|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الشاهدة
نيقوسيا 18/9/2002
( رغم الأثقال يبقى النبض بالآمال ! )
أنا أحب الشجرة .. وأنت كذلك .. و كل الناس.. هكذا نقول جميعاً..
و لكنك من العجب أن تحبها و تقطعها.. أن تحبها و تترك تربتها جافة.. تحبها و تترك تحتها الأوساخ أو تعبعب بين أغصانها وأوراقها الدخان.. كان جدودي يحبونها فهي الجمال لهم والخير كذلك، و لذا فقد كانوا يرعون حياتها كأطفالهم.. وفي كل صباح وفي كل مساء يرمقونها بنظرات الحب و الأمل كما يرمقون أطفالهم.. بل إنهم مستعدون للتضحية من أجلها كما يفعلون من أجل أطفالهم.. كانت الشجرة ابناً.. وكما أهملنا الأشياء الكثيرة الجميلة في حياتنا فقد أهملنا الشجرة..
غير أن الشجرة جاهدت من أجل أن تبقى حية!..
لقد بقيت، رغم قسوتنا، على حبها لنا..
حقل أبي صغير مربوعٌ، تراب مرتفع ترفعه الأحجار، مليئ بالشجر المزروع.. قبل خمسين عاماً قالت أمي ليس عندنا بيت، وقال أبي هو الأمر كذلك.. فاقتلعوا أول شجرة عتيقة، شجرة جوز عملاقة، لأنها تحاذي طريق الدواب تحت رصف الحجارة الجنبية.. اقتلعوها وقد كانت هرمة.. لكن جذورها في عام أو عامين شد فروعاً خضراً.. و بكى عندما قصوا له تلك الفروع ، فتخ ندياً في قبره..
حقل أبي صغير مربوع يتسع لبيت من حجر وإسمنت.. و ليس هناك مكان لشجر.. قالت أمي سنسكن هذه الأرض ولا نستطيع أن نترك الشجر ضمن ضلوع جدران الإسمنت فاقتلعوها.. اقتلعوا المشمش و الجوز و الرمان، اقتلعوا التين.. عشرةٌ من شجرات التين.. اقتلعوها.. اقتلعوا التربة العالية فأصلاب الإسمنت تهوى قاع الظلمة مكان جذور الأشجار.. فإما الأشجار و إما الجدران.. إما غصن التين بحليبه الأبيض، و إما الإسمنت بعصارته السوداء.. و البيت لا يستقيم إلا بالركائز في القاع، و الشجر يحب التربة، و ليس بالمقدور أن يرتوي من الإسمنت حتى لو جاع..
اقتلعوا شجر الجوز والرمان، اقتلعوا المشمش والتين.. اقتلعوا كل ماهو أخضر فالمكان ضعيف.. رحَلوا التراب إلى غير مكان.. وألقوا بثقالات الطين الأسود والأحجار وهم يزغردون.. فبناء الدار قد بدأ.. وأنا عمري سنوات.. كنت أبكي.. رحلت رفيقاتي و صارت مداساً للأقدام أو نتفاً تذروها ريح أو قطعاً مقصوصة فيها قطع أتسلقها.. أو ألمسها، تتمايل مع النسمة.. كنت آكل منها حبة جوز أو حبة مشمش أو تينات كالأعسال.. ذهب ذلك كله و لم أعد أر حولي غير الأحوال..
أخذت بقايا من مشمش و شممتها.. فيها رائحة المشمش.. أخذت قطعة خشب من جوز فيها رائحة الجوز.. أخذت غصناً مجدوعاً من أشجار التين فكان ما زال ينزف دماً أبيض.. فازداد بكائي.. وضعت دمه الأبيض بين شفتي فكان دبقاً لاذعاً..
حذرتني أمي.. لا تأخذ حليب التين في فمك.. فهو قوي يسبب الإسهال.. قلت لها و لنفسي من دون الكلمات: لون هذا الحليب التيني مثل لون حليب أمي!.. أخذت مني قطعة غصن التين و ألقت بها بعيداً.. ضحكت ثم قالت: سنعمر لك بيتاً جميلاً . ضحك أبي و قال: ستكون لك غرفة لوحدك.. ضحك الجيران و قالوا: افرح يا ولد وابحث لك عن عروس!.. قلت لهم جميعاً: - ولكن أين ستسكن الأشجار؟!..
غطى الإسمنت كل الأرض، من مقاس الصفر حتى مقاس الصفر. ارتفعت جدران الطوب الاسمنتي الرمادية.. هنا صالون وهناك غرفة الولد و تلك غرفة البنت وذاك مدخل الضيف، و هنا مجلس النسوان.. أغلقوا كل الجدران.. فالجيران عيون ثاقبة للجدران.. سافرت أنا، لا أحب بيتاً ليس فيه شجر.. أمي عرفت قلبي فعملت أصصاً من صلصال، أو من صفيح صدئ ووضعت فيها بعض الأخضر قصير العمر في الزوايا.. و قالت هذا الأخضر الذي تحب، فقلت لها إن الفرق هو كالفرق بين شجرة زيتون أبدية ووردة شوك فصلية!..
تكسرت الأصص و صدئ الصفيح و ذهبت بقايا الجذور الصغيرة في الزبالة.. و بقيت الدار بثقل الإسمنت ورائحته.. سافرت أنا.. سافرت.. وقالوا لي عبر الأسلاك.. إن أخي قد كبر فعمروا له طابقاً آخر من إسمنت.. ثم كبرأخي الآخر فعمروا له طابقاً أرضياً إضافياً من إسمنت.. و كان دوري حتى أضيف من تعبي من جني الأثمار.. اسمنتاً آخر على سطح الدار.. و أكون أنا عند السطح الرابع..
رحت أعد سطوح الاسمنت.. اسمنت في قاع الأرض غطى كل الجذور.. ثم أربعة سطوح أخرى.. و قد تعلمت في المدرسة أصول الطرح و الجمع/ فحسابي أن بين الشمس و الأرض الآن خمس طبقات إسمنت كلها ذات عظام من حديد و حجر.. عندها أيقنت أن شجرات الماضي قد باتت خارج الحسبان!..
سمعت عن حدائق على السطوح صنعية، قلت لنفسي إن لم يكن في بيتي شجرة، فليكن على سطحي شجرة.. و أخذت أحلم في الغربة.. أعود لبيتي كي أبني ليس عموداً اسمنتياً، بل شجرة.. يوماً ما سأعود.. وعلى ظهر البيت عند الطابق الرابع سأنقل تربة و سأحضن شجرة..
قالوا: أنت مجنون.. ثقل فوق السطح، و ماء و رطوبة، ثم لا تنمو أكثر من نبتة موسمية فالتربة ضحلة.. و يجب أن يتهيأ شخص ما للرعاية.. و أنت قريب بعيد!..
فقلت ماذا أفعل؟..
قالوا: لا شيئ..
قلت: والشجر؟
قالوا: تذكرها!..
قلت: لعلهم يبنون حدائق حيث كانت البلدة كلها حدائق!..
قالوا: هذا في الماضي، أما الآن فالحديقة لو وجدت فهي للاستثمار.. وضعت كفي على خدي و بكيت!..
نحن في بلدتي بناؤون.. أحفاد المزارعين، و عندما بنينا نسينا إرثنا الزراعي، فبنينا الطوب و الإسمنت عدواً للنبتة..و بدلاً من رائحة الزهر صارت أنوفنا معتادة على رائحة الإسمنت.. فتشكلت نسبة جديدة من الموتى بسبب سرطان الرئة الناتج عن استنشاق الإسمنت..
في شهر نيسان، في يوم من أيامه، في شروقه، خرجت من باب الشقة التي أسكنها.. صعدت الدرجات القليلة الباقية إلى ظهر الطبقة الاسمنتية الخامسة..
وقفت، بل انتصبت على السطح، مع بكور ذلك اليوم النيساني و رذاد يلامس شعري ووجهي والعاري من جسدي.. أحسست بنشوة.. من هناك نظرت إلى سطوح البلدة فوجدتها جميعاً غابة اسمنت، على كل سطح ترتفع الأعمدة تعلوها قضبان الحديد، كلها تمتد نحو السماء تقول إننا سنرفع و نرتفع.. سنرفع عمداناً وأسقفة أخرى..
فقلت في نفسي: إنهم لا يريدون شجرة واحدة أن تخترق قانون الاسمنت هذا.. نظرت إلى الأفق البعيد.. فوجدتها جرداء، نظرت إلى الوادي الذي كان يوماً أخضراً، فرأيت بقايا اليباس.. لم أجد مكاناً ما في البدة يعترف باللون الأخضر.. فامتزجت دموعي بالرذاذ النيساني الصباحي القادم من السماء..
إيه يا قريتي الجميلة..
إيه يا أيها التل الحبيبة!..
أين أنت؟!.. ها قد تحولت إلى غابة من الاسمنت وماتت فيك غابة الأشجار!.. إيه!..
أنا على سطح السطوح.. الأعمدة الصلبة من حولي.. آثار المداخن السوداء من حولي.. كل شيئ رمادي قاتم.. منذ الصباح الباكر أبكي.. اتجهت إلى السماء التي بدأ نور النهار يسطع فيها.. وكما لو أن شيئاً استوقفني فجأة، جمدني، وضع يدي في ثلاجة.. أوقف جفني عن الحركة وأوقف قلبي عن الخفقان..
اقتربت من منور البناء الممتد من القاع حتى السطح.. كان يحيط به جدار يرتفع.. اقتربت أكثر، فهناك شيئ يشدني ويصعقني كجذب الكهرباء وصعقها.. لقد امتد أمام عيني حتى مافوق الطوب الاسمنتي غصن تين أخضر فاقع الخضرة.. لمسته وتأكدت أنه حي قوي الحياة.. تتبعت الغصن فوجدت جذره ينغرس في كتلة طبقة الاسمنت الخامسة العليا مابين الاسمنت والبلاط في طبقة الرمل..
وجدت له فروعاً عدة، يغطي الجزء الأعظم من النور.. وجدت اليمام يرقد في عشه عند جذره.. لمست الغصن.. شممت أوراقه.. إنها نفس الأوراق ونفس الرائحة التي عرفتها صغيراً لشجرة التين العملاقة التي كانت تسكن وسط الحقل قبل كتل الإسمنت الهائلة..
بين الصبح والرذاذ والنور المنبثق وهديل اليمام.. سقطت دمعة من عيني على ورقة التين..
وقالت لي شجيرة التين المعلقة:
- أنا أريد الحياة!.. أنا أريد الحياة!.. أنا أريد الحياة..
مازالت شجيرة التين هذه المعلقة في الطابق الرابع في بيتي، هي ويماماتها، شاهدة على بلدتي.. وهي دائماً تسأل:
متى يمكن سماع شهادتها؟!..
-=-=-=-=-=-
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|