عودة لصفحة الأدب

خارطة الموقع

      أرض ُ الأقحوان New جديد
لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان

الشوك في الصدر

القسم الأول   القسم الثاني    القسم الثالث

مقدمة:

§   بعد رحلة طويلة في الحياة (هي ليست طويلة لكننا نظنها كذلك), وبعد أن مارست العديد من مجالات العمل، وعاشرت الكثير من أنواع البشر وعشت آمالهم وآلامهم.. وبعد أن أجريت العديد من المقارنات وكتبت بضعة أعمال أدبية, وجدت في أعماقي إحساساً قوياً يدفعني لإنجاز عمل مبسط وسهل كهذا يخوض في موضوع شديد الأهمية والتعقيد نظراً لاتساع اسقاطاته وآثاره.

§   من أجل إنجاز مثل هذا العمل كان لابد من مطالعة الكثير من الأعمال التي تُبيّن مختلف المواقف من الحياة لدى مختلف الشعوب والمعتقدات. عندما بدأت تلك المطالعات لم يكن في خلدي أنني سأستغلها في كتابة مثل ما بين يديك, غير أن إحساسي بإمكانية الاستفادة العامة منها موجودة بل وملحّة، ولذا  فقد كان لزاماً علي أن أجلس وأكتب, وأستعين بحصيلتي دون الرجوع إلى مراجع محددة أكتبها لائحة أتباهى بها في آخر الكتاب, وبذا أكتفي بلغتي وتجاربي اليومية العادية أقدمها مبسطة لكنها تتعمد الواقع والحقيقة.

      إنني بالطبع أدرك مسؤولية الكلمة والنصائح التي أقدمها, وأنا أيضاً لا أدعي العلم المطلق, بل إنني أضع  كل ما جاء في هذا العمل نقاطاً للرد والنقاش, علّنا نصل بالفعل إلى ما يفيد الإنسان!!..

أنا بانتظار ومتابعة كل مايتعلق بهذا الموضوع, حتى لو بقيت باقي العمر أبحث فيه.. فأنا أحس أن القضية هامة وستبقى كذلك دائماً..

          ÷÷÷÷÷÷

القسم الأول: 

1- أنا وقلبي:

      عندما تجاوزت الخمسين..

الدنيا صيف قائظ. العام هو 1995 والقرن العشرون يقترب من نهايته. قال جدي ذات مرة إنها (أي الدنيا) تؤلف ولا تؤلفان قاصداً من ذلك أن نهاية العالم ستكون قبل عام الألفين بناء على ماورد في كتاب أصفر قديم اسمه (الجفر).

تراكمت الهموم حولي وفي داخلي سنوات طويلة, فبعد آمال الصبا في حياة ناجحة رغيدة, وفي أحلام خاصة بقضايا العروبة لم تتحقق.., وبعد سنوات طويلة من الجهد المستمر ضمن شكوك في اليوم التالي والكثير من تراكمات اليوم السابق, وبعد التكسر المتكرر على صخور وأهواء الآخرين في قضايا العمل والنجاح المادي والمعنوي..

وبعد وفاة أبي ومرض أمي وتراكم الديون, وبعد غش من صديق, وبعدامتلاء الجوف بالغيرة والشكوك والحيرة والخوف مما حدث ومما يمكن أن يحدث, وإثر تضافر كل السلبيات جلست أدخن عصر ذلك اليوم الصيفي القائظ بشراهة .. السيجارة تلو السيجارة.. إلى أن شعرت بأنني غير مستقر على الأرض, وأن شيئاً هاماً على وشك الحدوث..

مادت الأرض من تحتي وشعرت بشدّ وألم في كتفي حتى الساعد وبضغط يتزايد على صدري.. تسارعت أنفاسي إذ عرفت أن الأمر غير عادي فطلبت ممن كانوا حولي أن ينقلوني  إلى عيادة أخي الطبيب على وجه السرعة !!

      كنت أحس بأنني سأغيب مع المغيب, ولكنني في نفس الوقت أجاهد متشبثاً بالحياة, إلى أن مضت نصف الساعة مابين المنزل والعيادة في مدينة التل التي أنتمي إليها..

      قاس أخي ضغط الدم , ثم أعاد القياس غير مصدق, وبمعرفة الأعراض امتقع لونه, فأعطاني مايخفض الضغط إلى أن يتم نقلي إلى مستشفى التل.. انخفض الضغط فجأة بشكل كبير ..وإلى أن تم نقلي إلى المستشفى كان قد تجمع حولي عدد من الأطباء واختصاصيي القلب.

      لهذا المشفى مكانة خاصة في قلبيَ المجهد, فقد بناه أهل البلدة على العظم قبل عام 1967 , وكنا نتردد عليه صبيةً تلامذة نراجع دروسنا. تحول بعد ذلك إلى أحد ملاجيء النازحين. ثم وفي النهاية تُمّ إكمال تشييده ليصبح مشفى مجانياً لكل أبناء المنطقة.

من المفارقات الطريفة التي لاأنساها،رغم أنهم كانوا يحملونني على أدراج المشفي في حالٍ هي على الجسر مابين الحياة والموت, وضمن أحمال صدرية وأنفاس لاهثة مترددة سريعة حيث يكاد تشبثي بالحياة أن ينفلت.. من المفارقات أن الشاب الذي كان يجهد في حملي، وأنا ثقيل الوزن نسبياً ، كان ابن الصديق والزميل والقريب الطبيب الراحل الذي ارتحل عندما كان في الثلاثين, أي منذ حوالي ربع قرن.. ذلك الشاب الذي كان سميّ أبيه (نزيه) كان يجهد في حملي بقوة وصبر عجيبين, وكأنه يسدّ الدّين الذي عليه بدلاً من أبيه في يوم كنت أحمله فيه مع غيري إلى قبره وقد كانت غيوم السماء تبكي.

                            مددوني على السرير ووضعوا كمامة الأكسجين على فمي وأنفي, وراحوا يتحركون بسرعة في إجراءات لم أفهم كثيراً منها. كان إلى جانبي عدد من الأطباء الذين هم من جيل أخي طبيب الأطفال, وكان اثنان منهم من اختصاص القلبية..

 في الأيام القليلة التي قضيتها في المشفى رأيت الدنيا رؤية جديدة. رأيت المسافة بين الموت والحياة قصيرة كما أيقنت أن الهروب من الموت في الحياة أمر مؤقت. . وأن الموت ليس أمراً صعباً بل إن مايسبقه هو الأمر الصعب.

رأيت أن الوقفة بين الفينة والفينة من أجل رؤية جديدة للحياة والموت أمر ضروري وخطير في تقرير مصائرنا وسعادتنا في الحياة.. وربما في الموت أيضاً.

لم تكن غرف المشفى ولا ممراته ناصعة تفوح منها رائحة النظافة والجمال..لكنها مع ذلك كانت أماً حنوناً, هكذا أحسست بها, وأحببتها , وأحببت المجند الذي سهر معي الليل بطوله يلبي احتياجاتي اللجوجة والمقرفة أحياناً..

في تلك الليالي نام أخي الطبيب مستيقظاً بجانب سريري, وأحسست بقرب أكثر لأمي وإخوتي وزوجي وأولادي الموجودين في بلد الغربة, كما أحسست بالقرب من أبي المتوفى حديثاً..

أحسست بحب الآخرين وخوفهم..

      وكان هذا هو الدواء الأول...

      زرت بعد بضعة أيام من الأزمة الدكتور محمد صديق أخي, وهو اختصاص قلبية من فرنسا, الذي أبدى اهتماماً وحبًا واضحين. خطط الدكتور محمد ذبذبات قلبي بهدوء وتؤدة واهتمام, وفحصني بكل مايمكن أن يفحص به طبيب مريضه في عيادة.. فحصني وأعاد فحصي باهتمام واضح, ثم نظر إليّ وأنا ممدد, وكنا وحيدين, ثم قال:

- والله ياأبا خالد, لو لم أكن أعرف أنك عانيت أزمة قلبية ذهبتَ بسببها في حالة إسعافية لغرفة الإنعاش, والله لو لم أكن أعرف هذا لقلت إن قلبك لم يعان أبداً من أزمة ما ولايمكن أن يكون قد عانى !!.

2- الإسباب:

      أثارت كلمات الدكتور محمد في داخلي أسئلة كثيرة..

إذا كان كلامه صحيحاً فما الذي حدث إذن ؟؟.

أحببت أن أتأكد من أن قلبي بالفعل صحيح معافى !.. أو أن الدكتور محمد على خطأ..

حملت معي أدوية القلب حيثما تنقلت, إذ لم أكن أجرؤ على التخلي عنها, وكنت أضع منها تحت لساني كلما أحسست بازدياد ضربات قلبي أو الإحساس بعدم الإتزان فأعاني من الصداع المعروف في مثل هذه الأحوال..

وكما يحدث الزلزال الرئيسي ثم تلحق به توابع عدة, كذلك حدث الأمر معي..

.. فخلال إقامتي في قبرص, والتي أعيش فيها حالياً, قضيت صيفاً حاراً مع أسرتي في مدينة لارنكا الساحلية قرب مصفاة البترول القبرصية.. وفي نهاية الأسبوعين وأثناء العودة إلى المنزل في نيقوسيا توجهنا إلى المشفى العام بدل المنزل بسبب ظواهر أزمة قلبية جديدة..

      قضيت في مشفى نيقوسيا المركزي أسبوعاً كاملاً تحت الدراسة والعناية ، إلى أن قال لي الطبيب المشرف هذه العبارة التي أحببتها: أنا لاأعرف لماذا أنت هنا !!  وكانت هذه الجملة بمثابة نبض تناغم مع كلمة الدكتور محمد في التل الذي لم يصدق أن ماحدث قد حدث لي بالفعل ..

خرجت من المشفى والأطباء في حيرة وهم يحمّلونني بالمخططات والصور والتقارير ووصفة دوائين أولهما لتنظيم الضغط والنبض وليونة الشرايين, والثاني لمعالجة حموضة المعدة..

تابعت حالتي ودأبت على عمل التحاليل المخبرية باستمرار, وفي كل مرة كان يتأكد أن قلبي في حال جيدة، بل ممتازة من الناحية الطبية..

ماالذي حدث وأين الحقيقة ؟؟!!.

      في عودة مجددة إلى بلدتي التل درست وضع قلبي مع أخي الدكتور غالب الذي قرر أن يستشير عدداً من زملائه الاختصاصيين بعد أن نلتقي بهم. التقينا بالفعل بمجموعة الأطباء دفعة واحدة: أخي وطبيب القلبية والهضمية والطبيب العام. تمحّصوا بالتحاليل وقاموا بالفحوص الدقيقة كل بدوره، وكنت أمامهم كأنبوب اختبار يجرون امتحاناً عليه..

خلص طبيب القلبية إلى القول إنه يجزم بعدم وجود آفة قلبية، وهو من طرفه لايعتبرني بحاجة إلى أي نوع من المعالجة !.

أما طبيب الجهاز الهضمي فقد تابع تدقيقه وطلب مني تكرار زيارته لمتابعة الحالة.. وقرر أخيراً أن أتناول دواء بسيطاً يتعلق بالقناة الضمية ومضاداً للحموضة ، وأوصاني أن يكون طعامي خفيفاً وأن يكون عشائي باكراً , وأن أبتعد عن القلق.. وكرر هذه الأخيرة عدة مرات..

3- تعريف:

       أيها السادة إنه القلق !!

تخيلت نفسي أقف أمام ملايين البشر أخاطبهم بكل جوارحي قائلاً : إنه القلق، إنه القلق ..!

أجدهم يهمهمون ويستغربون ويتساءلون ويسخرون.. لكنني أبدأ بتجربتي الخاصة, ثم أزور عيادات أطباء النفس ، ثم أنتقل إلى المحاكم.. ثم إلى البيوت المغلقة فأرى قضايا شائعة أكثر خطورة من السرطان والكوليرا والإيدز والطاعون..

      وصلت في عام 1540 ميلادية سفينة قادمة من الشرق الأقصى إلى الشاطيء الإ يطالي . رست السفينة ببحارتها المصابين بتقرحات تحت الآباط وبذهول الموت الآتي من الطاعون.. هربت جرذان المركب إلى المدينة..تفشت العدوى ومات الكثيرون إلى الحد الذي بقيت فيه جثث في الشوارع والحواري أو تم دفنها في مقابر جماعية..

ربما كان هذا الوباء هوالأكبر والأوسع والأطول في تاريخ البشرية، وربما قتل من البشر وسبب من الآلام مالا يمكن حصره، ومع ذلك، فإذا أمعنّا النظر جيداً لوجدنا أنه ليس أكثر سوءاً من القلق !!

       قد يبدو هذا الكلام مجافياً للواقع، لكن أفظع الحقائق قد تكون أمام أنظارنا ولكننا لانراها.

عندما تحدث إصابة في الكوليرا مثلاً في بلد ما فإنه يتم تبليغ منظمة الصحة العالمية ويتم استنفار القوى الطبية والإعلامية والأمنية، ويتم فرض حجر صحي بإجراءات صارمة لمنع تفشي الوباء. بالطبع لاأرى إلاّ أن كل ذلك مشروعاً بل وضرورياً وهاماً ويجب شكر السلطات الصحية على ذلك.

ولكن هل عرفنا – وهذا مايعترف به الأطباء أيضاً – أن معظم الحالات المرضية سببها القلق ؟  هل عرفنا أن القلق أمر منتشر بين أكثر من سبعين بالمائة من البشر ؟ هل عرفنا أن القلق سبب هام وخطير للجرائم المروّعة ؟ هل عرفنا أن القلق سبب رئيسي لأخطر الأمراض مثل أمراض القلب والجلطات الدماغية؟ هل عرفنا أن القلق يؤدي إلى تفاقم الحالات المرضية ويقف عائقاً ضد الشفاء؟ ..

إن القلق هو الآفة الأولى التي تقبض على عنق الإنسان في كل الأزمنة وكل الأعمار ولدى كل الشعوب..إن القلق هو الأب الشرعي لمعظم الأمراض النفسية ، وهو قد يقود للاكتئاب الذي يعاني منه أكثر من ثلاثماية وخمسين مليوناً من البشر.. وإلى أمراض القلب التي يعاني منها أكثر من ذلك العدد، وإلى أمراض أخرى تزيد في مجموعها عن ألف مليون..

       لو اعتبرنا القلق حالة نفسية مظهرها التوتر ومضمونها الخوف مما قد حدث ومما قد يحدث، فإننا نكون قد أصبنا بعض الحقيقة وليس كلها.. وفي كل الأحوال لن نصيب كل الحقيقة إذ ان القلق حالة في غاية التعقيد. في اعتقادي أنه كلما تعمقنا في دراسة هذه الحالة وجدنا أن العوامل الباعثة عليها كثيرة وخطيرة، وأن النتائج المنبعثة عنها أكثر وأشد خطراً .. وفي محاولة لتبسيط حالة القلق كما أفهمها فإنني أجزيء الحالة إلىثلاثة مستويات:

1-      فالقلق حالة نفسية كما أسلفنا، تتميز بمستويات مختلفة من التوتر تترافق وتتوازى مع شدة الحالة وتأصّلها وتجذّرها لدى الأعماق النفسية وبالذات لدى العقل الباطن الذي يتكتم عنا سوءاتنا.

2-     لكن القلق حالة عقلية أيضاً، فالعقل ومنطقه يصبحان في حالة هروب وتناوم، أو حتى هيجان.

يصبح العقل والمنطق نتيجة لذلك في حالة عجز عن السيطرة على الوضع النفسي. كثيراً مايصبح الوضع النفسي في حالة انفلات وانفلاش غير قابل للو ضع تحت السيطرة العقلية والمنطقية.

لو قمنا بمتابعة هذه الحالة الانفعالية التي تتسم بمظاهر القلق من التوتر والهيجان والاضطراب الخارجي والداخلي، لوجدنا أن الحالة بمجموعها في معظم الأحوال لايحكمهاعقل أومنطق ولا يبدو لها مبرر على الإطلاق، رغم أن الشخص الواقع تحت تأثيرها يسوق لها الكثير من المبررات، أو بالأحرى يبتدع لها تلك المبررات التي غالباً مايكون مبعثها تجارب سابقة أنشأت وأشادت في أعماق النفس مخاوف تزايدت وتضخمت مع الأيام بحيث غلفت العقل والمنطق بغلاف من الريبة .أما حالة الهيجان التي قد ترافق القلق أحياناً فربما تكون سبباً آخر يضاف لأسر العقل ووضعه في حالة شلل!.

3-  لايكتفي القلق أن يقف عند حدود النفس والعقل، بل،  وبالضرورة، يصبح حالة جسدية تزداد خطورتها بازدياد شدة الحالة النفسية الاضطرابية . تذهب أنت وغيرك كذلك ، تشكو آلاماً معدية أو تشنجات في الكولون وإمساكاً وإسهالاً  فيعطيك الطبيب وصفة لنوعين من الأدوية على أقل تقدير أولهما للتعامل مع الآلام  والوضع الجسدي، والثاني للتعامل مع الوضع النفسي.

لقد أقر الأطباء لحسن الحظ بتأثير العامل النفسي على الجسد فأصبحوا يصفون إضافة للدواء الكيميائي وصفات نفسية مثل التريّض ، وهي الأمور التي سنأتي على تفاصيلها في العمق لاحقاً. بتقديري أن الأطباء لم يولوا الأهمية التي تستحقها هذه الحالات الإضطرابية الناتجة عن القلق رغم شيوعها، لكن الآثار كثيرة إلى حد بعيد، فأوجاع الرأس والمفاصل والأمراض التحسسية قد تأتي أحياناً لأسباب نفسية مصدرها القلق. قد يجادل أحدهم في صحة هذه المقولات، لكن الذي لاجدال فيه أن معظم أمراض القلب والشرايين والقناة الهضمية وغيرها لها علاقة وثيقة بالقلق، وقصتي مع قلبي التي مرت ، واقعاً لاخيالا،ً تؤكد أنه ليس بالضرورة أن يكون القلق مفاجئاً بل هو ناتج عن تراكمات عميقة فأكثر عمقاً تتكاثر مع الأيام لتخلق حالة متجذرة من الروع تقفز إلى السطح بمثيرات معينة.

باختصار إن القلق هو حالة نفسية في الأساس تقوم بمصادرة ماأمكن من قدرات العقل، وتنعكس عادة سلباً على الجسد فتسبب الأمراض الخطيرة والتي يصعب على الأدوية العادية، وحتى النفسية، معالجتها إلاّ – ربما- مؤقتاً.                         

4- الخطر:

      لايعتبر القلق العادي الذي يحكمه المنطق إلا أمراً عادياً، بل قد يكون ظاهرة صحية من أجل الإبداع والإحساس بالمسؤولية وبالتالي من أجل التطور الإنساني. لكن القلق الذي نتحدث عنه في هذا الكتاب فهو القلق الذي يحكم هو المنطق  والذي يُفقد الشخصَ جزءاً من توازنه أو كلّه.

       عندما كنا نستعد لامتحاناتنا كان يعترينا قلق واضح يتظاهر عندي مثلاً بإسهال جبري .  لكنني عندما أصبح في قاعة الامتحان وأمسك بالقلم لأخط السطر الأول يتبدد القلق ويقوى مكانه قدر كبير من التركيز الذهني والجسدي من أجل إعطاء أفضل مايمكن. كما قلت هذا القلق أمر طبيعي وصحي ومفيد.

      دعنا ننسى موضوع هذا النوع من القلق، ولنتحدث  في هذا الكتاب عن القلق المرضي، إذ أن الحديث عن القلق هو همّ هذا الكتاب.

      يطال القلق معظم الناس ، ولكن بدرجات مختلفة،  حيث قد تصل الدرجات القصوى فيه إلى التقهقر إلى الداخل والانكفاء التام أو إلى الانفصام في الشخصية وحتى الجنون.. وعندها لانعود نسميه قلقاً وحسب.

      يجلس معظم الناس مستمعين لكن هذا لايعني أن كثيراً من الأفكار لاتتوارد إلى أذهانهم، لكنهم لايجرؤون على التحدث علناً بسبب تخوّفهم وقلقهم من ردود فعل الآخرين. هذا أمر شائع فالمتحدثون في جمع من الناس عادة قلّه.

إذا أخذنا فرداً معيناً من هؤلاء الذين لايتحدثون ودخلنا أعماقه وجدناه يرغب فعلاً بقول آرائه علناً لكنه لايفعل، ويفضل أن يلجأ لحديث جانبي مع شخص مجاور بعد انفضاض الجمع.

لو تابعنا حالة كهذه نجد أن بعض هؤلاء الأفراد، مع الأيام ، وبتواتر التجارب المختلفة يبدؤون بالانطواء ، ثم بالانعزال ثم بالانكفاء في المنزل ثم بالسلبية المطلقة ثم بتعمد الصمت أو تثوير الأمور والتحجج بالأمراض، التي قد تأتي بالفعل كنتيجة، ثم بالتوتر الداخلي الذي لايهدأ والذي قد ينقلب في أي وقت إلى توتر خارجي.

ربما تتطور حالات من هذا النوع، فما أكثر الذين يرتادون العيادات النفسية لأنهم قلقون من التواجد ضمن إطار اجتماعي إلى حد مرضي وغير منطقي ألبته !. كُثُرٌ من يرتادون العيادات النفسية ويكتظون بها، وهم ربما يصبحون إثر ذلك فريسة لقلق آخر ناتج عن الخوف من الاستنزاف المادي، أو من عبثية المعالجة.

أنواع القلق كثيرة وأكثر من أن يتم حصرها:

1- هناك القلق الناتج عن تجارب ماضية. تجارب ماضية يُخشى من أن تتكرر- فالذي احترقت يده من الحليب السّاخن ينفخ في اللبن الرائب كما يقولون. تجارب الإنسان الماضيةكثيرة ومتشعبة، وكلما طعن الإنسان في السن كلما تركت تجاربه الماضية بصماتها على طباعه وسلوكيته، فالرجل الأكبر سناً في العادة أكثر قلقاً فهو يحجم عن اندفاعات الشباب، فيتدخل كثيراً في شؤون أولاده ويرى اندفاعاتهم غير مسؤولة. ربما يزداد قلقه هذا ليصبح مرضيّاً فتنقلب النصيحة إلى زجر مندفع له نتائجه العصبية والجسدية، حيث ينقلب الأب إلى كتلة من القلق والآلام ويتحول الإبن إلى متمرد.

إن القلق الناتج عن التجارب الماضية أمر متسع وشامل وهام ، ولقد عرفت من كان يجن جنونه ويصاب بحالة من الهلع عندما يسمع صافرة القطار، ذلك لأنه رأى ذات يوم حادثة رهيبة له ومصرع أناس نتيجة لذلك.. كما أن هناك من لايجرؤ على النظر في الماء الراكد ذلك لأنه غرق صغيراً في بركة السباحة. قصة أخرى تُروى عن أحد أفراد عائلتي الذي رفض استمرار أبنائه وبناته في المدارس لأنها بالنسبة له أماكن فسق، حتى أنه في السنوات الأولى كان يراقب أي أثر للرقاد على ثوب البنت وأي أثر لثني الركبتين على بنطال الولد، ولك ياصديقي أن تفهم مايعني هذا.

      2- أما القلق الناتج عن الخوف من المجهول فربما يكون

أكثر أنواع القلق شيوعاً، ويأتي تحت هذا العنوان الخوف من الموت والغد والغدر والآخرين المجهولين لديه.. ومن قدره ونصيبه في الحياة.

      رغم أن العقائد الإنسانية حاولت إزالة المخاوف من المجهول ماأمكن إلا أن الاطمئنان للغد والمجهول ليس أمراً سهلاً حدوثه.!. آه لو حصلت مجاعة، كيف سأطعم أولادي ؟ آه لو وقع حادث أقعدني فكيف سأعيش نصف إنسان ؟ لو أن الحجر الذي مرّ من أمامي أصاب عيني لأصبحت أعمى !

      كلمة لو السلبية كلمة خطيرة تشيع القلق !. هناك خوف من الحروب، من حوادث الطبيعية كالزلازل والفيضانات، هناك خوف من البشر الآخرين ! هناك خوف من الفشل المادي، هناك قلق من سوء الاختيار.هناك قلق من الفشل الأسروي والفشل في معاشرة الزوجة.. كل ذلك يتحول إلى هم ثم إلى قلق ثم إلى قلق متوتر يفرز السموم..

3- هناك نوع من القلق يأتي بالعدوى..    كنت أمشي في إحدى الأسواق حيث يحاولون إعادة اللمعة والحياة للأشياء القديمة لقاء مبالغ صغيرة. نظرت في تقاطيع الوجوه الصارمة فتبينت أن سحنة كل واحد من هؤلاء تنم عن سنين قضاها أكثر مما قضى في الواقع، بزيادة أكثر من خمسة وعشرين بالمائة !

    وجدتهم لايتحدثون إلا عن شظف العيش والمرض وعن المخاوف المتعددة، حتى أنني أحسست بأن كلاً منهم يتباهى بمقدار الهمّ الذي يرافقه لمدد طويلة في حياته. أصبح هذا المجتمع الصغير مغلّفاً ومغلقاً لدرجة أن من لاهمّ له يبتدع الهم... وأن من عنده أمل ما يخبت ذلك الأمل مؤكداً عدم وجوده. وهكذا أصبح هذا المجتمع الصغير مصاباً بعدوى القلق الساكن الذي تعود العدوى إليه مجدداً كلما جاءت فرصة للخلاص منه. لقد تحول هذا النوع من القلق إلى بؤرة كامنة قابلة للتفجر أمام الغرباء. (( روح عنّا ياه ! بكفينا اللي فينا، مالنا ناقصينك ! ))

4- هناك سلوكيات وظواهر معينة تساعد عل تأجيج القلق فإذا أردت أن تزيد في قلقك فكن متبرماً وكن ملولاً وكن ضيق الأنفاس ثم أجهد نفسك وأنت قرف مما تفعل وافعل ما يساعدك على الأرق !!  كثيراً ما لانعلم أن في التبرم مايبع الأصدقاء عنّا ومايثبت في أنفسنا القلق.. يوماً إثر يوم ونحن نشكو (ونتبكبك) ونتململ، فنخسر محبينا ونغرس أعصابنا في الملح..إننا لاندرك كم أن هذه الأفكار السلبية  تزيد وتنشط قلقنا ! كما أننا لاندرك كم ان ممارسة عمل لانحبه ونحن مجبورون على القيام به يُراكِم في داخلنا  الضجر والسأم والكره والتي تفضي جميعاً للقلق.. إذا  كنت أرقاً ، وللأرق أسبابه ومعالجاته، فلتعلم أن هناك آثاراً سلبية لذلك تساعد على تراكم القلق.. .. وفي كل  الأحوال فإن خطر القلق في تنوع درجاته، وفي كونه نقيضاً للإحساس بالأمان، هو خطر حقيقي وواسع  نظراً لانتشاره، ذلك بأن لاأقل من ربع سكان الأرض يعانون من القلق ، وهذه النسبة تتجاوز كل أمراض الدنيا. كما أن  مخاطره تأتي من أنه قد يفضي إلى أمراض نفسية وجسدية وعقلية غير محددة الإطار.. كذلك فإن أخطاره تتمثل أيضاً في صعوبة التخلص منه فقد يلف شخصاً العمر كله، وهو لايكتفي بالتأثير على ذلك الشخص وحسب بل إنه يتعدى ليخلق وضعًا اجتماعياً صعباً. إن الرجل الذي يغار على زوجه إلى الحد المرفوض يعاني قلقاً مريعاً  يدفعه إلى سلوكية تتضمن المراقبة والتوهم وتحويل حياة الأسرة إلى جحيم وقد تفضي إلى القتل.. هذا مثل يمكن تكراره بالنسبة للكثير من الآفات الاجتماعية.

    رغم أن القلق لايستثني أحداً، إلا أنه غالباً مايترافق ومجتمعات الفقر والجهل والظلم والاستغلال. كما أن من المؤ سف أن نلاحظ أن معظم الدول لاتولي الاهتمام  الضروري والمطلوب بالأمراض النفسية, فميزانيات وزارات الصحة لاتعطي الاهتمام بالصحة النفسية أكثر من ميزانية لاتتجاوز 2 بالمائة !!.

5- لماذا ؟ :

      كانت دائماً لدي رغبة طاغية خلال السنوات الطويلة في التصدي لمعرفة أعماق الإنسان. قرأت في آداب الشعوب وفي العلوم الطبيعية وما وراء الطبيعية.. عاشرت الكثير من أنواع البشر، وعملت في مجالات متنوعة، قرأت وكتبت، ولكنني سألت نفسي وأنا أشرع في كتابة هذا الكتاب، لماذا أرغب في كتابته ؟؟

 لماذا أكتب في مجال لم يكن ضمن اختصاص دراستي الجامعية مثلاً ؟؟

1- قرأت الكثير عن القلق، وقلت إن مالدي من حصيلة وتجربة فيه فائدة عامة.

2-إن هوايتي في الأدب والتي رافقتني عمري كله ليست بعيدة عن آفاق النفس البشرية.

3- أدركت مدى خطورة القلق وانتشاره بين مختلف الطبقات الاجتماعية وبالتالي بمدى أهمية التوغل فيه ! .

4-أحببت أن أستفيد من تجاربي وتجارب الآخرين وأطرح صيغة سهلة صريحة. إن الذين صارحوا أنفسهم وغيرهم قلة. إنني أتوجه لأولئك الكثرة من البشر الذين يعلمون بمعاناتهم ولكنهم لايصارحون لا أنفسهم ولا الآخرين ولايقرون بوجود مشكلة يجب التعامل معها.

5-هناك سبب هام أحتفظ به إلى مرحلة أخرى من هذا الكتاب، لفائدة أتوقعها وأرجوها.

      إنني أحب أن أشير في هذا المجال ونحن مازلنا في البداية أنني لن أبتدع ماهو عصي على معرفة وخبرة القارئ الحصيف، غير أن الفائدة تتجلى في التذكير بقضايا أهملناها أو وضعناها على رف النسيان، كما أنني أرتبها , وأضيف إليها العديد من التجارب الخاصة والعامة وأبحث في رؤى وأساليب جديدة أيضاً.

       إنني لا أتمنى أن يؤخذ هذا الكتاب على أنه كتاب تسلية بل على أنه عمل ذو أبعاد إنسانية هامة وهو جسر مبسط مابين مختلف صنوف العلم والأدب يتلمس آفة واسعة الانتشار برؤية جديدة وبصراحة مطلقة !...

 

 

عودة لصفحة الأدب

      أرض ُ الأقحوان New جديد
لماذا ارتدى الناس ثيابهم؟ الطيور تستعيد ألوانها رسالة للنسيان صراخ في الحميدية حكايا تحت المنديل
رسالة إلى الزائر تسجيلات صوتية عصفورة النار السّاطور الشوك في الصدر
خارطة الموقع حقائق الحياة قالوا فيما قالوا هذا الموقع مختلف من وحي التل

adab-insan   أدب الإنسان Index الرئيسية

القسم الأول   القسم الثاني    القسم الثالث