شباط 2008 نيقوسيا
الزيتون المرّ
تتحدث الحكاية عن شجرة زيتون قديمة وحيدة منعزلة لايُعرفُ من زرعها ، رغم الاعتقاد السائد أنها بدأت تترعرع مع بداية الحرب الأولى . يتحدثون عن عظمة تلك الشجرة وهيبتها ، وفروعها التي تغطيها القشور الضخمة المشققة التي تحكي آثار السنين .
تقع تلك الشجرة على رابية هائلة ممتدة من التراب والصخور الناتئة كالسكاكين ، في مكان ما شمال البحر المتوسط .
∞∞∞
التقيت رجلاً مسناً، حيث يبدو أنه أتى إلى العالم في الوقت الذي انبثقت فيه شجرة الزيتون تلك على تلك الرابية.
نشأت صداقة بيني وبين ذلك الرجل ، وقد تبادلنا الأحاسيس والاحتياجات ، فقد حاولت أن أقدم له بعض السلوى في عمر فيه الكثير من تراكمات الدهر الثقيلة على جسم واهن ، وهو حاول أن يقدم لي بعض حكايا الدرب الطويل المليء بالقصص والمفاجآت والخبرات ، وكذلك الأفراح والدموع ..
∞∞∞
حدثني عن رحلاته ولقاءاته وخبراته ولغاته ومغامراته.. حدثني ساعات عن الكثير من السنين في الكثير من المواطن ، حتى كاد يستعيد شريطاً طويلاً جداً من الذكريات التي يرغب أن يعيشها من جديد .. ولكنه أبداً لم يحدثني عن سر الدموع في عينيه !.
∞∞∞
يذكر أنه وُلِد في بلاد الشام ، وسرح في بلاد الأناضول ، وترعرع في شمال المتوسط ، ثم ارتحل حتى تعب من الترحال ، فحط الرحال أخيراً في قلب المتوسط ! . جلس يستعيد ثم ينتظر . كان انتظاره طويلاً ، ومحبته للحياة كبيرة كأي كائن في هذا الكون ..
تحدثنا في الخلق والأفكار والمغامرات والحق والباطل والمرأة والمجتمع والأدب .. تحدثنا عن تاريخ الأوطان والإنسان ، كما تحسرنا على أزمان مضت . ضحكنا وبكينا وتعاتبنا وتشاركنا في ضيافة صديق يتركنا من أجل زبون تجارته ثم يعود إلينا .. ضحكنا عندما تحدث عن مفارقاته ، وبكينا عندما تحدث عن مآسيه ، وارتجفنا عندما تحدث عن مخاوفه ! .
لكنني مانسيت أبداً أن مامضى قد مضى ، وما أحاسيسنا إلا لخوفنا من أن تستعاد تجارب مثيلة لتلك ! .
∞∞∞
أيام وهو يحدثنا راعش اليد معتذراً عن عدم الدقة في التعبير أو عدم السيطرة على الذاكرة الخائبة . كانت قصصه فيّاضة لاتنتهي ، ورحلاته لاحدود لها.
أعاد لي عبارة معينة أكثر من مرة وطلب مني أن أتذكرها على الدوام.
قال: لقد كنت عجولاً في الحياة . كنت مستعجلاً في كل شيء ! تذكر دائماً ذلك ..
كأنه كان يريد أن ينقل لي عبرة من خلاصة تجاربه ..
سألته: كيف ترى الحياة ؟!
أجابني:
الحياة هي مثل طير يدخل في نفق طويل مظلم ويظل يتخبط على غير هدى ، ولايخرج من ذلك النفق إلا ليسقط في حفرة لاقرار لها لكي ينتهي هناك !
عاد ليذكرني بأنه كان عجولاً في الحياة ، كما هو الطير في ذلك النفق..
∞∞∞
لن أتحدث عن قصصه الكثيرة الآن ، وربما يتم ذلك في يوم ما ، وربما أكتب الآن ما أكتب لأنه ما تأخر لحظة عن سرد قصة ذات دلالة تعليقاً على موضوع ما ورد في استطرادات الأحاديث.
سألته فيما إذا سمع أي شيء ، من خلال مغامراته البطوطية أو غيرها ، عن شجرة الزيتون تلك ! . أجابني على الفور:
- أعرف تلك الشجرة . مررت بها وأنا فتيّ . وحيدة تمتلك الرابية الهائلة ، التي ماكنت أعرف لأية دولة تنتمي ، فالحدود تضيع أثناء الحروب والمجاعات والفاقات والفوضى ، ويبقى اللهاثُ وراء النجاة هو المهيمن على كل حركة أو سكنة أوخلجة أو نبضة ! . كنا ، أنا وصاحبي فارّين ضائعين على غير هدى ، دون سبب نعرفه أو غاية ندركها !.
رأينا على البعد شجرة ضخمة متسعة الفروع في منطقة غريبة كأنها منابع الشياطين تبرز فيها أنصال الصخور الصلدة بين هشاش التربة ، فهرعنا إليها مقتربين علنا نجد ثمراً ما ، وإذ بنا أمام شجرة زيتون طاغية تحمل حبات سوداء لامعة . وضعت حبة ً واحدة في فمي أذوقها وإذ بها أشد من العلقم مرارة ، فانتفضت وألقيتها بعيداً ، غير أن مرها الشديد كان قد التصق في فمي وسرى في دمي . هرعت كالمجنون أبحث عن ترياق ، غير أن الترياق لم يكن موجوداً ، وإيجاده كان أمراً مستحيلاً .. فبقي المر في فمي ومازال حتى اليوم وحتى أبد الآبدين !
قال لي رجل وقتها ، وقد كان في مثل سني الآن:
- إنها شجرة مرارها شديد ، دائم مديد ، لايزول أبداً ، ولذا فقد أسميناها شجرة الحياة ، فطعم مرارها مثل طعم الحياة !!!
∞∞∞
سكت صاحبي طويلاً جداً حتى كدت أوقن بأنه قد نام بينما انتقلت أصابعه إلى شفتيه ليتلمظ المرار ثم يمسحه ، ثم يعيد الكرة بينما تنهال الدموع من عينيه !
احترمت انكفاءه إلى الماضي ، وصمته وآثار السنين ..
أسندتُ ذقني إلى يدي وأغمضت عينيّ ورحت أحس بطعم الزيتون المر ينبت ويترعرع في داخلي .. رأيت شجرة الزيتون تتمسك بحباتها المرة في فصول العمر ، ولا تلقي بها إلا في موسم الثلوج والأعاصير ، حيث لايكون أحد هناك يرى الذي يجري . هناك حيث تطرح ثمارها المرة تنبت شجيرات فتية تطرح ثماراً مرة أخرى ، تغزو العالم فلا يبقى هناك منفذ للشمس أو للريح ..
لكنني وعلى التوازي ، رحت أحلم بالحبات المرة يغسلها الثلج وتطهرها الأرض وتمتص المر الذي فيها ، فتحولها إلى حبّات طيبة تخلق الحياة الطيبة من جديد !
لو تحققت أحلامي فسيكون من واجبي أن أبحث جاهداً عن تلك الثمرات الطيبة أنتقيها من بين الأشواك والصخور والأوحال الجارفة..
وعلى الحياة أن تقف على الميزان إلى أن أنجح في مسعاي ذاك أو أفنى دونه ! ..
∞∞∞∞
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|