عودة لصفحة الأدب

    خارطة الموقع أرض ُ الأقحوان New جديد
لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

الشوك في الصدر

القسم الأول   القسم الثاني    القسم الثالث

القسم الثالث

مخاطبة العقل الباطن

القسم الثالثمخاطبة العقل الباطن من خلال ثلاثة عشر موقفاً

1- اكتساب العادات الحميدة      2- الاسترخاء

3- النظافة الخارجية والداخلية   4- حوار ذاتي حول الكوامن

5- التخيل الإيجابي              6- فلسفة الصمت

7- سحر النوم                   8- الشعارات

9- التأمل                      10- التوازن

11- الممارسة الإيجابية        12- الإيمان

13- جمع الأساليب

.. وعلى هامش الكتاب..

 

   في تقديمي لهذا القسم الهام من الكتاب أقول..

إن القلق يثير التخبط والجهل والمرض والفاقة والجريمة والعذاب ويعيش معها جميعاً في حلقة مفرغة..

   وإن التوصيات البسيطة التالية هي أفضل علاج حقيقي للقلق فيما يبدو.. فيما لو أخذناها على محمل الجد، وثابرنا عليها بقلوبنا..

 

   الرؤية الأولى:                         

اكتساب العادات الحميدة:

أو باللغة الدارجة (تكوّن العادة). كلنا يعرف تجربة بافلوف التي عوّد فيها كلباً أن يأتيه الطعام الذي يشتهيه كلما سمع صوت الجرس. بالتكرار، أصبح لعاب الكلب يسيل لمجرد سماع صوت الجرس، وذلك نظراً لارتباط قرع الجرس بالوجبة الغذائية المقبلة حتى لو لم تأت تلك الوجبة.. بالطبع لو أن تجربة بافلوف استمرت بقرع الجرس مرات ومرات دون أن يأتي الغذاء لماتت العادة الأولى، وأصبح بتكرار التجربة، قرع الجرس لايعني مجيء الغذاء لدى الكلب، وبالتالي لايسيل لعابه.. بمعنى أن العادة تصير بالتكرار وتزول أيضاً بالتكرار..

   كلما التقى حفيدي بجدته يتخلص من قبلاتها مسرعاً إلى محفظتها يتفحصها فيجد فيها بعض الحلوى يأخذها لجنب ثم يلوكها. لم يكن الطفل يسرع إلى جدته حباً بالقبل بل حباً بالحلوى.. وعندما لم يجد الحلوى مرة قابل جدته بشك، وعندما لم يجدها مرة أخرى قابل جدته بفتور، وعندما لم يجدها مرة ثالثة قابل جدته ببرود.. وفي المرة التالية كان عليها أن تغريه كي يفتح حقيبتها .. ولكنه عندما وجد الحلوى من جديد عاد إلى حماسه من جديد..                    

للحفاظ على عادة جيدة لابد من الحصول على جائزة من وراء هذه العادة.                            

عندما ندرك أن استيقاظنا المبكر مثلاً يعطينا متعة النقاء والصفاءوصوت العصافير والنشاط والإنجاز الأفضل.. عندما ندرك أن هناك مصلحة حقيقية، فإننا نتغلب على نومنا وكسلنا ونستيقظ باكراً..                                    

فلاحنا يستيقظ باكراً لأنه يدرك معنى ذلك بالنسبة له ولحقله ورزقه.. وبعض موظفينا ينامون ماوسعهم النوم الصباحي لأنه لافرق لديهم في الراتب، وحتى إذا جاؤوا على موعد الدوام فلارغبة منهم بل خوفاً من العقاب.            

نحن بحاجة لأن تصبح العادة الجيدة رغبة لاقسراً. إذا كانت قسراً فهي تسبب القلق، وإذا كانت رغبة فهي تسبب السعادة.. وهناك فرق شاسع بين الحالين..                  

    إن هناك العادات الطيبة التي يعرفها جميعنا وهي التي أمرت بها الأخلاقيات العالية والديانات والمثل والقيم الإنسانية الرفيعة والتي يتباهى بها أي فرد حصل على قسط من معرفة الحياة بأبعادها..                                           

    إن اعتياد العمل والإنجاز والصدق والابتسامة هي أمور مريحة لك وللآخرين، ومجدية في النتيجة في مجتمع يتهادى السعادة بين أفراده. وبالتفصيل الأكثر فإنك إن اعتدت على يومك تعيشه بطريقة مجزية أكثر من زاكي الذي تحدثنا عنه سابقاً ، وإن نظمت أوقاتك، ووصلت الأطياب من الناس أقرباء وغير أقرباء، وأوثقت روابطك بالطيب لابالخبث ، وبالشجرة والماء والهواء أكثر من الإسمنت والإسفلت والدخان،.. إن اعتدت على يومك تعيشه منظماً بليونة، نظيفاً من الداخل والخارج، فإنك ولابد قاهر للقلق ومساعد للآخرين في أن يفعلوا ذلك. باعتيادك على كل ماهو جميل بالتكرار، يصبح التطبع فيك طبعاً وتتجاوز بذلك مقولة أن الطبع يغلب التطبع، حتى أنك لو ورثت بعض الطبع السيء فإن التطبع المستمر والمُغذى ، وبخاصة إذا لقي استحساناً لدى الآخرين فإنه يحفر في وجداننا وعقلنا الباطن إلى أن يصبح طبعاً.. ولاننسى دائماً أن العادة الجيدة، حتى لو كانت مكتسبة، فإن لها جزاؤها وجائزتها، وأحسن تلك الجوائز هي راحة النفس من الداخل.. إضافة للمقابل الجميل من معظم الناس. 

           

  الرؤية الثانية:

الاسترخاء:

    أذكر ونحن في بداية الدراسة أن معلمنا حدثنا عن الغضب. رسم لنا صورة الغاضب على هيئة شيطان ذي وجه بشع وقرون صغيرة. ونصحنا أن ننظر إلى المرآة عندما نغضب، ثم نردد تعويذة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم نجلس إذا كنا منتصبين، ونتكيء إذا كنا جالسين، ونستلقي إذا كنا متكئين، وقال إنه لم ير في حياته مستلقياً غاضباً.

  عندما نهدأ بعد ثورة الغضب نقول: لعن الله الشيطان.. بعنى أننا كنا نساق للخطأ دون وعي منا.. ولذا فإننا نلقي اللوم على الشيطان في النهاية.. والشيطان هو الذي في داخلنا، بعنى أن قهر الشيطان لايأتي إلا بالحلم.. والحلم لايأتي إلا بالهدوء ، والهدوء لايأتي إلا بالاسترخاء.                                          

   إن الغضب ليُخرج الإنسان عن حكمته،حتى أن القوانين تركت هامشاً لمرتكب الخطأ والواقع تحت تأثير الغضب الشديد بسبب الإهانة أو الخطر، فخففت عنه المسؤولية..              

  ولكن حتىفي هذه الحالة المتطرفة فإن الحلم المترافق بالاسترخاء يجعلك تتخذ قرارات صائبة تؤدي لنتائج أفضل.

1- إذن فأول الوصايا للحصول على الاسترخاء هو تغيير الوضع الجسدي.                                      

2- ثم انتبه إلى أن الحالة الراهنة هي حال مؤقتة تزول خلال دقائق أو ساعات، وأن المواقف تتبدل بتأثير الزمن، وبتأثير عوامل كثيرة أخرى.                                        

3- ثالث الوصايا أن تتابع بذهنك العضلات المتوترة في جسدك  فتحاول إرخاءها مباشرة.. ربما كان كتفاك مشدودتان، أو    قبضتاك أو فكاك أو أي من عضلات وجهك الأخرى.. تنبه لها واعطها أوامرك بالاسترخاء.                            

4- تنبه إلى تنفسك فهو متسرع في حالات التوتر فاجعله أكثر هدوءاً وعمقاً.                                               

5- التمشي عامل مهديء.                                    

6- الماء عامل مهديء بأية صورة تعاملت معه.              

7- الابتسامة عامل مهديء.                                  

8- هناك الكثير من العوامل المهدئةالتي لاتعد ولاتحصى، مثل الربت على الظهر، ومثل الكلمة الطيبة، ويمكن اكتشافها بنفسك.

9- إنني هنا سأحدثك عن طريقة عملية تجلب الاسترخاء وخاصة في الأوقات الصعبة:                               

  في لحظة ما تحس أن الخطأ فادح، والمصيبة كبيرة، فتتشنج عضلاتك، ويطرق قلبك بين ضلوعك بشدة وبسرعة وتتهيأ للانقضاض عادة.. في هذه الحالة تذكر النقاط التي أسلفناها وتأكد أنك لست في وضع يسمح لك بالقرار السديد الذي لاتندم عليه لاحقاً.. ولذا فاسمع نصيحة من حولك: اهدأ يارجل. سم بالرحمن.اجلس. اشرب بعض الماء. استلق.  ثم انزو إلى غرفة أو جانب ما، وألق بنفسك على الفراش أو حتى على الأرض كخرقة.. أقول الق جسدك على الأرض كخرقة.!. ارخ كل الأحزمة والأزرار المشدودة.. خذ نفسين عميقين أو ثلاثة، وكذلك كلما أحسست بالحاجة لذلك، وبالطريقة التي يرغب بها جسدك.. إن أفضل وضع مريح لك ولكل أعضائك هو وضع الجثة.. أي أن كل عضو يرتحي على هواه وأنت مستلق على ظهرك ويدا ك ممدودتان منبسطتان. مثل الجسد مثل الخرقة المرمية التي ليس في داخلها مطّاط يشدها. استلق أنت بلا مطاط مشدود في داخلك أو خارجك. ولتتأكد أنك في هذا الوضع بتمرير ذهنك على كل عضلات جسدك وتأكد من أنه جميعها في حالة ارتخاء واستسلام مطلق ليس في داخلها أي نوع من أنواع التوتر. إن ماسيساعدك على تحقيق ذلك هو حالة الهدوء الشامل حولك والهواء النقي والنظافة العارمة.                                              

     إن حالة الاسترخاء الكاملة تقتضي تفريغ الذهن أيضاً، وهو أمر صعب لكنه ممكن من خلال الممارسة والتعود. أفرغ ذهنك من كل شيء، ولكي تستطيع ذلك قم بالتركيز على شيء ما .. بعضهم يرى أن تركيز ناظريك على بؤرة ضوئية ضعيفة، أو حدود شيء صغير.. ولكن الذي أفضله هو التركيز على أنفاسك. عدّ أنفاسك وركز ذهنك فيها ، وكلما شردت عنها أعد التعداد إلى أن تحس أنك غرقت في ضوء يشع من داخلك وأنك ترى الأمور بطريقة مختلفة. عندها تقول أنك قد حصلت على الاسترخاء.   

÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷ 

 

   الرؤية الثالثة:

النظافة الخارجية والداخلية

 من أجل أن تحقق استرخاء جيداً حقيقياً لابد من نظافة جسدك. إنه يمكن الاسترخاء في كل الحالات ، لكن الاسترخاء لن يكون مجدياً وأنت مضطر لحك جلدك بين الفينة والفينة أو أن رائحة جلدك غير مستحبة، لأنك وأنت في حال الاسترخاء تصبح أقدر على الإحساس بجسمك ورائحتك..                              

   لكن الأهم من نظافة الجلد هي نظافة الجسم من الداخل. اعتمد الثياب النظيفة ذات الرائحة الخفيفة والفضفاضة، وتهيأ لنظافة الداخل، وأنا هنا لاأعني النظافة الأخلاقية بل النظافة الجسدية الكيماوية بشكل رئيسي.                                

  لابد وأنك قد أحسست في وقت من الأوقات بأنك غير مرتاح رغم أنك مستلق على الفراش بليونة ولاشيء في الظاهر يزعجك، لاضوضاء ولا غبار ولا ثرثرات.. إن عدم الراحة هذا قد يأتي وكثيراً مايأتي بسبب عدم توفر نظافة الداخل الكيميائية والفيزيائية أيضاً.. وأسوق لك أمثلة تعرفها غير أنني أذكرك بها. أنت مثلاً لاتستطيع الاسترخاء الجيد ومداخل وقنوات الأذن مليئة بالمفرزات. أنت لن تستطيع الاسترخاء الجيد وقناتك الهضمية محشوة بالطعام وأمعاؤك مليئة بالغازات والفضلات. إنك لن تنجح في استرخاء جيد ونسبة السكر في دمك مرتفعة أو منخفضة، أو نسبة الشحوم أو حمض البول.                                  

   أتعلم ماهي أفضل طريقة للحفاظ على نظافتك الداخلية، وكذلك توازن الجسد ؟ إنها أبسط الطرق..وأرخصها كلفة.. ليس الدواء هو أفضل الطرق في الأحوال العادية.. ليس المسهلات، ليس المسّاجات، ليس المنحفات.. إنها ببساطة شديدة  " إعطاء الجسد الفرصة الحقيقية ليعمل على راحته ويقوم بتنظيف نفسه بنفسه !." إنني أشبه جريان الحياة في الإنسان بجريان النهر . وإلقاء الأدوية والمعقمات في النهر مثل إلقاء الأدوية في الدم. يجب أن ننظر في مسببات مرض النهر .. لماذا تقيح النهر، ولماذا تتصاعد أبخرته النتنة في الجو ؟  ألم تلاحظ مرة مريضاً تفوح منه رائحة مميزة ؟ إن تلوث الجسد يدفعه إلى إفراز مضادات وتوليد ردود أفعال، وهو في كل الأحوال بغنى عن التلوث والمضادات الاضطرارية فيما لو عاملناه المعاملة التي يجب والتي يستحق.                                            

   إن أفضل الطرق وأبسطها وأرخصها ، بل هي مجانية تماماً، بل هي مجزية أيضاً، هي إعطاء الجسد فرصته كما أسلفنا. لقد آمنت أن الله وهبنا جسداً رائعاً فيه كل الميزات وكل القدرات الكامنة الجاهزة للتعامل مع الحالات العادية والطارئة ، والتي تهيؤه للحياة الطويلة الممتعة المريحة ، ولكننا نحن الذين نثقله فوق طاقته، مثله مثل المركبة المهيأة لحمل طن واحد فنثقلها بطنين، وهي مهيأة لنقل الخضار فننقل فيها الحجارة، وهي مهيأة للعمل على الطرقات فنجعلها تعمل في الأوحال..               

  ولإعطاء الفرصة الحقيقية للجسد عليك أن تلغي الأعباء الإضافية التي تلقيها عليه بدون سبب ، ومنها الطعام. فكما أن القوانين تفرض منع حمولة زائدة على السيارة، وتمنع إلقاء الأوساخ في الأنهر ، كذلك على القوانين أن تفرض منع إدخال الطعام الزائد، وغير المناسب للجسم.. وإلى أن تصدر مثل هذه القوانين، عليك أن تكون أنت قانون نفسك ، كما أنه عليك أن تفرض أموراً أربعة في الطعام: كميته، ونوعيته، ومواعيده، وطريقة تناوله.                                                 

- ثلث لطعامك وثلث لشرابك وثلث لنفسك.. ونحن اعتدنا أن نأكل ثلاثة أضعاف مانحتاج إليه والسبب هو بحثنا عن المتعة السيئة ! . أقول لك ياصديقي إنك تستطيع الاستمتاع بثلث الطعام أكثر منه كله لو مضغته جيداً وتحسسته بالطرق البشرية. عليك أن ترفع شعاراً يقول : كل وتلذذ ووفر مالك.. اعط جسدك مايحتاج بأقل المصاريف.

- أفضل الطعام هو ما جاء طبيعياً في وقته وموسمه !. لايغرنك غلاء السلعة فتلك أمور خاضعة للعرض والطلب، والسعر لم يكن أبداً في المطلق علامة الجودة، ولاتغرنك ضخامة الثمرة، فربما لم يكن نموها من ذاتها بل بسبب عوامل خارجة عنها.. ولاتغرنك الثمرة المغلفة المستوردة باهظة الثمن، فهي قد زُ ينت ليس من أجل فائدتك بل من أجل النقود التي في جيبك !.

- لاتظنن أن جسدك آلة لاتتعب !  أو أن قناتك الهضمية معمل من صلب ليس بحاجة لفترات تناوب من الراحة والعمل.. فكما أنك لاتستطيع العمل يومك وليلك، فكذلك جسدك، وجهازك الهضمي بالذات، وهو طريق دخول الأجسام إلى جسمك، بحاجة لأن تلتزم بمواعيدك معه. كيف تتلقى مثلاً، وأنت  في بيتك تتمدد وتتثاءب على سريرك، وتحس كم أنت بحاجة لتلك الراحة ، ..كيف تتلقى وأنت في هذه الحال مجيء صديق، مهما كان هذا الصديق عزيزاً، بغتة وبدون سابق إنذار ؟!. ثم لو تكررت هذه الزيارة على هذا النحو يوماً إثر يوم، وشهراً بعد شهر وعاماً بعد عام !؟. .. إنك ولا شك، رغم ابتسامتك، تخفي مرارة شديدة !.

كذلك هو جسدك، سيرفض، وبالتكرار سيزداد رفضه للطعام مهما كان لذيذاً، إن لم يأت في موعده.. ارحم جسمك ياصديقي من إدخال الطعام على الطعام، ومن الاجترار الدائم !.          

- ليس صحيحاً أن المعدة تطحن الحجر، مثلما ليس صحيحاً أن الغولة تأكل القمر ! احذر الأطعمة شبه الفاسدة كما تحذر الفاسدة منها. احذر الأطعمة التي تزدردها بأقصر زمن. خلق الله الفم بأسنانه ولسانه وحليماته ليكون مدخلاً مناسباً للطعام كما هو مخرج للكلام.. عليك أن تستخدم أسنانك للتقطيع والمضغ الجيد.. اجعل الطعام يأخذ وقته في فمك إلى أن يذوب، وإنني لأحذر من أسلوب غب الجمال والقيام قبل الرجال، فأنت لست جملاً وأحشاؤك لاتطحن الشوك. اترك آلتك قوية ولاتحملها فوق طاقتها.

    لقد أوجزت ببساطة شديدة النقاط التي يجب مراعاتها في أسلوب تناول الغذاء، والتي هي أمور معروفة وتوصيات يقول بها كل الأطباء والحكماء.. والأذكياء والأغبياء..وماهدفي من ذكرها إلاّ التأكيد على أهميتها بشأن النظافة الداخلية للجسم وفيما يتعلق بالاسترخاء.                                                     

    بالطبع فإن أسلوب تناول الطعام ليس هو الوحيد من أجل نظافة الجسم الداخلية..فكما أنك يجب أن تنظم دخول الطعام كماً ونوعاً ومواعيداً وأسلوباً وتنوعاً، عليك أيضاً أن تعود جسمك أن يفرغ الفضلات بصورة منتظمة وبسهولة، بحيث تمر ساعات في اليوم يكون فيها الجسم نظيفاً من الفضلات تماماً!.               

    هل تعلم بأن جسمك لم يكن خالياً من الفضلات أبداً خلال سنوات طويلة !؟. هل فكرت في هذا !؟. عندما كنت تريد تصوير الأمعاء مثلاً بالأشعة السينية كان عليك أن لاتتناول طعام العشاء وأن تأتي للتصوير على الريق. هل لاحظت صورة الأمعاء ؟ هل وجدتها خالية تماماً من الفضلات ؟! بالطبع لم تكن كذلك.. حتى لو ظهرت كذلك فإن عليها مسحة من الفضلات لم تظهر في تلك الصورة. ماهي المشكلة في كل هذا ؟!                          

 المشكلة هي أن الجهاز الهضمي، رغم ما حباه الله من قدرة على التمييز بين ماهو مفيد وما هو ضار ، فهو يمتص الأول ويطرح الثاني، فإنه وهو شديد التعب بسبب مايلقى به من أطعمة منوعة ثقيلة بدون مواعيد وبكميات زائدة، فإن نسبة الخطأ لديه لابد وأن تزداد مع ازدياد نسبة خطئك أنت، وبالتالي فإن نسبة السموم الآتية من الفضلات التي يمكن أن تدخل الجسم تصبح أعلى  !. والعكس بالعكس،  فكلما أصبح الجهاز الهضمي أكثر راحة كلما أصبح أكثر قدرة على التمييز، وبالتالي أكثر قدرة على طرح السموم والمواد الضارة خارج الجسم.. تماماً مثل النهر الجاري الذي يستطيع استعادة عافيته بدون مساعدة إذا أُعطي راحته التي يحتاج إليها.                                        

    أقترح عليك أن تجرب الصيام على الخضار والفواكه لثلاثة أيام يلحق بها صيام على الماء لمدة يوم أو يومين. قم بعدها بإجراء صور وتحاليل تتعلق بالهضم والبول والدم.. ولاحظ الفروق..                                                        

    وكما هو الحال في جهاز الهضم، كذلك هي حال الأجهزة الأخرى. أترك جهاز التنفس ينظف نفسه ولا تحشره بغازات سامة.. يصف الأطباء الرغامى كيف تنظف نفسها بنفسها بحركات اهتزازية تخرج المفرزات واشوائب إلى الخارج..

.. كم أن الإنسان ظالم لجسده يدخل السموم المختلفة إليه جوراً وعدواناً، في نفس الوقت الذي يدافع فيه الجسد عن كيانه وإنسانه!.                                                       

    نعود إلى موضوع الاسترخاء، فالاسترخاء لايمكن أن يكون تاماً إلا في ظل نظافة خارجية وداخلية وأعتقد أن هذا الأمر بحاجة لرؤية مستفيضة، فأنت بحاجة لنظافة كليتك وكبدك ودمك ومجاريك كلها. استبدل الطعام الدسم الثقيل بطعام طبيعي خفيف. استبدل شرابك بالماء القراح والعصير الطازج ومستخلصات الأعشاب معروفة الفوائد.. استبدل دخان سيجارتك القاتل بالهواء العليل ، واستبدل هواءك المحبوس المليء بالسموم بهواء طلق نظيف. استبدل الروائح السمجة بروائح الطبيعة النابعة من الهواء الحر والنبات الحر.                                             

    استبدل الضوضاء بالصمت.                              

   كن جريئاً وواجه نفسك وقل لها إن ماتعرفه عنها من ارتكابها للأخطاء كثير وعليها أن تستبدلها بما هو أفضل. أنا أعلم وأنت تعلم أننا لسنا ملائكة، وبالتالي فلابد من أخطاء، بحق أنفسنا أولاً، ولكن علينا أن نتجنبها مع مرور الزمن كي يعمل الزمن لصالحنا، بدلاً من أن يعمل ضدنا ويحول كل خطأ إلى خطيئة.

÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷      

     الرؤية الرابعة:                     

حوار الكوامن

لقد اعتدنا أن تحكمنا كوامننا وما اعتدنا عليه كما أسلفنا، فالكوامن هي نتاج تاريخ حياتنا.. فكل مولود يولد على الفطرة، بمعنى أنه يتصرف كابن للطبيعة. فالطبيب مثلاً يعمد إلى وضع أصبعه في يد حديث الولادة، فيعمد الرضيع آلياً إلى القبض على أصبع الطبيب.. هذا تصرف فطري وكل أموره كذلك، لكنه كلما نما اكتسب مما حوله وممن حوله كل الكوامن التي تهيؤه للتلاؤم معهم .

  أول ماينزرع في كوامنه أمه ثم أسرته ثم بيئته وكذلك طريقة الغذاء والحديث والتفكير .. وهلم جراً.. تلك الأمور التي نسميها: تكون شخصيته.. حيث تظل هذه الأمور كامنة فيه تظهر عند مواجهة أمر ما .. لذا ومن حيث النظرة الأولى فإن الإنسان ابن بيئته !. يشذ ويندر من يخرج عن هذه القاعدة.. فلو درست مثلاً أسلوب تفكير وعادات مائة رجل صيني ينتقون عشوائياً لوجدت في النتيجة أنك تستطيع تعميم تلك الدراسة على ألف مليون من الصينيين بنسبة صحيحة تزيد عن تسعين بالمائة، وذلك لأن هؤلاء المائة نشأوا وترعرعوا تقريباً في نفس بيئة تلك الأعداد الهائلة من البشر !.

  كلنا يعلم أيضاً أنه لو أخذنا نظرياً مولوداً حديثاً من الصين، وآخر من الهند، وآخر من بريطانيا وآخر من السويد وآخر من وسط أفريقيا .. بحيث جمعنا بضع مئات من المواليد الحديثة ثم هيأنا لهم جو النمو بصورة مختلفة ومنعزلة عن باقي البشر، لنشأوا وآمنوا وتصرفوا بأسلوب بيئتهم المختلفة.. بمعنى آخر إن البيئات المختلفة هي سبب اختلافات البشر، وبمعنى آخر فإن البيئة هي سبب تشكيل الكوامن، فبيئتي تختلف عن تلك التي لك، لأن البيئة لاتعني مجرد الطبيعة والطقس والكساء والغذاء ، بل هي تعني أيضاً الكلمات التي تتلقنها، والعبارات التي تتردد على أسماعك، والمعتقدات التي تسود حولك.. الأنفاس التي تحس بها، والحرارة والبرودة في العواطف.. وكل شيء، كل شيء. إن كل شيء هنا تعني أنك تختلف عن جارك وعن أخيك.. مما يعني الاختلاف بين كل فرد وكل فرد..

   أنت إفراز من حولك وما حولك بنسبة كبيرة،ولا أقول في المطلق، لأن هناك الإرث الجسدي والصبغي وامتداد الذاكرة الفيزيولوجية، والتي هي أيضاً ليست بعيدة عن الموروث البيئي.

    إذا كبرنا وامتد أفقنا إلى البيئة الأوسع، ثم إلى التراث الإنساني، وجدنا أنفسنا أمام ثلاثة مواقف:

  - فإما أن نرفض كل البيئات الأخرى كتعصب لكوامننا الداخلية..

  - وإما أن نقبل عشوائياً بأية بيئة أخرى كتمرد على كوامننا الداخلية.

  - وإما أن نبحث عن توافق مابين كوامننا وكوامن الآخرين..

÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷

   الرؤية الخامسة:

التخيل الإيجابي

سؤال بسيط قد يرد إلى ذهنك ! : لمذا تم حشر الفقرة السابقة وهي تبدو فقرة غريبة عن تتابع فقرات هذا القسم !؟.

أقول إنها لم تُحشر حشراً بل وُ ضعت مقدمة منطقية لهذه الرؤية التي نحن بصددها !. كيف ؟.

  إن هدف هذه الرؤية ( التخيل الإيجابي) هو محاولة تغيير بعض الكوامن السيئة الراكدة ثقيلة في أعماقنا.. تلك الكوامن التي ازداد تشبثها فينا مع مرور الأيام. من أجل ذلك أسوق لكم من جديد مثال التدخين والمدخنين.

إن المدخن ليعلم علم اليقين، ويجهر بعلمه هذا، بأن السيجارة عدوة له إلى درجة أنه يردد: اللهم اكفنا شرها !.

ومع ذلك فإنه ينفق ماله لشراء هذا الشر !. إنه العجب الذي صار مألوفاً.. فلماذا لايمتنع عما يعرف ، وحتى يوقن، أنه شديد الإضرار به ؟!. إنه الكامن المتشبث بالأعماق.. مثله مثل أية عادة سيئة. وإن إحدى الوسائل التي أطرحها لمعالجة وإزالة ، ليس العادات السيءة وحسب، بل كل أمر مقلق ينخر في أعماقنا حتى النخاع وحتى الموت ! إحدى الوسائل الهامة هي : التخيّل الإيجابي !.

   لابد وأن قصة قد صادفتك يوماً ما، أو سمعت من قال إن حلماً قد غير مجرى حياة إنسان. ماالذي حصل ؟. إن الذي حصل بالفعل هو أن الشخص قد وقع ضمن أو تحت تأثير قوة تخيلية هائلة جعلته يعيد ترتيب كوامنه !. أو أن الذي حصل أن القوة التخيلية الهائلة استطاعت أن تدخل في تحليل الأمور  وتشف له عن حقائق أو وقائع كانت بعيدة عن عقله العادي.

   إن الحلم هو قوة تخيل شديدة التمركز، ولكن المشكلة انها غير خاضعة للسيطرة، فهي قد تستثار بتأثير الكوامن نفسها ، أو من مخاوف، أو من أحداث معينة وقعت وهي غائبة في داخلنا، أو بتأثير رغبات آنية أو مديدة، أو تنفيساً عن أمان لم تتحقق. على أية حال فإنني لن أخوض في علم الأحلام فهو ليس شأننا في هذا الكتاب، ولكن بما أن الحلم قوة تخيل طاغية فقد أردت أن أبرز مدى تأثير قوة التخيل على الكوامن وبالتالي على التصرفات الإنسانية.

   نحن لسنا جسداً قلقاً فحسب، بل نحن نفساً قلقة أيضاً، ولذا فإنني أرى أن استخدام التخيل الإيجابي هو علاج هام في محاربة القلق.

   معظم المواقف الأدبية وخيالات الشعراء تقوم على الخيال والتخيل.. معظم النجاحات والفشل.. كذلك الإبداع والعبقرية يقومان على التخيل.. لكل ذلك فإن التخيل  أمر قد يكون أبعد أثراً من أي شيء آخر  من أجل التعامل مع الإنسان في أمراضه وقلقه بشكل خاص.

هل وصلنا إلى نقطة اتفاق ؟!.

إذا وصلنا إلى نقطة مشتركة نتفق فيها على أهمية استخدام الخيال من أجل تغيير الكوامن فلنبدأ معاً بعض التمارين، وهنا قبل أن نبدأ أحب أن أفرق بين التخيل الإيجابي وأحلام اليقظة فهذه الأخيرة مجرد أحلام في رغبات وليست موجهة لهدف حقيقي مثل التخيل الإيجابي.

- لقد تعلمنا في رؤية سابقة أسلوباً مبدئياً بسيطاً للاسترخاء، ثم تعرفنا إلى ضرورة نظافة الجسم الخارجية والداخلية.. فلنطبق ذلك أولاً..

  استلق في غرفة هادئة نظيفة الأثاث والهواء، خابية النور. استلق بوضع الجثة واسترخ كخرقة !. تنفس بعمق وامتداد.. بعمق وامتداد.. ركز ذهنك في أنفاسك وانس كل شيء.. نظم أنفاسك بارتياح واستعمل حركة الحجاب الحاجز لاستدراج الهواء ودفعه وليس القفص الصدري، وهذا مايسمى بالتنفس البطني. عد أنفسك من الثلاثين حتى الواحد .. يجب أن يكون ذهنك خاوياً تماماً من كل شيء .. وإذا اقتحم ذهنك موضوع ما فاطرده وتعلم التركيز على أنفاسك..

  اعلم أن هذا الأمر صعب في البداية وقد يأخذ منك بعض الوقت لكنك ستنجح في النهاية.

 تحس في مرحلة ما بأن أنفاسك أخذت تملأ العالم، وفي مرحلة لاحقة تحس بأنك تحلق في السماء، وأنك أصبحت حراً منطلقاً بلا قيود، وأنك بين اليقظة والنوم.

 إذا وصلت إلى هذه المرحلة فابدأ التخيل. قد تحتاج في البداية لعشرين أو ثلاثين دقيقة للوصول إلى هذه المرحلة، ولكن بقليل من التمرين تصبح قادراُ على بلوغها في دقائق قليلة. ولاتخش شيئاً في مثل هذه الحالة فإنه لوقادتك فإنها لاتقودك إلا للنوم وحسب !.

ابدأ التخيل ! التخيل الإيجابي الذي يفيد من أجل إبعاد شبح القلق والتوتر والسلبية أو العهدوانية، ولتعلم أن الأمثلة التي أقدمها لك ليست إلا أمثلة بسيطة يمكنك أن تبتدع غيرها وتطورها بعد أن تكون فكرة التخيل قد أصبحت واضحة مألوفة لديك فتنتقل من مرحلة التخيل إلى مرحلة الابداع في التخيل.

- (( أنت الان في ليل أسود وفي أخدود ضيق. الجبال حولك عالية، تحسها ولاترى منها شيئاً، لاتسمع إلا عواء الذئاب.. وحيد مقرور بلا ثياب .. في حال من الهلع.. ضربات قلبك متسارعة.. تخاف وأنت في ركام من الخوف.. ثم يتحرك تركيزك الذهني من ما حولك إلى مافي داخلك.. تحس بقوة تتزايد.. يخرج بعض الوهج من صدرك وبعض النور يخرج من جبينك.. ثم يصبح النور كافياً لترى أمامك بوابة ضخمة، تتنقل خطوات إليها.. تستند إليها وتضغط لفتحها. إنك تجد صعوبة كبيرة في فتحها ومع ازدياد الصعوبة تزداد القوة التي في داخلك.. إلى أن تنجح في فتحها..

  هنا تنتقل من عالم الظلام والقهر والخوف إلى عالم تحس فيه بالشباب والقوة.. ترى على امتداد أنظارك سهولاً خضراء وردية وتسمع موسيقا تملأ العالم تتناغم مع كل وردة تتفتح أمامك، ومع كل قفزة لطفل يلبس البياض ويشع نوراً.. الناس مرحون من حولك والطيور ملونة فرحة تزقزق.. أنت فرح.. أنت سعيد تتلقى التهنئة بالسلامة.. تقفز كالعصافير في عالمك الجديد وكل من تحبهم ويحبونك معك.. إنك تنسى الماضي والماضي ينساك..))

في هذا التمرين يجب أن تكون الرؤية بمشاعر حقيقية، أي أن يكون الخوف حقيقياً وأن تكون السعادة حقيقية.. وبقدر ما تعيش لحظات فتح البوابة الثقيلة بقدر ما تكون الفائدة أكثر.

- في البدء في مثل هذا التمرين قد يكون عذاب المرحلة المظلمة طويلاً يأخذ نصف وقت آلية التخيل ، لكن وبالتكرار يفضل أن تقصر وتتقاصر مدة العذاب إلى أن تصبح مجرد بداية، وتتطاول مدة النور والسعادة والقفز إلى أن تشمل جل وقت التخيل، إنك في حديقتك التخيلية تستطيع أن تبتدع أموراً كثيرة تحبها، مثل قطعة موسيقية رائعة تجول في أعملقك، ومثل نمو النبتات الفرح السريع مع الموسيقا المناسبة الفعالة، ومثل قرقرة جدول صغير تسمعه في موسيقاه الخاصة وتراه في تقلبات مياهه السائغة.. ترى تفاصيل كثيرة في الطيور التي تشرب الجدول، والتي تسايرك كظلك، والتي تراها تبتسم كالبشر الطيبين.. وفي الأشجار الوارفة راقصة الأغصان والأثمار.. كل تلك الإبداعات في الصورة والصوت والرائحة وحتى الملمس يجب أن تنقلك إلى جو من السعادة والطمأنينة وهي أمور مناقضة للقلق.

- قد يكون من الأفضل أن تختلف تخيلات قبل النوم عن تخيلات اليقظة الصباحية. فتخيلات الصباح مثلاً يجب أن تحمل التفاؤل والبشائر، فأنت في هذا اليوم محط أنظار الآخرين وترحابهم، وأنت تنجز عملاً هاماً وأنت ستحوز على رضاء ربك والناس وأنت لن تهتم لكثير من أغلاط البشر.. هذا اليوم هو يومك، لايهم ماسبق ولايهم ماسيأتي.. فأنت ستنجز فيه خطوة كبيرة، بل ربما خطوات.. سيحتفل الآخرون بك..

 أما تخيلات عند النوم، فيجب أن تركز على الطمأنينة، فأنت قد اجتزت سحابة اليوم بعثراته، ولكنك سعيد بأنك اجتزته، وانتهى ولن يعود وأنت مقبل على فترة تنسى فيها كل شيء حيث يخبو ذهنك، وتحتفل فيها ونفسك بالطمأنينة المغرقة وبالسلام الداخلي، بينما تتحول الكتلة السوداء المبعثرة فيك إلى بؤرة ضوء تكبر وتتسع وتتعمق إلى أن تصبح جزءاً من كتلة نورانية على انسجام شامل مع الكون.. كل مافي داخلك هاديء وجميل، وكذلك في الكون.. وعلى ذلك تسترخي ثم تنام بعمق وراحة.

  وللتذكير فقط فإن أسوأ ما يمكن أن يفسد هذا التمرين هو المعدة المحشوة !.

- في كل مرة تحس فيها بالعوائق أمامك، وبالقلق يسد منافذ نفسك، اختل بذاتك، واسترخ، وانظر للأمور كما تريدها أنت وكما تحبها أنت ، واكتشف المنافذ الإيجابية فيها، تخيلها إلى أن تصبح واضحة أمامك.. وستجد أن ألف باب وباب تفاؤلي أمامك سينفتح.!.

- يمكن ابتداع وضع تخيلي لكل حالة، فإذا كنت تخشى العجز فتخيل نفسك طفلاً، وإذا كنت سيء العلاقة مع زوجك فعاملها في الخيال كأيام الخطبة، وإذاكنت قلقاً بسبب الفقر فتخيل ذراعك قوية، وذهنك مبدعاً وطريقك للنجاح مضمونة..

- إن مثل هذه التخيلات الإيجابية ( وليس الخيالات) بالشروط التي سبق ذكرها فيما يتعلق بالاسترخاء والنظافة، والمهم هنا أن تقود أنت هذا التخيل بالطرق الإيجابية التي تفيد في حالتك، وأن يتكرر بالوتيرة التي لاترهقك، ولكنها تدخل أعماقك وتصبح جزءاً هاماً في علاج التوتر والقلق.

  كما اعتدت أن تهرع إلى طعامك فلتعتد أن تهرع إلى نفسك تختلي بها وترضعها من خيالك الإيجابي الذي يدخل إلى أعماقك أمرين هامين: الإيجابية في الحياة والطمأنينة فيها. كلنا يعلم مدى صعوبة تحقيق هذين الأمرين، غير أن الإصرار عليهما يؤدي إليهما بالضرورة..

.. وعلى العكس من ذلك فإن التخيل السلبي الذي يقودك بدل أن تقوده، ويُدخل في أعماقك التوجس والانكفاء، هو أمر خطير يقود بالضرورة إلى المزيد من القلق.. تجنبه كما تتجنب الوجبات الغليظة والخمول.

وعلى الهامش أقول إن أكثر الناس قلقاً هم المحشوون بالطعام والشحوم والخيالات السلبية !.

÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷

 الرؤية السادسة:

فلسفة الصمت !.

ماذا يعني الصمت ؟

هل يعني انعدام الضوضاء ؟!.

وهل تعني الضوضاء التداخلات الصوتية العشوائية وحسب؟!.

وهل إذا انعدمت تلك التداخلات الصوتية أصبح هناك صمت ؟! وهل يمكن تطبيق ذلك عملياً ؟!.

يتبادر للذهن أن أفضل مكان للصمت هو الصحراء.. وأفضل وقت هو الليل.. غير أن ذلك ليس صحيحاً تماماً.

إنني أرى أن مفهوم الصمت المطلق غير موجود في الحياة. الصمت المطلق غير موجود لافي حياتنا ولا في كوننا.. وتعريفه غير الذي ورد آنفاً. إنني أرى أن الصمت المطلق هو السكون، ليس في الأصوات وحسب، بل في الحركة أيضاً.. وانعدام الحركة هو انعدام الحياة.. بل إن انعدام الحركة هو انعدام الوجود كله. ومن أجل تقريب مفهوم انتفاء وجود الصمت المطلق أقدم بعض الأمثلة.

أولاً ، من الثابت علمياً أننا لانسمع الأصوات كلها بآذاننا، فآذاننا ذات قدرات محدودة على التقاط الموجات مابين تردد كذا وتردد كذا، وماعدا ذلك لانستطيع التعرف عليه مباشرة، ثم هناك الأنواع الأخرى من الموجات التي لانسمعها أصلاً كموجات الراديو مثلاً. هذا ينطبق أيضاً على الألوان التي لانراها، والموجات الضوئية، وغير ذلك مما تم اكتشافه ومما لم يُكتشف.. أترك التفاصيل للعلماء المختصين، الذين يقرون جميعهم أن الآذان لاتسمع كل شيء، والعيون لاترى كل شيء، والأنوف لاتشم كل شيء، والألسنة لاتتذوق كل شيء.. وبالتالي فإن الأيادي لا تلمس كل الأجسام.

ثانياً ، يقول العامة (إن الصوت يذهب بعيداً في الليل) وهكذا نحس به بالفعل، لكن هل بالفعل يصل الصوت إلى مسافة أبعد في الليل، أم أن الواقع هو أننا نكون نحن أقدر على اكتشافه ؟!. لو تخيلنا نباتاً أخضر بارتفاع متر واحد في أرض قاحلة ممتدة لاستطعنا تمييزه بوضوح من على بعد ألف متر. غير أن هذا النبات نفسه عصي على الرؤية من على بعد عشرات الأمتار لو كان ضمن غابة !. وكذلك يمكن أن نقول أن الأصوات الكثيرة المتداخلة منعتنا من تمييز صوت ما، لكنه الصوت نفسه أصبح أكثر وضوحاً عندما انخفضت مستويات الضجة المسموعة في الليل.

ثالثاً ، يقال أن النقص في حاسة لدى الإنسان يقوّي الحواس الأخرى !. يقولون إن العميان أقدر على تمييز الأصوات، أو على تمييز القطع النقدية من خلال الملمس.

تجربة: لأنني أخاف الطعام الفاسد ، فلي معه تجربة مريرة، أهرع إلى تقريبه من أنفي وشمه ، لكنني قد لاأستطيع ذلك بسبب حرج الموقف في المطعم أو عند بعض الناس، ولذا فإنني أعمد إلى إغلاق عيني برهة في اللحظة التي يقترب فيها الشيء من فمي، وإن كانت تلك اللحظة يغشاها هدوء نسبي فإنني أتمكن من تمييز الطعام تمييزاً شديداً.

رابعاً ، إن الضوضاء لاتعني التداخلات الصوتية إلاّ في جزء صغير منها ، لو جلست تشاهد فيلماً على التلفزيون من غير صوت، فيلماً صامتاً مثلاً، لقمت كذلك في نهاية الفلم متعباً أيضاً، ربما أقل مما لو رأيته بالصوت العادي، وربما أكثر وهذا تابع لشدة تركيزك في الفيلم..

هناك رائحة متعبة ورائحة منعشة.. هناك أفكار متعبة وأخرى مريحة..

إن الضوضاء تشمل الصوت الذي يدخل الأذن، والاهتزازات التي تدخل الجسد، والصورة والأشعة التي تدخل العين، والرائحة التي تدخل الأنف, والمذاقات التي تدخل الجسم والخيالات التي تدخل الأعصاب.. الذي نحسه من هذه الأشياء والذي لانحسه..

خامساً ، وبالتالي فإن هذه الرؤية للمفاهيم تقود إلى أن الضوضاء دائماً موجودة، وبالتالي فإن الصمت غير موجود

لكن الأمور نسبية !.

وكما أنه لايوجد أسود مطلق ولا أبيض مطلق، بل إنها ألوان رمادية متدرجة.. كذلك الأمر في مسألة الصمت والضوضاء.. فهناك صمت رمادي وضوضاء رمادية..

سادساً ، إغناء لفكرة انتفاء الصمت المطلق، فإن الحقيقة أن قلبك يدق طالما هناك حياة، والنسمة تنطلق، والجدول يجري.. والحيوانات تثغو وتموء وتخور.. وغيرك من الناس يعمل وله أنفاسه وروائحه ونشاطاته.. إنك في عالم يضج بالحياة.. وهو لذلك يضج بالضجيج.. إن كنت تسمعه وتراه وتحسه وإن لم تكن !.

آخر ماقاله العلماء إن النوم في الظلام أكثر راحة بكثير من النوم في الضوء.. فالضوء ضجيج !. === ===

 الرؤية السابعة:

سحر النوم

عندما تأكد الإنسان من أن الأرض كروية سقطت كل النظريات الأخرى التي تحدثت عن أن الأرض مركز الكون أو أن الأرض منبسطة.. أو غير ذلك. وعندما عرفنا دورة الماء والفحم في الطبيعة سقطت كل النظريات الأخرى. . ونحن باعتبارنا مازلنا نجهل الكثير من الأمور حول الوجود والكون والعلم والإنسان، فإن نظرياتنا حول كل أمر من الأمور المجهولة، أو حتى بعض المعلومات ، مازالت على المحك. وبمعنى آخر فإن ماهو ثابت لنا لايحتمل الكثير من النظريات والتأويل، أما مازال غير ثابت فإن النظريات تكثر حوله.. وما أكثر النظريات حول النوم !.

ماهو النوم ؟ هل هو حالة يكون فيها الجسد على جسر بين الحياة والموت؟ هل هو حالة يسترخي فيها العقل الظاهر لينشط مكانه العقل الباطن ؟  ماهو النوم؟!.

ماهي الأحلام ؟ هل هي مجرد رغبات أو مخاوف ؟ من اين تأتي وإلى أين تذهب ؟  لماذا ننسى معظم الأحلام عند الاستيقاظ ؟ ولماذا يتفاعل الجسد مع الحلم فيتحرك بؤبؤ العين مثلاً بشدة وبسرعة ، وتتلمظ الشفاه، أو تتشنج العضلات ؟؟ لماذا ولماذا.. وتكثر النظريات.. لقد تحدث فرويد كثيراً وتحدث غيره أكثر.. وتحدث المنجمون، وتحدث الناس وأُلقيت في الريح والبحر الكثير من النظريات .

إن المؤكد الذي أراه فيما يتعلق بالنوم هو أولاً تحول الإنسان ككيان إلى حالة غير الحالة العادية ، وثانياً إن هذه الحالة غير العادية كما أسميناها هي ضرورية وحيوية للحالة العادية ، وثالثاً إن حالة النوم خارجة عن سيطرتنا تقريباً ، إن حالة النوم تؤدي إلى توازن جسدي ونفسي وعصبي، وهذا مايهمنا من الحديث حول النوم.

إن كثرة النظريات والفلسفات حول النوم لن توصلنا إلى نتيجة في بحثنا حول قهر القلق ، غير أن الذي يفيدنا هو ماهو مؤكد، وهو أن الجسم بحاجة للنوم كي يعيد توازنه الطبيعي.. ولايوجد هناك أي نوع من الصحة الجسدية أو النفسية أو العقلية بدون ذلك التوازن..

لاحظ أن آخر فترة المرض وبداية الشفاء تتمثل بفترة نوم عميقة طويلة !.

إذن !.

إن بحثي ينصب الآن على تعزيز النوم كقدرة على صيانة التوازن، بل وإيجاده أحياناً.

تقول الأم: الحمد لله !. لقد نام الولد أخيراً، وانشاء الله سيقوم من نومه العميق عند الصباح بخير !.

إن الأم لتعلم بحسها الفطري أن النوم قد يفعل فعل السحر في شفاء ابنها !.

بعض التوازنات التي يحدثها النوم:

أولاً ، وبالضرورة يمتنع الجسم في حالة النوم عن إدخال أية أشياء إلى داخله سوى الهواء، فهو صائم بالضرورة.

ثانياً ، وبالضرورة أيضاً فإن الجسم يرتخي في الوضع الأكثر راحة بالنسبة له، ولكل جسم وضع راحة مختلف، فالبعض يجد راحته على الظهر ، أو على الجنب ، أو التقلب بينهما، والبعض الآخر يتكور على شكل الجنين في بطن أمه.. لاأريد أن أتحدث عن الأسباب فهناك الكثير من النظريات حولها ، لكنني أرى أن أي وضع اتخذه الجسد فهو الذي يحس به بالراحة أكثر، أو على أقل تقدير يستجيب به لمتطلباته.

ثالثاً ،  يقوم الجسد في هذه الفترة بالعمل على طرد السموم مااستطاع إلى ذلك سبيلاً، فهو يتوقف عن الجهد العضلي والفكري والعصبي ويتفرغ لعمله الأساسي في النوم وهو كما قلنا طرد السموم. إنك تعمد في الصباح  إلى تنظيف مطرودات الجسم من أنفك وحلقك وأمعائك ومثانتك..

إن مراكز تحليل الدم ترغب في أن تكون عينات تحاليلها عند الصباح وبعد صيام لايقل عن اثنتي عشر ساعة وذلك بقصد أن يكون الجسم قد حقق بعض توازنه وبالتالي فإن التحليل يكون أكثر قرباً من الحقيقة.

رابعاً ،  يقوم الجسم وهو في حالة النوم بإفراز الترياق والمضادات الداخلية لمحاربة الشوائب والسموم والجراثيم والأورام علاوة على عملية الطرد التي تحدثنا عنها سابقاً.

خامساً ، وهو بذلك يقوم بعملية الشفاء التلقائي التي سبق وأن أتينا على ذكرها في هذا الكتاب، والتي لاتنقطع في النهار لكنها تصبح أكثر فاعلية في النوم.

سادساً ، إن كل شيء لدينا هو في حالة ارتخاء أثناء النوم وبالتالي فإن الأعصاب تأخذ أيضاً فترة لإعادة تقييم الأوضاع. إن كل ما هو مرتبط بحياة الإنسان يعيد تقييم الأوضاع أثناء النوم. إن الكثير من الأمور والقرارات تتم إعادة النظر فيها أثناء النوم.. كم مرة اتخذنا قراراً مغايراً لما اتخذناه قبل النوم  !. كلام الليل يمحوه النهار أو كلام النهار يمحوه الليل على الأصح.. إننا بعد النوم بصدد رؤية أصح للأمور !.

نأتي الآن إلى ما نبحث عنه تحت هذا العنوان ، وهو كيف  نستطيع الاستفادة من هذه المرحلة الغريبة بالنسبة للعقل مااستطعنا لذلك سبيلاً  ونحقق من خلالها الكثير، وخاصة في محاربة القلق، وبذلك نستطيع أن نقول إن النوم ساحر يحقق المعجزات.

أولاً ، هناك نظرية تقول إن آخر موضوع في ذهنك قبل النوم هو أول موضوع في ذهنك عند اليقظة !. حتى لو لم يكن ذلك صحيحاً فلنجرب ذلك . فإذاكانت النظرية صحيحة أو فيها شيء من الصحة فإن الفكرة التي نتركها في ذهننا قبل النوم تبقى تتفاعل خلاله ولذا فإننا نجدها في الصباح. لقد وجدت من خلال التجربةأن الفكرة صحيحة إلى حد بعيد. (( تشير هذه الفكرة بطريقة ما إلى مبدأ الاستخارة)) فلماذا لانستخدمها في علاج إزالة القلق ؟!. ليكن آخر ماترى قبل النوم من تحب أو ماتحب، حتى لو كان لوحة على جدار، وليكن آخر ماتسمع هو أجمل مايريحك من الأصوات أو الموسيقى، أو حتى أغنية هفهافة خفيفة وليس أغنية دسمة طويلة.. أغنية بسيطة الموسيقا تتحدث ليس عن حب المرأة بل عن حب الطبيعة والناس.. ولتكن الموسيقا من قبيل الفلوت أو الكمان أو القانون، وليس الطبلة أو الأورغ أو الأكورديون..

لنسترخ كما ورد سابقاً ولنتخيل الأشياء الجميلة في دخائلنا.. لنر أننا سعداء ناجحون نتمتع بحب واحترام الآخرين.. ولنؤكد لأنفسنا أن الحلول دائماً موجودة لمشاكلنا ثم لنتخيل بعض هذه الحلول ولنستغرق ما استطعنا ..ثم لنغفو وننزلق في نوم عميق..ولندع كوامننا تعالج نفسها بنفسها أثناء النوم.

ثانياً ، لوحققنا شروط النوم الجيد لساعدنا جسمنا على إفراغ مخزونه السمي، ولجعلناه أكثر تحملاً في مواجهة الأعباء المفروضة عليه باستمرار. سأمر سريعاً على شروط النوم الجيد:

    - الغرفة معتدلة الحرارة قليلة الرطوبة مهوّاة تهوية جيدة، مظلمة أو شبه مظلمة.

    - ثياب النوم فضفاضة نظيفة. لاتنم أبداً بحذائك أو جرابك أو حزامك أو حتى ساعة يدك !.

    - السرير مريح لايزقزق ولاينخمص.

    - المعدة فارغة. لا تنم أبداً ومعدتك محشوة بالطعام. اجعل عشاءك بعيداً عن المغلظات والدسم واجعله قليلاً، وكن نظيف الجلد والأمعاء والأنف.

    - حافظ على مدة فاصلة مابين العشاء وبين النوم لاتقل عن ثلاث ساعات.

    - ليكن بدء نومك في ساعة محددة، ونهوضك من الفراش كذلك، بحيث يعتاد الجسم على تلك المواعيد.

    - ليكن نومك مشبعاً عميقاً، وحاول أن تتحرك فور استيقاظك، لأن البقاء في السرير بعد الاستيقاظ يوحي للجسم بالخمول بعد أن أبدى استعداده للحركة.

ثالثاً ، ضع في ذهنك دائماً أن فترة النوم هي فترة حياة هانئة ممتعة. عند النوم لاتفكر بما مضى وما سيأتي، بل قل لنفسك إن هذه الساعات القادمة هي ساعات سعيدة لأنها كسب لصحتك وجسمك ونفسك وروحك، واعمل عكس رأي الشاعر:

فما أطال النوم عمراً  وماقصر في الأعمار طول السهر 

فهذا شعر للسكارى وحسب !

  رابعاً ، نم على رائحة تحبها، عطر خفيف ناعم طبيعي بسيط كرائحة الزيزفون أو الليمون أوالنعنع أو الياسمين.. وتذكر كم مرة استيقظت ورأسك متصدع بسبب رائحة قلي الزيت عند المساء أو رائحة مواد بترولية أو رائحة مزبلة الجيران.. وتذكر كم مرة استيقظت متفائلاً بسبب فواح أزهار الربيع !.

 

   الرؤية الثامنة:

الشعارات وكلمات الحب !.

  لابد وأنك تعرف أخطاءك حتى لم لم تعترف بها أمام الآخرين.فالإنسان الذي يؤجل مصالح الآخرين باستمرار هو إنسان مهمل مهما ادعى من حجج. والرجل الذي يستسهل المديح لكل من هو أمامه ويكيل الذم لمن هو غائب هو إنسان منافق مغتاب.. والذي يتمسح من أجل غاية هو إنسان طفيلي متسلق.. غير أن الملائكة ليسوا منا نحن البشر. نحن ندرك الكثير من أخطائنا ولكننا لانجهر بها، وهذا مدعاة شديدة للقلق الكامن.. وإلاّ فلماذا نأتي في أواخر عمرنا لنعترف أمام الله وأنفسنا والآخرين بذنوبنا !؟. إن حاجتنا للاعتراف ، حتى لو كان الاعتراف متأخراً يدل على توتر داخلي نسميه بقلق الضمير..

لذا، ونحن على دراية بعيوبنا ونقائصنا، أرى أن نعمد إلى طرح شعارات من أجلنا .. ولتكن هذه الشعارات بعض الأقوال المأثورة، فإذا كنت تهمل عملك فاكتب شعاراً بخط زاه جميل يقدس قيمة العمل، وإذا كنت من النوع الذي يهدر المال العام من أجل مصلحة صغيرة أوكبيرة خاصة فاكتب آية كريمة أو حديثاً شريفاً أو بيت شعر أوقولاً مأثوراً يناسب حالتك بشكل تراه باستمرار.. حتى لو كان الذين سيستجيبون لدعوتي هذه قلة أو ندرة فإنني مازلت أرى أن في دعوتي فائدة. وفي كل الأحوال فإن هناك من استفاد من مثل هذه الشعارات كرجال الأعمال الذين كتبوا شعارات تتعلق بالعمل، فمثلاً وقت العمل حق لصاحب العمل أو أن الزبون دائماً على حق..

  إنه في الواقع نشأت في التاريخ الإنساني مجموعة هائلة من الشعارات ( وما الأقوال والأمثال إلا شعارات ) تعالج وتتصدى لكل أمور الحياة ، واتُّخذت في كثير من الأحيان شواهد فاصلة على التجربة الإنسانية ومستخلصاتها لدى الشعوب المختلفة.... ونتيجة لكثرتها وتعدد مواقفها فقد وصلت أحياناً إلى حد التناقض.. فكلنا مثلاً يعرف الأقوال التي تحض على فعل الخير، وفي نفس الوقت هناك الأقوال التي تكرس الصالح الشخصي والأنانية حتى لو ناقض ذلك فعل الخير.

مايهمنا في حديثنا هنا هو أن نستفيد من تكرار الرؤية والسماع والترداد لأقوال تفيد في مأزقنا القلق الذي نعاني منه في دخائلنا ومكامننا..

 ضع شعاراً تفاؤلياً مشجعاً يقول مثلاً: كن مع الله ولا تبالي.. أو:

من يفعل الخير لايعدم جوازيه

 لايذهب العرف بين الله والناس

إلى آخره..

إنك لو كنت تعاني من قلق ما، ووجدت الشعار المناسب له، ورأيته وسمعته ورددته باستمرار، لاستطعت تجاوز حالة نفسية هامة، ولامتلكت قوة أفضل لصالحك ولصالح غيرك.

ليست العبارات التي ترددها الديانات أو الجيوش على اختلاف توجهاتها ، إلا لتعميق توجهات نفسية استطاعت على مر الزمن أن تخلق مواقف صلبة قادرة على توليد القرارات المناسبة

نحن هنا في بحثنا عن مخرج من القلق الذي نعانيه باستمرار بحاجة لشعارات (إشفائية) تماماً كما نحن بحاجة باستمرار إلىكلمات حب تفاعلية تفاؤلية تساعد في اقتلاع جذور القلق الكامن في أعماقنا. مثل ترديد الشعارات كذلك ترديد الأناشيد والأغاني ، فالأناشيد والأغاني ليست للمتعة والطرب وحسب بل إنها تغرس مفاهيم معينة شئنا أم أبينا.. ومن هنا تأتي مخاطر الغث الكثير في الأغاني الشائعة التي توحي بالكثير مماهو مرفوض اجتماعياً وأخلاقياً ومع ذلك فهي تتردد على الألسنة مما يجعلها تسكن في الأعماق بمعانيها.. ونقول نحن لايهم ، فهي ليست إلا أغاني !..

اعتدت في مجموعاتي القصصية أن أرفق إلى جانب كل قصة قولاً مقتضباً بين قوسين يشير إلى مدلول القصة. أشارت إحدى الفتيات إلى القول المرافق لإحدى القصص والذي هو: " كلهم غنوا للحب ، ولما أحببت حكموا عليّ بالسقوط "  وقالت إنها تحس بتناقض الفن المكرور والأقوال والأغاني مع الواقع !. هي واحدة من ملايين الشباب والشابات الذين يسمعون أقوالاً تتردد وتتمركز في أعماقهم ولكنها تصطدم بواقع لايجيز تلك الأقوال . ومن هنا يتحقق التصادم بين القول والفعل ، ومن هنا يعمد الكثير منهم إلى تحقيق كوامنه بعيداً عن الرقابة !.

أليس هذا مانراه ونلمسه ونعيشه ونعاني منه ؟!.

إنني ضد أي أدب أو قول أو أغنية تطرح للناس وتتردد أمامهم بكل وسائل الإعلام، ومفهومها مرفوض على أرض الواقع رفضاً جذرياً.. نصف الفنون لدينا مهووسة جنسياً، وهي ذات مداليل مرفوضة.. نحن بحاجة لنظافة الكوامن بدلاً من تشويهها ثم المعاقبة عليها أو على مفرزاتها.. ‘ن الفرق بين الكامن والظاهر مصدر مخيف للقلق.. ونحن الذين نغرس هذا القلق بالكلام المتردد الكثير الذي لانجيزه أصلاً على أرض الواقع !.

 

   الرؤية التاسعة:

التأمل !.

تحدثنا عن الاسترخاء والتنفس والتخيل الإيجابي.. إنها جميعاً مقدمات لما نسميه بالتأمل.

من أجل التأمل لابد من الاسترخاء بشروطه الكاملة، وهي شروط شبيهة بالنوم الجيد، ولابد من التركيز على بؤرة ما في البداية ونحن فضلنا التركيز على التنفس وطرد كل الذي يقفز في الذهن من أفكار وصور مختلفة.. ونحن في موضوع التأمل سنختلف عن موضوع التخيل الإيجابي بأمر حاسم هام.. ألا إنه الحياد .

وهذا الفرق يعني أننا لن نكون فاعلين كما في التخيل الإيجابي، ولن نكون منفعلين أيضاً بحيث تسوقنا أفكارنا وكوامننا أنى شاءت. نحن هنا سنصبح مراقبين، مراقبين وحسب . نحن هنا سنخرج من ذاتنا..

مامعنى ذلك ؟ مافائدته ؟ وكيف يمكن تحقيقه ؟ ! .

معنى التأمل: لو أنك ضمن حديقة لما استطعت رؤيتها جميعها من كل جوانبها في آن واحد، ولو أنك بين حشد من الناس لما أمكنك مشاهدتهم جميعاً في نفس اللحظة.. ولو أنك غارق في مشكلة ما لما أمكنك الحكم عليها بموضوعية إلا بثلاثة شروط أولها أن تمتلك الحياد والنزاهة، وثانيهما أن تكون خارج إطار المشكلة نفسها ، وثالثها أن يكون لديك الدافع القوي تجاهها. وبما أنك ابن المشكلة أو أب لها وأنت ضمنها ، فلن تكون شمولياً أو حيادياً.. وإذا كنت خارجها فإنك لن تملك الاهتمام الكبير تجاهها.. ولذا فإن معادلة الرؤية الصحيحة غير قائمة.

من أجل أن تقوم بالرؤية الصحيحة لابد وأن تقوم أنت يها لأنك صاحب الاهتمام، ومن أجل أن تمتلك الحياد وأن تخرج خارج الإطار، وبالتالي تكون لديك الرؤية الشمولة، من أجل ذلك ليس لك إلا طريق التأمل.

من هنا تأتي أهمية التأمل الذي يجب أن يستوفي شرطي الحياد والشمولية.

كيف يمكن تحقيق التأمل ؟.

أولاً: الاسترخاء.

ثانياً: كبت جموح الخيال وتثبيته ( في التنفس مثلاً ) ثم إيقافه.

ثالثاً: الخروج خارج إطار الذات.

ولفهم (ثالثاً) لابد من إجراء تدريبات قد تكون خارجة عن مألوف بحر الحياة الذي نعيش في لجته.

 استرخ وخذ نفسين عميقين، ثم ركز في أنفاسك كما سلف، وعد الأرقام بهدوء وتؤدة من ثلاثين نزولاً.. اكبح جماح خيالك الذي يقفز من مكان إلى آخر ومن موضوع إلى آخر دون السيطرة عليه.. كلما خرج خيالك أعد العد من الثلاثين.. إلى أن تتضخم إيقاعات الأنفاس لديك، فتحس بها تملأ عالمك بالكامل.. إلى هنا وتكون قد تملكت الاسترخاء.. ثم حاول الخروج كشخص آخر عن ذاتك.. انظر إلى جسمك المستلقي على الفراش في مكانه واخرج وكأنك شخص آخر لتصبح رقيباً على ذاتك وعلى كل ما حولك وعلى العالم كله..انظر إلى ذاتك شيئاً من الأشياء.. وكأنك شخص غريب آخر !. إذا نجحت في رؤية ذاتك شخصاً آخر غير جسدك واسمك وتاريخك وأقربائك ومتاعبك وأمراضك وقلقك فأنت قد أصبحت على مشارف التأمل.

لقد انطلقتَ في هذه الرؤية لأن الأمر يهمك.. وخرجت شخصاً آخر برؤية حيادية منعزلة شمولية.. إذا حققتَ ذلك أمكنك أن تحقق مرحلة التأمل.

لقد تطرقت فلسفة التأمل كثيراً إلى الإيمان وكانت سبيلاً إلى الصوفية والترفع عن صغائر الدنيا لأن الرؤية كانت دائماً بشمولية وحياد. غير أن الذين تطرقوا إلى فلسفة التأمل كعلاج للقلق هم قلة نادرة، ولا أدري إذا تم طرق هذا الباب بأسلوب مبسط - كالذي نبتغيه هنا - أصلاً.               

   لو وصلت إلى هذه المرحلة، وإنك لواصل لها لو رغبت وثابرت أكثر من مرة، فإنك سترى ذاتك بجودك ونحسك، بمكارمك ومثالبك، وسترى أيضاً بوضوح أين الخطأ وأين الصواب..ومرة إثر مرة تهيؤ نفسك للابتعاد عن الخطأ والاقتراب من الصواب، لأنك برؤية كليهما تفهم وتتفهم، والفهم والتفهم أول طريق التقرب والاقتراب .             

   لقد اقتربت في بعض قصصي ورواياتي الأخيرة من قضية التأمل عملياً، وفي الحقيقة إنه لم يكن ليتيسر لي أن أكتبها لو لم أكن في حالة كتلك التي أصفها..               

   هل يمكنك أن تشم رائحة الياسمين مثلاً وأنت تبعد مائة كيلو متر عن شجيرتها ؟. قد تنجح في ذلك وأنت في ذروة مرحلة التأمل !. قد تكون قادراً على أن تراها وتشمها وتحس بلمستها وأنت في حالة التأمل القصوى !.                  

  هل تظن أن في عقله مس من يطرح مثل هذه النظرية؟!..                                             

تعال معي خطوة خطوة..                              

  حقق الاسترخاء بشروطه . حقق التركيز بشروطه. حقق الموضوعية والرؤية الشمولية . اذهب برؤيتك إلى شجرة الجوز الأخضر.. تعبعب بالأغصان ولامس الأوراق.. اغرق في هذه الصورة.. اغرق جيداً وانتظر.. ستحس بأنك تشم رائحة الجوز..، .. ولوكنت في شجرة فقد تعطس !.       

  إن الوصول إلى هذا المستوى من الرؤية لايأتي بسهولة بل بعد محاولات كثيرة وصدق واستمتاع بلحظات التأمل.  

أنا لاأقول أنني قد نجحت تماماً في الوصول إلى هذا المستوى، ولكنني ربما نجحت جزئياً، فقد استطعت أن أشم رائحة الوردة الدمشقية التي أحبها وأنا في قبرص !.       

    إنني أيها الصديق لاأتحدث عن الفيزياء أو الكيمياء العادية، ولكنني أتحدث عن عالم ليس منا في العادة ولكنه قريب جداً منا، بحيث تصبح القدرات البشرية مضاعفة في حال التأمل.. وأنا أطرح التأمل كعلاج للقلق..             

   أنظر إلى نفسك كم أنت سخيف ضعيف وأنت واقع تحت تأثيرات أسخف منك وأضعف. انظر إلى نفسك مقارنة بالعالم كله وبالآخرين. أنظر إلى نفسك نقطة في بحر.. ولتر كم أنك ظالم لنفسك في وقوعك وعثراتك !. ثم أنظر في طرق كثيرة للخروج إلى السعادة.. مثلك مثل الآحرين.. ولتعلم أن عظائم الأمور هي للجميع، وخير الحياة هو للجميع..                                                  

   إذا كان الموت يقلقك.. فأنت بين المليارات ومثل المليارات..                                                  

وإذا كان الفقر يقلقك.. فأنت بين المليارات ومثل المليارات وإذا كان المرض يقلقك فالمرض لم يتم اكتشافه على يديك ، ولن تكون نهايته عندك !. وما أدراك أن الموت بداية وليس نهاية !. إذا وصلت إلى مرحلة الحياد والشمولية في التأمل.. عندها ستكتشف الطريق للخلاص من القلق..   

            

       الرؤية العاشرة:

التوازن !.

     عندما تكون هناك قوتان  تتعادلان وتتعاكسان فانهما تؤديان الى استقرار في الشيء اللتان تفعلان به. وعندما تكون هناك اكثر من قوة ربما آلاف القوى  وربما عدد لا يحصى من القوى تفعل في شيء ما  فإن التوازن يتحقق بصعوبة أكبر وكذلك يصبح احتمال استقرارهذا التوازن الى اجل أبعد أضعف بكثير...

عندما تضع حجراً مسطحاً على الأرض فانه يستقر ويتوازن  بسهولة ، لأن العوامل الفاعلة في استقراره محدودة وهي كتلته "المعادلة لقوة الجذب الارضية" وعامل الاحتكاك.  ولكن إذا أضعفنا عامل الاحتكاك مثلا ،كجعل الجسم كرويا صقيلا على ارض مائلة صقيلة فإن الحجر لا يستقرعلى وضع نضعه فيه بل انه سيبحث عن وضع استقرار يناسبه هو، لايناسبنا نحن .

ولو تصورنا أن هذه الكرة الصقيلة كانت مصنوعة من فولاذ  ثم القينا في جوانب المكان كتلا مغناطيسية، على أبعاد مختلفة، وبقوة مغنطة مختلفة،لأصبحت إمكانية التوازن أكثر صعوبة وأكثر تعقيدا.. وأصبح البحث عن نقطة التوازن ،اونقاط التوازن،امراً بالغ الصعوبة بالنسبة لنا حينما نحاول إيجادها...

لكن كرة الفولاذ لو تركناها حرة ، لوجدت بسهولة أقرب وأقوى نقطة توازن بالنسبة لها، وخلال أقصر زمن...

لو انطلقنا بالفكرة مسافة أخرى لقلنا إن القوى الفاعلة في حياتنا منذ جدودنا، إلى العوامل المكونة لبيئتنا، إلى ظرووف نشأتنا وما تعّلمه جسدنا، جلدنا وعيننا وأذننا وأنفنا ولساننا، وكذلك دمنا وصدرنا ودماغنا وعصبنا وكبدنا وساقنا وساعدنا...وكذلك ماتعلمه عقلنا وقلبنا....وما أثّرنا وتأثّرنا به .. وكذلك المناظر والطقوس التي  عشناها...وكذلك رغباتنا وآمالنا ومخاوفنا وأمراضنا...

لو انطلقنا في الفكرة مسافة اخرى وحاولنا استشفاف العوامل المؤثرة فينا لأدركنا كم أن عملية الاستقرار التي بحاجة اليها الانسان في وجوده هي عملية حساسة ودقيقة للغاية...

وموضوع التوازن الإنساني والكوني هذا موضوع كبير للغاية وهو يقود بالنتيجة للإيمان بقوة عليا وهيمنة بالضرورة  أكبر وأعظم من أن نعرف كنهها بقدراتنا المسخرة لنا.

وقضية الإيمان هذه "وهي عامل استقرار هام للغاية" ستمر في الصفحات القادمة.

لكنني الآن أتحدث في هذه الفقرة عن تساؤل بسيط علّه يساعدنا فيما نبحث فيه وهو القلق..

والقلق يشير لي وكأن له علاقةبكلمة "التقلقل" وهو بالفعل كذلك، وكأن كتلة الفولاذ الخاضعة لقوى كثيرة حولها في حالة "تقلقل" تزول فقط في حالة الاستقرار والتوازن..

والإنسان في حالة القلق هو في حال تقلقل... او عدم اتزان وتوازن...

وكما يكون من المفيد تفعيل المؤثرات في كتلة الفولاذ لجعلها تستقر على وضع معين ، فان من المفيد ايضا ترك الكتلة تجد استقرارها بذاتها...بل قد يكون ذلك اكثر فائدة بكثير !.

كما يفيد ترك كتلة الفولاذ تستقر وتجد توازنها.. كذلك اترك جسمك يجد استقراره !...

كيف ؟!...

حدثنا مدرس الفيزياء في الجامعة عن حذاء في نعله معدن يصل مابين القدم والارض، يلبسه المصابون في حالات الصرع فيفيد في تفريغ الشحنات الزائدة والتي قد تكون السبب في النوبات، مثل سيارة الشحن الكبيرة التي يلقون في مؤخرتها سلسلة من الحديد تجر على الارض من أجل تفريغ الكهرباء الساكنة التي تتلبس جسم الشاحنة أثناء اختراقها الهواء...

نحن لسنا شاحنة ولسنا مصابين بالصرع ، ولكننا مصابون بالقلق...

إنني قبل ان أدخل بالنصائح سأعمد الى نقل بعض الصور لكم او تذكيركم بها فهي ليست غريبة عنكم في كل الاحوال. عندما ينهك ساعدك تجده رويدا رويدا وقد خرج عن سيطرتك..

عندما يمتلىء جوفك بالفضلات فلا بدّ له ان يفرغ حمولته شئت هذا ام ابيت !..

عندما يصاب الثمر بسوسة، فإنه يأخذ شكلا ينضم حول منطقة الاصابة فيقسو عندها ويلين في الجهة المعاكسة. يختلج المصروع، والمصاب بجرثومة ترتفع لديه الحرارة.. أي أن لكل فعل رد فعل..                                                          

أحس بك عند هذه العبارة تقول لي إن هذا المبدأ معروف ومعترف به وأنا لم آت بجديد. إذا كنت بالفعل تقول ذلك، فلماذا لاتقبل أن يقوم جسمك بردود فعله بحرية على القلق الكامن والمعشش في داخلك ؟!. لماذا لاتطلق لجسمك ولنفسك العنان ؟!.  هل تعلم بأنك تسجن جسمك ونفسك في قمقم !. المحموم يهذي.. والمحروم يرى الأحلام.. والمتألم يبكي.. والجائع يبحث عن الطعام.. والقلق يبحث عن إزالة التوتر، يبحث عن الاستقرار والتوازن الداخلي قبل الخارجي.                                

اترك جسمك يخرج من قيوده مرة في اليوم. جرب ذلك.. دقائق.. قل هذه الدقائق خارج الإطار..

لاتبدو الفكرة واضحة حتى الآن. ذلك ربما لأنني لا أعرف كيف أقول أو ربما لأن الفكرة جريئة .. أو هكذا تبدو..

لوقت ما اترك جسمك يفعل مايريد !.

ألم تر إلى الذي يرقص يبتسم وقد تغيرت نفسه مابين ماقبل الرقص وما بعده ؟!. ألم تر إلى رجل في غرفة، متأكد من أن لا أحد يراه أو يسمعه يتقلب على الفراش بحرية غير معهودة، أو يخبط على شيء، أو يصرخ أو يغني أو يحرك أعضاءه عشوائياً ؟!. ألم تر إلى شخص يغني عندما يكون بعيداً عن الناس.. على الجبل أو في الصحراء أو في الحمّام!.

إنني أنصح بالتالي:

عندما تكون في حالة استرخاء وتأمل، وتكون قد أصبحت على الحياد دع جسمك حراً ينفس عن مكنوناته، دع الساعد يتحرك كيفما يريد هو دون تدخل منك.. دع الساق تمتد على الطريقة التي تحلو لها.. دع تقاطيع الوجه كما تريد.. اترك جسمك حراً ولا تتدخل به.. إنك ستحس بالتشنجات القابعة في داخلك تتلاشى !. إنك ستحس بالتشنجات القابعة في داخلك تزول.. إنك ستحس بجسدك يعبر عن ذاته ويطلق سموم القلق الراكنة فيه.. كما يطلق الصدر هواء الزفير ، وكما تطلق المثانة البول !.

 أخرج إلى الحقل وفرغ شحناتك.. اقفز واجر وتثاءب وغن واصرخ كما يقودك جسمك وكما تقودك نفسك.. قم بهذه الرياضة الحرة بمتعة وتحسس النسمة واعبق بريح الشجر واغرق بلون الوجود.. ثم..

ثم العب مع الأطفال.. كن طفلاً وانس سنواتك كلها.. فكر كالأطفال واجر كالأطفال واضحك مثلهم !. إن طول معاناتنا وهمومنا ومخاوفنا هي التي رسخت في داخلنا القلق ، فاغسل ذلك القلق بالخروج عن كل ذلك.. كالأطفال.. كالأطفال..

عندما تأتي نوبة صرع المصاب يتشنج ويُزبد ويختل توازنه فيسقط.. ثم يقوم بعد النوبة منهكاً وأسوأ نفساً لكنه أفضل جسداً مما قبل النوبة..

إن الذي حصل أن ماتجمع في داخله من ركام قد تم تنفيسه في هذه النوبة من التشنجات.. أما حاله النفسية فتكون أسوأ لإحساسه بالدونية والاختلاف وللخوف من تكرار الحالة .. أما في حالة القلق فترك الجسم على سجيته ينفس عما لديه ، أو بلأحرى مالديه ، هو أمر صحي للغاية ، وكأنك تفتح مجرى لقاذورات القلق تخرج من داخلك.. فتحقق التوازن في داخلك من أجل التوازن في حياتك كلها..

 

   الرؤية الحادية عشرة:

الممارسة الإيجابية للجنس !.

القلق الجنسي مركب وواسع الانتشار يتضافر مع أنواع القلق الأخرى ، ليصبح أحد أسباب المعاناة المخيفة ، وقد يصبح أحد أسباب الجريمة !.

ومع أن قضية الجنس مثيرة للجدل، والخوض فيها أمر شائك، لكننا ونحن نتحدث عن القلق بهذا الإسهاب  ، فإننا لابد أن نطرقها محاولين البحث في المنطق الصحيح في هذا الباب ، بحيث نصل إلى فائدة عامة تفيد الصّارمين والمرنين في هذا المجال.. وقبل كل هؤلاء، أولئك الذين يعانون من القلق الجنسي وما أكثرهم.. إن قبلوا أن يصرحوا عن وضعهم أو إن تجنبوا الخوض في هذا الحديث مباشرة..

إذا كانت كلمة (الجنس) بحد ذاتها تثير الخيالات لدى بعض الفتية ، فالأحرى أن توضع هذه الكلمة موضعها الصحيح من أجل خير الفرد والمجتمع.. وما يهمني في هذا الكتاب من طرق هذا الباب هو فائدة اصحاب القلق وهم كثيرون..

.. منذ البداية، تبدأ كلمة الجنس والممارسة الجنسية تدور على ألسنة الفتية على سبيل الدعابة والمزاح، لكنها تترك خيالات وتخيلات.. فالجنس بالنسبة لهم أنثى كثمرة مثيرة للشهية !. ثم يتحول الكلام إلى تطلع إلى صلة مع إناث الآخرين.. أي في الواقع التفكير في التعدي على الآخرين.. وبالنسبة للأنثى ، فإنها في الواقع تخشى من أن تصبح فريسة في مجتمعنا أو تتعرض لأن تكون كذلك ، وهي ضمن أطر وقيود ، ولكنها في نفس الوقت ترغب في أن يعرف الآخرون مغرياتها كجمالها وذوقها ومالها وعلمها.. فهي سعيدة لو تقدم لها الآخرون حتى لو كانت تعرف سلفاً أنها ستر فض في النهاية !.

وإذا كانت رغبة الطرفين في اللقاء ، أو الاقتراب بهدف وحيد شرعه المجتمع وهو الزواج ، فإن القلق يكون لأسباب تختلف تماماً عن الأسباب التي تنتج عن رغبة في لقاء جنسي خارج إطار الزواج.

فالقلق الناتج عن الموقف الجنسي والهدف هو الزواج، هو من قبيل فشل اللقاء الجنسي، أو عدم القدرة على إنجاب الأطفال، أو القلق الناتج عن الخوف من مسؤولية الزواج .. أو من سوء تقدير الطرف الآخر للحياة الزوجية..

أما القلق الناتج عن الموقف الجنسي والهدف منه ليس الزواج، فهو على الأغلب بتأثير الخوف من عقاب المجتمع، أو من اكتشاف الأمر وبالتالي وقوع تطورات قد تفضي إلى جرائم.. أو من اختراق موقف الضمير والغدر بالآخرين..

لابد أن معظمنا مر بالحالين، فلا بد أنه فكر في فتاة أو أكثر، ولابد أنها فكرت في ذكر أو أكثر .. ولابد أنهما حاولا التوصل إلى قرب أقرب.. وبالتالي إلى توتر أكبر.. ولابد أن كلاًّ منهما فكر في الزواج وبالتالي عانى كل الأمور التي تطرقنا إليها..

كل هذا أمر طبيعي !.

إلا إذا تحول الأمر إلى قلق عميق يؤثر على مسيرة حياتنا. إنني هنا لم أهدف إلى التحدث عن العلاقات الأسرية والزوجية ، بل أردتها مقدمة لتكون النظرة إلى قضية الجنس نظرة إلى أمر إنساني عادي.. وإنني هنا أسوق بعض التوصيات التي أجدها مفيدة أشد الفائدة:

أولاً ، لاتفكر مطلقاً في علاقة غير شرعية تحس أن هناك قلقاً ينبت ويترعرع بسببها. أنت بغنى عن القلق الذي سينتابك وأنت تتهيأ لمثل هذه العلاقة ، ثم وأنت تحمل وزرها. وإن تفضيل بعض الأفراد لمثل هذه المتعة في مثل هذه التجربة، لايعادل ألبتة العقوبة التي يتلقاها الممارس من ذاته الداخلية حتى لو لم ينل عقاب المجتمع .

ثانياً ، مارس الجنس مع شريك لك هو زوجك.. ولتكن الممارسة تلبي الحاجة النفسية والجسدية. وإنني أوجه خطابي للزوج قائلاً ( باعتبار أن الزوجة غالباً ليست هي صاحبة المبادرة رغم أهمية إيحاءاتها ) : إن التحضير للقاء الجنسي وخلق الجو المحبب والمؤثرات أهم من الممارسة نفسها.. وإذا انقلبت الممارسة إلى حيوانية وحسب فهي بئس الممارسة..

ثالثاً ، ينتج القلق في الممارسة الجنسية كما أسلفنا بسبب الخوف من عدم النجاح، وبسبب المفهوم الخاطيء بأن النجاح الحيواني بالممارسة هو إثبات الرجولة أمام الزوجة وبالتالي أمام أهلها والأسرة كلها .. نادراً مايفكرون في الجو العام لهذه الممارسة.. فالقضية بالنسبة لهم ليست أكثر من القدرة على الصمود.

  باعتبارنا أننا قد استثنينا العلاقة خارج الزواج، فقد بقي لنا أمران نتحدث عنهما:

- العادة السرية: إن الحديث فيها أكثر شوكاً. وأنا هنا لن أكون في موقع المشرع الديني أو القانوني ، بل ما يهمني هو الآثار النفسية والجسدية، وبالذات القلق..

إن العادة السرية أمر منتشر على نطاق واسع في كل المجتمعات بلا استثناء، ربما لدى الرجال أكثر مما هو لدى النساء ، لكنه منتشر من غير شك بين الجنسين. والسؤال الذي يطرح نفسه ماهي أفضل الطرق لتجنب هذه العادة إن أمكن والابتعاد عن سلبياتها ؟!  الجواب البسيط المعروف هو الزواج المناسب في السن المناسبة والذي يحمل فيه الكثير من الصعوبات والعقبات. ثم هناك تنويم هذه الرغبة الجسدية إلى حين الحاجة الحقيقية لاستخدامها. أو ترك الجسد حراً في هذا المجال أي دون التدخل بشأنه وهو يقوم بالتنفيس عن نفسه من خلال الأحلام.

إن قضية العادة السرية يجب أن تُطرح للبحث، فهي تترك الفرد العادي واقعاً بين سندان الرفض الواقعي والخلقي، ومطرقة الرغبة الجسدية. لذا فإن الفرد يعمد إلى السرية المطلقة في هذه الممارسة ( ومن هنا جاءت كلمة السرية ) ، كما يعتاد عليها لتصبح جزءاً متكرراً معهوداً للاستمتاع الذاتي (ومن هنا جاءت كلمة العادة) .

برأي الأطباء على ماأعتقد - وإن اختلفوا - أن السلبية في هذه العادة تأتي لسببين أولهما الاستغراق المتعمد والمتكرر الجائر طلباً للمتعة وتمادياً فيها ، وثانيهما الآثار النفسية الباقية إثر كل مرة.. والسببان يؤديان في النتيجة إلى قلق حقيقي، مكبوت ، غير قادر على الظهور إلى العلن ، وحتى للطبيب في كثير من الأحيان.

 أنا لست قادراً على إعطاء رأي في هذه النقطة، إلا أن الحوار الإيجابي والصريح في قضية منتشرة على نطاق واسع وخاصة بين الشباب قبل الزواج ، أمر ضروري ، وليس مما يكفي  أن نتجنب الخوض فيها أو أن ننظر إليها نظرة ازدراء .

  أنا أنصح بالابتعاد عنها قدر الإمكان ، وبترك الجسم يتصرف تصرفه الطبيعي حتى لو كان عن طريق الأحلام ، أم الأهم فهو محاربة حالة الإحساس بالذنب التي تعقب أية ممارسة !.

ستظل العادة السرية مصدر قلق حقيقي إلى زمن بعيد مالم يتم طرح هذا الموضوع على المستوى العلمي والخلقي والاجتماعي.

كيفية ممارسة اللقاء الجنسي إيجابياً:

إنه الأمر الأهم الذي قصدناه في عنواننا للمارسة الإيجابية للجنس: وبصورة مقتضبة أقول إن الممارسة الفاشلة للجنس تسبب القلق ، والممارسة الناجحة تحارب القلق ، والسؤال البدهي هنا ماهي الممارسة الفاشلة وما هي الناجحة وكيف يمكن تحقيقها ؟!.

الممارسة الناجحة كتعريف هي التي تبدأ بالحب والرغبة وتنتهي بالحب.

أي أن الذي يتفرغ في اللقاء هو الرغبة فقط أما الحب فيبقى كما كان بل ربما أفضل مماكان. وهذا ينطبق على الشريكين.

 وبالطبع فإن الممارسة الفاشلة هي التي تبدأ بالرغبة وتنتهي بموتها، ربما من طرف واحد ، وربما تنتهي بالإحساس بالذنب والتقصير وربما بالبحث عن تعويضات أخرى .

أقترح بعض المباديء التي أراها للمارسة الناجحة:

- إن من الأفضل استبدال عبارة ممارسة الجنس إلى عبارة ممارسة الحب.

- لابد للطرف الراغب من أن يستشعر رغبة الطرف الآخر وإن لم يجدها فإما ألا يسترسل وإما أن ينجح في استثارتها لديه. في كل الأحوال يجب أن تكون الرغبة لدى الطرفين.

- ليكن التمهيد بالكلمات والأعين، وربما بإشاعة الحب في الجو العام قبل فعل الأيدي . كن مبدعاً في كل مرة !.

- ليكن اللقاء ممتداً يشمل الذروة ، لا أن تكون الذروة كل شيء ، بل إن الكلمة الحلوة قبلها وبعدها تزيل القلق وتمنح السعادة .

- يجب أن يتم اللقاء على نظافة مطلقة في كل أنحاء الجسم وفي الفراش وفي الغرفة ، وإن الرائحة الطيبة تترك أثراً طيباً.

- لاتقدم على فعل أو حركة لايستحبها الطرف الآخر ، ولا تغال في أي شيء..

- عود جسمك على أوقات معينة حسب قابلية الطرفين، وإن مرة واحدة في الشهر تبدأ بالحب وتنتهي به  خير من مرات في اليوم تمارس ضمن شروط غير مناسبة !.

- يجب أن تستفيض الأريحية ، لا الأنانية ، في مثل لقاء الحب هذا، فالشريك يهتم بشريكه أكثر مما يهتم بنفسه ..

 استخدام الجنس كعلاج للقلق:

إن ممارسة الجنس ( أو بالأحرى ممارسة الحب ) على الطريقة وبالشروط التي أشرنا إليها يؤتي أكلاً مضاعفة في الزواج الناجح الذي يشيع فيه الحب والتفاهم ، وكذلك في الحياة الأسرية الممتعة، وهذه الممارسة الناجحة مع الزواج الناجح هما حلقة واحدة متكاملة.. بمعنى أن الزواج الناجح يؤدي إلى حب ناجح، والعكس بالعكس ، وهو أمر يؤدي إلى قهر القلق.. إلا أنني أضيف النقاط التالية التي أراها ذات فائدة خاصة ، بل هي علاج ومعالجة.

أولاً ، ضع كل همومك.. كلها على الإطلاق خارج غرفة الحب وخارج زمن الحب.

ثانياً ، بما أن عامل الفطرة يصبح أقوى ، وعامل العقل الباطن يطفو على السطح ، بينما يرتخي العقل الظاهري المألوف إلى أن يتوقف تماماً في لحظات ، وذلك بتصاعد مراحل الممارسة باتجاه الذروة ، فمن المفيد ، وقد يكون من الحاسم ، زرع التأمل الإيجابي واستغلال ذلك الوقت لمخاطبة العقل الباطن بالصورة الإيجابية التي تحدثنا عنها في حالة التخيل وحالة التأمل.. ركز في لحظاتك تلك على كل ماهو إيجابي لك ولأسرتك ولمستقبلك ولنجاحك ..

إن اللحظات العصبية الحاسمة والعميقة للغاية التي تمر بها جسدياً ستعمق من المواقف الإيجابية نفسياً..

÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷

   الرؤية الثانيةعشرة:

الإيمان !.

(( قال ألم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي  ))

الإيمان ليس قناعة العقل وحسب ، بل يحتاج للطمأنينة أيضاً ، وبذلك فإن النفس ، والجسد بالتالي ، يتشاركان والعقل والقناعة (الإيمان) في البحث عن الطمأنينة ..

البحث عن الطمأنينة هدف من أهداف الإيمان لإيجادها وزرعها في النفس ، والنفس بحاجة للطمأنينة كحاجة الجسم للطعام والهواء. وبالتالي فإن الطمأنينة علاقة جدلية مابين الإيمان والإنسان..

بمعنى أن التوازن في الإنسان عقلاً ونفساً وجسداً - والتوازن هنا نقيض القلق - لا يتأتى إلا بالطمأنينة التي لابد منها في الإيمان.

النقطة الأخرى التي لابد من الإشارة إليها هي في هذه الآية الكريمة أن من يطمئن هو القلب .، ليس العقل.. ولسنا نفهم من هذا عضلة القلب بقدر مانفهم النفس والأحاسيس وكل ماهو مرتبط بالإنسان غير العقل. وقد يكون كل ماقلته في هذا الكتاب وخاصة في بداياته عن أزمة قلبي يُختصر في العلاج الأهم ألا إنه الطمأنينة الآتية هدية من الإيمان أو ضرورة من ضروراته.

هل الإيمان نقيض القلق !؟. نعم.. إنه كذلك !. ولكن ليس بسبب القناعة العقلية بل لأنه يضم في جوانحه الطمأنينة بالضرورة.. وهو بذلك يخاطب العقل الباطن والنفس البشرية علاوة على مخاطبته العقل والمنطق.

ولأن العقائد والأديان من أجل ذلك لاتخاطب العقل المنطقي وحسب فهي تعمد لمخاطبة العقل الباطن بطرق عديدة منها :

- التراتيل المتكررة إلى أن يثبت المفهوم والإيقاع ويصبح جزءاً من النفس والجسد.

- الحركات ، فالصلوات في كل الأديان هي حركات منضبطة موجهة، وهي تعاد بانتظام وتترافق وإيقاعات معينة.

- عمدت ديانات كثيرة قديمة في كثير من الأحوال إلى تأدية الطقوس الدينية عن طريق الرقصات والتي اعتبرت مظهراً من مظاهر العبادة.

- تم استخدام الرسوم والأيقونات للتبرك فيه وإمعان النظر لنفس الغاية.

- كان لابد من إبداع أجواء خاصة في أماكن العبادة، كي تزرع في النفس مشاعر الغبطة والارتياح والإحساس بالعظمة.. فكانت أماكن العبادة دائماً زاهية ضخمة متميزة لها وقع خاص في النفس.

إن هذه الأمور وماشابهها لاتخاطب إلا العقل الباطن والمشاعر والنفس ، وبالتالي فإنها تكمل الإيمان من الجانب الآخر ألا إنه طمأنينة القلب..

إذا أردت أن تنجح وتتفوق في أمر فلا يكفي أن تقتنع به ، بل لابد من أن تحبه وأن تطمئن إليه ، بل وأن تغرق فيه !.

أعطني إيماناً راسخاً أعطيك طمأنينة راسخة !. أعطني طمأنينة راسخة أعطيك راحة وسعادة وصحة وعافية ،، وبالتالي توازناً عقلياً ونفسياً وجسدياً.

جرى هذا الحوار مع رجل ما:

قلت له: أنتم معرضون للجفاف والقحط .   

أجابني: نسعى إلى مكان آخر ، نسعى إلى رزقنا ، وليس علينا سوى السعي  فرزقكم في السماء وماتوعدون.

قلت له: ألا تعصف ريح الرمال بكم أحياناً فتقلب قدوركم وتسقط مساكنكم وتأتي على ضرعكم ؟!.

أجابني: بلى ، عندئذ نعرف أنه قدرنا ، ولاشيء يدوم  فالشياه تُعوّض، والمساكن تقوم. نحن نسعى لأن نكون في الأمان ، لكن وإن حصل فيما لا طاقة لنا به ، نهتم ولكننا لانقلق لأننا اعتدنا شروق الشمس بعد الليل..

قلت له: ماذا لوهبت عليكم رياح العدوان ؟!.

أجابني: نحن في الأساس لانرى الموت كما يراه الآخرون. نحن نرى الموت نقلة إلى الحياة الباقية التي لا تشوبها المكائد ولاتُتوارث فيها الأحقاد ، وبالتالي فإن الدفاع عن الحق والكرامة أمر مثله مثل أنفاس هواء البادية !.

 من الواضح أن هذا الرجل عاش طليقاً في داخله إيمان حتى الأعماق.

  هؤلاء الناس هم من يعيشون فوق المائة عام وأقل الناس دفعاً لجيوب الأطباء..وهم في نفس الوقت أكثر الناس سعادة وبساطة ..

  وإذا كنا لا نستطيع أن نكون مثل هؤلاء الناس عملياً ، فلا أقل أن نكون مثلهم في قلوبنا... لأنهم وأمثالهم لايعرفون معنى القلق فهم لم يعيشوه وربما لم يسمعوا به !...

÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷

 الرؤية الثالثة عشرة:

جمع الأساليب !.

  هناك مثل شاع في منطقتنا يقول:

" لقد جرّ أهلُ القرية الجبلَ بخيط قطن ! "  دلالة على ضخامة المهمة وقلة الحيلة وطرافة الموقف !.

إن القلق راسخ كالجبل !. وإن الحيلة لقليلة .. وإن الفرق ما بين جبل القلق وقلة الحيلة ، ومابين تجاهل الأمر كله ، مايدعو للغرابة !.

من أطرف المشاهد المصورة على الفيديو المنزلي أن فتاة صغيرة كانت تكنس الصالة بناء على أوامر والدتها ، وحينما تجمعت الأوساخ نظرت حولها في كل اتجاه ولما لم تجد أحداً هرعت إلى إلقاء الأوساخ تحت السجادة !.

.. وكأن الأمر لايعنينا إلا إذا طفا على السطح.. كأن الأوساخ لاتعنينا إلا إذا رأيناها أمامنا شاخصة تقرح عيوننا وعيون الآخرين !.

هلاّ دخلنا إلى الأعماق ورأينا كم أن هناك من القاذورات متراكمة تحت السجادة ؟!.

إنني أعرف معرفة اليقين من خلال العديد من الحالات ومن خلال التجربة الشخصية والقراءات العديدة ، كم هو حجم وضخامة جبل القلق وهو يجثم فوق الصدور ، وأعرف مدى المعاناة التي يعانيها القلِق في حياته ، ومدى انتشار القلق في الأوساط المختلفة والآثار السلبية الناتجة عن كل ذلك . أنا لست الوحيد الذي يعرف.. أنت أيضاً تعرف.. وربما لم تقرأ هذا الكتاب ولم تصل إلى كلماتي هذه إلا لأنك تعرف وتريد أن تصل إلى إجابات عن أسئلة مطروحة في داخلك..

أملي أنني لم أقدم خيط قطن وحسب لشد هذا الجبل .. ربما قدمت مجموعة من خيوط القطن..وإذا استطعت ياصديقي ضم تلك الخيوط إلى بعضها فربما صنعت حبلاً.. وإذا استطعت ياصديقي أن تجزيء الجبل أو أن تفتته ، فربما تستطيع أن تنقل ذلك الجبل فعلاً بخيط القطن !.

لقد طرحت عليك ياصديقي أسلوبين للعمل أولهما  أن تنظر للحياة من زاوية جديدة ، وثانيهما أن تخاطب العقل الباطن..

أنا لم أتحدث عن الأدوية الطبية النفسية والمواد الفعالة فيها فهي ليست مو ضوع هذا الكتاب .

لكنني أيها الصديق العزيز ، وقد رافقتني كلماتي وأفكاري ووصلت معي إلى هذه المرحلة ، أحاول أن أفي بوعدي لك الذي حدثتك عنه في البداية عندما ذكرت الأسباب التي دفعتني لكتابة هذا الكتاب . لقد ذكرت لك وقتها عدداً من الأسباب واحتفظت بسر أجد نفسي الآن ، ونحن أصدقاء ، ملزماً بالبوح به.. وذلك لأنني وعدتك ولأن في ذلك فائدة بالغة..                                                     

    عندما تحدثت معك عن قلبي ، رويت لك قصة حقيقية سمعتَها ، وربما لفتت نظرك إلى أهمية موضوع القلق ، وعندما تحدثنا عن نصائح وأفكار معينة مثل عيش اليوم في حدوده وعدم النظر إلى مافات والبعد عن الاستغراق في توافه الأمور وعن محبة ماهو قائم والنظر إلى ما هو قريب ورؤية الأشياء ببساطة وطريقة جديدة في حسابات الغنى والفقر ومواجهة القلق ورؤية طبيب ولقاء صديق ووضع القضايا في إطارها والمحاسبة اليومية وغير ذلك من الأفكار، عندما كنا نتحدث عن كل ذلك فإنما كنا نخاطب العقل وحسب..                                                  

   وعندما تحدثنا عن التكرار والاسترخاء والتخيل الإيجابي والموسيقى والروائح والرياضة والمناظر والتأمل وممارسة الحب الإيجابية ، وعندما تطرقنا إلى موضوع الإيمان ، فإنما كنا نتوجه إلى العقل الباطن في محاربة القلق..                                                    

   وفي كل الأحوال كنا دوماً نخاطب جانباً من الإنسان في آن ، وربما نخاطب جوانب أخرى منه في آن آخر..       

   لقد خاطبنا العقل والقناعة في الكثير من الحوارات المنطقية ، وبعد ذلك حاورنا حاسة السمع ، أو الشم ، أو توجهنا إلى العضلات ، أو خاطبنا العقل الباطن.. ولكننا أبداً لم نتجه لنخاطب العقل الظاهر والباطن والحواس الأخرى دفعة واحدة أو معظمها على أقل تقدير..                    

  أذكر أيها الصديق أنه قد مرت في هذا الكتاب ، ولعدة مرات ، قصص تتعلق بتجاربي الشخصية ، وبالتالي لها أثر بالغ في تركيبتي النفسية وقلقي وبالتالي في جسدي أيضاً ، الأمر  الذي أدى بي إلى المخاطر التي جئت على ذكرها ..

    عندما وصلت بي الأمور إلى حافة خطرة شملت قلبي وأدت إلى ظواهر تتجه بي نحو القلق المرضي ، قمت ، وبخطوات ثابتة ، بالكثير مما جاء في هذا الكتاب..        

   لقد قرأت عشرات الكتب.. وفكرت في مختلف الزوايا التي يمكن أن أنظر منها مجدداً للحياة، ومارست الاسترخاء والتخيل والتأمل.. فوجدت النتائج فائقة.. أضحيت أقوى بكثير مما سبق في مواجهة عدو النفس والعقل والجسد.. تشبثت بجدار البئر وخرجت منه وأنا أنظر في أعماقه خائفاً.. وأحسست بأن الخطر مازال ماثلاً طالما لم أبتعد عنه نهائياً..                                                    

   كان لابد من شحن طاقتي باستمرار بالأفكار والرؤى الإيجابية وكان لابد من أن أقوم بأمر هام وحاسم وقاصم...

   إن أقوى المؤثرات التي تجمع عقلك الظاهر إلى الباطن وتدخلك إلى عمق أبعد من المعتاد ، وتشغل معظم حواسك إن لم يكن كلها ، وتقودك إلى طريق السلامة هي الكتابة..     

  إنني بعد أن قرأت ماقرأت وفكرت جلست أكتب بهدوء  ليلاً أو نهاراً ، وأنا يقظ أو نصف نائم ، أكتب كل الأفكار لك ، أو بالأحرى لي من أجل أن أتمثلها وتأكل القلق الذي في داخلي رويداً رويداً..                                   

   وإنني لأبشرك ياصديقي ، أبشرك بأن العملية قد نجحت إلى حد بعيد ..                                  

   إنه بعد بضع سنوات من السقوط في الهوة ، هاأنا ذا أعود أكثر فتوة وصحة ونشاطاً وحيوية مما كنت قبلها بقلب سليم قوي وبشهية كبيرة للحياة والسعادة ، وبدلاً من أن تبتلعني الحياة في هديرها ولوثتها ضممتها واتسعتُ لها وأحببتها ورأيت كل إيجابي فيها..                          

  لذا فاكتب ياصديقي.. اكتب كثيراً..                   

ولكن إياك أن تفعل مافعلته أنا في البداية.  عندما كتبت كتابي الثاني الذي احتوى على عشرين قصة قصيرة وضعت فيها الكثير من صور البؤس والذهول والمعاناة ، وجدت نفسي في نهاية الكتاب محطماً مثل أبطال قصصي.. فحوّلت..                                                  

 حولت في كتبي اللاحقة إلى الرؤية التي اقترحتها عليك في هذا الكتاب.                                           

وقد أجدَت نفعاً.. أجدت نفعاً لامثيل له .                  

فإذا كتبت شعراً فليكن فيروزياً.. وإذا كتبت قصة فلتكن عن النور والشمس والهواء النقي والأمل..                 

وإذا كتبت مسرحاً فليكن مسرحك مضيئاً ، وإذا كتبت مقالة فليكن عن الجوانب المضيئة ونصف الكأس الممتليء لتزيد القلوب بهجة وتفاؤلاً..                                      

  اكتب !. اكتب ، لأنك وأنت تكتب تستخدم كل شيء لديك دفعة واحدة..ولتعلم أنه من أجل أن تُقنع الآخرين لابد من أن تكون أنت نفسك مقتنعاً أولاً..                              

لابد من أن تكون سعيداً كي تقنع الآخرين بالسعادة.. ولابد من أن تكون مبتسماً كي تقنع الآخرين بالبسمة.. ولابد من أن تكون حيّاً حتى تقنع الآخرين بالحياة...                    

÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷

على هامش الكتاب                            

- لو اعتبرنا الحياة التي نحياها قطعة معدنية تصدأ مع الزمن ، أفلا يمكن صقلها وتلميعها ، وبذا يمكن أن تبقى زمناً طويلاً جميلة مبهرة .. أو ما رأيك لو كان هذا المعدن ذهباً ؟!.

- ما أشبهنا بدودة القز نلف شرنقتنا حول أنفسنا كي تخنقنا في النهاية..فماذا لولم نصنع تلك الشرنقة، وماذا لو اخترقناها لو وجدنا أنفسنا فيها ثم خرجنا إلى النور والهواء ؟!.       

- أليس من الأفضل أن يكون الإنسان نقطة ماء صافية من أن يُذاب فيها بعض السكر فتصبح مرتعاً للجراثيم ؟!. ثم أليس الأفضل من هذا وذاك أن يُذاب فيها بعض العسل فربما تعيش مديداً دون أن تفسد ، ثم أليس الأفضل من كل ذلك أن نتحول أنفسَنا إلى نقطة عسل بالكامل ؟!.                  

- إذا كان الإنسان حبة زيتون تنمو وتسقط وتتبدل كل عام  .. أليس من الأفضل أن يكون شجرة الزيتون نفسها التي تعيش دهراً صامدةً في وجه الزمن العاتي قادرة على التجدد والتجديد والعطاء ؟!.                                      

- بعض الناس كالشوكران سمٌ ولافائدة ، وبعضهم مثل الباذنجان دون فائدة تُذكر ، وبعضهم مثل  منظر جميل دون رائحة جميلة ، وبعضهم مثل الثوم لا شكل ولا رائحة ولكن بفائدة عظيمة ، وبعضهم مثل الفاكهة شكل وطعم ورائحة ولكنها لاتعيش طويلاً.. وبعضهم كالشهد طعم ورائحة وشفاء ولايحسب للزمن حساب..           &n