
الشوك في الصدر
|
القسم الثاني: القسم الثاني: رؤية جديدة للحياة في اثنين وعشرين موقفاً: 1- مقدمات تساعدك 2- عش يومك 3- الكسر في المكسور 4- الأدب الأسود 5- توافه الأمور 6- صعابك.. 7- حسابات الغنى 8- مقولة صديقي 9 - الخوف والقلق 10-المواجهة 11-العيادة 12-الكتاب 13-صديقك الذي.. 14-الجلاّد 15-حساب النفس 16-تجارب الحياة 17-سجاياك 18-الحقد 19-حرب الأجيال 20-اللوم 21-المشكلة في إطارها
|
|
الرؤية الأولى: هل أنت قادر على وراغب في تغيير بعض عاداتك ؟؟ لن أتحدث في هذا الموقف عمّا يقهر القلق، بل عما يمهد الطريق لقهر القلق. أعتقد أن الفرق واضح.. عندما تريد استقبال ضيف فإنك تعيد ترتيب بيتك، وتقوم بتنظيف مايجب أن يُنظّف، وتضع الورد في المزهرية، وتتأكد من جاهزية الهاتف والتلفزيون ومن خلو البيت من الروائح الغريبة، ومن وجود القهوة والعصير وعدة الضيافة.. كل ذلك تهيئة لاستقبال الضيف لكن الاستقبال لايكون قد تم بعد !. كذلك لو أراد الطبيب إجراء عمل جراحي ما فإن عليه التأكد من جاهزية غرفة العمليات وسلامة المعدات وجاهزية الكهرباء والأكسجين والمخدر وطبيب التخدير وطاقم العمل ، لكن وحتى ذلك الحين فإن العملية الجراحية لم تحدث. إنني في هذا الموقف أبحث عن الأشياء البسيطة وربما البدهية والموجودة في متناول اليد والتي تشكل توطئة هامة من أجل التصدي للقلق.. أما التصدي نفسه فهو أمر متروك للمواقف اللاحقة . هل أنت قادر على وراغب في تغيير بعض عاداتك ؟ أقول بعضها على أقل تقدير ! إن أجبت بنعم فتابع قراءة هذا الكتاب لأنك ستصل حتماً إلى نتيجة مفيدة ! وإلاّ فألق به بعيداً فهو غير مفيد بالنسبة لك، فأنت لستَ على استعداد للاستفادة منه ! أمر هام آخر يجب أن يُضاف وهو أنه لابد من مكاشفة النفس واستعدادها لحسن الأداء فيما تراه الأفضل من خلال الحوار، والقدرة على الصدق مع الذات. إن كنت جاهزاً للصدق مع نفسك ومكاشفتها فتابع رحلتك معي، وإلاّ فتابع حياتك بالطريقة التي اخترتها لنفسك. لنبدأ: أولاً: ماهو موقفك من النظام اليومي العادي ؟ هل فكرت في كل أمسية أن تستعرض نهارك الذي مضى وتحدد بشكل عام مخطط اليوم التالي ؟ هل تسجل مواعيدك باستمرار أو تعتمد على ذاكرتك فقط ؟ هل تلتزم بمواعيد الاستيقاظ والعمل والطعام والنوم ومواعيد الغرباء والأحباء ؟ هل تذهب إلى صديق دون موعد وتقبل منه أن يأتيك كالقضاء المفاجيء؟ هل تحدد لنفسك مواعيد للراحة وهل تحترم هذه المواعيد؟ وأخيراً هل لك أن تعرف كيف أن عضلة بحجم قبضة اليد تظل تعمل ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً باستمرار ودأب وتغذي جسداً وزنه أكثر من سبعين ضعفاً لتلك القبضة ، ثم تعيش عمرك كله لاتكل ولاتمل ؟؟ .. قلبك ياصديقي هو تلك العضلة التي لاتزال تضخ الدم بلا توقف !!. عضلة القلب تلك، من أجل أن تؤدي هذا الأداء الرائع، تقوم بتسلسل جزئيات عملها بانتظام دقيق. لو اختل نظامها لاختلت الحياة .. إن الدقة الزمنية هامة ونحن البشر كثيراً مانهملها، لكنها هامة وخطيرة أيضاً لأن الزمن هو الحياة. إن انتظام عمل القلب ضروري لاستمراره وقوته. الشيء الهام الذي لايعرفه كثير من الناس هو أن للقلب فترة راحة أساسية ضمن كل دورة نبضية، فالقلب لايعمل دون فترة راحة قد تصل إلى نصف الوقت وهي التي تعطي القلب فر صة الاستمرار طويلاً بدأب وقوة تفوق أية عضلة أخرى مئات المرات. فهل يمكن أن نتعلم من قلوبنا النظام والدأب والراحة أيضاً ؟؟ قام أحد أرباب العمل بتجربة في معمله لألبسة الأطفال لمدة شهر. كان يوزع قطع الألبسة المفصّلة على عماله الخمسين ليقوموا بخياطتها. جلس إلى طاولة فوق رؤوسهم مراقباً ، وبحجة أن لديه طلبات يجب تنفيذها في موعدها كان يحثهم باستمرار على الإنجاز دون توقف لمدة ثماني ساعات. لم تمض ساعة حتى بدأوا يتأففون، ثم يسترقون النظر من تحت الأهداب محاولين سرقة لحظات راحة !. كانت النتيجة أن معدل الإنتاج لم يكن مرضياً وأن نسبة الأخطاء مرتفعة !. عاد لاحقاً ليغير من أسلوبه وبيّن لهم أنه مازال بحاجة لإنجاز الطلبات في مواعيدها. بعد حوالي ساعتين من بدء العمل ترك لهم دقائق من الراحة لشرب كوب عصير أو ماء أو احتساء فنجال من القهوة..كرر العملية كلما أحس أنهم مالوا للتعب والضجر .. وكانت النتيجة مرضية إذ أن معدل الإنتاج زاد بنسبة 15% ونسبة الأخطاء تناقصت بمعدل 60%.. قلبنا يعلمنا النظام والمثابرة والراحة، فهلاّ تعلمنا منه ؟!. خذ قسطاً من الراحة كل يوم حتى لو كان نصف ساعة واختر الوقت المناسب لها وهو في العادة يكون وقت القيلولة. ثانياً: رتب أعمالك حسب الأهم فالمهم، ثم لاتؤجل عملاً إلى غد وأنت تستطيعه اليوم فغداً له أعماله التي يجب أن تؤدى فيه. ثالثاً: كما هو مطلوب منك النظام في العمل والراحة كذلك فهو مطلوب منك في عادات التغذية. مصيبتنا نحن البشر إما في التخمة وإما في الجوع. هل رأيت حيواناً يأكل أكثر من حاجته، أو يكتفي بأقل منها ؟! نحن البشر إما محرومون أو متخمون..والقلة هم المعتدلون. أن التخمة الآتية من الأطعمة الكثيرة المعقدة، ومن إدخال الطعام على الطعام، لايترك المجال لدورة دموية طبيعية تغذي أجهزة الجسم الأخرى حيث أن الجهد ينصب على المعدة. من الخطأ الشائع أن كثرة الأطعمة وتنوعها مصدر للعافية، بل إنها مصدر للسقم والوزن الزائد والعطالة العقلية والجسدية ولا أفضل هنا من ترك الطعام والشهية مازالت موجودة، وعدم الإقبال عليه إلا في موعده مهما كانت المغريات. الجوع أمر مرفوض أيضاً، فالجسم بحاجة لوقوده بتنوعه الخفيف والمحبب وخاصة ماكان منه قريباً من حالته الطبيعية، وكلما زادت العمليات التي تُجرى على المواد الغذائية كلما أصبح أكثر سوءاً، فحلوى الأشجار (الفواكه) هي الأرخص والأفضل من الحلوى المعقدة في الأفران والتي يزيد سعرها عشرات المرات. الجسم بطبيعته مُهيأ لقبول الأولى أكثر من الثانية. ..ولكنه رغم أن الجوع يعني التقصير في إعطاء الجسم حاجته فإنه مرفوض أيضاً رغم أنني أحبذ أحياناً أنواعاً من الصيام التي تترك للجسم فترة تنقية وتجديد وراحة . رابعاً: إننا نمزق في أمنا الطبيعة فننفث السموم في هوائها النقي ونقتلع أشجارها ونلقي الأوساخ في مياهها، لكن الأم أكثر حناناً من أبنائها فمازال هناك متسع للأبناء في صدرها. ليس من الضروري الذهاب في رحلة نائية إن لم يكن لديك فائض من المال..فربما زيارة حديقة أو التمشّي على رصيف شارع هادئ في مكان قليل العبور يؤتي أُكُلاً . إنني أحب الخضرة والشجر..والتجوال في ضوء القمر والتمدد على العشب وإطلاق النظر..أحب حفيف الأوراق وخرير المياه ورائحة الزعتر والزيزفون والبيلسان والأقحوان..أحب الأماكن التي تنتشر فيها الورود والأعشاب البرية امتداداً بلا حدود.. لابد أن الظروف قد ألقت بك ذات يوم في منطقة ريفية بهذه الأوصاف، ولابد أنك لاحظت تأثيرها الإيجابي في إرخاء المتشنج من عضلك وفي تبديل مشاعرك إلى مشاعر تلقي بهمومك بعيداً. إن الحركة والاسترخاء بين ضلوع الطبيعة هو متعة وراحة وإحساس بالأمان والسعادة.. خامساً: غيّر وضع جسمك إذا أحسست بالسأم أو الضجر أو القرف أو القلق . إذا كنت منتصباً فاجلس، وإذا كنت جالساً فاستلق. وإذا كنت قابعاً على كرسي فتريّض وغير هواءك ومنظرك وكل ماحولك. هذا التغيير البسيط سيقلب مزاجك أو بعضاً منه! . أقول لك نصيحة أخرى من تجربتي الخاصة: عندما تحس أحاسيس غير مريحة بدّل ملابسك الداخلية إن أمكن واحلق ذقنك وقف تحت رذاذ الماء الدافيء، فإن ذلك يوقف التشنجات والأحاسيس السلبية. سادساً: قم بزيارة القبور. إنها زيارة، مهما بدت غريبة، تُدخل إلى نفسك فيضاً هائلاً من المشاعر الإنسانية ! كثير من الناس من يتردد، ينسى أو يتناسى، غير أن مثل هذه الزيارة إلى قبر قريب أو حبيب، تنقّي نفسك من الكثير من الشوائب وخاصة إذا قمت ببعض الأدعية والصلوات الهادئة النقية. إنك ستحس في مثل هذه الزيارة بأنك حققت نوعاً من الثورة الداخلية على الكثير من دواعي القلق.. صحيح أن الناس يتهيبون الموت باعتباره أمراً رهيباً مجهولاً فيه فناء للجسد والدخول في عالم لم يتأكدوا من كنهه ( رغم أن المؤمنين يجدون راحة أكبر بالطبع) ، لكن النظرة للأشياء تصبح مختلفة وأكثر اطمئناناً واعتدالاً بعد مضي أقل من ساعة على هذه الزيارة.. سابعاً: تتم في فيزيولوجية القلق بضعة تبدلات هامة، منها صب العديد من الكيماويات السامة في البدن، وتضيّق الشرايين وتسرع في حركة القلب ، والتدخين يفعل الفعلة نفسها!. أنا لم أر في حياتي أكثر حماقة من المُدخّن ! . ببساطة شديدة يعرفها كل الناس إنه يوجد في كل سيجارة مئات المواد السّامة التي تساعد على تضييق الشرايين وعلى تبدلات فيزيولوجية ونفسية ليست لصالح الحياة, كما أنها لاتكتفي بالآثار الآنية بل تخلف رواسب تعيش مع الجسم ردحاً طويلاً من الزمن. ليست السيجارة قنبلة سامة وحسب، بل هي أيضاً قنبلة موقوتة ومجموعة من الألغام. ليس هناك من لايعرف أضرار التدخين ورغم ذلك يقوم المدخن بدفع الثمن إلى المروجين والمهربين برغبة هي أقوى من شراء الخبز للأطفال!. في الخلاصة، فإنه قبل الحديث عن أساليب قهر القلق ودحره، فإنه من الهام أن تدرك أن النقاط السبعة التي وردت آنفاً وهي تنظيم الأمور وترتيبها حسب الأهمية، واتباع أسلوب غذائي مريح، وفي التقرب من حضن الطبيعة.. وفي التحريك الجسدي وتلوين الوضع وزيارة القبور والإقلاع عن التدخين.. هذه النقاط يجب أن تكون بدهياتك الأولى للدخول في قلب معركة الحرب ضد آفة القلق التي تمزق يومياً سعادة الكثيرين وحياتهم . قم أولاً بتمهيد الطريق وتنظيف الأرضية لتصبح صالحة نتداول عليها في البحث والفعل الشامل للخروج من أسوار القلق.!. الرؤية الثانية: فقدت أمي أباها ثم ابنها الأول عام 1941 وكان وقتها مازال الفرنسيون يسكنون منزل أهلها في الضاحية القريبة من دمشق.. وكانت على خلاف دائم مع زوجها الذي كان يرتزق بعيداً وأهله كذلك. كان عليها أن تذهب كل بكور إلى براري البلدة لتمضي نهارها مع الأخريات في الزرع والحصد والشقاء الذي لاينتهي معه أمل بمستقبل يبدو مظلماً. تمثل الماضي في أحداث مؤلمة صاعقة، كما تمثل المستقبل في ليل مدلهم.. وكان هذا الوضع حرياً بالكثيرين كي يفقدوا عقولهم. يجلس أحدنا الآن إلى كرسيه وطاولته ويستعيد ما جرى له من مشاحنات ، ثم يكررها في داخله ويلوكها، ثم يجترها في حزن وكآبة ويتمنى لو أن ماحدث لم يحدث، ثم ينظر إلى المستقبل جزعاً، فماذا لو مرض ودخل المشفى وتعطل عن عمله ؟! وماذا لو أصابه الجور المتعمد ؟ وماذا لو وقع ابنه من الشرفة ؟! وماذا لو وقع فريسة حادث ما؟! وماذا لو خانته زوجه مع صديقه؟! ماذا وماذا؟؟ يجلس أحدنا والماضي يسحقه والمستقبل يطحنه ! . لو قارنّا حياة الثلاثينات والأربعينات، وحياتنا نحن وقد تجاوزنا القرن العشرين كله، لوجدنا أن بشر القرن الماضي عاشوا ظروفاً أقسى ألف مرة من الظروف التي نعيشها، فلا طعامهم كطعامنا، ولا دواؤهم كدوائنا ولا وسائط نقلهم واتصالاتهم كوسائطنا ولا فرص تعليمهم كفرصنا، ولا إحساسهم بالحرية والأمان مثل إحساسنا.. ومع ذلك فقد عاشت أمي حتى الآن بصحة جيدة نسبة لسنوات عمرها.. هناك سرّ صغير في هذه المقارنة ! في تلك الفترة ولكثرة الهموم اعتمد الناس على الحياة يوماً بيوم, بل وساعة بساعة!. "أصبحنا وأصبح الملك لله !. يوم جديد وأمل جديد . اليوم يوم آخر .. اللهم أسبغ علينا نعمة النسيان ! " كانت تستيقظ أمي في الرابعة صباحاً، وذلك في الفترة التي امتدت حتى الخمسينات من القرن الماضي، تستيقظ لتذهب إلى حقول الغرب تحتطب وتجمع أشجار الجوز المتساقطة في صُرّة كبيرة تحملها على قمة رأسها. تقوم إثر ذلك ، وفي برودة الصباح، بإحماء التنور للشروع في خَبز الخُبز الذي حضّرت عجينته قبل النوم.. ثم توقظني وتحضّرني للكتاب ثم تتابع خبزَها ليكون جاهزاً عند عودتي وبعض منه محشو بالخضرة والزيتون ، فاللحم كان نادراً.. يلحق بكل ذلك غسيل الأسمال.. ثم حوار الجيران وحديث النسوان.. ثم قصص الشاطر حسن وأغانيه!.. تأتينا الكهرباء الآن بدل الوقيد بضغطة زر، ويأتينا الخبز إلى باب البيت, وكل أنواع الأطايب تأتينا بهاتف خليوي على الماشي.. وبدلاً من ثرثرات النسوة تشاهد مئات القنوات الفضائية.... الفرق بين أمي وابني هو أن أمي كانت تعيش حياتها لحظة بلحظة.. اليوم الجديد هو حياة جديدة.. ولاينوء إنسان ما بعبء يوم واحد مهما كان هذا العبء ! أما ابني فهو ينوء بهموم ماسبق وبما يمكن أن يلحق مهما كانت قدرته على التحمّل.. عش حياتك يوماً بيوم، وساعة بساعة..هذا هو المبدأ الأول.. مهما كان عبؤك ثقيلاً فهو أمر محتمل طالما نظرت إليه من وجهة نظر يوم واحد.. مات الماضي فلماذا يثقل كتفيك..ارتحل وانتهى فلماذا تجعله كابوسك.. دعه خلفك ! أنا لاأطلب هنا نسيان الماضي وعبره، بل إن الفرق الذي أطلبه هو الاكتراث. لاتكترث له لأنه لن يعود، ولتعلم أن نعمة النسيان الإلهية نعمة كبرى تزيل الكثير من دواعي القلق. كذلك فإن المستقبل مجهول مهما توقعناه، وحتى لو توقعنا الأسوأ فلندع قلقنا بشأنه إلى وقته.. والغد كفيل بمشاكله ومتاعبه، فلماذا نحمّل يومنا هذا مشاكل غيره من الأيام ؟!. أنا، لست أنا الأمس، ولن أكون أنا الغد.. بمعنى أن كل شيء ليس هو نفسه أبداً.. وبمعنى آخر أن الحياة في حركة دائمة وصيرورة مستمرة، فالخلايا الحية تنمو وتموت وتتطور في كل لحظة، والحياة النفسية تتبدل باستمرار، ومايصح اليوم قد لايصح غداً.. هذه طبيعة الحياة فلماذا نقلق من أجل الأشياء التي هي غير موجودة، الماضي والمستقبل ؟!. أنا لاأطلب هنا أن لا نخطط للمستقبل، بل على العكس، علينا أن نهيء أسباب النجاح إلاّ أن الفرق هو أن لانقلق من أجله.. ولنسر على أسلوب "اعقل وتوكل.." . عش ياصديقي يوماً بيوم ! لاتكن مثل حفّار القبور الثرثار ! وقصة حفّار القبور هذا أنه كلما حفر قبراً عانى مرضاً بسبب قلقه من أن يُدفن في القبر الذي حفره.. هو ولاشك يذكر كيف أكل السرطان الميت الذي دفنه وهو لاشك سيكون مصيره مثله!. كما أنه قد يُكسر عموده الفقري مثل فلان ويصبح أسير الفراش والموت.. أو قد يتورط في مصيبة ويُحكم عليه بالموت.. في كل يوم كان يموت لأنه يعاني القلق من ماض أصبح ماضياً..ومن مستقبل لم يولد. عش يومك ليومك في تفاصيله ولتعلم أن هذه هي الحياة..الحياة هي اللحظة التي تعيش. عشها في الإنجاز والعمل والثقة والطمأنينة والسعادة ولاتكن أسيراً لغيرها..فلا أنت بحاجة للماضي ولاهو بحاجة إليك إلا من حيث العبرة وليس من حيث القلق.. لاأنت سيد المستقبل ولا أنت عبد له ! . جرب أن تكتب شعاراً ترتاح له. علق على مرآتك الصباحية قولاً مثلَ: اليوم حياة جديدة ..أو: اللهم بارك نهارنا هذا ! في حديث تم بيني وبين أحد شباب قبرص الناجحين ذكر لي أنه كان يعاني الكثير من الهموم التي تقعده عن إنجاز أي شيء هام .. غير أنه قرأ كتاباً وجده مصادفة يتحدث عن الحياة يوماً بيوم غيّر مجرى حياته وجعله ينجز أضعاف ماكان ينجز، وجعله أكثر سعادة وإشراقاً. وضع هذا الشاب شعاراً له في غرفته وفي سيارته وفي مخزنه يقول:( لاتفكير هذا اليوم إلاّ في هذا اليوم!) ليس الأمس إلا خيالات الماضي ، وليس الغد إلا خيالات المستقبل، وكلا الماضي والمستقبل ليسا إلاّ خيالات، فلماذا نهجر الواقع من أجل الخيالات ؟؟! . يحضرني تشبيه في هذا المجال: أمام نافذتي بضعة شجيرات ورد بسيطة لكنها في غاية الروعة، ذات رائحة زكية فوّاحة أرى الجمال يستيقظ فيها كلّ صباح.. لكن بربك، كيف تراني وأنا بدلاً من ذلك أهتم لورود قد تكون هناك في الأفق أو قد لاتكون؟! كيف تراني ؟ ألا تظن أنني في ذلك أحمق؟ .. لو ظننت أنني أحمق في ذلك فلابد وأنك أحمق عندما تتغاضى عن يومك وساعتك من أجل ماضٍ بعيد أو مستقبلٍ بعيد !!. يمكن ملاحظة العديد من الأشخاص الذين يعانون القلق بسبب تجاربهم السابقة أو الخوف مما قد يأتي، وكل ذلك يحملهم عبئاً ينوؤون تحته.. ولأن الفصل بين الماضي والحاضر والمستقبل أمر في غاية الأهمية، فإن كل من استطاع أن يتبينه أضحى أقرب للسعادة. ÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷ الرؤية الثالثة: الكسر في المكسور ! قدمت الامتحان عام 1962 في ثانوية أمية بدمشق، ولكنني عندما خرجت من قاعة الامتحان ألقيت كتبي ممزقة على رصيف الشارع وعضضت أصابعي بشدة معانياً من قلق شديد على النتيجة التي قد لاتؤهلني لدخول الجامعة.. أمضيت شهراً كاملاً معتكفاً في الغرفة وقد عانيت هزالا ًشديداً أقلق والديّ حتى أن أصدقائي الذين تناهى إلى سمعهم ما صرتُ إليه أقبلوا على زيارتي، غير أن زياراتهم لم تكن كافية لإزالة التوتر من داخلي.. إلى أن جاء يوم زارني فيه أحد المدرسين الذين كنت أحبهم وكان هو يعلم مدى الجهود التي بذلتها خلال العام الدراسي. كان أبي موجوداً وكذلك بعض زملائي. استمعوا جميعاً إلى الحجج التي ألقيتها جزافاً للقلق الذي أعانيه. تحدثت عن أخطائي التي كان يجب ألاّ تكون وعن الشك في مستقبلي الدراسي. أكد لي المدرس أن الصواب عندي أكثر من الخطأ وبالتالي فإن النجاح مضمون بإذن الله. لم تكن الحجج مقنعة بالنسبة لي إذ أن قلقي ازداد لأنه في حال ذلك النجاح لن أستطيع دخول الكلية التي أرغب بها..وأنا أعلم علم اليقين أنه ليس لدى أسرتي ما يسندني للسفر لتحقيق آمالي الدراسية. تحرك المدرس, والموقف كذلك, نحو الطاولة الدائرية الوحيدة في منزلنا والتي تعلوها مزهرية يتيمة وضعنا فيها بعض الزهور، وهي الشيء التجميلي الوحيد لدينا, تحرّك ثم أهمل تجنّبَ المزهرية فوقعت أرضاً وأصبحت قطعاً متناثرة.. كان المدرس يراقب تعابير وجهي!. قال والدي منزعجاً: لابأس ياأستاذ ! وهرع زميلي يلملم القطع المتناثرة وأخذتُ أقضم أظافريدي, ولدي من الأسباب مايزيد من قلقي ضيقاً من تصرف المدرس وخوفاً على مشاعر أبويَّ . في ذلك الحين كان يراقب تفاصيل القطع الزجاجية مصيخاً السمع للهمهمات، ملاحظاً تعابير الوجه وقضم الأظافر.. إلى أن هدأت موجة ردود الفعل الأولى. رفع المدرس وجهه، ومسحة ابتسامة عليه، في فترة صمت مناسبة ثم سأل: ( من منكم يستطيع إعادة المزهرية إلى ماكانت عليه تماماً ؟ ) لفّ الاستغراب وجوهنا لحظات إلى أن ابتسم أبي قائلاً: وهل هذا ممكن ياأستاذ ؟؟ حدق المدرس في وجهي وسألني رأيي بالذات فأجبته إن ذلك بالطبع غير ممكن..تابع المدرس ابتسامته وتابع حديثه وكأنه لم ينقطع عنه: .. ربما كان من الممكن أن أكون أكثر حرصاً بحيث أتفادى وقوع ماوقع! لكن، وقد سقطت المزهرية الآن وتحولت إلى قطع متناثرة، فليس من الممكن إعادتها إلى ماكانت رغم أنها سقطت منذ لحظات وحسب.. علّقت على كلامه قائلاً: - إذن ماهي الفائدة في التفكير في إعادة المزهرية إلى ما كانت عليه ؟! - أجابني بصرامة: - تماماً مثل الفائدة التي تجنيها من التفكير في امتحاناتك وأسئلتك التي انقضت ! .
ماقد مضى قد مضى.. مافات مات.. وما مات فات.. وليست هناك فائدة في التحسر والقلق على مافات.. وليست هناك فائدة في جَلد الميِّت !.. "لاتبك على مافات " مَثل سائر بسيط فيه الحكمة. مصيبة الإنسان أن يهرق الدموع بلانسيان على ماقد مضى، وليست هناك قوة في الأرض قادرة أن تعيد الماضي..خذ العبرة وانس ماحدث، فحاضرنا أجدر بنا..
÷÷÷÷÷÷÷ الرؤية الرابعة: الأدب الأسود ! ماذا لو استفقت صباحاً في يوم ربيعي جميل, ثم فاجأك صوت المطرب الكبير وهو يعيد ويكرر " عدت يايوم مولدي، عدت ياأيها الشقي ! ." ؟. ثم أمضيت طيلة يومك تتلوع مع أغاني التعاسة وأدب النواح، تمسك بكتاب فتقرأ قصص الخادع والمخدوع، القاتل والمقتول.. ثم تتلفت إلى نشرات الأخبار فتسمع قصص الغريق والحريق والفيضانات والزلازل ، ثم الحروب والقتل بسبب وبدون سبب..!. .. وعند المساء قبل أن تنام وعندما تنام تترنم مع مطرب كبير آخر " إني أتنفس تحت الماء، إني أغرق ، أغرق ، أغرق.." ثم وبعد أن تتكرر المصائب كل يوم، وعلى مدى سنوات ، عليك، ومن المفروض أن لاتحس بالقلق، فالدنيا بخير والمستقبل بخير.. لقد كثرت وسائل إيصال المعلومة والصورة والصوت إلى القابعين في الفراش يرتعدون من التفنن في أساليب الرعب ومناظر القتل والدم، وفي اختراع أساليب القدرة على قهر الآخرين..إلى أن نشأت رغبة في داخلنا في أن نكون الصياد ونخشى أن نكون الصيدَ طالما أن الأمر حسبما نراه في هذا الأدب الطاغي عبارة عن صياد وصيد.. قاتل وقتيل، وحش وفريسة..إلى أن تثور الفريسة بشكل أو بآخر، فتنتقم لنفسها بطرق شتى، ولكن بعد الكثير من الخسائر وبعد أن يكون كل شيء قد ضاع. جاء الأدب الأسود، وهو أدب طاغ واسع، ليتفنن في إبراز الألم وتضخيمه.. أو ليقول لنا إن الحياة شيطان وملاك، كاسب وخاسر،ذئب وشاة،أسود وأبيض.. أنا لاأرفض ولا أنكر وجود الظالم والمظلوم، القوي والضعيف فهي سنة الحياة، لكنني أرى الحياة تسلسلاً رمادياً، ليس أسود بالكامل وليس أبيض بالكامل..ليس هناك من قائم على فعل ليست لديه وُجهة نظر على أقل تقدير من جانبه، وليست لديه ظروفٌ ابتلعته داخلها، وهنا يأتي دور العدالة، إن كانت عدالة بشرية ناقصة أو إلهية كاملة، إن كانت آنيّة أو مؤجلة.. إن كان الأدب الأسود مسموعاً أو مقروءاً أو مُشاهداً فهو أدب يساهم في دفعنا إلى القلق.. وكلما ازدادت جودة هذا الأدب أسلوباً وكلما تعمقت نزواته كلما صار أبعد أثراً في بث القلق.. أعترف بأنني لاأستطيع الرد على قائل بأن الحياة هي كذلك والأدب تعبير عنها، لكنني أستطيع أن أطلب عدم المبالغة في ذلك وإنصاف الأدب المضيء " والذي هو في العادة أقل إثارة من الأدب الأسود". بدأت شابة رحلتها من "ماجدولين" و "تحت ظلال الزيزفون" و "شجرة اللبلاب" ثم مرت عبر أفلام هيتشكوك إلى أن وصلت إلى أفلام الرعب ومصّاصي الدماء والجماجم والقطع الآدمية الأخرى.. انهارت بعدها في هلع مجهول وهي في ثوب الزفاف خشية أن يأكل العريس ثديها كما قرأت في إحدى القصص.. هناك نسخة أخرى من الأدب الأسود غير أدب الرعب والهلع، ألا إنه الأدب الذي يصور المرأة على أنها المبدأ والنهاية أوأنها اللذة المغلّفة بالحرير، إذ هناك من يغطس في أوهام كالأحلام، أو من يقسم أن لا امرأة إلاّ هي !! إنني لن أتطرق إلى هذا الأدب المغلف بالياسمين ورنين خلخال عطور الأسرة، والمائج بالشهوات المرضيّة المعدية، لأن غايتي في هذا الكتاب أن أستعرض الطرق المؤدية إلى القلق ، والطرق المؤثرة الفاعلة في محاربة القلق وحسب، وليس البحث عن مولّدين للقلق أو الجُناة فيه !!. لابد وأنك، في هذه الحال، تتساءل عن الفن والأدب الذي أرتضيه ! أقول إنه الأدب الذي يسمو بالنفس والأخلاق ويُمتع من حيث يفيد .. أقول لكَ فيروز والنسمة والفصول والحقل والأم والزهر والزعتر والأغنية مع الساعد والمحبًة ! أقول لك البحتري والمعري والمتنبي والحمداني ! أقول لك أناشيد القلب والطفولة وأغنية الأم على سرير النوم.. أقول لك قصة السندباد والأولاد.. أقول لك قصة حمدان وعيًوش، أقول لك ملحمة المحبة لتراب الأرض.. أقول لك خرير الساقية ودغدغة الريح وثلج الجبل وموج البحر وعبور السفن..!!. "كن جميلاً ترى الوجود جميلاً" " اضحك تضحك لك الدنيا" أقوالٌ لاتجهلها ولكنها ليست نبراس الحياة التي (نتعاطاها).. إنني في هذا الموقف أحيي الإذاعة التي توقظنا على "مرحباً ياصباح" ، على صوت جميل وقول جميل يحيي فينا التفاؤل كل مطلع نهار.. .. ومع احترامي لجمالية أعمال أدبائنا وفنّانينا الكبار، ومعظمهم قد رحل، فإنني أرى في عدد من أعمالهم وسيلة من وسائل الانكفاء في وطننا العربي..إذ مازلتُ أذكر كيف تجري الدموع مدراراً ويتعالى النحيب في إحدى صالات دمشق السينمائية في الستينات، لأن الحبيبة كانت مظلومة بسوء تفاهم، ولأن الحبيب كان يغني ، أو العكس بالعكس.. ..ولأن شخصية الإنسان تتركب من شيئين أولهما إرثه وثانيهما ألمؤثرات المتوالية عليه.. ولأن الأمر كذلك فقد نشأ جيل من الشاكين الباكين المظلومين القلقين.. .. إذا قلنا في الأدب الأسود أن حادث سيارة قد واجه البطل فعلينا أن نعلم أن المتلقي يضع نفسه مكان البطل متوقعاً حادث السيارة يصيبه..، وإذا رأينا في الأدب الأسود أن الفتاة العفيفة الشريفة الظريفة تتعرض لحادث اغتصاب غصنا في تفاصيله، فعلينا أن نتوقع من بناتنا الخوف والرعب والقلق.. ليس من الضروري أن تُثبّت الكمرا على تفاصيل التفاصيل، وعلى الصراخ والألم.. لسنا بحاجة لتضخيم الألم كي لا نُصاب بعدواه.. نحن بحاجة لتضخيم الفرح كي يصيبنا جزءٌ منه .!.
الرؤية الخامسة: توافه الأمور ! تابع زاكي مراحل دراسته المختلفة بالروتين المألوف محققاً درجاته عند حدودها الدنيا، لكنها كانت كافية. كان هناك من يصفه بالهدوء وهناك من يصفه بالبلادة، أو بالعمق كالماء الراكد، لكنه في كل الأحوال كان بطيء الأداء يشتكيه مراجعوا دائرته وكذلك زملاؤه. قررت أن أتابع نشاطه اليومي ذات مرة لأستشف أسلوبه في إدارة حياته، وأكتشف سر البرود والتجهم الذي يعلو تقاسيم وجهه دائماً .. وكان هناك الكثير مما أدهشني لأنه في الواقع ليس في حياته ما يُدهش على الإطلاق. ولتفسير هذه العبارة " أدهشني لأنه ليس في حياته مايُدهش" إليكم صورة ليومه المكرور .. يستيقظ زاكي على رنين جرسٍ أجشٍّ قديم، فيتحرك متثاقلاً ومازالت روائح الدخان عالقة بكل شيء في الغرفة، فهو مدخن شره والسيجارة جزء لايتجزأ منه أوهو لايتجزأ منها. يلقي بنظرة عابرة على اللحاف الذي تجمع في الزاوية خارج الفرش ويتأفف متثاقلاً ثم يتحرك ببطء باتجاه الحمّام وفو طته التي اعتادت عليه واعتاد عليها مرتمية حول عنقه، مُخرجاً كلمات مضغوطة من حلقه: قومي يازُهريّة ! حضِّري لنا الإفطار ! تتحرك زهرية ، وهي في حركتها نسخة أخرى منه، أقل وزناً وقادرة على الحمل والولادة. تفرك زر الراديو القديم المغرمة به لأنه نافذتها الوحيدة على العالم. هذا الراديو لايعمل إلا إذا أُعيد ترتيب بطارياته في كل مرة. زاكي رجل موظف تجاوز الأربعين، ابن لعائلة عادية، وهو يبني أسرة عادية تدعمها وظيفة عادية روتينية لاتتعدى دواماً عادياً وراتباً عادياً.. يطول حديث زاكي مع زملائه عن الغلاء والأسعار وعن فلان وفلان وعن الكلمات المتقاطعة وعن مشاكل الدول الكبرى.. ثم يتحول الحديث إلى السجائر والفطائر وجلسات المقاهي.. إنه رجل مغرم بالمقاهي يقضي كل فارغ وقته المُفَرّغ في المقهى الموجود وسط المدينة ليس بعيداً عن بيته.. ..ولأن زاكي يقضي وظيفته ضمن جدران عتيقة نسيتها السنوات، ولأنه يقضي باقي نهاره في مقهى أصبحت خطوط ثنايا جدرانه مألوفة لديه، ولأنه يقضي مابين مسائه المتأخر وصباحه الثقيل في منزل كثير العبق والفوضى قليل التعابير الحيّة..لأنه كذلك فقد لفّ نفسه قشر سميك من البلادة والغرق في التّوافه والأشياء الصغيرة المكرورة. لم يتعدّ الحديث الذي يدور في العادة بينه وبين زملائه عن الزميلات في غيابهن وعن لعب الشدة والتنظير السياسي..ولم يتعد حديث المقاهي حديث السجائر المهربة، والتنباك والمعسل، وأنواع أرداف وصدور النساء، وخدمات المقاهي السيئة ، وربما تجاوز الأمر – في غياب أحدهم – للتلميح إلى قهره زوجه أو قهر زوجه له.. .. لم يتعد حديث البيت أيضاً كلمات التأفف والتشاؤم وسوء الطعام وموت الهمم.. إلاّ أنه قد يتجاوز الأمر أحياناً إلى فضائح الجيران..
عندما أصبح زاكي في الأربعين وزوجه مثله، أحس أنه سجين القضايا الصغيرة يغرق بها كل يوم ويضيع جهده في أشياء لامناص منها ولافائدة. تضيع سحابة يومه وليله وعمره، وهو في ذلك يكوِّم الهمّ فوق الهم، دون أن يكون قادراًعلى التبصر لأنه ينوء تحت أحمالٍ هائلة من التوافه الصغيرة..ولأنه كذلك فإن قلقاً توالد وتعاظم في داخله وهو يرى العمر يضيع على مذبح الصغائر ولا يرى أمامه من مخرج..ولذا فإنه في يوم ما سقط مريضاً يائساً محطماً دون أن يرى نوراً أمامه، ووصل بقناعة ما إلى أن الأفضل عدم هذه الحياة من وجودها..لقد أراد أن يقوم بشيء ملفت للنظر حتى لو كان في ذلك نهاية لحياته.
إن القضية المطروحة في هذه الأسطر ليست قضية فرد بعينه، فزاكي ليس وحيداً في هواجسه وآلامه.. سر في مدينة مكتظة، أو حتى غير مكتظة، تجد المقاهي في كل الأحوال مكتظة. لاحظ حلقات السمر تتجلى في مزاح لاطائل تحته، أو في لعب ورقٍ أو زهر ، أو في أحاديث كثيرة لافائدة منه سوى "إضاعة الوقت.." . إننا مبتلون بشيء اسمه قتل الوقت.. في التوافه ونحن متميزون كبشر في دفن وقتنا وأنفسنا في القشور، وزاكي ليس إلا واحداً منا، ولأن عمرنا يضيع على هذا المنوال فإن القلق يتنامى داخلنا إلى أن نصبح شيئاً صغيراً ضمن قلق كبير. ياصديقي، إذا قالوا لك إن فلاناً ربح بالطاولة، أو أن ديك الجيران قفز من فوق السور، أو أن فلانةً تضع ماكياجاً أكثر من اللازم، أو أن عبدو تزوج ثانية أو طلّق الأولى، أو أن صبية الحي شدّوا عنزة أم عامر من ذيلها.. إذا قالوا لك أي شيء من هذا القبيل أو أبعد أو أثقل أو أغلظ أو أهمّ من هذا كله، فدعهم وما يقولون.. وليكن سمعك ثقيلاً وسميكاً.. حتى لو قامت زوجك تغسل الأطباق في منتصف الليل، أو ألقت بأوراق اللعب في الزبالة، أو شدت أذن ابنك الصغير، أو وضعت لك بصلاً لاتحبه في الطعام..فاجعل أعصابك في ثلاّجة.. .. .. إذ أن هناك طرق كثيرة أكثر فائدة وجدوى نقضي بها وقتنا غير الغوص في التوافه.. ÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷ الرؤية السادسة: صعابك وصعاب الآخرين ! وضع عبد الفتاح السلم مائلة إلى الجدار ليُصلح حفرة عالية قدتكون السبب في تسرب الماء إلى الغرفة التي ينام فيها مع زوجه وطفليه، ولما كان ثقيل الوزن نسبياً وعضلاته مترهلة رغم سنه المتوسط، فقد فشل في أن بحمي نفسه من السقوط والسلم ينزلق. صرخ: لقد فقدت ساقي. تصرخ زوجه وطفلاه إلى أن يهرع الجيران إليه. يتم نقله إلى المشفى بينما يتعالى صراخه إلى عنان السماء. كنت بين الذين ساعدوا على نقله، وحضرت الخلاف المهني بين الأطباء الذين تباينت آراؤهم فيما بين أن يقوموا بالتجبير العادي، أو أن يزرعوا قضيباً معدنياً داخل الساق.خلال كل تلك الفترة كان عبد الفتاح يصرخ صراخ اللعن والشتم واتهام الدنيا بالجور ومعاملة الناس معاملات متباينة. " ألا يكفي الفقر حتى يأتي الكسر ؟؟ كل الدنيا شقاء وألم.. لعنة الله على السلالم والحيطان، لعنة الله على الرجال والنسوان.. لعنة الله على الوظيفة والموظفين.. لعنة الله على الجيب الفاضي..لعنة الله على الحظ التعيس.. فقر وتعتير..جور وتكسير.. أنا أشقى الأشقياء. " بدت زوجه صامتة دامعة العين وهي تحتضن راحته في راحتيها وهي تتمتم " الحمد لله اللي هيك ولا غير هيك ! " انتفض فجأة بنبرة أتت مع مع موجة الألم الشديد : " ماذا تريدين أن يحصل أكثر من ذلك ؟ . هل هناك أشد تعاسة من رجل مثلي، فقير منتوف، وفوق ذلك تنكسر ساقي فأجلس عاجزاً قد أشفى وقد لاأشفى.. لكنني أشقى الناس.. لماذا أنا بالذات أشقى الناس وأقلهم حظاً ؟؟ " فيما أعرف عبد الفتاح رجل بسيط ، كان يمكن أن تكون حياته هادئة لولم يوقن في قرارته أن الدنيا لم تنصفه أبداً.. ومثل عبد الفتاح كثيرون: نحن دائماً نقول ونعيد ونكرر أننا الأقل حظاً والأكثر تعاسة.. نحن مظلومون لأن الدنيا أخذت منا الكثير ولم تعطنا سوى القليل.. هكذا نقول وهكذا نكتب في رسائلنا وهكذا نغنِّي ، وهذه هي قناعتنا. عبد الفتاح ليس وحيداً في شكواه، فمعظمنا عندما يقع في مأزق يسب ويشتم ويلعن ، حتى أن البعض في لحظات الضعف واليأس والضيق قد يتطاول على المقدسات والمحرمات والفضائل، أو قد يبكي ويصرخ وينتحب..إنها حالة إنسانية معذورة في بعض مستوياتها، لكن الأمر الذي ليس فيه عذر هو أن نعتقد أننا الوحيدون المصابون في هذا العالم وأننا الأكثر إصابة.. اضطررت للابتعاد عن البلدة لمدة أسبوعين، عدت بعدها لأزور عبد الفتاح ثانية في المشفى العام العتيق.. ولأن وقتي لم يسمح لي بالزيارة أثناء الفترة المخصصة فقد اخترعت حيلة دخلت بها إليه وقت استرخائه. مررت بعدة قاعات يرقد فيها مرضى حيث سمعت بعض الشكوى والأنين، وتوقعت أن ألقى عبد الفتاح ضجراً متأففاً صارخاً باكياً لاعناً كل الأشياء حتى العظم ، غير أنني فوجئت به يتهامس مبتسماً وجاره العجوز.. عندما رآني اتسعت ابتسامته لتشمل الترحيب بي ، ثم استقبل يدي مصافحاً إياها بشوق. صحيح أنه عندما تحرك قليلاً باتجاهي انقبضت عضلات وجهه معبرة عن الألم لكن الابتسامة مازالت طاغية. تبادلنا عبارات الشوق والاستفسارات عن الأ حوال.. لكنني أحسست، ومنذ البداية أن في عبد الفتاح شيء ما قد تغير ! فقد كان يرى عبد الفتاح من الدنيا وجهها الأسود، يقضي نصف حياته في وظيفة والنصف الآخر سائق تكسي، يتحدث عن وظيفة فقيرة قاتلة وعن أغنياء لايستحقون وهم يركبون سياراتهم الفارهة مع صويحباتهم، وعن السكارى المشاكسين.. كان يرى نفسه آخر المحظوظين وأول التعساء رغم سعيه ودأبه وصبره.. كان دوماً قلقاً على ماسيأتي، وبرأيه أنه متعوس منحوس حتى لو علقوا برأسه الفانوس.. ..ولأنني أعرف عبد الفتاح فقد دُهِشت مما رأيت في وجهه عندما زرته.. - الحمد لله، زالت الشدة، وجهك ينطق بالأفضل.. فاجأني بقوله: - الحمد لله, ومن قال لك بأنه كانت هناك شدّة ؟!. صحيح أنني تألمت وصرخت ولعنت، لكن كل ذلك لايُقارن بشدائد الآخرين ! - نعم ؟!. راح عبد الفتاح يشرح لي كيف صار لديه وقت يستمع فيه، بعد أن استعاد توازنه، إلى قصص الآخرين وآلامهم ومصاعبهم ويقارن بمصابه وآلامه.. رأى الساقط على ظهره ليبقى مشلولاً بقية حياته، رأى من يُخرجون له البول بالمبولة الماصة، رأى الذي غيبت النار ملامح وجهه، رأى الذي في سُبات.. سمع قصص الثكلى والمفجوع والذي مسحت الحرب قريته من الوجود.. رأى الذي طعنته زوجه بالسكين وبالخيانة، رأى المحكوم بالموت والسرطان يأكله على مهل.. رأى وسمع حتى أتخمته قصص الآخرين ورأى فيها أكواماً من الآلام .. عندها أحس أن تجربته لاتعدو كونها مزاحاً أمام تجارب الآخرين..
عندما نسمع قصص الآخرين، نحمد الله على أننا أكثر نجاة.. وعندما تتالى المصائب نحمد الله على الذي لايُحمد على مكروهٍ سواه . نحن لسنا أتعس الناس.. .. .. ولايجوز أن يأسرنا القلق من أجل ذلك..!..
حسابات الغنى والفقر ! أرى قضية الفقر والغنى قضية نسبية لايجوز أن يُنظر إليها بالطريقة الساذجة المألوفة. قال لي أحد الأغنياء إنه يتمنى لو يفقد نصف ثروته الكبيرة مقابل أن يكون قادراً على الاستمتاع باللقمة التي يتناولها وأن يتناول مايرغب . كثير منا يعرف قصة هارون الرشيد الشعبية مع أخيه المخبول الذي أبلغ أخاه الخليفة أن خروجاً إلى بيت الخلاء أهم من خلافته كلها.. تتابع الحكاية سردها فتوضح أن الرشيد استخف بمقولة أخيه وسخر منها، ولكنه عندما أُصيب بانتفاخ وتعثرت أمعاؤه واشتد عليه الألم والخطر استدعى أخاه المخبول ليعترف له بأن مقولته كانت عين الصواب.. أنا هنا لاأطلب التواكل، بل على العكس من ذلك، إنما الذي أطلبه أن يُنظر للأمر من زاوية أخرى.. .. فإذا كنت قلقاً لأن حساباتك المالية لاتُريحك، وأن الريح لاتجري بما تشتهي السفن، فأعد حساباتك بالطريقة التي سأقترحها عليك بعد قليل. أنت رجل لاتملك سوى عملك البسيط بمردود مالي يكاد ألا يكفي قوت يومك.. لكنك أنشأت شابين ناجحين ! خسرت تجارتك وأيقنت أنك هالك في السوق، فوقفت زوجك المحبة إلى جانبك، كما آزرك بعض الأصدقاء، وبينوا أنهم على استعداد لوضع يدهم في يدك من جديد !. عملك اليومي مضني وزملاؤك في العمل يتزينون بالساعات السويسرية وأفخر الثياب ويدلقون أغلى العطور الباريسية، ولكنك عندما تعود إلى منزلك المتواضع تضم زوجك إلى صدرك وتشم رائحة جسدها الطبيعية التي تحبها..
أولاً، لا تظنّن أن هناك من يملك كل الذي يريد ! وثانياً، لاتظنن أن هناك من لايملك أي شيء ! من الملاحظ بشكل عام أن الحياة تأخذ من جانب وتعطي من الآخر. ربما كان هذا الكلام ليس مُطلقاً.. نعم قد يكون الأمر كذلك فيما اعتدنا على حسبانه نحن البشر، فنحن لانرى كل شيء ولانعرف كل شيء. لاتظنن أن الرجل الذي يسعى مع بهائمه في قمة جبل بارد، وحار, هو أقل منك سعادة أنت أيها المتسكع في ضباب المدينة ! لابد أنك سمعت قصة الملك التعيس الذي نصحه فلاسفته، لكي يصبح سعيداً، أن يستعير حذاء رجل سعيد.. ولما بحث، وأعاد البحث، ثم كرره، عن ذلك الرجل.. وجده رجلاً بسيطاً سعيداً ، غير أنه لايملك حذاءً. هذه قصة معروفة للناس كما يعرفون غيرها الكثير، لكنهم لايروونها إلاّ من قبيل الطرافة وليس من قبيل إعادة الحسابات. أقترح أن نُضيف للحساب التالي: ألف قطعة نقدية ثمن البيت، ومثله ثمن السيارة، ومثلها للأثاث .. آلاف أخرى ثمن البستان، أيضاً هناك مصاريف للطعام والرحلات والاستقبالات والتباهي.. ربما أيضاً أجور العمال والخدم... أقترح أن نضيف لهذا الحساب مايلي: .. أيضاً ثمن الحياة كذا مليون، وثمن العينين عشرة ملايين، وثمن الأنف ثلاثة ملايين وثمن الكليتين كذلك، وثمن الزوجة المحبة خمسين مليوناً، وثمن العافية ثمانين مليوناً، وثمن محبة الأهل والأصدقاء سبعين مليوناً ، وثمن الطمأنينة أكثر من ذلك، وثمن الهواء والماء النظيفين عدداً من الملايين.. مليوناً لضوء القمر ومثله للنسمة ثم بضعة ملايين لصفاء الألوان وللنوم الهاديء ، وغير ذلك كثير.. ولكل واحد حساباته.. فإذا حسبت المال وحده كثروة، فالحسابات بهذا المفهوم خاطئة ! بعض فقراء الهند يبيعون كليتهم بثلاثين ألف دولار.. وعينهم بخمسين ألفاً، فهل أنت، أنت الذي تقرأ هذه الأسطر، تبيع عافيتك بكل مايملك أي غني ؟! في الحسابات الحقيقية عليك أن تحسب مالديك من مال، وأيضاً مالديك من أشياء هامة أخرى، فإذا رأيت أنك لا تملك سوى صفر من المال، وألف مليون من الأشياء الأخرى، فاعلم أن الغني، مهما بلغ غناه، لن يزيدك إلا بخمسة أو بعشرة بالمائة في نتيجة الحساب.. ÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷ الرؤية الثامنة: مقولة صديقي ! يرى جُلّنا أن أسلوب تفكيره هو قمة المنطق والعدل والصواب ، في نفس الوقت الذي يرى فيه أن نصيبه من الدنيا أقل بكثير مما يشتهي.. ولذا فنحن غير قانعين بما حصلنا عليه. إن الطموح أمر إنساني مشروع ولكن دوماً ضمن إطار الممكن والمعقول، فإذا كان بإمكانك أن تقطع مسافة ما بوسيلة ما وتحت ظروف ثابتة بمدة ساعة مثلاً فليس من الممكن أن تقطع تلك المسافة تحت نفس الظروف بنصف ساعة !! وإذا كان بإمكانك شراء شقة من غرفتين وحسب، فليس بإمكانك أن تشتري قصراً بنفس القدرة المالية!!. وإذا كانت عضلاتك تقدر على رفع مائة كيلو غرام فكيف لك أن ترفع طن من الأوزان بيد واحدة ؟!. من جهة أخرى, إذا حدث زلزال أسقط الجدران، أو شب حريق عجزت مصلحة الإطفاء عن إخماده، أو حتى أنه حدث حادث سير عادي، فماذا أنت فاعل ؟!. - تروي القصة عن رجل ابتاع أرضاً برية بإقناع من يثق بهم دون أن يراها. دفع ثمنها وسجلها باسمه ثم جاءته الفرصة ليذهب ليراها فوجدها أرضاً قفراً مليئة بالصخور والأفاعي !! ثار الرجل ولعن وشتم واعترض ورفض ماكان ، لكن من غير جدوى.. فالقنون لايحمي المغفلين !!. بمرور الوقت أخذ يفكر بطريقة أخرى.. وأخذت مقولة قرأها مصادفة تتسع في ذهنه وتتفاعل داخله . كانت تقول تلك المقولة: "إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون! " . سيطرت الفكرة على تفكيره ومشاعره خلال الأشهر التالية. استفاق صباحاً ما وفي داخله قرار غريب ينوي تنفيذه. لقد قرر، بدلاً من أن يقتلع الصخور، أن يبقي عليها، ويُسوّر الأرض جيداً بجدار إسمنتي، ويستجلب كتباً وخبراء لتربية الثعابين !. وجد الرجل بالتجربة أن الثعابين ليست بالسوء الذي يظنه الناس، وأن جلودها تباع بأسعار خيالية، وسمومها تُباع بأسعار أكثر خيالاً.. مما حقق له دخلاً مذهلاً. تعيد لي قصةُ هذا الرجل قصة أهل بلدتي. قامت وجوه بلدتي قبل ستين عاماً بتوزيع الأراضي المحيطة بالبلدة آنذاك على الأسر والعائلات حسب الأفراد .. وبما أن الأراضي البعيدة عن القرية أكثر عطاء في الموسم الزراعي فقد أخذتها العائلات صاحبة النفوذ الأقوى بينما تركت لضعاف العوائل الأراضي الكلسية الفقيرة حول القرية. تمر الأيام وتتحول قريتنا إلى مدينة، ويتحول معظم ساكنيها من مزارعين إلى حرفيين وموظفين ومهاجرين.. فتتحول الأراضي البعيدة إلى أرض قفر مهملة مهجورة، بينما تصبح الأراضي القريبة ضمن توسعات البلدة مصدر ثروة هائلة.. إذا لم يكن ماتريد فأرد مايكون.. ليس كل مانرفضه سيئاً، فقد تبرهن الأيام، وكل منا له تجربته في ذلك، على أن نظرتنا للأمور لم تكن صائبة دوماً. من ناحية أخرى ، فلو كان الأمر بمنتهى السوء ، ونحن عاجزون تماماً عن تغييره، فلماذا نبعثر أعصابنا وجهودنا في أمر لاطائل تحته؟! ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس.. أُصيب في بلدتي رجل مرموق بالعمى المطلق فجأة نتيجة حادث كثرت الأقاويل بشأنه، وظن الكثيرون أن أمره قد ولّى إلى غير رجعة.. لكن الأمر جاء على العكس، إذ لم تمض سنة واحدة حتى تقبل الأمر واعتاد عليه ثم نسيه إلى حد بعيد ، وعاد الناس كما كانوا إلى احترامه ومحبته وسماعه..وبقي صوته مجلجلاً بين الناس، بل وقد أصبحت نصائحه أكثر تأثيراً في النفوس.. كان هذا الرجل أستاذاً لي في صغري، وبقي احترامه في قلبي. ماالذي حدث ؟! الذي حدث أن هذا الرجل امتثل قول أحد الفلاسفة: "ليس البؤس فقد البصر، لكن البؤس هو عدم احتمال فقد البصر." إنه طالما لايمكن تغيير ماحدث، فلنقبله، ولنحاول أن نُطوّر الأمر من الممكن، إلى أفضل مايمكن. تُصاب الحيوانات بكافة الأمراض إلاّ الانهيار العصبي !. لماذا وحده الإنسان يصاب بالانهيار العصبي؟!. إنه القلق !!! الحيوانات لاتقلق بشكل عام!. هل رأيت حماراً يثور لأن العلف أصبح أكثر يباساً؟ إنه يقبل ماليس منه بد !. هل رأيت شاة تقتلها الغيرة لأن ذكرها تمسح بشاة اخرى ؟! هذه الحيوانات لاتصاب بانهيار عصبي لأنها لاتصارع فيما ليس منه بد ! . فاجأني صديقي موفق، وكنا وقتها في العشرينات من العمر بزيارة غير مألوفة ليناقشني فكرة سمعها وقالوا له إنها سر السعادة.. لم تكن تلك العبارة سوى ماأسلفت في هذا المقام :" إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون " . ناقشنا وقتها تلك العبارة ملياً من خلال روح الشباب المندفع، إذ أن أفكارنا كانت مبنية على أن الثورة على الواقع أمر مشروع ومطلوب حتى لو أن هذا الأمر كان في غاية الصعوبة. لكن الحقيقة هي أنه يجب التفريق ما بين أمر بالغ الصعوبةولكنه ممكن، وبين أمر غير ممكن على الإطلاق.. فبدلاً من أن نناطح صخراً، علينا أن نبادر للنكش في التراب من أجل إنبات الزرع.. هناك مثل بسيط أعتقد أنه بالغ الفائدة في هذا المجال . عندما صنعوا السيارة الأولى قبل أكثر من مائة عام كانت إطاراتها حديدية صلبة. ولذا كانت تتحطم بسرعة، ولاتُؤدي عملاً مريحاً. ولكن عندما أصبحت الإطارات مكسوة بطبقة من الكاوتشوك أصبح الأمر أفضل حالاً ولكنه أقل بكثير من الهدف المنشود. إنه فقط عندما أحاط فراغ هوائي بالإطار وعندما تمت إضافة نوابض لنظام تعليق جسم المركبة أصبحت السيارة أكثر رفاهية وجدوى!. مامعنى هذا ؟! هذا يعني أن مرونة العجلات ونظام التعليق لجسم المركبة سهّل ابتلاع الصدمات المتكررة بعثرات الطريق وجعل المركبة أكثر حناناً.. بمعنى آخر فإن المرونة بتلقي صدمات الحياة والقدرة على ( غبّها ) ونسيانها أمر ضروري للحياة السعيدة والابتعاد عن القلق... نحن إن رضينا بما ليس منه بد نكون قد جنبنا أنفسنا القلق. الرؤية التّاسعة: الخوف والقلق متلازمان ! يكون اليافع في العادة متهوراً، والشاب متحمساً، والرجل متزناً، والكهل متردداً، والعجوز منكفئاً، وخاصة في مجتمعاتنا الشرقية.
العام 1971 المكان هو طريق عام من مفرق دمشق - الشيخ مسكين إلى قرية محجّة في حوران ، وقد كانت محجة وقتها قرية صغيرة تبعد حوالي السبع كيلو مترات عن المفرق. كانت الساقان وسيلة النقل الرئيسية مابين المفرق والقرية. الفصل قلب الشتاء والطقس صقيع صباحي ربما عشر درجات تحت الصفر. بعد أن قطعت حوالي الكيلومترين ، تنبهت فجأة إلى ماحولي فوجدت نفسي وحيداً في أرض فارغة ممتدة بيضاء اللون بسبب الصقيع والندى المتجمد. كانت تلك الأرض صامتة صمت الموتى، ليس فيها أثر لحياة. لا خيالات ولا أصوات ولا مركبات ولا حتى رياح. كان هناك صمت مطلق ولا أثر لشيء أي شيء.. بدأ يغيب مفرق الطريق العام أمام ناظري.. كما أن القرية كانت ماتزال تغيب خلف التلة.. أمسكت بحاشية المعطف الذي أرتديه فأحسسته متجمداً.. تلمست أنفاسي فوجدتها ثلجية.. تلفت حولي فوجدت السماء بيضاء والأرض بيضاء.. لاأثر للحياة لا على التلة اليمينية أو على السهل اليساري الممتد . طغى عليّ وتملكني وأمسك بتلابيبي فجأة إحساس رهيب من الخوف إلى حد الهلع والذعر والفزع.. إحساس بأنني سأصبح قطعة من الجليد في الحال..وليس هناك أحد أستجير به.. لقد أضحيت مشلول التفكير تماماً..وعلى وشك أن أُ صاب بشلل في الأعضاء. لا أدري كم مر من الوقت, ربما لحظات، ربما دقائق، ربما أكثر، لكن الذي أذكره وأعيه عن تلك الفترة القصيرة أو الطويلة، أنني كنت فاقداً لكل القدرات حتى التفكير.. إلى أن أحسست فجأة بوجود راكب دراجة عادية يتجاوزني باتجاه المفرق. هرعت نحوه أسأله متوسلاً أن يُركبني خلفه، إن كان للقرية أو للمفرق. ذُعر الرجل فأسرع مبتعداً عني مختفياً في لحظات.. فازداد الهلع في داخلي، وكان عليّ اتخاذ قرار.. نظرت في الاتجاهين فقدرت أن مفرق الطريق العام مازال أقرب من القرية فرجحت العودة إليه. اندفعت كحيوان ثقيل مذعور، وأسرعت مااستطعت إلى ذلك سبيلاً باتجاه المفرق آملاً بمركبة تقلني عائداً.. وأعترف أنني كنت محظوظاً إذ لم يطل بي الانتظار حتى كنت في طريق العودة إلى بيتي.. تساءل أهلي عما حدث فلم أنبس ببنت شفة، فقد كنت ما أزال ضمن الحالة التي مررت بها. قضيت خمسة عشر يوماً في الفراش في الدفء أرتعد من الصقيع.. رغم أن الطقس تراخى وخرج الناس إلى النزهات. قضيت سنوات من عمري فريسة الخوف من فصل الشتاء، ومن الغيوم في السماء، ومن اللون الأبيض، ومن الطريق المقطوع أو المنعزل أو الخالي من الناس. صار المكان المنقطع الخالي بالنسبة لي جحيم مطبق ! . أصبح القلق ينتابني كلما ترددت كلمات, حتى لو كانت عابرة, ذات صلة بتلك الساعة المريعة.. لقد أصبحت أسير الخوف من البرد والبياض والطريق الخالي.. لقد تطور الخوف إلى قلق مما حدث ومما قد يحدث، فلو ظهرت الغيوم في السماء لكان ذلك نذيراً بالصقيع وبتجمد الأعضاء وحيداً، ولوسريت في طريق هادئة منعزلة لتوقف قلبي ولم أجد أحداً أستغيث به.. أصبح الخوف الذي في داخلي وحشاً مستعداً للانقضاض .. هذا الخوف المخيف أشاع في داخلي القلق والخوف من الخوف نفسه.. أصبحت قلقاً على تحركات الذين أحبهم، قلقاً عندما أفكر في السفر، قلقاً إذا أقبل الشتاء.. أصبح لايريحني سوى معكوس هذه الأمور.. لقد تفاقم الوضع النفسي لدي إلى أن أوشك على أن يصبح عائقاً في حياتي وعملي وفكري ومستقبلي كله.. .. فماذا أنا فاعل ؟؟!!..
الرؤية العاشرة: المواجهة ! ماأسهل على الوحش المفترس أن ينقض عليك وأنت في حال الهروب دون أن تكون قادراً على تحقيق ذلك الهروب.. يكون الإنسان في حال الهروب في أضعف حالاته..كذلك الأمر بالنسبة للخوف والقلق الناتج عنه..فلإزالة القلق أو ترميمه أو التخفيف منه لابد من إزالة مسبب الخوف. إذا أردت النجاح في هذا فواجه خوفك وتصدى له !. أعترف بأنه ليس بالأمر الهين، فليس من السهل على رجل غرق في البحر أن تطلب منه السباحة مجدداً، وليس من السهل على رجل عضّه كلب أن يصبح صديقاً للكلاب راعياً لها، وليس من السهل على جميلة تشوه وجهها بماء النار أن تصبح خبيرة بالمواد الكيميائية أو أن تعمل في مصنع يصنع ماء النار.. ومع ذلك فإن العلاج الأهم للخوف، باعث القلق، يظل مواجهة المصدر. لقد اقتضاني من عمري سنوات طويلة جداً حتى اتخذت قراراً بزيارة (محجة) ، ربما عشرين عاماً.. تغيرت الدنيا وكبرت البلدة واتصلت بالطريق العام، وكثرت أساليب المواصلات والاتصالات وشعت المنطقة بالحياة، لكن الذي مازال راصداً في داخلي هو الصقيع والانقطاع والرعب. ركبت وصديقي الميكرو باتجاه درعا.. كان هناك بانتظارنا صديق آخر . بدت لي من بعد على الطريق الجديد لوحة مفرق محجة ، حيث حمدت الله مراراً على أن صديقي والسائق أيضاً لم يلحظا أنني أصبحت في شبه غيبوبة، أو في غيبوبة كاملة دون أن ألحظ ذلك.. ومر ذلك النهار بسلام.. أعتقد أنني رغم المعاناة استفدت كثيراً من تلك الزيارة..فقد واجهت الوحش الذي في داخلي، فدخل في عقلي الباطن قناعة أنني يمكن أن أقهره.. وإذا كان الأمر هو صراع بينك وبين الوحش الذي في داخلك فإما أن يقهرك أو أن تقهره.. فلماذا تغالبه بدون سلاح ؟؟ فيما يلي بعض الأسلحة التي تفيدك في صراعك هذا .. .. فتناولها... الرؤية الحادية عشرة: العيادة ! أصبح القلق أمراً خطيراً واسع الانتشار، لكن المعترفين به وبمسبباته قلة وخاصة إذا تعلق الأمر بما يظنون أنه سمعتهم.. إننا نتردد على الحلاقين بانتظام ففي ذلك تجميل لمظهرنا .. ونتردد على أطباء الأسنان كلما دعت الضرورة، ونتردد على أطباء الداخلية كلما ألح علينا المرض، ونادراً مانتردد على أطباء الجنس لاعتقادنا أن في ذلك ما ينتقص من كرامتنا وشخصيتنا ورجولتنا أو أنوثتنا .. ولذلك فإننا نتخفّى عندما نسعى إلى ذلك. إننا لانتردد على الأطباء النفسيين إلا ما قدر الله وشاء ، وذلك لاعتقاد الكثيرين خطأ أن زوّار أطباء النفس ليسوا إلا المجانين أو أنصاف المجانين..!. إن ما أحب أن أؤكده هو أن الأمراض النفسية المختلفة ليست أمراضاً عقلية (لسنا بصدد الأمراض العقلية على الإطلاق في هذا الكتاب) ولاتنتقص من قدر الإنسان وهي شائعة بدرجات مختلفة ، مثلها مثل أية أمراض عادية. رغم أن الطب الجسدي التقليدي قطع أشواطاً في التقدم وما زال يقطع كل يوم، وهو في ذلك قد سبق الطب النفسي، إلا أن الطب النفسي أيضاً حقق إنجازات كبيرة لا يستهان بها، وأصبح علماً له منجزاته التي لايجوز أن تُهمل, بل علينا الاستفادة منها وليس في ذلك غضاضة, بل على العكس من ذلك , إذ أن اعتماد الإنجازات العلمية النفسية هو مظهر حضاري كما أنه سلاح نستخدمه ضد الخوف والقلق.. .. فكما تذهب ياصديقي إلى العيادة الطبية العادية ليصف لك الطبيب دواء للبواسير أو عملية له, فلتذهب إلى العيادة النفسية, ولا يضيرك فلان أو فلان إن رآك، فالمرض ليس عيباً والحاجة للطبيب ليست عيباً, إنما العيب والجهل هو التستر خلف غلالات من المظاهر الخادعة المنافقة التي تضر ولاتنفع.. إن أول سلاح من أسلحتك التي ستحارب بها القلق هي العلم.. وأول مصدر لهذا العلم هو رجال العلم.. جرّب ! جرب وسترى أنه أمر مفيد ومريح ويفتح بعض منافذ النور والسعادة في حياتك. الرؤية الثانية عشرة: الكتاب ! بعد أن أصبح القلق مرافقاً لي وعنواناً من عناوين حياتي, وكان سبباً رئيسياً لأزمتي التي بدت قلبيةً أكثر من مرة, فقد قررت أن أقرأ باللغتين العربية والإنكليزية كل مايتيسر لي من كتب, من دور النشر أو من المكتبات، أو حتى على الطرقات وفي النواصي.. فبدلاً من أن أستمع للمطرب الذي يلعن يوم مولده، أو الذي يتنفس تحت الماء هرعت إلى بطون الكتب.. لاشك في حبي للموسيقا والأدب الجميل والطبيعة والربيع والنسمة ورقص الحجال السمر , لكن لاشيء يمتعني مثل كتاب يغوص في أعماق الذات البشرية يتفحص سلوكياتها ويلتقط أسرارها.. مررت على صديق في دمشق يقوم بتوزيع بعض مجموعاتي القصصية, وهو صاحب مكتبة معروفة ودار نشر وتوزيع فحدثني عن الكتب التي لاتُقرأ وعن أزمة بيع الكتاب الذي هو أثمن السلع قيمة وأقلها سعراً.. وجبة غداء واحدة في مطعم تشتري كتابين.. والناس تملأ المطاعم ولاتشتري الكتاب مدعية أنها لاتملك ثمنه ! بالتأكيد فإن لقمة العيش هامة وتأتي في الدرجة الأولى، لكن المعرفة غذاء للعقل والنفس وفي هذا المجال فإن الكتاب هو الغذاء الأول، أما الوجبات السريعة المشوّهة في المسلسلات التلفزيونية والبرامج الثقافية والإعلامية وصحافة الأوراق الصفر فهي لاتُغني أبداً عن الوجبات الحقيقية الموجودة في بطون الكتب. إن تراث البشرية هو في بطون الكتب ..أي أن أغلى مالدى البشرية هو في بطون الكتب .. ونحن أول مانهمل فإننا نهمل هذا الأغلى، ونبحث عن القشور واللذاذات المباعة هنا وهناك، بأشكال مختلفة، بأغلى الأسعار. اقرأ ياصديقي إن كنت تعاني من القلق، وحتى إن كنت لاتعاني. ونحن إن كنا نحاول في هذا الكتاب أن نتصدىلآفة اجتماعية خطيرة مثل القلق، فإننا نلح، كعلاج، على قراءة الكتب التي تتحدث عن القلق بالذات.. فربما نجد الكثير من الإجابات التي تفيدنا.. ولهذا فقد بدأت مشوار القراءة المتعلقة بالنفس البشرية بشكل أشد تركيزاً بعد الأزمة القلبية - أو هكذا بدت - التي عانيتها. قرأت عن القلق، أسبابه ومظاهره ومكافحته.. قرأت عن العشب والروائح، وعن أثر الموسيقا والألوان والاهتزازات .. قرأت عن التمارين الجسدية والنفسية، والتأثير المتبادل مابين الجسد والنفس.. قرأت عن التخيّل الموَجّه باتجاه غاية، وعن التأمل.. قرأت عن الإيمان وتأثير الإنسان بالإنسان.. إنني ياصديقي أحثك على القراءة في زمن أصبحت فيه القراءة دلالة على التباطؤ في الحياة وضمور الطموح..إنني أتمنى أن تقرأ في كل يوم كتاباً يفتح آفاقاً جديدة.. فمتعلموا اليوم لايتعلمون إلاّ من أجل الكسب المادي للح صول على اللذائذ في النهاية..أما أن يجدّوا في قراءات متعمقة فهو أمر لايهمهم. القراءة ياصديقي هي سلاحك الثاني في محاربة القلق. الرؤية الثالثة عشرة: صديقك الذي تحبّه ! هل أنت مستعد للحديث بكل صراحة ووضوح عن همومك وما يقلقك مع شخص ما ؟؟.. أختر صديقاً موضع ثقة واسع الأفق والمدارك، خلوقاً عادلاً مع نفسه ومع الآخرين، عاشر الناس كثيراً واكتسب سمعة طيبة، وتحدث معه عمّا في أعماقك.. إنك ستحس بانفراج بمجرد بدء الحديث.. ستشعر براحة وكأن نوراً قد انبلج في سماء حياتك.. قد يكون هذا الصديق زميلاً أو جاراً أو قريباً أو شريك حياة !.. لايهم من يكون، ولكن من المهم أن يكون على استعداد للإصغاء إليك باهتمام..وللتفكير معك. لو بحثت عن هذا الشخص لوجدته حتماً، فليس هناك من إنسان ليس له إنسان يرتاح له ويبتسم من أعماقه عندما يلقاه.. ولو أن هذا الشخص كان شريك العمر نفسه لكان أفضل. ضع رأسك على صدر شريكك، ولابأس في أن تبدأ الحكاية منذ فجر سيدنا آدم إلى اليوم!. لابأس أن تتحدثا عن آلام الآخرين، وعن سنة الكون ، وعن القضايا والحلول.. وأن تريا كم أن الكون واسع ,ان قضايا الإنسان معقدة ومتلاحقة، وبنفس الوقت هي بسيطة لها حلولها .. وأن لحظة الحياة هي الحياة. لابأس أن ترى مرآتك الأخرى !. تحتار أحياناً في بقعة على قميصك تشاهدها مرة وتضيع عنك مرات. جرب أن تشاهدها بواسطة المرآة ولاحظ أنك تراها عند ذلك بسهولة !. صديقك أو شريكك هو مرآتك، من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يمتص منك بعض الألم الذي لديك.إنك ستجد في رؤيته أفقاً جديداً لم تكن لتراه قبل ذلك. فرّج عنك بإخراج السم الزعاف من داخلك ينطلق !. قل لي بصراحة ! اعتبرني صديقك الذي لاتخشى أن يبوح بأسرارك وأن يهزأ بمشاعرك وخيالاتك.. وقل لي بصراحة !. - ألم تُحدث نفسك بصوت مسموع ذات مرة ثم تلفتّ حولك لترى فيما إذا كان هناك من يسمعك ؟!. ماذا كنت تقول ولماذا كنت تقول ماتقول ؟!. - ألم ترغب ذات مرة في أن تكون في مكان منعزل أو في غرفة مغلقة لتصرخ من أعماقك, أو لتخبط يدك على الجدار بعنف، أو على الصخرة أو على جذع الشجرة ؟!. - ألم يخنقك فيض من الأفكار والمشاعر التي تريد أن تتفجر وتخرج ، ولكنك تتردد وتتمنع خيفة أن يُساء فهم الآخرين لها ؟!. .. فلماذا لاتجد ذلك الصديق المتفهم المحب واسع الأفق وتبوح له، وتأكد أن مثل هذا الشخص سيأخذ منك جانباً من الشقاء ويعطيك بدلاً منه جانباً من الراحة.. لاتضغط القلق فوق القلق..فهناك من الأصدقاء والأحبة من هم جديرون بالثقة وأنت جدير برأيهم ومشورتهم وكلماتهم المريحة . قد تكون الكلمة معجزة، وقد تكون الكلمة هي الدواء.. فقلها واستمع لها... الرؤية الرابعة عشرة: الجلاّد ! سالم رجل بسيط محبوب تربى في بيئة ريفية فقيرة، وكانت والدته تفرط في تحذيره: لاتذهب في الليل فالليل غدار!. لاتعاشر الأصدقاء فكثير منهم لايؤمن شره!. لاتأخذ سيجارة من أحد فقد يكون فيها مايضر ويفسد..حتى أنك يجب أن لاتتناول الحلوى من غريب، ولاتشرب الشاي والقهوة فربما تحوي على شيء مدوس فيها.. لاتتعلم البناء فالجدران عالية .. لاتتعلم مهنة الكهرباء فهي صاعقة.. لاتتعلم التصوير فموادها سامة.. لاتتعلم الزراعة ففي الحقل أفاعي..لاتأكل في المطاعم فهم لايغسلون الأطباق والخضار وبعضهم مرضى بأمراض معدية.. لاتعاشر جنس حواء فأكثرهن عفنات من الداخل ..لا تقترب من السياسة وحصن لسانك.. هكذا نشأ سالم، وقد تكررت دروس أمه حتى صارت جزءاً عميقاً متأصلاً متجذراً من كيانه ووجوده وشخصيته !. كان سالم يتابع الأخبار اليومية ليسمع منها أنباء الكوارث والمصائب والحروب.. وعندما أقبل على الزواج لم يرغب إلا بامرأة أكبر منه سناً لتكون بمثابة أم جديدة له.. وعندما كان يسافر في طلب الرزق كان يبكي وأمه طويلاً وقت الرحيل، ثم كان يعود في كل مرة، بعد شهر أو شهرين، أقل وزناً وأكثر تغضناً في الوجه.. كل ذك كان يدور تحت جنح الصمت المطبق !. ذات مساء تأخر ، خلافاً لعادته،عن المبيت المبكر، فقد خطر على باله أن يقوم بمغامرة التسكع في بلدته الصغيرة، ليكتشف طعم الليل خارج الدار، وهو ابن ربع القرن، وقلبه محشو بالتوجس من شر ما، قد يكون على صورة كلب أو خفاش أو حتى صورة إنسان !. هدأ خفقان قلبه عندما دخل داره وقد وجد كلاً من أمه وزوجه يقبعان في ركنيهما وقد عانتا من قلق كوّم أعضاءهما في كتلتين. نظر إلى ساعته اليدوية، وكذلك إلى الساعة الجدارية، فوجدهما تشيران إلى الحادية عشرة وخمس دقائق ليلاً..
ذاع خبر مقتل سعدية ابنة أبي حصيف والتي تسكن في الحي الذي تسكع فيه تلك الليلة، وقرر الطبيب الشرعي أن الجريمة وقعت في وقت مركزه الحادية عشر ليلاً وأن القاتل تعمد القتل بعد اغتصاب الضحية في منزلها في غياب أسرتها.. ومازال الجاني مجهولاً ومازال رجال الأمن يبحثون عنه. صعق الخبر سالم.. بدأ يصب لعنته على مجرم خطير لا يراعي أي مبدأ إنساني أو أخلاقي ولايقيم للحياة وزناً أمام رغبات عابرة . لكن سالم, ساعة إثر ساعة، بدأ ينكفيء إلى داخله متسائلاً فيما إذا كان من الممكن أن تتجه الشبهة نحوه، فهو لايخرج من البيت إلا نادراً وليس من عادته التسكع ليلاً كما حصل ليلة الجريمة، وهو نادراً مايمر من ذلك الحي بدون سبب.. وهو قد كان بالفعل مكان الجريمة وقت وقوعها .. انتشر القلق فيه كما ينتشر اللون في الماء وراح يتبعثر عكراً وقتامة ورائحة خبيثة !. هو لاشك بريء أمام الله وأمام نفسه لأنه بالفعل لم يأت إثماً أو حتى خطأً عادياً، ولكن هل يصدقه الآخرون .. وهو شاب فتيُّ وقد تتحكم به الرغبة، وهو قد مر من طريق لم يعتدها، وصادف أن كان في منطقة الجريمة وقت تنفيذها..!!!.. قبض القلق على عنقه فأحس بضيق الأنفاس المترددة، وقبض على جسمه فأحس بالشلل يمسك بوجنتيه وساقيه ويديه فأحس بالعجز.. وراحت غدده الصم ومساماته تفرز روائح كريهة..وتحول إلى كتلة من الخوف والقلق يرتعد صامتاً . كان مشلول التفكير غير قادر على الرد على تساؤلات أمه وزوجه.. ويكتفي بأنه متعب مريض وبحاجة للراحة في الفراش. تصور كيف ستأتيه الشرطة بالأغلال، حيث سيساق للسجن المنفرد يلقى فيه ألوان الهوان والتعذيب .. وهو يصرخ إنه بريء ولكن لاأحد يصغي له فهو مجرم كاذب.. يريد أن ينظر في وجه أمه وزوجه مؤكداً أنه بريءولكن حتى هما لاتصدقان صراخه وتوسلاته.. فهو متهم وهناك دلائل على الجريمة التي ارتكبها.. تحول الذعر بمرور الوقت إلى قلق عطل تفكيره وأجهزته.. أضحى أكثر صمتاً وألماً .. ازدادت خفقات قلبه، وصار خلال أسبوع واحد يشكو كافة العلل الجسدية والنفسية.. لقد أحال القلق سالم إلى كومة من الخراب المقلقل.. امتلأ جسمه بالسموم.. انقبضت عضلاته إلى حد التشنج والشلل.. غطى نظره الداخلي ظلام قاتم وهو لايرى غير حبل المشنقة حول عنقه في ميتة مهينة مشينة..لايستجيب أحد لصراخه واستغاثاته مثل استغاثات الغريق في محيط ناء . لقد أحال القلق سالم إلى كتلة من الجحيم المخنوق. لم يمض أسبوع آخر حتى تحول سالم إلى شبح.. وتناقص عدد عوّاده، وتراخى اهتمام أمه وزوجه، وكأن رقاده المنزلي أضحى عادة لاتثير الاهتمام، إذ أنه بالنسبة للآخرين، رجل أصابته عين، أو مرض خطير لم يعرفه الأطباء الذين اكتفوا بإعطائه المسكنات، دون أن يكون لهم هم الجلوس ساعات لاستجلاء مابداخله، مثله في ذلك مثل أكثر من يعانون مشاكل نفسية خطيرة، فاهتمامهم من علمهم كما أسلفنا هو لملمة المال. وهكذا بقي سالم شهراً يرتعد ويعرق ويتشنج ويعجز عن الكلام.... ففي كل يوم، وفي كل ليل سيأتي الجلاد إليه يلبسه ثوب الإعدام ثم يعلق عنقه في الساحة العامة، أمام همهمات الناس الذين يرون فيه مجرماً يستحق عقوبة أكبر من هذه. تجرّأ سالم بعد شهر أن يطل من النافذة فرأى الناس عاديين كأن شيئاً لم يحدث. سمع الهاتف يرن ! . اجتاحه رعب وأمل.. دخلت زوجه تخبره أن صديقه حسن، الذي لم يره منذ زمن يسأل عنه ويبلغه التحية ويرغب بزيارته، غير أنه عندما سمع بحاله تأسّف ساخراً وقال له أن تبلغه مايلي: (( قولي لسالم أنه مهما كانت أمراضه وعلله التي يشكو منها، فإن عليه أن يقوم بتنظيف مخه أولاً.. قولي لهذا السخيف أن يشتغل رجل إحصاء أو رجل تأمين لمدة يوم واحد !. )) صديقه حسن هذا يأخذ الدنيا ببساطة على العكس من سالم، وقد افترقا كغيرهما من زملاء المدرسة إلى أعمال حرفية متنوعة. أصاب حسن في رسالته إلى سالم شيئاً هاماً في داخله.. قال له أن يقوم بتنظيف دماغه، وأن يعمل رجل إحصاء أو رجل تأمين لمدة يوم واحد.. عليه أن ينظف دماغه أولاً.. أخذ هذا القول يكبر في رأسه !. ماذا حدث له ؟! إنه رجل يتهم نفسه !.. لم يتهمه أحد !. كل مافي الأمر أنه حدث ومر قرب ساحة الجريمة وقت وقوعها !. لقد فكر في الأمور التي هي ضده، ولم يفكر بالأمور الكثيرة التي هي في صالحه !. فتاريخه تاريخ شاب نظيف طهور، وقد سمع أن القاتل نفذ فعلته بسكين من نوع لم يسمع به قبلاً، وقالوا إن القاتل طويل القامة بسبب زاوية اتجاه الطعنات، وهو قصير نسبياً.. وقال الطبيب الشرعي أن الحادث وقع حوالي الحادية عشرة بفارق قد يزيد أو ينقص ساعة، ولم يقل في الحادية عشرة تماماً.. قالوا أيضاً أن القاتل دخل المنزل بمفتاح عادي أو أن الفتاة نفسها التي فتحت له.. بمعنى أن للقاتل صلة ما بالضحية أو بأهلها.. وهو لم يعرف مثل هذه الصلة أبداً.. بدأ سالم ينظف مخه !. بدأ سالم يرى الأمور بمنظار مختلف نسبياً . مهما كانت الأحداث خطيرة فمن الأهمية بمكان أيضاً الطريقة التي ننظر بها إلى تلك الأحداث.. علينا أن لانقصر التفكير على زاوية واحدة غالباً ما تكون ضيقة. ثم ماذا بعد ؟! ها قد مضى شهر ولم يأت الجلاد ليعلق عنقه ! . نادى سالم صباح اليوم التالي على زوجه وطلب منها أن تعيد عليه فحوى رسالة صديقه حسن فأجابته: - أن تنظف مخّك . يبدو أنه يعرفك جيداً ، كما قال إنه آت لزيارتك ليرى وجهك النحس !. هكذا قال وأنا لادخل لي.. يبدو أنك اليوم أفضل بشكل واضح .. وهكذا التقى حسن بسالم.. وكان شوق سالم لمثل هذه الجلسة شوقاً لامثيل له. قال حسن: قل لي مابك ! أعرفك أرنباً خوّافاً رعديداً.. مهما كانت الأمور تبدو مستحيلة وصعبة فهي أبسط مما تتصور. قل لي ياأهبل ماذا هنالك !؟. راح سالم، كالحبلى على وشك الموت يلد ما عنده، وأخبره همساً بالقصة !.. وراح حسن يصغي بهدوء. وفي النهاية قال: - هل تعرف لماذا تكسب شركات التأمين أموالاً هائلة في زمن قصير ؟!. السبب هو بلاهة البلهاء مثلك !. عندما كنا في الإعدادية قرأنا قصةعن رجل يسافر يومياً في قطار من منزله إلى مكان عمله، وكان يتوقع في كل مرة أن يحدث حادث للقطار ، ولذا فقد أمن على حياته وكان يدفع أقساط التأمين بانتظام.. وفي كل مرة كان يقول إن الحادث لم يقع حتى الآن، وإنه في هذه المرة لواقع، وإن لم يقع حتى الآن فاحتمال أن يقع صار أكبر. لكن رغم ذلك فالحادث لم يقع ، وبقي الرجل حياً سليماً من حوادث القطارات يدفع كل أقساط التأمين طيلة حياته. أنت ياصديقي لم تسافر بالطائرة .. لكنني أنا أسافر كثيراً وثق بأنني في كل مرة أتمسك بمقعد الطائرة بشدة وقلبي يرتجف خوفاً، لكنني أقول مايلي: يوجد في العالم أكثر من خمسة آلاف مطار ومتوسط سفريات الطائرات من المطارات لاأقل من خمسين سفرية في كل يوم، ولاتحدث حادثة لطائرة إلا بمعدل ستة أشهر، وهي في الغالب تحدث للطائرات القديمة المنهكة ، وهكذا بعملية حسابية بسيطة تجد أن احتمال وقوع حادثة طيران قاتلة لك لاتتجاوز واحداً من مائة وخمسين مليوناً من الاحتمالات.وأية نسبة خطر أخرى نواجهها في كل يوم وفي كل ساعة تتجاوز خطر الطائرات بكثير ومع ذلك فإننا لانرتاع لتوقعها ولانحس بها.. صحيح أن احتمال الخطر وارد ولكنه احتمال ضعيف للغاية بشكل لايجوز معه أن نعطل حياتنا ونوقفها على هذا الاحتمال !. نظر حسن في عيني صديقه سالم وقال متابعاً: .. ياصديقي! إن احتمال أن تصل إلى حبل المشنقة ظلماً بسبب جريمة ليس لك فيها ناقة أو جمل هو احتمال يقرب من الصفر.. قم تحقق من الأمر بنفسك !. اطرد القلق وانظر إلى الحياة نظرة عملية.. اعمل رجل إحصاء يوماً واحداً .. واعمل رجل تأمين يوماً واحداً.. وتحدث معي في اليوم الثالث..،، وستكون شخصاً آخر في اليوم الرابع !.. الرؤية الخامسة عشرة حساب النفس ! لو أن موظفاً لديك يعمل لحسابك، أفلا تضع له برنامج عمل يومي وأسبوعي وشهري ؟ أفلا تخطط له عمله وتبرمجه وتراقب تنفيذه ثم تحاسبه في آخر النهار أو الأسبوع أو الشهر؟ بالتأكيد ستفعل، وإلاّ فإنك لن تكون صاحب عمل ناجح وتخسر في النتيجة مالك وجهدك !. طبق هذه النظرية البسيطة على نفسك !. أنت صاحب العمل وأنت العامل المنفذ !. برمج نفسك وحاسب نفسك..بهدوء وبدون قلق. اكتب على الورق. قل إنك في هذا اليوم ستحلق شعرك، وتحضر موعدك، وتنقل بضاعتك من المستودع، وتدفع المستحقات التي عليك، وتستوفي سنداتك، وتراجع مصرفك، وتفاوض فلاناً بشأن القضية الفلانية، ثم تأتي لزوجك بهدية، أو تتحدث مع رحمك، وتلتقي مع بعض من زبائنك بعد الظهر، أو تتصل بمزودي ورشتك بالمواد أو بمروجي صناعتك.. إلى آخره.. نظم دفتر هواتفك، ودفتر حساباتك، ولا تكوم الأوراق على طاولتك بدون مبرر. حذ الأمور بثبات وصبر وابتسامة ! لاتؤخر عملاً إلى الغد تستطيعه اليوم، فلكل يوم أعماله التي يجب أن يتم إنجازها !. اجلس مساء مع نفسك وحاسبها. قل إنك أنجزت برنامجك كله أو جزءاً منه وتذكر أنه ليس كل ماتم إنجازه تم بالطريقة الأفضل.. فربما كانت هناك طرق أفضل للإنجاز، ربما كانت هناك أخطاء.. دوّن ماأنجزته بالطريقة الأفضل وكذلك ماأنجزته بطرق ناقصة أو خاطئة، وقل في نفسك أنك ستعتمد هذه الطريقة الأفضل، وستتجنب الطرق الخاطئة وستعدل مسير الطرق الناقصة.. وقل لنفسك أن أداءك في اليوم التالي سيكون أفضل !. لقد تعلمت ما جاء في هذا الفصل من صديق عاش عندنا في بلد الغربة بضع سنوات، وتحول من شاب هدت أسرته الحرب الأهلية في لبنان، كما قوضت أعمال والده تماماً، تحول من شاب يتلمس طريقه إلى رجل أعمال ناجح ونظيف في نفس الوقت.. سمير رجل يبرمج نفسه ويحاسبها كل يوم كما لو أنه كان موظفاً عند نفسه !. رأيته يسجل لكل يوم برنامج عمل ، ربما يخرج عن البرنامج قليلاً ولكنه غالباً ماينجز الأعمال أو معظمها. رأيته يسجل كل قرش يصرفه أو بحاجة لصرفه. رأيت طاولة عمله نظيفة مرتبة دائماً وكان لايقبل أن تكون هناك ورقة واحدة مائلة ولا أن تكون هناك أشياء مبعثرة لاضرورة لها. أذكر أنه دعاني أكثر من مرة إلى بيته على غداء أو عشاء فكنت أرى العجب في دقته في كمية الطعام المقدمة ونوعياتها، فهي ذات نظام مرسوم، ليس فيها هدر ولاشح، ليس فيها تنوع مفرط ولانقص ملفت.. كانت وجبة الطعام كما يجب أن تكون.. كما كان وقته مرتباً كما يجب أن يكون. رأيته أكثر من مرة يجلس مساء ليستعرض دفتره الصغير، ويستعرض كل نقطة خطط لها، يستعرض ماتم إنجازه وكيف تم، وعلى أية صورة كان يجب أن يتم. كان يمكنه أن يشتري سيارة لكنه لم يفعل لأنه لم يجد الضرورة الماسة لذلك، فقد كان عمله قرب بيته مركزاً معظم الوقت في مكتبه.. حسب أنه لم يعد بحاجة للمظاهر الكاذبة التي تؤثر على ميزانيته وعوده لم يشتد بعد. في نفس الوقت لم يحرم طفليه وزوجه متعة الخروج والتسلية في الوقت المناسب، فقد كان يضعها ضمن برنامجه ونفقاته أيضاً. انتقل صديقي بمرور الوقت إلى شركة ناجحة ثم إلى أخرى في منطقة شبه صحراوية، وبسبب برمجيته تلك لفت نظر الشركة إلى مصادر جديدة للعطاء والإنتاج.. ولم يمض وقت طويل قبل أن يصبح مديراً لتلك الشركة. قلت لصديقي هنيئاً عندما التقيته بعد بضع سنوات وهو يمثل إقليمياً شركة عملاقة من أشهر الشركات الناجحة.. صار موضع ثقة، وأجره يزيد عن أي أجر يحلم به أي موظف أو مندوب.. لقد ترك سمير أثراً طيباً لدى كل من تعاملوا معه وعاشروه، فأصبح الحديث عن إنجازاته ونجاحاته وسمعته الطيبة أمراً شائعاً .. أنا شخصياً أحببته وتعلمت منه.. فهو بدل أن يحتويه القلق احتوى هو القلق وحوله إلى إنجاز.. الرؤية السادسة عشرة تجارب الحياة ! أعتقد بوجود فرق واضح بين الإصرار والعناد. الإصرار يعني الدأب ومتابعة الأمور والمثابرة على مايعتبر أمراً حسناً ومطلوباً.. كالإصرار على النجاح في شأن من شؤون الحياة، هو مطلوب النجاح فيه أساساً. والإصرار مطلوب أيضاً كي لايضيع حق وكي لايعلو باطل. مفهوم الإصرار مفهوم إيجابي في مجمله وهو سمة من سمات الإنسان الناجح... أما العناد فهو التجمد عند موقف سلبي في الغالب، بغض النظر عن المعطيات والوقائع والمتطلبات التي تبرر تعديل الموقف إلى مرونة إيجابية. لقد تم استخدام كلمة العناد مؤخراً بمفهوم إيجابي أو يرمي إلى إيجابية ما من قبيل التوقف عند المبادىء والتصلب والصلابة فيها. أما نحن في هذا الكتاب فإننا نأخذ كلمة العناد على أنها تعني التوقف عند موقف سلبي والتصلب فيه والمكابرة دون رؤية موضوعية ومرنة لما يدور من أمور. بهذا المفهوم يكون الإصرار رفيقاً للنجاح والعناد رفيقاً للفشل. يقول علماء النفس إن هناك تمركزاً شديداً حول الذات يتقمص الطفل وهو في سن الثالثة أو الرابعة.. فهو يرى العالم كله من خلال ذاته ورغباته ويرى أن كل شيء تحت نظره هو ملكه وحده .. وهو يعاند في ذلك ويشاكس ويتمسك ويحتج .. كما أن علماء النفس يرون أيضاً أن المراهق معاند بشكل عام وكثيراً مايلجأ إلى نقيض مفاهيم الذين أكبر منه سناً لاعتقاده أنه بذلك يثبت وجوده. ونحن غالباً مانلاحظ تكثف العناد لدى الإنسان خلال مرحلتيه المذكورتين آنفاً أكثر من المراحل الأخرى في حياته. هذا في مجمل الأمور في طبيعة الإنسان !. لكن... لكن مابالك في الذين يرون الكثير من الأمور على هذا النحو ؟!. مابالك بالذين يرون رؤيتهم الأنانية في أن يتجاوزوا مايحق لهم لما يحق لغيرهم .. ألا يشبهون في ذلك موقف ابن الثالثة في رؤيته لمايحيط به ؟!. ثم ألا ترى معي أن وجود مثل هؤلاء الأشخاص يعني حتمية الصدام الاجتماعي ؟! ثم ماهو الفرق بين الشخص المعاند المشاكس على عدم دراية في أمور هي خاطئة بانظرة الشمولية، وبين المراهق الذي لايرى إلا رؤيته ولاينصف إلا موقفه ولايبرر إلا سلوكيته ؟!. إنني أعيش في قبرص، وهي جزيرة متوسطية سكانها مابين المليون ونصفه. كانت هذه الجزيرة لاتعني شيئاً بالنسبة للكثيرين إلى أن تحسنت أحوالها الاقتصادية في السبعينات والثمانينات والتسعينات بسبب ازدهار المواسم السياحية على الغالب. إنني كثيراً ماكنت أتحدث عن هذه البلدة الهادئة وطيبة أهلها القادمين من الجبال والأرياف، لكن الصورة تغيرت نسبياً خلال أواخر التسعينات ونهاية القرن العشرين.. لقد ظن الكثيرون أن الدنيا أصبحت ملكاً لهم بسبب الغنى أو سيولة المال لديهم، فأضحوا معاندين على الخطأ. إنني أعتقد بوجود قضية اجتماعية تبرز على السطح وقد تنذر بعواقب وخيمة, وأنا لن أتحدث عن عشرات الظواهر السلبية بل عن اثنتين فقط يعرفهما كل من يعيش على أرض هذه الجزيرة.. أولى هاتين الظاهرتين هي ظاهرة القمار.. تحرم القوانين القبرصية فتح نواد للقمار ومع ذلك تجد في كل حي تقريباً منزلاً عتيقاً أو شقة مهجورة أو منتدى شكلياً يمارس فيها المقامرون قمارهم.. ورغم أن القبارصة بشكل عام يحبون العمل ويتباهون به وبمنجزاتهم إلا أنك بدأت ترى مؤخراً القمار مستمر حتى في الساعات الصباحية أي أوقات العمل الفعلي.. بدأت ترى الذقون وقد تراجع الاهتمام بها ..والوجوه تبتعد عن النظافة.. بدأت ترى روائح السجائر المخمرة تعشش في الجلود وفي الثياب.. بدأت ترى التأفف والضجر والاصفرار على وجوه مرتادي تلك المحلات وقد كانوا قبل سنوات مثالاً للعمل والتألق.. أصبحوا كثراً.. صاروا يضعون حارساً عند الباب يجلس على كرسي أو يتمشى بصفة المتسكع لينبههم عند قدوم رجال الشرطة المكلفة بمنع أوكار القمار هذه.. لكن المسيرة مستمرة ، والمقامرون يتزايدون وقد أضيفت لهم العناصر النسائية الرخيصة الحالمة بالمال. عدد سكان مدينة مثل نيقوسيا أقل من مائتي ألف رجالاً ونساء وأطفالاً والساكنين في دور العجزة أيضاً .. وعدد المقامرين، بأشكالهم المختلفة، يتجاوزون عشرات الآلاف. ولقد ازدادت نسبة المقامرين بعد صعقة سوق الأسهم التي جمعت الأموال في أيدي قليلة، ربما بضعة مئات من الأشخاص، والبنوك. إن انهيار سوق الأسهم القبرصية الذي جاء مع مطلع الألفية الثالثة كان سبباً من أسباب البحث عن المال بطرق الحظ والصدفة والقمار.. لقد أصابت حمى الأسهم قبرص فترة من الزمن، وجاءت سلبياً في النتيجة على الاقتصاد وعلى الإنسان القبرصي، وبالتالي رفعت نسبة التوتر.. وأدخلت القلق في كل نفس. خرج السيد كوستاس متأخراً هذا اليوم الاثنين، واذي هو يوم يتميز بالنشاط في العادة، خرج حوالي الساعة الحادية عشرة من منزله في ضاحية لاكاداميا، واتجه مباشرة إلى منزل منزو في منطقة كايماكلي في نيقوسيا، حيث كان القادم الأول إلى داخل الغرف العتيقة التي أضحت مجبولة بروائح الدخان والمشروبات وعرق القابعين على الكراسي الخشبية يصارعون أوراق العلب المتقلب في الأيادي. جلس السيد كوستاس على كرسي خشبي يموء كلما تحرك ، ونادى خريستوليحضر له السيجارة والبيرة والسندويتشة.. وتأفف إذ لم يحضر أحد بعد ينازله القمار، وينادمه في وصلاته الغنائية القبرصية الشعبية القديمة، أو يبادله كلمات القذارة المألوفة لديه. تهلل وجه كوستا لدى رؤيته أول القادمين، ولم ينتظر طويلاً ليتحسس أوراق اللعب والجنيهات الخمسين القابعة في جيبه !. هذه هي قصة بضعة آلاف من الشباب وأرباب الأسر في مدينة صغيرة هادئة جميلة مثل نيقوسيا... عندما يجلس المقامر إلى طاولته، وعندما يكسب، وهو في الغالب خاسر، ودائماً في النتيجة خاسر، فإنه يعاني قلقاً لاأول له ولا آخر.. وهؤلاء المقامرون ينتهون في الغالب نهاية مبكرة مليئة بالأوجاع النفسية والجسدية ويصبحون عالة على المجتمع بدلاً أن يكونوا عونا له. ..أما الظاهرة الثانية التي اجتاحت البيوت القبرصية وهزتها من جذورها فهي ظاهرة الدعارة !. دأب القبارصة خلال تاريخهم على التمسك بأخلاقياتهم التي بنيت على الدين والأرثوذوكسية ، وعلى المثل الإجتماعية المتوازنة؛ غير أن موجات التأثير الإعلامي الرخيص، ثم محاولاتهم الدائمة للتشبه بتوافه الآخرين، ثم الغنى المستجد الذي أصابهم، وأخيراً موجات الجميلات القادمات زرافات ووحداناً إلى شواطئهم الجميلة ومواخيرهم الكثيرة..تلك الموجات حركت فيهم الرغبات العميقة لاقتناص اللحظات العابرة والشد والاسترخاء في أحضان غادات روسيا ورومانيا وبلغاريا.. وحتى الفلبين. دخلت إلى قبرص أموال شرعية وغير شرعية، ودخل إليها ممتهنات الدعارة ، الطويلات الجميلات الفاتنات البيضاوات.. فاتخذ بعض القبارصة القوادة مهنة لهم، وأصبح الرجل القبرصي يحلم بتلك الفتاة التي رآها تتمشى بنصف بنطال قصير، أو ببنطال أبيض لاصق، أو بلا قماش ظهر وبطن..أين زوجه المكورة ثخينة الكرش والأرداف والحواجب منها ؟!. لو قدر لك أن تزور إدارة الهجرة والجوازات في نيقوسيا، أو ليماسول، لهالك عدد الرجال القبارصة الهرم الذين يتوسطون ويتواسطون من أجل حسناء روسية رومانية فلبينية يصاحبونها أويتزوجونها..لو قدر لك أن تجلس مع عدد من نسوة قبرص لهالك ماتسمع من حديث رحيل الأزواج عن بيوتهم وأولادهم، وعن تفكك العوائل، التي كانت فيما سبق مضرب مثل باللُحمة والقوة حيث كان المثل عندنا يقول: (مثل الزواج القبرصي..). التقيت مؤخراً بامرأة قبرصية كانت تعتبر جميلة بالنسبة للداتها، ولها طفلان، زوجها مهندس، وفوجئت بأن ذلك الزوج ترك زوجه وطفليه إلى فتاة رومانية واختفى من حياة أسرته.. كم يعاني الرجل من قلق وهو يخطط لهجران بيته وأولاده من أجل أحضان امرأة جميلة ؟! كم تعاني المرأة وهي ترى مايحدث طعناً في كرامتها وأسرتها ؟! كم يعاني الأطفال.. وكم يقلق الجميع ؟!. في كل الأحوال، هاتان الظاهرتان، وظواهر أخرى قد تصيب أي مجتمع أو أي شخص عادي، أفلا تدعونا للتفكر والتعلم منها؟ إذا كنت أرى المقامر يعاني مايعاني، ويخسر بالنتيجة ماله وصحته وصحبة عمره، فلماذا أتبع طريق القلق الذي اتبعه هو ؟! وإذا كنت أرى الباحثين عن لذاذات صغيرة يجدون في النهاية أنفسهم غارقين في قلق مؤلم بلا لذائذ، فلماذا أتبع نفس الطريق؟!. إذا كنت أرى من يسرع بقيادة عربته يعاني الخطر والتوتر، فلماذا أسعى إلى ذلك ؟ وإذا كنت أرى المدخن يلوّن سعاله بآلام ناشزة فلماذا أقلده في فعلته ؟ وإذا كنت أرى صديق السوء لايجلب إلاّ السوء، فلماذا أجاريه؟ وإذا رأيت أن ثرثرة فلان لم تجلب له سوى تحقير الناس له فلماذا أكثر أنا من الثرثرة ؟ وإذا كنت أرى الناس لا يصغون للصائح النائح بل إلى للهادىء المتزن، فلماذا أفعل مثل الأول ولا أتبع سلوك الثاني ؟ لماذا لاأستفيد من تجارب الآخرين ؟ لماذا أعاند ؟ لماذا أكابر ؟
يقول المثل: ( لايتعلم المرء إلا من كيسه ! ) فهلاّ خرجنا عن هذا المثل الذي غالباً مايكلفنا الكثير.. هلاّ خرجنا وتعلمنا من تجارب الآخرين وجنبنا أنفسنا الكثير من القلق والخسائر، وإلا فمافائدة دراسة تجارب من سبقونا وما فائدة دراسة التاريخ ؟!.
الرؤية السابعة عشرة سجاياك ! (وحيد) رجل عادي بسيط لايختلف عن باقي الباشر. هكذا كان يظن، وهكذا عاش بقناعاته ردحاً طويلاً من عمره . أحس بالملل ذات يوم فاتجه نحو بساتين القرية التي عاش فيها حياته من أجل أن يتريض ويستنشق بعض الهواء المنعش النظيف محدثاً نفسه متسائلاً لماذا لايقلد فلاناً الذي اغتنى ؟ ولماذا لايعمل مثل فلان الذي أصبح صاحب مركز مرموق ، أو فلان الذي أصبح شهيراً ؟ لماذا نصيبه من الدنيا أقل من غيره ؟!. كان يحس وهو على الطريق أنه فاشل قلق متوتر لاجدوى منه فهو لم ينجح مثل فلان أو فلان أو فلان.. لم يستطع أن يقلد أحداً في طريق صعوده سلالم المجد والجاه والغنى !. كان يرى في فلان أو فلان أنموذجاً يجب أن يحتذى فهو مرموق من كافة الجوانب.. عمل مثله قبل عامين، لبس على طريقته، وتحدث على شاكلة صوته، وقلده في كل الأمور.. حتى أنه بدأ يزور الآخرين محاولاً صنع مايصنعه فلان ذاك، عير أن النتيجة أصبحت أسوأ من الأول.. مما حمل قلبه وجوارحه عبئاً جديداً أكثر سوءاً وأدى إلى أن أقعده الفراش !. ههو ذا يغادر حواشي بلدته متجنباً الآخرين..يحدث نفسه بصوت مسموع مثل هذيان مريض في حالة حمى إلى أن أقعده الإرهاق تحت أشجار قصية قريباً من منبع الجدول الذي يسقي نباتات البلدة. رقدحزيناً مهموماً وراح في غفوة عميقة لساعات. لابد وأنه رأى حلماً ، هكذا أحس، لكن الحلم ذهب منسياً لم يعد يذكر أية تفاصيل له، إلا أنه كان يحس ببعض السعادة والأمل.. |