضت في العين منذ قرن ٍ فات ، فأخذوها إلى شيخ الكُتّاب يُرقيها، فاستمر الألم يلسعها ويضنيها . أخذوها إلى الحلاّق ، ثم إلى العطار ، ثم إلى الختّان ..
وبقيت جدتي عوراء لباقي العمر !
ولأن ماحدث لجدتي كان يمكن أن يحدث للأولاد وللأحفاد ، فقد راحتْ تركضُ أو تهرول من حقل الغرب لحقل الوادي لترعى الأرض َ والنعجة وصغارها المحمولين على الأكتاف أو في الأحضان .. لتمنع عنهم غائلة العدوى والأيام العجفاء، ولتمنع عنهم وزر الهجّامين وأبناء الأحياء ، ولتحثّ الأطفال على الدراسة، فقد كانت تبكي من يوم ٍ شدتها فيه أمها من شعرها من عند الكتّاب لتمنع عنها قراءة الكلمة ، وتسقطها عند الرجل الأول ، لتتعلم كيف تنام تحت الرجل وكيف تحلب النعجة وكيف تجني الزيتون وكيف يلعلع صوتُها في أرجاء الوادي وتلال الغرب ..
ولأن على جدتي أن تكرج نزولا ً وصعوداً في طرقات التل وزواريبها ، مسرعة لتلحق الابنَ والأحفاد والأرض والغنمات والدار والزيتونات.. فقد قامت عند الصبح تسبح الله ، ثم تروِّب اللبنات ، ثم تهرع إلى الشجرات ، ثم إلى البنات ، ثم إلى الأحفاد ثم تحث القاصي والداني على القراءة والكتابة ، ثم تحكي لنا قصص الناس المحكية منها والمنسية .. لذا فقد كان عليها أن تركض دوماً بل أن تجري ..
جدتي ما عرفت غير الطيران من غير جناحين ، والسعي بين التلة والوادي ، ففي كل يوم ٍ تسعى بينهما ، كأنها في مشاعر حج ٍ دائم ..
ولأنها تكرج في الطلعة والنزلة كالدراجة ..
فقد أطلق عليها أهل التل اسم ( الدراجة ! ) .
∞∞∞
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
مدخل إلى بعض قصص
الموجودة في
هذا الموقع..